المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إشكالات حول فائدة علم المنطق



صهيب منير يوسف
14-04-2007, 22:52
بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا في تعريف المنطق بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الوقوع في الخطأ

عليه إشكالات

1 - قال العلامة العطار في حاشيته على شرح الخبيصي على التهذيب في المنطق للعلامة السعد: (قال شارح سلم العلوم : إن الأعاظم الماهرين في المنطق ربما يخطئون خطا لا يكادون ينتبهون له و لا يجديهم المنطق نفعا كيف و المنطق قد حكم مثلا بانتهاء مقدمات البرهان إى الضروريات و ربما يلتبس الوهمي الكاذب بالضروري فلا يحصل التمييز بينهما باستعمال المنطق و بعد تمييز العقل بين الكاذب الوهمي و الضروري لا يحتاج كثيرا إلى المنطق فإذن العاصم ما به يحصل التمييز ما بين الكاذب [و] الضروري و هو الفطرة الإنسانية المجردة عن شائبة مخالطة الوهم و للمنطق إمداد ضعيف بعد هذا التمييز فإليه حاجة ضعيفة ) انتهى ص 40 طبعة البابي الحلبي

ملاحظة : أضفت [و] حتى يستقيم المعنى و لعله خطا مطبعي

(قال شارح سلم العلوم : إن الأعاظم الماهرين في المنطق ربما يخطئون خطا لا يكادون ينتبهون له و لا يجديهم المنطق نفعا) شارح سلم العلوم في علم المنطق يذهب إلى أن أكابر علماء المنطق قد يخطؤون أخطاء لا يكادون ينتبهون لها و وقوعهم في الخطأ ليس لعدم مراعاتهم للقواعد المنطقية بل قد يراعونها و لا يجديهم المنطق في الانتباه لها و في علاجها نفعا (كيف و المنطق قد حكم مثلا بانتهاء مقدمات البرهان إى الضروريات ) ثم يمثل على كلامه هذا بمثال حاصله أن المنطق يحكم بأن البراهين ترجع في نهاية الأمر إلى الضروريات ( و ربما يلتبس الوهمي الكاذب بالضروري فلا يحصل التمييز بينهما باستعمال المنطق ) و لكن المشكل أنه قد يقع خلط و التباس عسير بين الوهميات الكاذبة و الضروريات الصادقة و قواعد المنطق و قوانينه و آليته لا تعيننا و لا تساعدنا على التمييز و التفريق بينهما ( بعد تمييز العقل بين الكاذب الوهمي و الضروري لا يحتاج كثيرا إلى المنطق ) فإن ميز بينهما العقل فلا حاجة إلى المنطق (فإذن العاصم ما به يحصل التمييز ما بين الكاذب [و] الضروري ) فليس العاصم إذن هو المنطق الذي عرفوه بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الوقوع في الخطأ بل ما به يحصل التمييز بين الكاذب الوهمي و الصادق الضروري هذا المميز على حد تعبيره ( الفطرة الإنسانية المجردة عن شائبة مخالطة الوهم و للمنطق إمداد ضعيف بعد هذا التمييز فإليه حاجة ضعيفة ) فالحاجة إلى المنطق بعد أن يتم التمييز ضعيف و إمداده ضعيف ، لا يقال كلام شارح سلم العلوم خاص فقط بالأعاظم الماهرين فإن كان أهل النظر المتمرسين في فنون و آليات و قوانين و قواعدالمنطق و المعقولات يعرض لهم هذا المشكل الذي ليس في فن المنطق حله و بعد حل المشكل يكون الاحتياج إلى المنطق ضعيفا فمن باب أولى أن يكون استغناء غير المتمرسين في هذا الفن عن المنطق أقوى و أظهر فإن كان المنطق لا يجدي الأعاظم الماهرين فيه نفعا فغيرهم أولى بأن لا يجديه نفعا .

فما جوابكم أعزكم الله

يتبع بقية الإشكالات

صهيب منير يوسف
15-04-2007, 00:52
2 – قد وقع الخلاف بين النظار من المناطقة في بعض القواعد و القوانين المنطقية فهل يتم التمييز بين الصحيح و السقيم من هذه الخلافات بنفس المنطق ، أو لا يرد علينا أن المنطق قد يحتاج إلى منطق آخر أعلى منه للرجوع إليه في حل هذه الإشكالات و يلزم التسلسل و أيضا قد يقال إن العقول التي نظرت و كشفت عن قوانين المعقولات و دقائقها و ضوابطها و على رأسها علم المنطق ليست بمعصومة في آحادها والإجماع لا يعتد به في العقليات فما الضامن أنه لم يعرض لها الخطأ و الوهم أثناء كشفها عن نفس قواعد و قوانين المنطق و لامعصوم ها هنا نحتكم إليه للتمييز بين الحق و الباطل من القواعد المنطقية


3 – ذهب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يتعلق بتعديل صور القضايا و ترتيبها و هيأتها و لا يتعلق بمواد القضايا إذ مواد القضايا يبحث عنها في علومها الخاصة بها إن كانت من مباحث الهندسة ففيها و إن كانت من مباحث الأصول و الطب و الكلام و الفلك و الفقه و الطبيعيات ، .... إلخ من العلوم يعرف صحتها و سقمها في العلوم المختصة بها ، و المدقق يجد أن أكثر الأخطاء و الشبه و الإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها و علم المنطق يبحث في صور القضايا لا موادها فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ

عمار عبد الله
16-04-2007, 14:37
الاخ محمد
فيما يتعلق بالشبه الثالثة
هل يوجد عندك امثلة على ما تقول
فقد حاولت أن أركب مثالا ولم افلح في ذلك

صهيب منير يوسف
27-06-2007, 22:37
أخي عمار أعتذر إن كنت تأخرت عن إجابتك

كل موجود فهو مادي محسوس

الله موجود

إذا الله مادي محسوس

مثال آخر

كل موجود فهو مادي محسوس

الله ليس ماديا محسوسا

إذا لله ليس موجودا

الخلل و الخطا ليس في صورة القياس بل في مادته

naser Ameen naser
12-08-2007, 17:54
ممارسة المنطق دون العلم بقواعده كمن يمارس المحاسبة دون ان يحوز ملكة المحاسبة

الايوجد فرق بين من مارس المحاسبة وهو حائز على الملكة مع من لم يحز الملكة

لا ننسى ان ليس كل من يتكلم بالعلوم هو عالم لانه قد يكون بلا ملكة

لكن في زماننا لقلة العلماء الحائزين على ملكة العلم

ولتقصيرنا في العلوم وعدم تحصيلنا الملكات قد لا نحس بمعنى هذه الملكة

الناحية الاخرى
اذا اختلف اثنان في مسالة ما احدهما مخطئ
لا شك ان استعانتهما بالمنطق ستضبطهما وخصوصا اذا كان احدهما ذاهلاا

اشبه بتشبيه :ما هو الفرق بين المهندس والفني بالرغم من ان كلا منهما يعمل باتقان؟؟

هذا هو الفرق بين المنطقي وغيره

naser Ameen naser
13-10-2007, 17:22
الاجابة المتخصصة
ان من العلماء من عرف العلم بانه تحصيل الملكة

وممارسة المنطق يقوي الملكة

ومن كون الاستعانة بالمنطق معينة على رفع الخلاف والانضباط العلمي

ثم ضربت امثلة

والســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام

صهيب منير يوسف
13-10-2007, 20:30
هذا جواب السؤال الأول فأين جواب الثاني و الثالث؟

السؤال الول متوجه أيها الصديق على الأعاظم الماهرين في المنطق المتخصصين و الراسخين فيه و الممارسين له و المحصلين لهذه الملكة

naser Ameen naser
23-10-2007, 12:16
ردي ليس اجابة وانما تعليق
النقطة الثانية ذات علاقة بالنموذج الفكري المتبنى
النقطة الثانية لها علاقة بموضوع فلسفي عن صلاحية العقل في اثبات نفسه
وهو جزء محوري في الفلسفات السوفسطائية او تلك التي تنقي الحقيقة المطلقة


وقولك :
يرد علينا أن المنطق قد يحتاج إلى منطق آخر أعلى منه للرجوع إليه في حل هذه الإشكالات و يلزم التسلسل و أيضا قد يقال إن العقول التي نظرت و كشفت عن قوانين المعقولات و دقائقها و ضوابطها و على رأسها علم المنطق ليست بمعصومة في آحادها والإجماع لا يعتد به في العقليات فما الضامن أنه لم يعرض لها الخطأ و الوهم أثناء كشفها عن نفس قواعد و قوانين المنطق و لامعصوم ها هنا نحتكم إليه للتمييز بين الحق و الباطل من القواعد المنطقية



انما هي احد دعائم انموذجهم الفكري

naser Ameen naser
23-10-2007, 14:40
اما عن كون السؤال الاول متوجه للمتخصصين

السؤال الول متوجه أيها الصديق على الأعاظم الماهرين في المنطق المتخصصين و الراسخين فيه و الممارسين له و المحصلين لهذه الملكة

فهذا لا يقدح بما ذكرت في كلامي فاني كتبت نقطتين:
1*تقوية الملكة
والملكة لا حد معبن لرسوخها فمهما قويت الملكة من الممكن ان تكون ارسخ
اضرب مثالا في ملكة الاجتهاد فلها مراتب
حتى مرتبة االاجتهاد المطلق تتمايز الملكة فيها
الذي اقصده ان الملكة متمايزة والمنطق يغذي الملكة بلا حد معين

2* قواعد المنطق معينة على رفع الخلاف وتضبطه بالاحتكام اليه
فان التنبه عند الذهول اوفق حين الاستعانة بالقواعد المنطقية منه حين الاعتماد على ما سماه العلامة العطار الفطرة الانسانية المجردة

حتى ان العلامة العطار لم يحكم بعدم فائدة المنطق وانما قال:
و للمنطق إمداد ضعيف بعد هذا التمييز فإليه حاجة ضعيفة
وانما قال ان امداده للفطرة ضعيف
والضعف والقوة امور نسبية

صهيب منير يوسف
25-10-2007, 11:37
قلت :
للرفع و التذكير راجيا رؤية إجابة متخصصة مفيدة

فأجاب ناصر :
الاجابة المتخصصة

ثم عاد ليقول :
ردي ليس اجابة وانما تعليق

يأتيك التعليق الليلة

naser Ameen naser
25-10-2007, 17:06
كلامي الاول كان على النقطة الاولى وكل مداخلتي كانت فيه
فطلبت مني ان اتكلم عن الثانية والثالثة بقولك

هذا جواب السؤال الأول فأين جواب الثاني و الثالث؟

وانا لما اردت ان اعقب على تعليقك حول النقطة الاولى جعلته في رد لوحده

اما كلامي الثاني فعن النقطة الثانية
وهو ظاهر
انا قلتردي ليس اجابة وانما تعليق
النقطة الثانية ذات علاقة بالنموذج الفكري المتبنى

وكل مداخلتي منصبة كانت على النقطة الثانيةردي ليس اجابة وانما تعليق
النقطة الثانية ذات علاقة بالنموذج الفكري المتبنى
النقطة الثانية لها علاقة بموضوع فلسفي عن صلاحية العقل في اثبات نفسه
وهو جزء محوري في الفلسفات السوفسطائية او تلك التي تنقي الحقيقة المطلقة


وقولك :
يرد علينا أن المنطق قد يحتاج إلى منطق آخر أعلى منه للرجوع إليه في حل هذه الإشكالات و يلزم التسلسل و أيضا قد يقال إن العقول التي نظرت و كشفت عن قوانين المعقولات و دقائقها و ضوابطها و على رأسها علم المنطق ليست بمعصومة في آحادها والإجماع لا يعتد به في العقليات فما الضامن أنه لم يعرض لها الخطأ و الوهم أثناء كشفها عن نفس قواعد و قوانين المنطق و لامعصوم ها هنا نحتكم إليه للتمييز بين الحق و الباطل من القواعد المنطقية



انما هي احد دعائم انموذجهم الفكري

سعيد فودة
03-08-2008, 22:43
كل موجود فهو مادي محسوس

الله موجود

إذا الله مادي محسوس
1- دعوى أن المنطق لا تعلق له بمادة القضايا أو أنه لا يفيد في مادة القضايا
2- ثم التمثيل عليه بهذا المثال، باطل لا ريب في بطلانه....
بيان البطلان:
أن الخطأ في هذا القياس - من جهة التمثيل- هو القضية القائلة: "كل موجود فهو مادي محسوس"
وقد علم في المنطق أن الدليل على الكليات إما البداهة وإما برهان قياسيٌّ كليٌّ آخر ينتجه هذه القضية، أو استقراء.
وقد تكلم المنطق على كل مادة من هذه المواد وعلى كل من هذه الأصول والطرق:
ومن السهولة أن نبين أن هذه القضية ليست بديهية...
ومن الواضح أن أي قياس كليٍّ يؤتى به ليكون منتجا لهذه النتيجة يمكن القدح فيه.
ومن الواضح أن ادعاء الاستقراء لا يسلم لمن يدعيه، والاستقراء الناقص ليس بحجة قاطعة عند أكثر المناطقة....
إذن فدعوى أن المنطق لم يتكلم على مواد القياس، مردودة...
ودعوى أن هذا مثال يبين تلك الدعوى مردودة أيضا.
فالكلام كله محض مغالطة مركب بعضها فوق بعض....
فلا يتم لمن زعم أن المنطق لا يساعد في تحليل هذه الشبه ونحوها ، وأنه لا يساعد في بيان الحق من الباطل...

إنما أردت فقط توضيح كيفية الرد على هذه الدعاوى لئلا تظنَّ مقطوعة....
فإن أوردت على سبيل تشحيذ الذهن، فلا مانع من ذلك...وإلا فيمكن الجواب عنها اعتمادا على قواعد المنطق...
وهكذا يقال فيما يتعلق بباقي التشكيكات المذكورة...

ولذلك فأرجو من بعض الإخوة المهتمين بالبحث في المنطق، أن يراجعوا هذه الشبه واحدة واحدة، فيقرأوا ما قاله المناطقة في هذا الخصوص، ويحاولوا بيان بطلانها بأسلوبهم، ونحن نساعهدهم في ذلك البيان والتوجيه بإذن الله تعالى، ليكون ذلك درسا تطبيقيا مفيدا بلا شك على المغالطات وكيفية ردها ودفعها.

ولنبدأ بالشبهة الأولى، وإن كان بعض من ردَّ أجاب عن بعض الشبه الواردة، ولكن سنحاول ترتيب الرد ووضعه بحيث يستفيد القارئ منه ، ويخرج بنتيجة قريبة بإذن الله تعالى، والابتعاد عن التشعب ....

فأرجو منك يا أخ علي عبد اللطيف ما دمت مغرما بالمنطق كما يبدو أن تبحث وتتأمل في شبهة شبهة وتحللها لنا بما ينتج عندك ونحن معك نصوب إن استطعنا...
وهذه الدعوة موجهة إلى كل راغب في زيادة التعلم والدراسة في علم المنطق....
والله الموفق.

بلال النجار
04-08-2008, 00:13
الحمد لله على وجودكم بيننا،

قد أخبرتكم يا مولانا أني سأبحث تلك الشبه وأستقصيها، وأبين أنه ما من خطأ إلا ويمكن العلم بسببه، وأن قوانين المنطق تنبني النظريات فيها على الضروريات، وما ينضاف إليه من قوانين يمكن اكتشافها لاحقاً إن برهن عليها وإلا فقيد البحث، والخلاف فيما بين النظار عايد إلى أسباب الخلاف فلو ظهر برهان في محل النزاع لفريق انقطعت الخصومة إلا ممن لا يأبه الله بهم. ومحال الخلاف ليست من معتبر قوانينه عند المحاكمات. ولا حاجة للفصل في ذلك إلى منطق أعلى منه وذلك وهم واهم لم يتحقق هذا العلم. وأتكلم في معنى العصمة المذكورة في تعريف المنطق وأنه لا يمكن التقيد بقواعده والوقوع في الغلط، فإن وقع الغلط فلعدم ذلك. وأبين ما في منطقنا من أبحاث في مواد القضايا. وأرجو من إخواني أن يساهموا في هذا البحث للحاجة إليه في زمان العجب.

ولكنك يا مولانا مبادر لا يجارى، طارت بك أطيار همتك تطلبنا حيث ركنا إلى الدعة في أوكارها، نتقلب في مهادها، ولا تغمض لك عين ونحن نستوطئ مركب العجز، جحدنا ما وعينا وأخلدنا إلى الخفض. ألا قبح الله الدعة!

سعيد فودة
04-08-2008, 01:08
أنا أعلم أنك أيها العزيز بلال على ذلك قادر ، ولكني أستحث همم بعض الإخوة الآخرين الذين رأيت فيهم تشوفا واهتماما بتلك المباحث....
بارك الله فيك فأنت كما أنت لا تزعزعك الحوادث ولا تغريك الطوارئ، ولا تلقي للأدعياء المغرورين بالا مهما بدا لهم علو شأنهم أو لغيرهم، ومهما ظنوا في أنفسهم ....
وسوف نعلم المتطاولين على العلماء القادحين في جهود أهل السنة دروسا تكون علامة على جهلهم وقصر باعهم... لعلهم ينتفعون بذلك إن كتب لهم التوفيق والهدى....
أما غيرهم ممن عرفوا مقامهم فلم يتطاولوا ولم يضعوا أنفسهم حيث لا ينبغي أن يكونوا، فإن خطابنا معهم خطاب تودد ومحبة وإرشاد ، فنأخذ بأيديهم ويأخذوا بأيدينا لعل الله تعالى ينعم علينا بفضله ويعلمنا من علمه...
فلا تتخاذل بكم همة أيها الإخوة في تعلم علوم أئمة هذه الأمة....!
والله الموفق.

صهيب منير يوسف
04-08-2008, 01:23
بارك الله فيكم و سدد خطاكم و لين جانبكم

بلال النجار
04-08-2008, 01:44
إنه والله لين الجانب، سمح النفس، سهل التقبل، كثير النسيان لمن ألان، لكن فيه شدة قد أذابت من أعاديه الحديد. وفي الطباع اختلاف. ألا ترى إلى الشيخين!

وما كلامنا في سائل مستفصل، فهل لك بعد من شكاية؟

يا سيدي، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ ألاّ يأكل بشق عينه الصحيحة!

علي عبد اللطيف
10-08-2008, 00:24
فأرجو منك يا أخ علي عبد اللطيف ما دمت مغرما بالمنطق كما يبدو أن تبحث وتتأمل في شبهة شبهة وتحللها لنا بما ينتج عندك ونحن معك نصوب إن استطعنا...
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته سيدي الشيخ:
لقد عملت على إبطال الشبهة الثالثة سيدي وقد استغرقت كل الأيام السابقة ليلها ونهارها بعد أمركم المصون وسأثبتها إن شاء الله تعالى قريباً بعد مراجعة النصوص من مواضعها.
ولا أدري أثبتها هنا أم في مشاركة مستقلة فقد بلغت حوالي 10صفحات A4؟؟؟

سعيد فودة
10-08-2008, 01:00
بارك الله يمينك
انشرها هنا وبعد إكمال الرد على الشبه ومراجعتها وتدقيقها، سوف ننشرها في موضع خاص مستقل
هكذا يكون طلاب العلم...!!

علي عبد اللطيف
10-08-2008, 03:41
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق الهادي إلى صراط الله المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم:

أما بعد فهذه شبهة حول فائدة علم المنطق أحاول الرد عليها امتثالاً لأمر شيخنا سعيد حفظه الله تعالى الذي أخذ على نفسه مأجوراً أن يصوب أخطائي –وما أكثرها- فاغتنمت هذه الفرصة في أيامي القليلة السابقة وكتبت ما سنح به فاتر الأذهان مستعيناً بالواحد المنان.
وسبب اختاري لهذه الشبهة التي هي ثالثة الثلاثة أني علمت أن الشيخ بلال حفظه الله قد شهر الأسنة لتقطيع أوصال هذه الشبهات فقلت إن قضى على الأولى والثانية فلعله لم يصل إلى الثالثة بعد.

خطة البحث:
سأذكر أولاً نص الشبهة وأقررها على الشكل الأول الضرب الأول من الاقتراني مبيناً أي المقدمات ينفعنا إبطالها ليبطل دليل المدعي مقدماً بين يدي إبطاله بمقدمتين الأولى في تعريف علم المنطق والثانية في موضوعه مبيناً على الثانية أن البحث في مواد القضايا من علم المنطق لأنها من الأعراض الذاتية لموضوعه وموضحاً بناء على الأولى الفرق بين الجهة الكلية التي يبحث فيها في علم المنطق والجهة الجزئية التي تستفاد من باقي العلوم ثم أذكر معنى الفكر الصحيح والفاسد لتمام الفائدة وأختم في حاصل ما تقدم مقرراً الدليل الذي ينتج أن علم المنطق يعصم عن الخطأ في الأقيسة بشرط المراعاه.....

أولاً نص الشبهة وتقريرها والتدليل عليها:
-نص الشبهة:
ذهب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يتعلق بتعديل صور القضايا و ترتيبها و هيأتها و لا يتعلق بمواد القضايا إذ مواد القضايا يبحث عنها في علومها الخاصة بها إن كانت من مباحث الهندسة ففيها و إن كانت من مباحث الأصول و الطب و الكلام و الفلك و الفقه و الطبيعيات، .... إلخ من العلوم يعرف صحتها و سقمها في العلوم المختصة بها ، و المدقق يجد أن أكثر الأخطاء و الشبه و الإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها و علم المنطق يبحث في صور القضايا لا موادها فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ.
2- تقريرها:
يمكن أن تقرر هذه الشبهة على الشكل الأول الضرب الأول من القياس الاقتراني على النحو:
(علم المنطق يبحث في صور القضايا دون موادها) و (كل علم يبحث في صور القضايا دون موادها يعصم الذهن عن الخطأ جزئياً) ينتج (علم المنطق يعصم الذهن عن الخطأ جزئياً)

3- التدليل على المقدمات من قبل المدعي:
دليل المقدمة الصغرى (علم المنطق يبحث في صور القضايا دون موادها): وهذه قضية صدقها ومطابقتها للواقع مبني على النقل فدلل عليها المشكك: بدعوى ذهاب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يبحث بصور القضايا ولا يبحث بمواد القضايا، ولم يأتي بأي نقل عن هؤلاء المحققين وكان يكفينا منع هذه الدعوى ومعناه هنا طلب تصحيح النقل عن المحققين، لكننا سنتبرع عنه ونثبت بالنقل أن علماء المنطق يبحثون بالصور كما يبحثون بالمواد ناقضين بذلك المقدمة الصغرى المفضي إلى بطلان دليله.
المقدمة الكبرى (وكل علم يبحث في صور القضايا دون موادها **يعصم الذهن عن الخطأ جزئياً) نعم نسلم هذه القضية؛ فالجاهل بطرق اقتناص المقدمات اليقينية المخصوصة مثلاً من مدارك اليقينيات وقانونها الكلي الذي هو آلة ذلك الاقتناص لابد أن يقع في الخطأ وسيكون علم المنطق إن لم يعط هذا القانون والآلة ناقصاً وغير كافٍ، وسيظهر ذلك جلياً إن شاء الله تعالى.

ثانياً المقدمة الأولى في تعريف علم المنطق ومعنى أنه قانون:
والمنطق: قانون يعصم العقل عن الخطأ في الفكر بشرط مراعاته.
قوله قانون: هو أمر كلي ينطبق على جميع أحكام جزئيات موضوعها، والمقصود بالأمر الحكم. فإذا قلت مثلا: كل فاعل مرفوع، فالفاعل أمر كلي أي مفهوم كلي لا يمنع نفس تصوره عن وقوع الشركة فيه، وله جزئيات متعددة يحمل هو عليها بهو هو، وهذه القضية أيضاً أمر كلي، أي قضية كلية، قد حكم فيها على جميع جزئيات موضوعها، ولها فروع هي الأحكام الواردة على خصوصيات تلك الجزئيات، كقولك: زيدٌ في " قال زيد" مرفوعٌ، وعمروٌ في "ضرب عمروٌ" مرفوعٌ، إلى غير ذلك، وهذه الفروع مندرجة تحت القضية الكلية المشتلمة عليها بالقوة القريبة من الفعل. والقانون والأصل والقاعدة والضابط ألفاظ مترادفة، وهي أسماء لهذه القضية الكلية بالقياس إلى تلك الفروع المندرجة فيها. واستخراجها منها إلى الفعل يسمى تفريعاً. وذلك بأن يحمل موضوعها -أعني الفاعل- على زيد مثلاً، فيحصل قضية، وتجعل صغرى القياس، وتلك القضية الكلية كبرى، هكذا:
زيد فاعل، وكل فاعل مرفوع، فينتج أن زيداً مرفوع. فقد خرج بهذا العمل هذا الفرع من القوة إلى الفعل. وقس على ذلك غيره. اهـ من السيد وعبد الحكيم.
قال العلامة الأخضري:

وَبَعْدُ فَالمَنْطِقُ لِلْجَـنَـانِ = نِسْبَتُهُ كَالنَّحْوِ لِلِّسانِ

قوله: (يعصم الذهن عن الخطأ في الفكر) يخرج العلوم القانونية التي تعصم غير الذهن كالعلوم العربية التي تعصم في المقال. قطب.
وهذا التعريف أولى من جعل المراعاة هي العاصم كقولهم: علم تعصم مراعاته…الخ. قال الصبان: يعصم بشرط المراعاة، كما قاله بعضه المحققين، وهو عندي أوجه مما اشتهر من جعل العاصم نفس المراعاة. اهـ
ولا يخفى أن هذا التعريف رسم؛ لأنه تعريف بالغاية؛ إذ غاية علم المنطق العصمة عن الخطأ في الفكر، وغايةُ الشيء تكون خارجة عنه، والتعريف بالخارج رسم. اهـ شروح وحواشي الشمسية
فاعرف هذا واحفظه وسيأتي وجهة الحاجة متأخراً بعد ذكر المقدمة الثانية وبيان أن البحث في مواد القضايا من علم المنطق.

ثالثاً: في موضوع علم المنطق:
قال الدسوقي: اعلم أن موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، وذلك بأن تجعل موضوع العلم موضوعاً لمسائله، وتحمل عليه عوارضه الذاتية، فإذا أخذت موضوع العلم وحملت عليه عارضاً من عوراضه الذاتية حصلت مسألة من مسائل ذلك العلم. فالمراد بالبحث في ذلك العلم عن العوارض إثباتُها لموضوعات المسائل. مثلاً: علم الفقه موضوعه فعل المكلف، فكل مسألة من مسائله موضوعها فعل المكلف، ومحمولها عارض ذاتي من عوارضه كالصحة والفساد والوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة، كما في قولك: صلاة الظهر واجبة، وصلاة النفل عند طلوع الشمس حرام، وقبل العصر مندوبة وبعده مكروهة، والبيع لأجل مجهول فاسد وهكذا. اهـ
فموضوعات مسائل العلوم راجعة إلى موضوع العلم، ومحمولاتها راجعة إلى الأعراض الذاتية للموضوع. اهـ ميزان الانتظام والصبان.
فموضوع علم المنطق المعلومات التصورية والتصديقية لأن المنطقي إنما يبحث عن أعراضها الذاتية وما يبحث في العلم عن أعراضه الذاتية فهو موضوع ذلك العلم فتكون المعلومات التضورية والتصديقية موضوع علم المنطق وإنما قلنا أن المنطقي يبحث عن الأعراض الذاتية للمعلومات التصورية والتصديقية لأنه يبحث عنها من حيث إنها توصل إلى مجهول تصوري أو مجهول تصديقي.
1- أحوال المعلومات التصورية التي يبحث عنها في المنطق ثلاثة أقسام:
أحدهما: الإيصال إلى مجهول تصوري إما بالكنه كما في الحد التام وإما بوجه ما ذاتي أو عرضي كما في الحد الناقص والرسم التام والرسم الناقص وذلك من باب التعريفات.
ثانيها: ما يتوقف عليه الإيصال إلى المجهول التصوري توقفاً قريباً ككون المعلومات التصورية كلية وجزئية وذاتية وعرضية وجنساً وفصلاً وخاصة فإن الموصل إلى التصور يتركب من هذه الأمور فالإيصال يتوقف على هذه الأحوال بلا واسطة وذكر الجزئية ههنا على سبيل الاستطراد والبحث عن هذه الأحوال في باب الكليات الخمس.
ثالثها: ما يتوقف عليه الإيصال إلى المجهول التصديقي توقفاً بعيداً أي بواسطة ككون المعلومات التصورية موضوعات ومحمولات والبحث عنها في ضمن باب القضايا.
2-وأما أحوال المعلومات التصديقية التي يبحث عنها في المنطق فثلاثة أقسام أيضاً:
أحدها: الإيصال إلى المجهول التصديقي يقيناً كان أو غير يقيني جازماً أو غير جازم وذلك مباحث القياس والاستقراء والتمثيل التي هي أنواع الحجة.
وثانيها: ما يتوقف عليه الإيصال إلى المجهول التصديقي توقفاً قريباً وذلك مباحث القضايا.
وثالثها: ما يتوقف عليه الإيصال إلى المجهول التصديقي توقفاً بعيداً أي بواسطة ككون المعلومات التصديقية مقدمات وتوالي فإن المقدم والتالي قضيتان بالقوة القريبة من الفعل فهما معدودان في المعلومات التصديقية دون التصورية بخلاف الموضوع والمحمول فإنهما من قبيل التصورات.

فائدة يجب التنبه إليها: قول المناطقة كل إنسان حيوان قضية وبعض الحيوان إنسان عكس قضية وبعض الإنسان ليس بحيوان نقيض قضية ليست من قواعد الفن بل تمثيلاً محمولة على التسامح. اهـ القطب والسيد والفائدة من الدسوقي.
قلت عن فائدة الدسوقي: أي أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع.
ثم تأمل قوله: الإيصال إلى المجهول التصديقي يقيناً كان أو غير يقيني جازماً أو غير جازم لتستنج بسهولة أن علم المنطق يبحث بمواد الأقيسة وهذا الذي سنؤكده الآن.

يتبع....

علي عبد اللطيف
10-08-2008, 03:56
رابعاً البحث في مواد القضايا والأقيسة من موضوع علم المنطق:

وسنبين بالنقل أن علماء المنطق قد بحثوا في مواد القضايا ويعبرون عنها بمواد الأقيسة لتركب الأقيسة منها وسنثبت أنهم قد جعلوا البحث فيها من مقاصد العلم بالذات واعتادوا أن يجعلوها في أواخر كتبهم مكتفياً بالنقل عن بعضهم ومن أراد الاستقصاء فليراجع كل شراح السلم وشروح وحواشي الشمسية والتهذيب وشرح الخبيصي وحاشيتي العطار وابن سعيد عليه، وسوف يكون التركيز على عبارة الدسوقي في حاشيته على القطب الرازي لبسطها وسهولتها ووفائها بالمقصود:
قال الكاتبي رحمه الله تعالى في متنه المشهور: وبعد فهذا كتاب في المنطق سميته بالرسالة الشمسية في القواعد المنطقية ورتبته على مقدمة وثلاث مقالات وخاتمة.
قال القطب الرازي في شرحه على الشمسية: أقول الرسالة مرتبة على مقدمة وثلاث مقالات وخاتمة، أما المقدمة ففي ماهية المنطق وبيان الحاجة إليه وموضوعه وأما المقالات فأولاها في المفردات والثانية في القضايا وأحكامها والثالثة في القياس وأما الخاتمة ففي مواد الأقيسة وأجزاء العلوم.
ثم قال: ......أو عن المركبات فلا يخلو إما أن يكون البحث فيه عن المركبات الغير المقصودة بالذات وهو المقالة الثانية أو عن المركبات التي هي مقاصد بالذات فلا يخلو إما أن يكون النظر فيها من حيث الصورة وحدها وهو المقالة الثالثة أو من حيث المادة وهو الخاتمة. اهـ
قال العلامة الدسوقي: قوله (أو عن المركبات التي هي مقاصد) أي أن البحث عن المركبات التي هي مقاصد بالذات إما من جهة الصورة أو من جهة المادة والأول هو المقالة الثالثة والثاني الخاتمة والحاصل أنه يثبت في المقالة الثالثة أحوال المقاصد بالذات لكن الأحوال التي تثبت من جهة الصورة مثلاً إذا قيل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم ينتج كل إنسان جسم فنقول هذا القياس ينتج كلية فقد أثبت له حالة من أحواله وهي انتاجه الكلية ولكن تلك الحالة من جهة الصورة إذ الموجب لذلك كونه مركباً من كليتين موجبتين. اهـ

والحاصل مما سبق أن بالبحث بمواد القضايا مقصود بالذات كما أن البحث في الصور كذلك بلا فرق.

ثم قال: وإذا كانت المقدمتان يقينيتين أنتج يقينياً وإذا كانتا ظنيتين أنتج ظناً كما إذا كانت إحداهما ظنية فإنه ينتج ظناً وإذا كانتا صادقتين أنتجا صدقاً وإذا كانت كاذبتين فلا يلزم انتاج الكذب مثلاً كل إنسان ماء وكل ماء ناطق ينتج كل إنسان ناطق وهو صادق فإذا قلت العالم متغير وكل متغير له محدث أنتج العالم له محدث فهذا القياس أنتج يقيناً فقد أثبت له حال من أحواله وتلك الحالة إنما نشأت من المادة لا من الصورة بقي أن محصل ما استفيد من الشارح أن البحث عن القضايا ليس مقصوداً بالذات وهو خلاف التحقيق بل هو مقصود بالذات في هذا الفن. اهـ

والحاصل منه أن الإنتاج على حسب مواد المقدمتين وقد تنتج الكاذبتين صدقاً لخصوص المادة، فعلى القائس أن يراعي مادة المقدمات.
ثم قال: فإن قلت إذا كان الذي يتعلق بالقياس مبحثين من حيث المادة ومن حيث الصورة فلم قدم الثاني على الأول فالجواب أن الصورة ما به الشيء بالفعل وهي أشرف مما به الشيء بالقوة أو أن الحالة التي تثبت من حيث المادة صفة للحالة التي تثبت من حيث الصورة فإنك تقول هذا القياس أنتج كلية يقينية فقولنا كلية من حيث الصورة وقلنا يقينية من حيث المادة. اهـ
الحاصل أن بحث المنطقي في القياس يكون بحسب المادة والصورة وقدم البحث بحسب الصورة لشرفه.

وقال رحمه الله (قوله وأما الخاتمة ففي مواد الأقيسة): فيه أنه سيأتي يقول الخاتمة في الدليل البرهاني والخطابي والجدلي والشعري والسوفسطائي فالخاتمة إنما هي محتوية على القياس فكيف يقول إنها في مواد الأقيسة والجواب أنها وإن كانت محتوية على الأقيسة لكن المقصود مواد تلك الأقيسة فلذا عبر بقوله الخاتمة في مواد تلك الأقيسة فإن قلت أن مادة الشيء مقدمة على صورته لأن المادة ما به الشيء بالقوة والصورة ما به الشيء بالفعل ولا شك أن ما به الشيء بالقوة مقدم في الوجود فكان عليه أن يقدم الخاتمة على القياس والجواب أنه لاحظ في تقديم القياس شرف ما به الشيء بالفعل على ما به الشيء بالقوة وأيضاً لما كانت المواد مضافة للقياس فلا تعقل بعد تعقل القياس ضرورة أن المضاف لا يعلم إلا بعد علم المضاف إليه قدم الأقيسة لأجل أن تضاف إليه موادها...اهـ

الحاصل: أن الخاتمة تحتوي على مواد الأقيسة وأكد أن البحث في الصور مقدم على المادة لشرفه وعلل ذلك بوجهين القوة والفعل والمضاف والمضاف إليه.

ثم قال: فإن قلت أن القضايا هي مواد القياس فلا حاجة لما في الخاتمة والجواب أن ما في الخاتمة قضايا لكن ملحوظاً في البحث عنه وصفها من حيث إفادتها لليقين أو الظن وليس الملحوظ كونها مواد في نفس الأمر في حد ذاتها حتى يأتي الإعتراض والحاصل أن المواد مذكورة في الخاتمة وفي المقالة الثانية لكن البحث عنها في الخاتمة إنما هو من حيث كونها تفيد علماً ظنياً إن كانت ظنية أو قطعياً إن كانت قطعية ولا شك أن البحث عن تلك الحالة ومعرفة تلك الحالة إنما يحصل بعد معرفة صورة القياس ومعرفة القياس متوقفة على معرف ذات القضايا فلذلك جعل الخاتمة متأخرة. اهـ
الحاصل: فرق بين مواد القياس من حيث كونها مواد في نفس الأمر وهذه غير مقصودة بالذات وبين مواد القياس التي يلاحظ في وصفها كونها تفيد اليقين أو الظن وهي مقصودة بالذات وذكر وجه ذكرها بالخاتمة، وانظر فائدة الترتيب الصحيح للقياس: معرفة ذات القضايا التي يتألف منها القياس ثم صور هذا القياس ثم مادة القياس، فالقائس عليه أن يراعي الصور كما عليه أن يراعي المادة...

خامساً: علم المنطق يبحث في مواد القضايا من جهة كلية:
بعد أن عرفت من تعريف علم المنطق معنى كونه آلة قانونية أو قواعد كلية فاعلم الآن أن الجهة التي يبحث فيها في مواد القضايا التي هي من موضوعات علم المنطق إنما هي جهة كلية أيضاً فمن أراد اقتناص المقدمات اليقينية المخصوصة مثلاً يجب أن يعلم مدارك اليقينيات وقانونها الكلي الذي هو آلة ذلك الاقتناص وكذا الكلام على باقي الصناعات الخمس وإليك تفصيل هذا الإجمال:

قال السيد الشريف في حاشية على القطب: أقول كما يجب على المنطقي النظر في صور الأقيسة كذلك يجب عليه النظر في موادها الكلية حتى يمكنه الاحتراز عن الخطأ في الفكر من جهتي الصورة والمادة ومواد الأقيسة إما يقينية أو غير يقينية.....اهـ
قال الدسوقي قوله "الكلية" وصف كاشف لأن المواد كما مر كونها يقينيات أو غيرها وهي كلية.اهـ

الحاصل أنه يجب على المنطقي النظر في الصور و المواد والبحث في مواد الأقيسة على جهة كلية من علم المنطق لتكون قانوناً كلياً يستعمل كآلة في باقي العلوم.
ثم قال السيد الشريف: ومواد الأقيسة إما يقينية أو غير يقينية واليقين هو اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاده بأنه لا يمكن أن يكون إلا كذا اعتقاداً مطابقاً لنفس الأمر غير ممكن الزوال فالبقيد الأول يخرج الظن وبالثاني الجهل المركب وبالثالث اعتقاد المقلد.
ثم قال رحمه الله تعالى: أما اليقينيات: فضروريات وهي مباد أول في الاكتساب ونظريات أما الضروريات فست لأن الحاكم بصدق القضايا اليقينية إما العقل أو الحس أو المركب منهما لانحصار المدرك في الحس والعقل فإن كان الحاكم هو العقل فإما أن يكون حكم العقل بمجرد تصور الطرفين أو بواسطة فإن كان حكم العقل بمجرد تصورهما سميت تلك القضايا أوليات كقولنا الكل أعظم من الجزء وإن لم يكن حكم العقل بمجرد تصور الطرفين بل بواسطة فلا بد أن لا تغيب تلك الواسطة عن الذهن عند تصورهما وإلا لم تكن تلك القضايا مبادي أول وتسمى قضايا قياساتها معها كقولنا الأربعة زوج فإن من تصور الأربعة والزوج تصور الإنقسام بمتساويين في الحال وترتبه في ذهنه أن الأربعة منقسمة بمتساويين وكل منقسم إلى بمتساويين فهو زوج فهي قضية قياسها معها في الذهن وإن كان الحاكم هو الحس فهي المشاهدات .............وهي حسيات و جدانيات .....فالمتواترات وهي .....والمجربات ....والحدسيات...اهـ

أقول: وهذا الذي ذكره هو قانون كلي يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في المواد فمن أراد هذه العصمة في علم من العلوم يجب عليه أن يراعي ذلك فالمتكلم مثلاً إن أراد البرهان فعليه أن يأتي بمقدمات مخصوصة مضبوطة بقانون اليقينيات، والمغالط الذي يتقن صناعة المغالطة لما يصنع مغالطته يكون مضبوطاً أيضاً بقوانين الفكر الفاسد وكل هذا ذكره المناطقة في بحث الصناعات الخمس الذي سيأتي بيان جانب منه.

قال العلامة عبد الحكيم محشيا على السيد: قال (يجب عليه النظر في موادها إلخ ) أي النظر في القضايا من حيث ذاتها مع قطع النظر عن تركبها بهئية مخصوصة فالبحث عن اشتراط الشرائط في الصغرى والكبرى بحسب الكمية والكيفية أو الجهة ليس نظراً في مواد الأقيسة لكونها مختصة بهئية مخصوصة.اهـ

الحاصل: البحث في مواد القضايا غير البحث في صورها وهذا يؤكد ضرورة البحث في المادة.

قال الإمام الغزالي الحجة رحمه الله تعالى:
الْفَصْلُ الثَّانِي مِنْ فَنِّ الْمَقَاصِدِ بَيَانِ مَادَّةِ الْبُرْهَانِ:
فِي بَيَانِ مَادَّةِ الْبُرْهَانِ : وَهِيَ الْمُقَدِّمَاتُ الْجَارِيَةُ مِنْ الْبُرْهَانِ مَجْرَى الثَّوْبِ مِنْ الْقَمِيصِ وَالْخَشَبِ مِنْ السَّرِيرِ ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ يَجْرِي مَجْرَى الْخِيَاطَةِ مِنْ الْقَمِيصِ وَشَكْلَ السَّرِيرِ مِنْ السَّرِيرِ ، وَكَمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ كُلِّ جِسْمٍ سَيْفٌ وَسَرِيرٌ إذْ لَا يَتَأَتَّى مِنْ الْخَشَبِ وَلَا مِنْ الثَّوْبِ سَيْفٌ وَلَا مِنْ السَّيْفِ سَرِيرٌ فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ كُلِّ مُقَدِّمَةٍ بُرْهَانٌ مُنْتِجٌ ، بَلْ الْبُرْهَانُ الْمُنْتِجُ لَا يَنْصَاغُ إلَّا مِنْ مُقَدِّمَاتٍ يَقِينِيَّةٍ إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ يَقِينِيًّا أَوْ ظَنِّيَّةً إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ فِقْهِيًّا .
فَلْنَذْكُرْ مَعْنَى الْيَقِينِ فِي نَفْسِهِ لِتُفْهَمَ ذَاتُهُ ، وَلْنَذْكُرْ مُدْرَكَهُ لِتَفْهَمَ الْآلَةَ الَّتِي بِهَا يُقْتَنَصُ الْيَقِينُ .
ثم قال رحمه الله بعد ذكر معنى اليقين كيف أنه لا يحتمل النقيض وفرقه عن غيره: فَإِذَا أَلَّفْتَ بُرْهَانًا مِنْ مُقَدِّمَاتٍ يَقِينِيَّةٍ عَلَى الذَّوْقِ الْأَوَّلِ وَرَاعَيْتَ صُورَةَ تَأْلِيفِهِ عَلَى الشُّرُوطِ الْمَاضِيَةِ فَالنَّتِيجَةُ ضَرُورِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ يَجُوزُ الثِّقَةُ بِهَا هَذَا بَيَانُ نَفْسِ الْيَقِينِ، أَمَّا مَدَارِكُ الْيَقِينِ فَجَمِيعُ مَا يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مُدْرِكًا لِلْيَقِينِ وَالِاعْتِقَادُ الْجَزْمُ يَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلِيَّاتُ ... الْمُشَاهَدَاتُ الْبَاطِنَةُ... لْمَحْسُوسَاتُ الظَّاهِرَةُ.... التَّجْرِيبِيَّاتِ... مُتَوَاتِرَاتٌ..... ثم قال: فَهَذِهِ مَدَارِكُ الْعُلُومِ الْيَقِينِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الصَّالِحَةُ لِمُقَدِّمَاتِ الْبَرَاهِينِ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَ كَذَلِكَ: الْوَهْمِيَّاتُ... الْمَشْهُورَات....اهـ المستصفى

وقد أكد هذا المعنى في معيار العلم رحمه الله حيث قال:
وهذا هو التركيب الواجب في المركبات، فباني البيت ينبغي له أن يعى أولا للجمع بين المفردات أعني الماء والتراب والتبن، فيجمعها على شكل مخصوص ليصير لبنا ثم يجمع اللبنات فيركبها تركيبا ثانيا، كذلك ينبغي أن يكون صنيع الناظر في كل مركب، وكما أن اللبن لا يصير لبنا إلا بمادة وصورة، المادة التراب وما فيه، والصورة هو التربيع الحاصل بحصره في قالبه، كذلك القياس المركب له مادة وصورة، الحاصل بحصره في قالبه، المادة التراب وما فيه، والصورة هو التربيع الحاصل بحصره في قالبه، كذلك القياس المركب له مادة وصورة، المادة هي المقدمات اليقينية الصادقة فلا بد من طلبها ومعرفة مداركها، والصورة هي تأليف المقدمات على نوع من الترتيب مخصوص ولا بد من معرفته، فانقسم النظر فيه إلى أربعة فنون: المادة والصورة والمغلطات في القياس وفصول متفرقة هي من اللواحق. اهـ
فانظر -رحمنا الله وإياك – كيف تكلم على مواد الأقيسة وبين لنا ما يصلح للبرهان منها وما لا يصلح بذكر معيار وقانون كلي يعصم الفكر عن الخطأ بشرط مراعاته ولولا مخافة الإطالة لنقلت كامل كلامه لما فيه من عظيم فائدة من أراد تحصيلها فليرجع إلى الكتاب بنفسه.
يتبع...

علي عبد اللطيف
10-08-2008, 04:08
وإن أردت أن تعطَّر بكلام حجة الإسلام رحمه الله تعالى من موضع آخر فاسمع ما نقل عنه السيد الشريف رحمه الله في حاشيته على شرح مختصر المنتهى الأصولي من المستصفى:

إن المقدمة المشتملة على هذه المباحث ليست من جملة أصول الفقه ولا من مقدماته الخاصة بل هي مقدمة العلوم كلها، وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجة أصول الفقه، وقد أجيب بأن المنطق جزء لما عداه من العلوم المدونة لتركيبها في المشهور من المسائل والمبادئ، ولها مادة تتألف منها وصورة هي القواعد المنطقية وحيث كان الكلام أعلى العلوم الشرعية وأساسها كان مقدماً في الرتبة والاعتبار فنسبت تلك القواعد إليه فهي مبادئ كلامية للأصول وغيره ليس بشيء؛ لأن صور الأدلة والمعرفات المخصوصة المذكورة في العلوم ليست هي من المسائل المنطقية بل هي جزئيات موضوعاتها، والحق أن إثبات مسائل العلوم النظرية محتاج إلى دلائل وتعريفات معينة والعلم بكونها موصلة إلى المقصود لا يحصل إلا من المباحث المنطقية أو يتقوى بها فهي محتاج إليها لتلك العلوم وليست جزءاً منها بل هي علم على حيالها وعلم الكلام لما كان رئيس العلوم الشرعية مقدماً عليها انتسب إليه هذه القواعد المحتاج إليها فعدت مبادئ كلامية للعلوم الشرعية. اهـ (الكتاب ليس عندي وكأن الكلام ليس كله للإمام بل فيه زيادة من السيد الشريف فإني لم أجد اشارة اهـ لأميز الكلامين والخطب يسير)

تأمل قوله: (لأن صور الأدلة والمعرفات المخصوصة المذكورة في العلوم ليست هي من المسائل المنطقية بل هي جزئيات موضوعاتها) والذي أريد التأكيد عليه أن هناك فرق بين المواد المخصوصة التي تعرف من علومها الخاصة فقولك العالم متغير هذه قضية مادتها تعرف من علم الكلام والخطان المتوازيان مهما امتدا لا يلتقيان هذه قضية مادتها تعرف من علم الهندسية .....إلخ..

والذي يدعم هذا الفهم قوله: (والحق أن إثبات مسائل العلوم النظرية محتاج إلى دلائل وتعريفات معينة والعلم بكونها موصلة إلى المقصود لا يحصل إلا من المباحث المنطقية أو يتقوى بها فهي محتاج إليها لتلك العلوم وليست جزءاً منها بل هي علم على حيالها)

وهنا أريد أن أقف مع السيد الشريف في مواقفه ومحشييه العلامة عبد الحكيم والمحقق الفناري:
قال السيد الشريف بعد تعريف علم الكلام: الثاني أنه نبه بصيغة الاقتدار على القدرة التامة وبإطلاق المعية على المصاحبة الدائمة فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة ورد الشبه لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب دائما هذا العلم دون العلم بالقوانين التي يستفاد منها صور الدلائل فقط. اهـ

قال المحقق الفناري في حاشيته على الشرح: قوله (دون العلم بالقوانين التي يستفاد منها صور الدلائل فقط): أراد به المنطق فإنه لا يحصل به القدرة التامة على إثبات العقائد الدينية، لأن ذلك إنما يحصل بحجة لها صورة تحصل من المنطق ومادة معينة لا تعرف منه فالحصر المستفاد من قوله: "فقط" بالنظر إلى المواد المخصوصة والعقائد معاً على ما هو التحقيق.

وتعقبه العلامة عبد الحكيم: قوله –أي السيد-(فقط) أي دون المواد المخصوصة بالعقائد، وإنما خص استفادة الصور مع أن المنطق يستفاد منه مناسبة المبادي أيضاً وهي الصحة من حيث المادة لأن أكثر نظر المنطق في صحة الصورة.اهـ [تنبه أنهم يعبرون أحيانا عن مواد القضايا أحياناً بالمبادي وهذا مكرر في شروح وحواشي الشمسية فاعرفه ]

والذي يظهر للفقير ألا تنافي بين كلام المحقق الفناري وكلام العلامة عبد الحكيم إذ الأول ينفي كون المادة المعينة مستفادة من علم المنطق فوصفُ المادة بقوله "المعينة" يجعلها جزيء حقيقي من جزيئات القانون الكلي لصحة المادة وفسادها وهذا ينبغي التسليم به بعد إثبات أن بحث المنطقي في مواد الأقيسة والقضايا إنما يكون على جهة كلية وهو الذي يثبته العلامة السيالكوتي بقوله أن المنطق يستفاد منه المبادي أيضاً وهي الصحة من حيث المادة.

بعبارة أخرى أن النفي في كلام المحقق الفناري هو للقضايا المعينة المخصوصة المستفادة من علومها والإثبات في كلام العلامة السيالكوتي إنما هو القانون الكلي لصحة المادة المستفادة من المنطق، فبين الصحة من حيث المادة التي هي من أبحاث المنطقي والمادة المعينة المخصوصة التي تبحث في علومها فرق صار ظاهراً.

ويعضد هذا الفهم أن المحقق حسن جلبي رحمه الله تعالى يقصد المواد المخصوصة والقانون الكلي لصحة المادة وفساده غير كافٍ عنده قوله بعد الكلامه السابق: وبهذا تبين ضعف ما استصوبه الشارح في حواشي شرح المطالع من أن الطرق والشرائط المحتاج إليها في استحصال المطالب لو كانت ضرورية لم يقع الغلط لا من جهة الصورة وهو ظاهر ولا من جهة المادة لأن تلك الطرق والشرائط تراعي جانب المادة رعايتها جانب الصورة. ووجه الضعف أن خصوصيات المواد لا تعلم من المنطق وإنما المستفاد منه معرفة مناسبة المباديء المعلومة من علوم أُخر بالنسبة إلى كل مطلوب على وجه إجمالي فمع ضرورية جميع قواعد المنطق يجوز الغلط من جهة المادة قطعاً. اهـ

قلت بناء على تضعيف الفناري لكلام السيد يظهر أن القانون الكلي الذي يضبط مواد القضايا والذي عبره عنه بقوله (على وجه إجمالي) عنده غير كافٍ فلا بد من معرفة خصوصيات المواد التي تستفاد من علومها الخاصة والمحقق رحمه الله لا يريد بذلك أن يقدح بعلم المنطق حاشاه ثم حاشاه وهو الذي قضى عمره في العلوم العقلية، بل يقصد بذلك –والله تعالى أعلم- أن يجعل علم المنطق جزءاً لما عداه من العلوم ويشهد لذلك كلام الإمام الغزالي رحمه الله المذكور آنفاً أن هناك من ذهب لذلك: (وقد أجيب بأن المنطق جزء لما عداه من العلوم المدونة لتركيبها في المشهور من المسائل والمبادئ، ولها مادة تتألف منها وصورة هي القواعد المنطقية) وهذا الاستنتاج وإن كان مرضياً للفقير إلا أنه بحاجة لمزيد بيان وتتبع ليحصل الرضا من الغير، والذي يحضرني الآن أن في شرح المواقف وحاشيته كلاماً ذا صلة بهذا الموضوع عند الكلام على مسائل علم الكلام وعلاقة علم المنطق بالكلام فليراجعه من يريد الاستزادة.

سادساً: الفكر الصحيح والفكر الفاسد كلام ذو صلة بالموضوع:

أعلم أن ما تقدم يكفي في فساد دعوى المشكك ولكن أتمم الفائدة بنقل كلام رائع وجدته في القطب والسيد وعبد الحكيم:
وليس الفكر بصائب دائماً لأن بعض العقلاء يناقض بعضاً في مقتضى أفكارهم فمن واحد يتأدى فكره إلى التصديق بحدوث العالم ومن آخر إلى التصديق بقدمه بل الإنسان الواحد يناقض نفسه بحسب الوقتين فقد يفكر ويؤدي فكره إلى التصديق بقدم العالم ثم يفكر وينساق فكره إلى التصديق بحدوثه فالفكران ليسا بصوابين وإلا لزم اجتماع النقيضين فلا يكون كل فكر صواباً فمست الحاجة إلى قانون يفيد معرفة طرق اكتساب النظرية التصورية والتصديقية من ضرورياتها والاحاطة بالأفكار الصحيحة والفاسدة الواقعة فيها أي في تلك الطرق حتى يعرف منه أن كل نظر بأي طريق يكتسب وأي فكر صحيح وأي فكر فاسد وذلك القانون هو المنطق وقد عرفت أن للفكر مادة هي الأمور المعلومة وصورة هي الهيئة الاجتماعة اللازمة للترتيب فإذا صحتا كان الفكر صحيحاً أو فسدتا معاً أو فسدت إحداهما كان فاسداً فإذا أريد اكتساب تصور لم يمكن ذلك من أي تصور كان بل لا بد له من تصورات لها مناسبة مخصوصة إلى ذلك التصور المطلوب (مثل كونه ذاتياً أو خارجاً محمولاً مساوياً بيناً) وكذا الحال في التصديقات (فإنه لا بد من مقدمتين مشتملتين على الحدود الثلاثة) فلكل مطلوب من المطالب التصورية والتصديقية مبادٍ معينة (وهذا هو صحة المادة) يكتسب منها ثم إن اكتسابه من تلك المبادئ لا يمكن أن يكون بأي طريق كان بل لا بد هناك من طريق مخصوص (مثل الحد والرسم في التصورات والقياس والتمثيل والاستقراء في التصديقات) له شرائط مخصوصة (كمساواة المعرف وكونه أجلى وإيجاب الصغرى وكلية الكبرى مثلاً) فيحتاج في كل مطلوب إلى شيئين أحدهما تميز مباديه عن غيرها والثاني معرفة الطريق المخصوص الواقع في تلك المبادي مع شرائطه فإذا حصل مباديه وسلك فيها ذلك الطريق أصيب إلى المطلوب فإن وقع خطأ إما في المبادي أو في الطريق لم يصب (أي لم يلزم الاصابة إلى المطلوب الصحيح وإن اتفق في بعض الأحيان كما في قولنا زيد حمار وكل حمار جسم وما قيل إن اللازم ههنا هو الجسمية التي في ضمن الحمار ففيه أن على تقدير تسليمه لا يجري في نحو كل انسان فرس ولا شيء من الفرس بجماد) والمتكفل بتحصيل هذين الأمرين كما ينبغي هو هذا الفن (أما المتكفل لتحصيل المبادي التصورية فبيان أقسام الكلي وبيان خواصها التي تميز بعضها عن بعض وأما للطريق فبيان أقسام المعرف وشرائطها وأما للمبادي التصديقية فبيان ما يتألف منه الصناعات الخمس وبيان ما يتميز به بعضها عن بعض وبيان القضية وأقسامها وشرائطها وأما للطريق فبيان أقسام الحجة وشرائطها وإنما قال السيد كما ينبغي لأن كل علم متكفل ببيان صحة مباديه لكن لاحق التكفل لأن العلم اليقيني بالجزئي إنما يحصل من العلم بالكلي فإن التمثيل والاستقراء لا يفيدان اليقين) اهـ من القطب والسيد بدمج بين العبارتين وما بين قوسين من العلامة عبد الحكيم.
قال الدسوقي عند قول القطب التحتاني (حتى يعرف منه أن كل نظر بأي طريق يكتسب وأي فكر صحيح وأي فكر فاسد وذلك القانون هو المنطق): أي جواب هذا السؤال وهو ما احتوى على صحة المادة والصورة وذلك القانون هو المنطق من تسمية الكل بوصف جزئه.اهـ ولا عطر بعد عروس....

سابعاً نتيجة ما تقدم:

1-قواعد المنطقة كلها كلية:
فالمنطقي يبحث عن كيفية اقتناص المجهولات التصورية والتصديق من معلوماتها، وهذا الذي ينبغي المصير إليه؛ إذ المنطق إنما يبحث بالقوانين الكلية فليس شأن المنطقي أن يعرف "الملك" مثلاً وإنما هذا التعريف من واجبات عالم الكلام ولكن المنطقي يقول للمتكلم إن أردت الحد التام فعليك أن تأتي بالجنس القريب والفصل ويعطي المنطق ضابط كل من هذين الكليين أو أردت الحد الناقص فعليك أن تأتي بالجنس البعيد والفصل ثم المتكلم إن أراد الحد التام وجب عليه تقديمه على النحو الذي شرطه عليه المنطقي فإن أتى به على غير هذا الضابط والقانون فنقول إن خطأه إنما من عدم مراعاة هذا القانون الكلي.
وكذا القول بالقانون الكلي الذي شرطوه للتعاريف وهو كونه جامعاً مانعاً فأعطوا قانون الجمع وقانون المنع فعلى من يأتي بالتعريف أن يراعي هذا فإن لم يراعِ لا نحكم على هذا القانون الكلي بأنه فاسد، وإنما يحكم على تعريف بالفساد لعدم المراعاة.
وكذا الكلام في القياس من جهة الصورة وشروط الإنتاج فهي كلها قوانين كلية فمن أراد أن يصيغ قياساً من الشكل الأول الضرب الأول من الاقتراني فعليه أن يخضع للقانون الكلي الذي عبروا عنه:
وشرطه الإيجاب في صغراه = وأن ترى كلية كبراه

وكذا الكلام في القياس من جهة المادة فالمنطقي يعطي قانوناً كلياً لأنواع القضايا بحسب المادة فقانون البرهان مثلاً ما تألف من مقدمات يقينية بل يعطي المنطق قانون الصناعات الخمس البرهانية والخطابية والجدلية والشعرية والسوفسطائية فصاحب كل صناعة يقتنص مواد قضاياه المخصوصة من قانون ومدارك هذه الصناعات التي ذكرها كل المناطقة في كتبهم.
2-البحث في مواد القضايا من علم المنطق. الذي صار واضحاً بكرم الله تعالى.

ثامناً: خاتمة في تقرير الدليل الصحيح:

(علم المنطق يبحث في صور ومواد الأقيسة) وَ (كل علم هذا شأنه فهو يعصم عن الخطأ في الأقيسة بشرط المراعاة) ينتج (علم المنطق يعصم عن الخطأ بالأقيسة بشرط المراعاة)

المقدمة الصغرى: (علم المنطق يبحث في صور ومواد الأقيسة) وهي قضية نقلية قد أثبتناها بالنقل عن أهل الشأن فصارت يقينية.
المقدمة الكبرى: (كل علم هذا شأنه فهو يعصم عن الخطأ في الأقيسة بشرط المراعاة) وهذه أيضاً يقينية عندنا وعند المدعي.
النتيجة: (علم المنطق يعصم عن الخطأ بالأقيسة بشرط المراعاة) وهي نتيجة يقينية.

وأخيراً أقول للمشكك في فائدة علم المنطق ويناظر في ذلك وهو يستدل على ذلك بالقياس فهو أمام أحد أمرين: إما أن يعترف بفائدة علم المنطق وأن مراعاته تعصم ليسلم له هذا النظر والاستدلال فيكون استدلاله ونظره مفيداً وهو مطلوبنا أو يبقى على اعتقاد عدم فائدته فيفسد دليله لأن المبني على عديم الفائدة عديم الفائدة مثله.
والحمد لله رب العالمين
خادمكم

بلال النجار
10-08-2008, 14:14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي وفق من اختار من خلقه لمعرفة العلوم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، جزاك الله تعالى خيراً على بحثك المفيد. لقد كفيت ووفيت في رد الشبهة. ولو تأمل صاحبنا في بعض كتب المنطق لعلم أن هذه الشبهة لا ترد أصلاً على منطق المسلمين على الرغم من اشتهارها بين جميع من يتحذلق من المعاصرين المقلدين لفلاسفة الغرب المنتقدين على أرسطو البريء من كثير من سوء فهمهم له، والظانين أن المسلمين ترجموا أرسطو واجتروا أفكاره من عهد أبي نصر إلى اليوم! فدائماً يوسم المنطق بأنه صوري يعتني بالشكل دون المضمون، وأنه مجرد تركيبات لفظية سفسطية للتمويه والتزييف، وأنه آلة يمكن بها نفسها إثبات الشيء ونفيه، وتزييف الحقايق وإثبات الباطل. ومما أذكر عبارة بعض الماركسيين قال إن المنطق مثل البندقية في أيّ اتجاه صوبت منظارها أصابت. وهو والله تهمة باطلة.
لقد رأيتك يا أخي تنقل عن كتب أكابر العلماء، وإنه إذا قيل الإمام في هذا الفن فلا إمام في نظري بلغ ما بلغ القطب الرازي فاعتن بفهم كلامه خاصة، والسعد والشريف محققان كبيران في هذا الفن. وكل أهل العلم بعد الله تعالى عون وغوث ومدد. نفعنا الله ببركاتهم وعلومهم. وأراك تحب هذا الفن فاهتم بالنحو فإنه شقيق المنطق، وقد عرفت طريق البحث في كتب العلماء، فاعلم أن هذه هي طريق العلم والتحقيق. فاتق الله تعالى واعلم أنه يعلم ما في نفسك، فطهر باطن النوايا، واعلم أن كل عالم جاهل إلا من علّمه الله، وأن الله تعالى أنزل العلم ليعمل به، فأد لله شكر ما أنعم مناً منه وفضلاً، واحرص على جمع الدرر، غص هنالك ولخص ورتب واكتب ولا تقل إلا ما تعلم تربت يداك. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقك لما يحب ويرضى وأن يجعلك مع الحق تدور حيث دار. وأن يهديك ويهدي بك، وأن ينفع بك المسلمين. آمين آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

علي عبد اللطيف
10-08-2008, 14:43
فاعلم أن هذه هي طريق العلم والتحقيق. فاتق الله تعالى واعلم أنه يعلم ما في نفسك، فطهر باطن النوايا، واعلم أن كل عالم جاهل إلا من علّمه الله، وأن الله تعالى أنزل العلم ليعمل به، فأد لله شكر ما أنعم مناً منه وفضلاً، واحرص على جمع الدرر، غص هنالك ولخص ورتب واكتب ولا تقل إلا ما تعلم تربت يداك
أسأل الله عز وجل أن يقوي ظهري ويعنني على نصيحتكم فقد أثقلتم الحمل والظهر ضعيف جداً سيدي بارك الله بكم وجزاكم الله خيراً.
خادمكم

علي عبد اللطيف
14-08-2008, 15:06
كم وددت أن شيخنا الأستاذ أمتع الله به نظر في مشاركتي للتقويم والتصويب ولكن أعلم ضيق وقته وكثرة مشاغله.......
كان الله بعونكم يا سيدي.......

خادمكم

علي عبد اللطيف
17-08-2008, 23:30
= = = = = = = = =
خادمكم

سعيد فودة
19-08-2008, 10:18
الأخ علي عبد اللطيف
ما ذكرته ونسجته يداك لطيف ومفيد في بابه، وهو شاهد على اهتمامك بطلب العلم وبذلك الجهد، وندعو الله تعالى أن يزيدك من فضله، ولا يوجد إنسان كامل أو مستكمل لما يفعله من هذه الأمة إلا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، أدعو الله لك بالتوفيق والزيادة منه، واستمرار السداد على هذا الطريق....
ولعلك لا تغفل بعض الشبه الأخرى التي تستحق أن تبحث وراءها وتكتب ما تجده فتفيد وتستفيد....
وسوف أحاول أن أعيد قراءة ما كتبته فإن وجدت تعليقات وإرشادات تفصيلية كتبتها لك بإذن الله تعالى...
فادع الله لنا بظهر الغيب بالتوفيق والرضى والموت على الإيمان...

علي عبد اللطيف
19-08-2008, 15:00
جزاكم الله خيراً سيدي الشيخ على حسن رعايتكم لهذا المملوك وأسأل الله تعالى لكم ولأحبابكم ولنا وللمسلمين حسن الختام.....اللهم آمين.

علي عبد اللطيف
07-09-2008, 00:28
الشبهة الثانية:


قد وقع الخلاف بين النظار من المناطقة في بعض القواعد و القوانين المنطقية فهل يتم التمييز بين الصحيح و السقيم من هذه الخلافات بنفس المنطق ، أو لا يرد علينا أن المنطق قد يحتاج إلى منطق آخر أعلى منه للرجوع إليه في حل هذه الإشكالات و يلزم التسلسل ****

و أيضا قد يقال إن العقول التي نظرت و كشفت عن قوانين المعقولات و دقائقها و ضوابطها و على رأسها علم المنطق ليست بمعصومة في آحادها والإجماع لا يعتد به في العقليات فما الضامن أنه لم يعرض لها الخطأ و الوهم أثناء كشفها عن نفس قواعد و قوانين المنطق و لامعصوم ها هنا نحتكم إليه للتمييز بين الحق و الباطل من القواعد المنطقية

السلام عليكم سادتي:
من يجمل لنا طريقة الرد على هاتين الشبهتين ونحن نفصل بها إن شاء الله.......

خادمكم المحب....

سعيد فودة
07-09-2008, 11:09
سبحان الله!!
أمسِ فقط!! كنت أتساءل لم لم يكمل الأخ علي عبد اللطيف الردَّ على هذه الشبه وبيان الحلِّ فيها، وكأنك قد سمعت كلامي النفسيَّ فأتى جواب استئنافك الكلامَ فيها اليومَ بدون مرسال ماديٍّ....
أدعو الله تعالى أن يثيبك خيرا وأن يعلي من قدرك في العلم والإفادة...

علي عبد اللطيف
07-09-2008, 14:46
أدعو الله تعالى أن يثيبك خيرا وأن يعلي من قدرك في العلم والإفادة..
آمين وإياكم يا سيدي الشيخ، عدت إلى المنطق لحبكم له ولحبي لكم يا سيدي وإلا كنت قد هجرته أكثر من تسع سنوات منشغلاً عنه بعلوم آخرى....وكانت بداية عودتي دروسكم على متن السلم جزاكم الله خيراً ونفعني والمسلمين بكم يا مولاي....


قد وقع الخلاف بين النظار من المناطقة في بعض القواعد و القوانين المنطقية فهل يتم التمييز بين الصحيح و السقيم من هذه الخلافات بنفس المنطق ، أو لا يرد علينا أن المنطق قد يحتاج إلى منطق آخر أعلى منه للرجوع إليه في حل هذه الإشكالات و يلزم التسلسل
أصدقكم القول يا سيدي أني لم أكسل في محاولة الرد وقد كنت بدأت بهذه الشبهة وقرأت الكثير من كلام المناطقة بما يتعلق بها.... ولكني لم أستطع أن أستمسك طرف الإجابة لأنطلق بها لذا طلبت من يردها مجملةً لأشرع بالتفصيل بناء على إجماله.....
-الكلام على الخلاف الذي جرى بين المناطقة وما يبنى عليه.؟
-المنطق يعصم الفكر عن الخطأ بشرط المراعاة: الكلام على الفكر والعصمة وشرط المراعاة وهو حاكم على كل فكر سواء كان المفكر عالم المنطق أم غيره.؟
-تسلم قول المدعي أن التمييز بين الصحيح و السقيم من هذه خلافات المناطقة يكون بنفس المنطق ؟ قاطعين بذلك التسلسل.؟
-الأخطاء التي وقع بها المناطقة غير ناشئة بوصفهم مناطقة بل بوصفهم بشر يعتريهم النسيان والسهو الوهم أحياناً.؟
فما زلت أنتظر من يكتب لنا بالإجمال...
أين الشيخ بلال......

بلال النجار
07-09-2008, 23:25
أخي الفاضل

أما شبهة أن المنطق لكونه نظرياَ يعرض فيه الغلط فإنه يحوج فيه قانون إلى قانون آخر ويتسلسل.
فمفتاح الرد أن المنطق بعضه ضروري وبعضه نظري يكتسب من الضروري منه بطريق ضروري كما يكتسب غير البين من الاشكال من الشكل الاول الضروري بطريق بينة فاستغنى عن منطق آخر. ولا ينقصك النباهة وحسن البحث لتفصل وتزيد في الجواب وترينا مقالة ندعو لك حين نقراها.

علي عبد اللطيف
07-09-2008, 23:30
جزاك الله خيراً يا سيدي بلال.....
تلميذكم

بلال النجار
07-09-2008, 23:49
وشبهة القائل: (إن العقول التي نظرت وكشفت عن قوانين المعقولات ودقائقها وضوابطها وعلى رأسها علم المنطق ليست بمعصومة في آحادها والإجماع لا يعتد به في العقليات فما الضامن أنه لم يعرض لها الخطأ والوهم أثناء كشفها عن نفس قواعد وقوانين المنطق ولامعصوم ها هنا نحتكم إليه للتمييز بين الحق والباطل من القواعد المنطقية)

فمفتاح الجواب: أن هذا كلام خطابي لا تحقيق فيه. بيانه أن قوانين المنطق ضروريات أو نظريات مبرهن عليها فمآلها إلى الضرورة. والقادح فيها قادح في الضرورة. ولا يمكن لعاقل أن يقيم علماً إذا أنكر الضرورة، ولا ينكر الضرورة إلا السفسطائية. فلا يقال يعرض الخطأ لواضع القوانين. لأنا نقول إن كانت ضرورية فلم يفعل الواضع إلا أنه عبر عن الضرورة. وإن كانت نظرية فلا تعد قوانين إلا إذا برهن عليها برهاناً صحيحاً. فالاتفاق الحاصل بين الناس على قواعد المنطق ليس إجماعياً حتى يقدح في عدم فايدته في هذا المحل لكونه في أمر غير ديني أو غير ذلك مما قد يقال، لأنه اتفاق على ضرورة وهذه لا يقع الخلاف فيها أصلاً إلا ممن لا يعتد العقلاء بخلافه وهم السفسطائية. أما في القواعد الضرورية فظاهر، وأما في المبرهنات فلضرورية نفس البرهان.
وأما ما قد يشتبه على الأغرار من أنه قادح في قوانين المنطق مما يقرأه من خلافات في الكتب المنطقية فليست في القواعد المنطقية وقوانين الفكر، بل في أمثال البحث عن حقايق الأشياء ككلامهم في حقيقة التصديق والعلم والوجود... ونحو ذلك مما هو محل نظر وبحث واجتهاد وتنقيح.... والبقية عندكم يمكنك أن تستقصي محلات البحث والخلاف في الكتب المنطقية لتعلم ما أعني بهذا الكلام. وفقكم الله تعالى وسدد خطاكم. وإن بقي عندك شبهة أخرى تريدني أن أجمل لك الجواب عنها فهاتها لأوافيك بذلك إن شاء الله تعالى

علي عبد اللطيف
08-09-2008, 14:55
جزاك الله خيراً يا سيدي سأبدأ بالتخليص معتمداً على ما تفضلتم به ....

أسأل الله لكم أن يجعلكم قرة عين لحضرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم....أنتم ومن تحبون.....

أنفال سعد سليمان
16-06-2012, 18:00
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله

بدايةً الشكر موصول للأخ علي عبد اللطيف على جهده و وقته، جزاه الله خيرا.

في الحقيقة الأخ علي اختار الشبهة ذاتها التي أريد ردا شافيا عليها. و لكن لست أدري لم للآن لم أجد جوابا مقنعا لي في هذا الموضوع، و سأبين في مشاركتي هذه محل إشكالي بالضبط، و أرجو من المتخصصين التصحيح.

و ليكون المتخصص الذي سيجيبني -متفضلا، مشكورا- بالصورة فأنا درست السلم بشرح الأخضري و حضرة العلامة الأستاذ سعيد -أسعد الله مهجته-، مع مبحث التصورات برمته و جزء كبير من القضايا من شرح الخبيصي على التهذيب، و شرعتُ الآن في قراءة ضوابط المعرفة للميداني و قد أنهيت ربع الكتاب تقريبا. و إلى هذا الربع لم يضف إلى علمي زيادة كبيرة على ما أعلمه من شرح السلم و الخبيصي، و لا أنفي مطلق الفائدة. و قرأت أيضا تدعيم المنطق.

و في الأصول شرح المحلي على الورقات، و في الكلام كتب المبتدئين كتهذيب السنوسية و السنوسية و صغرى الصغرى، و لم أجاوز مستوى الاقتصاد. (ذكرتُ هذا لأبين أني لم أستفد للآن كثيرا من المنطق في هذين العلمين، للآن)

المهم، رجع إلى الشبهة، قال الأخ صهيب:



3 – ذهب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يتعلق بتعديل صور القضايا و ترتيبها و هيأتها و لا يتعلق بمواد القضايا إذ مواد القضايا يبحث عنها في علومها الخاصة بها إن كانت من مباحث الهندسة ففيها و إن كانت من مباحث الأصول و الطب و الكلام و الفلك و الفقه و الطبيعيات ، .... إلخ من العلوم يعرف صحتها و سقمها في العلوم المختصة بها ، و المدقق يجد أن أكثر الأخطاء و الشبه و الإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها و علم المنطق يبحث في صور القضايا لا موادها فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ


و أنا مع الأخ علي عبد اللطيف أن مبحث مواد القضايا/ الأقيسة مذكور في كتب المنطق و لا شك. يعني: يذكر لنا المناطقة أقسام الأقيسة: برهاني، جدلي، خطابي الخ ثم يتطرقون إلى ما تتألف منه هذه الأقيسة، فإن كان برهانيا تألف من يقينيات: الحدسيات، الأوليات، المتواترات الخ، إلى آخر ما يذكره المناطقة في هذا المبحث.

هذا مسلَّمٌ لا أنكره، و لكن الجزئية التي لا أرى أن الأخ عليا أجاب عليها من الشبهة -و هي الأهم بالنسبة لي- هي هذه:


و المدقق يجد أن أكثر الأخطاء و الشبه و الإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها

بل أقول: الأمر لا يحتاج إلى تدقيق، هل ينكر هذا أحد؟ أقصد: كون أكثر الشبه و الإشكالات من المواد لا الصور؟ لا أريد أن أتكلم باسم الكل، فلْأتكلم عن نفسي: فأنا لم أرَ أحدا خطّأ الآخر و نقده لغلط في نظم القياس أو أنه لم يقف على شروط نظم الشكل الأول مثلا. كل ما أعرفه أنهم يخطئون بعضهم بسبب علة في المضمون، أي إذا كان مخالفا للواقع في اعتقاد الناقد.

فكون مبحث مواد القضايا ألحق في آخر كتب المنطق الإسلامي لا ينفي هذه الحقيقة، أقصد أن مرد معظم الإشكالات إن لم يكن كلها هو موادة لقضايا لا الأقيسة.

و إني استغربتُ كلمة قالها شيخي حسن هيتو حفظه الله أيام كنت أدرس عنده المنطق، قال لنا أن المنطق هو أصعب العلوم، مع أني أراه علما سهل المأخذ لا أقصد بالنسبة لي فقط أقصد عموما. فلا أدري هل يوافقني الإخوة على هذا؟

و أذكر أني سألت دكتوري في الجامعة (يدرّس فارماكولوجي علم من علوم الصيدلة) إن كان سمع بعلم المنطق (logic) فقال لا!! و دكتوري درس في أوروبا -على ما أذكر-. طبعا أنا لم أورد هذه الحادثة لأني أعتقد كلام دكتوري حجة، قصدتُ فقط أن أبين أن الدكاترة في الجامعة -أتكلم عن تخصصي- درسوا و نالوا البكالوريوس و الماجستير و الدكتوراه في علوم الصيدلة و لم يضرهم أنهم لم يدرسوا المنطق أو لم يسمعوا به حتى (ذكرتُ فقط هذا الدكتور و لكني أكاد أجزم أن بقية الدكاترة حتى لو سمعوا بالمنطق فإنهم لم يدرسوه). و أقصد لم يضرهم: أي لم ينقص من ملكتهم في النقد و الاستدراك و الدقة، بحكم تجربتي في مخاطبتهم و مناقشتهم.

الذي أريد قوله: -و أورد هذه النتيجة لتكون مجال نقاش-: أن علم المنطق ليس ذا كبير فائدة، نعم، أحترم فعلا قدرة أرسطو العجيبة في اختراع هذا العلم، و استنباط الأشكال و وضع شروط عليها و غير ذلك، و لكن، من حيث التطبيق و الفائدة المجنية من دراسته و قراءة كتبه فلا أراها ظاهرة. و قولي ليست ظاهرة أقصد به أن من لم يدرس المنطق فلن يفوته الكثير لا في علم الكلام فضلا عن غيره من العلوم. فالمبتدئ في العقيدة مثلا عنده برهان الحدوث واضح كالشمس في رابعة النهار، لا يحتاج أن يعرف مثلا الشكل الأول و شروطه ليقر به. و أما من أراد الترقي في علم الكلام فلربما يحتاج إليه من جهة حاجته إلى معرفة الاصطلاحات و التعبيرات المبثوثة في كتب الكلام التي لو لم يكن طالب العلم قارئا لكتاب في المنطق فلن يستطيع فهمها، و الله أعلم، هذا فقط ظني فأنا لم أترقّ أصلا في الكلام لتكون وجهة نظري عن تجربة و خبرة لذلك فليصححني المتخصصون.

أما قول حجة الإسلام رضي الله عنه المشهور المأثور -فيما معناه- "من لم يدرس/ يعرف علم المنطق فلا ثقة بعلمه"، فبيّنٌ أن من كانت عنده قواعد علم المنطق راسخة في ذهنه فلا يحتاج إلى هذا العلم.

و تختلف البدائه المذكورة في كتب المنطق عن البدائه المذكورة في علم الرياضيات، فالأول لا يحتاج إلى دراسة في نظري، و الثاني يحتاج. و إلا لم درّس الرياضيات للتلميذ منذ بداية التحاقه بالمدرسة.

أما قول الأخ صهيب:


فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ

فهو استنتج قوله : ( فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ) من قوله قبله مباشرة : (و يحتاج معه إلى أمور و علوم و قواعد أخر) و عليه فأنا أرى هذه المقدمة صحيحة تماما و مفضية إلى النتيجة. فلا شك أن لكل فن قواعد و شروطا و ضوابط إذا لم يلتزم بها طالب العلم، أو لم يعرفها من الأساس، وقع في الخطأ في التفكير.

و أما قول الأخ علي أخيرا:


وأخيراً أقول للمشكك في فائدة علم المنطق ويناظر في ذلك وهو يستدل على ذلك بالقياس فهو أمام أحد أمرين: إما أن يعترف بفائدة علم المنطق وأن مراعاته تعصم ليسلم له هذا النظر والاستدلال فيكون استدلاله ونظره مفيداً وهو مطلوبنا أو يبقى على اعتقاد عدم فائدته فيفسد دليله لأن المبني على عديم الفائدة عديم الفائدة مثله.

أقول: إن طريقة الاستدلال التي نظمها الأخ صهيب يقر هو بها و يقر بها أيضا المعارضون لعلم المنطق، من حيث هي بديهة من بدائه العقل، لا من حيث حاجة دراستها و معاناة قراءة كتاب في المنطق لمعرفتها.

و في الحقيقة الفائدة التي استفدتها من علم المنطق ترجع إلى استفادة الألفاظ و الاصطلاحات أكثر من المحتوى. (مقدمة، حجة، قياس، مانعة جمع و خلو، مانعة خلو، الخ)

هذا ما عندي، و أرجو من المتخصصين الجواب، و السلام عليكم.

بلال النجار
24-06-2012, 15:35
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخت الكريمة

قوله: (ذهب أكثر المحققين من المناطقة إلى أن المنطق يتعلق بتعديل صور القضايا و ترتيبها و هيأتها و لا يتعلق بمواد القضايا إذ مواد القضايا يبحث عنها في علومها الخاصة بها إن كانت من مباحث الهندسة ففيها وإن كانت من مباحث الأصول والطب والكلام والفلك والفقه والطبيعيات، .... إلخ من العلوم يعرف صحتها وسقمها في العلوم المختصة بها، والمدقق يجد أن أكثر الأخطاء والشبه والإشكالات تقع في مواد القضايا لا في صورها وعلم المنطق يبحث في صور القضايا لا موادها فلا يكفي المنطق وحده عندئذ للعصمة في التفكير ويحتاج معه إلى أمور و علوم وقواعد أخر فقواعده تعصم الذهن جزئيا لا كليا عن الوقوع في الخطأ)


حاصل هذا الكلام أن المنطق ليس ميزاناً كافياً للعصمة عن الخطأ في الفكر فيعصم جزئياً لا كليّاً لعنايته بالصورة فقط دون المادة؛ لأنّ أكثر الخلاف في المادة، وكل مادة يبحث عن صحتها وفسادها في العلم الذي يختص بها.
لنحلل هذا الكلام مفترضين أننا ندرس الفيزياء مثلاً. ولنقدّم بتعريف العلم أيّ علم. العلم تصوّرات وتصديقات كثيرة يطلب حصولها بأعيانها عن طريق النظر والاستدلال.
فالقائل يقول بالمعنى: إن دارس الفيزياء لا يعصمه المنطق إلا جزئياً من حيث الصورة فقط في نظره واستدلاله لتحصيل تصوراته وتصديقاته في علم الفيزياء. ولكنّ المنطق لا يحصّل له العصمة في المادة التي يقع فيها فكره، تلك المادة التي هي عبارة عن القضايا الفيزيائية، فعليه أن يدرس الفيزياء ليعلم صحتها من فسادها. وبما أنّ أكثر الخطأ يقع فيها فكأنّ القائل يقول: لا داعي لدراسة المنطق من أصله لأنه إما أنه ليس له فائدة أصلاً أو أن فائدة قليلة لا تكاد تذكر. وهذا الكلام منه هو إعادة صياغة لما قاله ابن تيمية من قبل: "المنطق لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد". والأخت السائلة توافق إلى حد ما على هذا الكلام مستدلة بذلك بجربتها الشخصيّة حيث لم تفد هي أيضاً من المنطق الفائدة المرجوة على ما يظهر.

فأقول: ليس صحيحاً أن المنطق لا دخل له بمواد القضايا. بل المنطق يعطينا ميزاناً لنزن به القضايا لنعرف صحتها من سقمها فيقرر أن المادة أي القضيّة المنظورة من قبل الناظر إما منقولة أو معقولة. فإن كانت منقولة فيقول لنا لا يصل منقول إلى درجة العلم إلا إذا كان متواتراً أو في قوّة المتواتر كالآحاد المحفوف بالقرائن. ويقول إن هنالك قضايا ظنية ومشكوكة وموهومة فإذا استعملت كمقدمات في الاستدلال تبعت النتيجة الأخسّ منها. وإنت كانت القضيّة كاذبة لم تسلتزم شيئاً لأن الخطأ لا يستلزم شيئاً بل اليقين هو المستلزم لليقين أو الصواب هو المستلزم للصواب، واللازم الباطل دال على فساد الملزوم أما اللازم الصحيح فلا يدل على صدق أو كذب ملزومه. ونجد المنطق يتكلم في معنى التواتر وشروطه وتقرير كونه طريقاً من طرق المعرفة اليقينية.

وإذا كانت معقولة فإن كان ضرورية، وإلا طلب الدليل على صحتها. فيسأل أهي مأخوذة من حس، أم من حسّ وعقل (عادة)، أم هي مشهورة، أم هي مظنونة، أم هي معقولة محضة فلا بدّ من البرهان عليها... كلّ هذا وأكثر -وبالتفصيل الكافي الذي يسير معه الباحث في علم من العلوم على هدى- يتناوله المنطق. فكيف يقال إن المنطق لا يعصم الذهن من جهة المادة؟!
عجباً، المنطق علم آليّ فهو يعطيك الآلة، ويوصيك بترتيب المقدمات (المواد) والنظر فيها واختبار صحيحها من فاسدها، فإن لازمها بحسبها، ويحدد لك ما هو اليقيني منها من غير اليقيني ببيان الصفات العامة لليقيني وغيره، ويحدد لك الإجراءات التي عليك اتباعها لاختبار المقدمات. فلم يبق على الباحث في علم معين لكي يحصّل ذلك العلم إلا أن يسلك هذه الطريق التي رسمها له المنطقيّ، فقد أحكم له الطرق التي تؤدي به لتحصيل التصورات الصحيحة والتصديقات الصحيحة.
فكيف يقال إن المنطق لا يفيد في تحصيل العلوم؟! هل المطلوب أن يزودنا المنطق بنظّارة إذا نظرنا من خلالها في مادة ما أن نعرف أنها مطابقة للواقع أو غير مطابقة؟! هذا الكلام لا يقول به عاقل. فهذا هو العمل الذي يقوم به كلّ صاحب فنّ في فنّه الذي يشتغل به. فإذا تعلّم المشتغل المنطق تعلّم القوانين الكليّة للفكر، ثمّ عليه هو أن ينظر في الجزئيات ويختبرها. كما أنّ الأصوليّ لا يطلب منه أن ينظر في الجزئيات بل يعطي الفقيه القوانين الكليّة التي يسلكها لاستنباط الأحكام الجزئيّة. فإذا لم يتوصل الفقيه إلى حكم معين في مسألة ما، فهل يوضع اللوم على الأصوليّ ويقال إن علم الاصول علّمه البحث في الصورة ولم ينفذ إلى المادة، والخلاف الحاصل بين الفقهاء إنما هو في المادة!؟ لا أحسب ذا رويّة يقول ذلك.
وأما أنك تجدين المنطق سهلاً فهذا ممّا يسرّ، ولكني أرجو أن لا يتغيّر رأيك عند قراءة كتب في مستوى الشمسيّة، والمطالع وحين تخوضين في إشكاليات المنطق الحقيقيّة. صدقيني حين يبدأ الإنسان في أي علم يجده سهلاً ميسوراً ضيقاً فإذا بدأ يغوص فيه اتسع حتى صار بحراً لا ساحل له. وكلّ يتكلم بحسب حاله، ويصدر عن تجربته، فالشيخ حسن يقول ما رأى، وأنت تقولين ما رأيت، وكلاكما مصيب لأن الأمر أعني السهولة والصعوبة نسبيّ بالفعل إذا اتحد المنظور فيه، فإذا اختلف لم يتحقق تناقض لاختلاف الموضوع، فلا داعي للعجب. هكذا يقول المنطق المظلوم.
أما أنّ الدكاترة الذين لقيتهم ولم يدرسوا المنطق ولم ينقص ذلك من ملكاتهم، فنحن لا نقول إن كلّ من لم يدرسه تنقص ملكته، فلربما كان سليم الطباع، مجبولاً على ذكاء الفؤاد، ولكنا نقول إن من يدرسه فإن ذهنه يتقد ويشحذ ويتوسع إدراكه ويقوى وينعكس ذلك على تفكيره وكلامه...هذا أمر مجرّب معلوم مشهور بين المتقدمين والمتأخرين، ولا يحتاج لأن يستدلّ عليه لكثرة شهادات العلماء وطلبة العلم عليه. وفي مثال قريب هنالك أخ فاضل يدرس معي المنطق من مدّة، وهو مشتغل بطلب العلم وتفسير القرآن منذ سنين طويلة، يعترف لي ويقول إن المنطق قد فتح في عقله آفاق كانت مغلقه، وأفاده في التفسير في أنظار لم يكن ليلتفت إليها من قبل دراسة المنطق، وهو من هو في حفظه وسعة اطلاعه. وقد درست في الجامعة، وليتني التقيت بمثل هؤلاء الدكاترة الذين تصفينهم بهذه الأوصاف. فأغلب من لقيتهم ممن يتحرّجون من مناقشة أيّ مسألة. ثم إني أوافق الإمام الغزاليّ في أن من لم يدرسه لا ثقة لنا بعلمه وهو بالطبع لا يقول هنا قضيّة كليّة، فهو رحمه الله تعالى يعلم أنه يوجد الأفراد ممن لم يدرسوه ممن يوثق بعلومهم. وأخالفك الرأي فأقول إن من لم يدرس المنطق فقد فاته الكثيييير الكثير، وسيفوته الكثير في المستقبل، والأذكياء موجودون في كلّ زمان، ولكنهم قلة قليلة، والنوابغ ندرة نادرة، "إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة".


قولك: (و تختلف البدائه المذكورة في كتب المنطق عن البدائه المذكورة في علم الرياضيات، فالأول لا يحتاج إلى دراسة في نظري، و الثاني يحتاج. و إلا لم درّس الرياضيات للتلميذ منذ بداية التحاقه بالمدرسة)

أقول: البدهيات هذ البدهيات سواء كانت في المنطق أو في غيره، ولا شيء من البدهيات بحاجة لدراسة. والبدهيات هي الأصول التي تبنى عليها النظريات. والطالب يذهب إلى المدرسة ويدرس الرياضيات ولا يدرس المنطق لأن الذين وضعوا المناهج لم يضعوا في المنهاج المنطق، وإلا فقد مرّ زمان كان السلّم يحفظ في الكتّاب. والرياضيات كلّها من أولها إلى آخرها مبنية على المنطق. وهي ثمرة من ثمار المنطق، يعرف ذلك من يتقن الرياضيات. فالرياضيون الأوائل هم المناطقة، وما زال كبار الرياضيين هم من المناطقة، ومن يعرف الرياضيات يعرف أنه لا يكون القانون قانوناً إلا إذا تمّ البرهان عليه، والبرهان الرياضيّ هو عين البرهان المنطقي لا يختلف عنه في شيء أبداً بشقيه المباشر وغير المباشر الذي كان يسمى برهان الخلف في عند المناطقة.

ولا يوجد علم إلا وفيه جدل، وبحث ونظر، وعلم آداب البحث والمناظرة لا قيام له بدون المنطق فهو يتأسس تأسساً عليه، ويتبوب بناء على أبواب المنطق.

والمنطق لمن لا يعرف هو الأساس الذي قام عليه علم الأنظمة الرقميّة وتكنولوجيا الحواسيب وتصميمها، لأن ذلك قام على الجبر البوليني أو المنطقي. وأساسه هو فرض متغّيرات لها إحدى قيمتين إما الخطأ أو الصواب -وهو تطبيق مباشر على مبدأ الثالث المرفوع في المنطق- ثم استلزام نتيجة تلك المتغيرات كما تقول: صائبة وصائبة فالنتيجة صائبة، وهو تطبيق مباشر للقياس المنطقي بفوارق فنيّة بسيطة لا تكاد تذكر. وأخذ من ذلك صناعة البوابات المنطقيّة في الإلكترونيّات، فمثلاً بوابة (و) أو "AND Gate" وهي دائرة إلكترونية لها مدخلان أو أكثر ومخرج واحد، فإذا وصلها التيار الكهربائي من جميع مداخلها نفذ من المخرج، وإلا فإن لم يصلها من أي من مداخلها لم يخرج، فقالوا دعونا نعبّر عن الصواب بوجود التيار وعن الخطأ بعدم وجوده، وبالتالي إذا كان للدائرة مدخلان ووصل التيار منهما، فسيخرج من المخرج، وترجمة ذلك بالمنطق: صواب وصواب فالنتيجة صواب. فالصواب يستلزم الصواب. وهنالك بوابات كثيرة فلتنظر في كتب التصميم المنطقي. المهم أنه أخذت هذه البوابات ووضعت فيما يسمى الدوائر الإلكترونية المتكاملة وصنعت بحيث تقوم كل دائرة بمهمة محددة، وتصمم الأجهزة الرقمية باستعمال هذه الدوائر لتقوم بوظائف مختلفة. فلولا المنطق لم توجد الرياضيات ولولا الرياضيات لما وجد شيء من الاختراعات التي نعرفها اليوم ولا حصل تقدّم علميّ وتقني في أيّ علم من العلوم. ولولا المنطق لما وجدت الأنظمة الرقميّة ولا قرأتم هذا الكلام الذي أكتبه. أرأيتم كم هو مظلوم علم المنطق!

قولك: (فلا شك أن لكل فن قواعد وشروطا و ضوابط إذا لم يلتزم بها طالب العلم، أو لم يعرفها من الأساس، وقع في الخطأ في التفكير)

ليس صحيحاً أن لكلّ فنّ قواعده وشروطه وضوابطه من حيث هو فنّ أي علم يراد أن يطلب ويحصّل، بل العلوم من حيث هي علوم سواء في ذلك. وإنما الاختلاف بين العلوم وتمايزها هو بحسب اختلاف موضوعاتها. أما طرق التحصيل فهي واحدة. الطريقة العقليّة هي الطريقة العقليّة. وحتى الطريقة التجريبيّة هي فرع الطريقة العقليّة، لأنّ المنطق يقرر في ضمن مواده اليقينيّة التجربيّات، فإذا توقّف العلم بقضيّة على تجربة فلا بدّ من التجربة، لأنّ الكشف عن القانون المطرد (العادة) مركب من العقل والحسّ، فإذا لم تقع التجربة لم يقع لنا حسّ، فلم يثبت قانون عاديّ. وهذا الكلام يرد به على كلّ الذين يقولون العلوم اليوم تجريبية، ولا مجال إلى إثبات قانون إلا بالتجربة، والأولون في طريقتهم العلمية القديمة لم يعتنوا بالتجربة. أنا فعلاً أتعجّب ممن يقول هذا الكلام. إنني كلما قرأت اتهاماً لعلوم المتقدمين أنهم لم يعتنوا بكذا وكذا وبحثت في الأمر وجدتهم اعتنوا به غاية الاعتناء، فلا أدري أيكذب عليهم من ينتقدهم بمثل هذه النقود أم أنه لم يطلع على ما قالوا البتة أو أنه استقراه استقراء ناقصاً، أتمنى بالفعل أن تحصل دراسات حول هذا الأمر.

وأخيراً أسأل الأخت السائلة سؤالاً أتركها تجيب عليه لوحدها: هل تظنين فعلاً أن هؤلاء الفحول من العلماء من أمثال الغزالي والرازي والكاتبي والأرموي القطب التحتاني والسعد والشريف ومن قبلهم ومن بعدهم أتعبوا أنفسهم في دراسة المنطق والتعمق فيه وألفوا فيه وحضوا على تعلّمه وهم يرونه غير ذي فائدة أو قليل الفائدة، لا تكاد تتجاوز فائدته تعلّم بعض المصطلحات الجديدة! هل تتوقعين فعلاً أن من وضعوا المصطلحات المنطقيّة وضعوها لمجرد أنهم أرادوا وضع مصطلحات جديدة... أرجو أن تعيدي النظر في موقفك هذا. والله تعالى الموفق.

أنفال سعد سليمان
24-06-2012, 19:51
سيدي الشيخ الفاضل بلال؛ السلام عليكم، و مرحبًا بكم من جديد، و عسى أن يكون غيابكم خيرًا.

أشكركم جزيلًا على تفضّلكم بالإجابة.


وأخيراً أسأل الأخت السائلة سؤالاً أتركها تجيب عليه لوحدها: هل تظنين فعلاً أن هؤلاء الفحول من العلماء من أمثال الغزالي والرازي والكاتبي والأرموي القطب التحتاني والسعد والشريف ومن قبلهم ومن بعدهم أتعبوا أنفسهم في دراسة المنطق والتعمق فيه وألفوا فيه وحضوا على تعلّمه وهم يرونه غير ذي فائدة أو قليل الفائدة، لا تكاد تتجاوز فائدته تعلّم بعض المصطلحات الجديدة! هل تتوقعين فعلاً أن من وضعوا المصطلحات المنطقيّة وضعوها لمجرد أنهم أرادوا وضع مصطلحات جديدة...

بل قطعًا سألتُ نفسي هذا السؤال، و هو سؤال حقيقةً يسأله كل عاقل منصف لنفسه قبل أن يشكّك في فائدة علم ألّفَ فيه الكتبَ علماء محققون أفذاذ و دُرّس طوال هذه القرون. و جوابه هو الذي يجعلني أطرح رأيي على سبيل التساؤل و الاستفهام، لا على سبيل التقرير أو المعارضة، فأنا أريد أحدًا أن يوضّح لي لمَ أنا لم أفد منه. و أريد أحدًا يوضّح لي أيضًا، لم هذا الهجوم على المنطق الصوري/الإسلامي/الأرسطي من قبل علماء كبار معاصرين و قدماء؟ لا أقصد ابن تيمية و المجسمة، فكلامهم لا يعنيني و لا يهمني قلامةَ ظفر، و لا أقصد علماء الدين أمثال الإمام السيوطي و النووي و ابن الصلاح فهؤلاء رحمهم الله سبب إنكارهم له معروف، أنا أقصد الفلاسفة الكبار و الطبيعيّين، ما السبب؟ هل هي من باب العداوة يعني؟ هل يُعقل أن يكون مجرّد الجهل به؟! يعني إنسان عاقل مثل هؤلاء الفلاسفة الكبار و الطبيعيّين، يسمعون أحدًا تكلم عن المنطق، فبنوا نظرتهم على ما سمعوه و قالوا: لا، هذا علم لا قيمةَ له؟ صعب علي أن أتقبّل هذا. و لكن أنتم أعلم على كل حال.
ثم إني درستُ متون المصطلح و العقيدة و الأصول و غيرها من متون المبتدئين و أدركتُ فائدتها -و أنا لم أترقَّ فيها ترقّيًا يُذكَر- من دون صعوبة و لم أشكّك فيها، أما المنطق فأمره مختلف -عندي-! و لكني أكذب عليكم إن قلتُ أني لا أحب علم المنطق، فحبي له هو الذي دفعني لأن أبحث عن إجابة عن تساؤلي و لا أهمله و أنصتُ إلى من أساؤوا فيه القالة.

و أصدقكم القول سيدي: لا أعتقد أني سأغيّر رأيي -أقصد: أن علم المنطق مفيد لي شخصيًّا- بحيث أدافع عن فائدته و أقرّها بلساني -لا بلسان غيري ممن رأى فائدته- إلا إذا رأيتُ ثمرة ذلك. أما كون غيري قد انتفع به قديمًا و حديثًا فهذا بالطبع لا يسعني أن أنكره. و الطريقة الوحيدة لذلك أن أترقّى بنفسي و أقرأ كتب المحققين كأن أنتهي من كتاب شرح الخبيصي مع حاشيتيه و الشمسية و المطالع. و لربما يكون لي كلام آخر بعدها.


وفي مثال قريب هنالك أخ فاضل يدرس معي المنطق من مدّة، وهو مشتغل بطلب العلم وتفسير القرآن منذ سنين طويلة، يعترف لي ويقول إن المنطق قد فتح في عقله آفاق كانت مغلقه، وأفاده في التفسير في أنظار لم يكن ليلتفت إليها من قبل دراسة المنطق،

و ليتَ مثل هذا الأخ الأستاذ يفيدنا بتجربته مع المنطق. أقصد: أن يعطينا -بالتفصيل- تطبيقات لفائدة علم المنطق، و التي لولا تعلمه و دراسته لما حصلت له هذه الفائدة. و لا أقصد الكلام العام، أن علم المنطق مفيد و يفتح الآفاق، إذ إن هذا كلام أعرفه، و أصدّق قائله طبعًا، و لكنه ليس كفيلًا أن يغيّر نظرتي.



أشكركم مجدّدًا، دمتم بخير، و السلام عليكم.

شريف شفيق محمود
24-06-2012, 23:11
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

أعتذر على التطفل و لكن أحببت أن أضرب بعض الأمثلة لتطبيقات المنطق لأن هذا الأمر (فائدة المنطق) شغلني أيضا من قبل

أدعى بعضهم (و لنسمه زيدا) أن قول الشيخ علي ب : " أن الفكر المتشدد لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ" متهافت فرد عليه ("عمرو") بالتالي :

"لا أرى التهافت في فكرة أن فكرا خاطئا ما لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ. أما في بلاد المسلمين مثلا فاننا نستدل على صحة الآراء بهذا و نقول ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن و نستدل به اجمالا على صحة المذاهب الأربعة و المذهبية كفكرة و التصوف و عقيدة أهل السنة و الجماعة (و الا فما فائدة تسميتهم أهل السنة و الحماعة أصلا على سبيل المدح لو لم يكن في هذا دليل على صحة آرائهم لكثرتهم؟)
و مطلقا نقول ان الباطل كان زهوقا و نقول فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض."

فقال زيد : "صحة الآراء شئ و"انتصارها" شئ آخر ... أنت تستدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..."

فمن منهم أخطأ في المنطق و بالتالي في الاستدلال أو الاعتراض؟

شريف شفيق محمود
25-06-2012, 00:03
مثال آخر :

قول ديكارت " أنا أفكر اذن أنا موجود" ما رأيك فيه؟

و هذا الكلام من كتاب تدعيم المنطق للشيخ سعيد فودة و أنصح الأخت الفاضلة به


مثال آخر و هو أوضح :


يقول المناظر الشافعي مثلاً "معلوم أن المطعوم ربويّ والسفرجل مطعوم فليكن ربوياً. فإذا قيل فلِمَ قلت إن المطعوم ربوي فيقول الدليل عليه أن البُر والشعير والتمر والرز مطعومات وهي ربوية" كيف يرد عليه خصمه الحنفي مثلا؟

مثال أوضح :

تقول فلان خائن في حقك فيقال لِمَ فيقول لأنه يناجي عدوك

أين الخطأ في هذا الكلام؟

مثال أوضح :

قال بعضهم مثلاً كل شجاع ظالم فيقال لِمَ فيقول لأن الحجاج كان شجاعاً وظالماً و هتلر كان شجاعا و ظالما و موسوليني كان شجاعا و ظالما و الاسكندر كان شجاعا و ظالما و هرقل كان شجاعا و ظالما و غيرهم الكثير جدا
فكيف نرد عليه؟

و هذه الأمثلة من كتاب محك النظر للغزالي و أنصحك به كذلك

أنفال سعد سليمان
25-06-2012, 00:44
الأخ شريف؛ السلام عليكم، و مرحبًا بك، و ما في تطفّل و لا حاجة.

أرجو أن أكون قد فهمتُ الحوار فهمًا صحيحًا، فإن كان أقول: قول الشيخ علي:


" أن الفكر المتشدد لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ"

فهو وصف الفكرَ الذي أطلق عليه الحكمَ "بالمتشدّد"، و لا خلاف أن هذا وصف ذمٍّ لا مدح، و لكن، هل كل فكرٍ متشدّد خطأٌ/باطلٌ، لمجرّد أنه متشدّد؟ هل هناك تلازم بينهما؟ و لا أدري كيف فهمها زيد، و لكن يظهر أنه لم يفرّق أيضًا بين المتشدّد و الخاطئ لأنه لم ينتقد عمروًا عليه حين رد عليه، و على كل حال فزيد يرفض هذا الكلام و يعارضه. فجاء عمرو فقال:


لا أرى التهافت في فكرة أن فكرا خاطئا ما لم ينتصر أبدا عبر التاريخ، ومهما اشتد عود ذلك الفكر، غير أنه سرعان ما يخبو إلى أن ينطفئ.


إذن، يُفهم من كلام عمرو أنه موافق على الفكرة التي قالها الشيخ علي. و لكنّا نرى أنه أبدل الفكر "المتشدّد" بالخاطئ، و عليه فاستدلاله سيكون لصحة الحكم على الفكرِ الخاطئ، لا المتشدّد. فهنا محل إشكال.

و بما أنه موافق للشيخ علي، إذن فعليه أن يستدّل بكلام يثبتُ فيه أن الفكر المتشدّد -و لّنتساهل و لْنقلْ "الخاطئ"- لم ينتصر. صحيح؟ إذا كان ذلك كذلك، علمنا حتمًا أن استدلاله في وادٍ آخر. لأنه لم يتعرّض لعدم انتصار فكر فئة من الناس -و الذين هم المسلمون- إطلاقًا، و تعرّض لصحة الآراء!! يعني لو استدلّ على "عدم" صحة الآراء، لقلنا ماشي، استبدل لفظ المتشدّد بالخاطئ، ثم استبدل لفظ (لم ينتصر) ب (لم يصح)!! -مع كونه كلامًا سقيمًا جدًّ بل هذيانًا- و كمّل كلامه! و لكنه لم يفعل ذلك، بل استدلّ على صحة الآراء. يعني هذا تخبيص على تخبيص.

و لا أدري ما المشار إليه في قوله:


فاننا نستدل على صحة الآراء بهذا

و لكن لنفترضْ فرضًا، أنه أراد أن يستدلّ على صحة الآراء في الإسلام، فإن كان، فإن استدلاله نهاية في الضعف، حين قال:


و نقول ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن و نستدل به اجمالا على صحة المذاهب الأربعة و المذهبية كفكرة و التصوف و عقيدة أهل السنة و الجماعة (و الا فما فائدة تسميتهم أهل السنة و الحماعة أصلا على سبيل المدح لو لم يكن في هذا دليل على صحة آرائهم لكثرتهم؟)
و مطلقا نقول ان الباطل كان زهوقا و نقول فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث

و لا أعلم إن كان مثالك أخ شريف متعلّق بمضمون هذا الاستدلال. فإن كان بينتُ بالمجمل لمَ هو متناهٍ في الضعف.

المهم، رد عليه زيد:


فقال زيد : "صحة الآراء شئ و"انتصارها" شئ آخر ... أنت تستدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..."


و كأن زيدًا يريد أن يقول لعمرو: عليك أن تستدلّ على انتصار الآراء. و كما أشرتُ آنفًا، فهذا ينبغي أن يكون موقف زيد، لا عمرو! فزيد هو الذي يرى أن الفكر المتشدّد انتصر، أما عمرو فيرى أنه لم ينتصر! و هذا استفدناه من كلام زيد الأخير، و لكن في الحقيقة زيدٌ قال أن كلام الشيخ علي متهافت، و لكن لم يبين لنا وجه تهافته بالضبط، فلربما هو أيضا يرى عدم انتصار الفكر المتشدد، و لكنّه يرفض فكرة أنه [سرعان ما يخبو و ينطفئ]، ربما يعتقد أنه يأخذ مدة طويلة مثلا! أظن هذا خطآ/نقص في مثالك أخي شريف.

ربما أخي شريف أخطأتَ أنت هذه الأخطاء في نظم التطبيق؟ أنا أعتقد ذلك.

عمومًا، فأنا حين نقدتُ التطبيق لم أعتمد على محفوظي في المنطق، أو "أراعي" قواعده، حتى أقتنع بفائدته لي.....

أنفال سعد سليمان
25-06-2012, 01:19
قول ديكارت " أنا أفكر اذن أنا موجود" ما رأيك فيه؟

و هذا الكلام من كتاب تدعيم المنطق للشيخ سعيد فودة و أنصح الأخت الفاضلة به



قرأتُ كلام تدعيم المنطق للأستاذ سعيد و ذكرتُ ذلك في مشاركتي التي ردّ عليها الشيخ بلال، و أتذكّر كيف نقد الأستاذ سعيد هذا الدليل، و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق. و لكنّ الأمر كما قال الشيخ بلال، فوقوع الاستفادة من دراسة المنطق ليست قضية كلية. فربما يشذّ عنها من يشذّ، ذكيًّا كان أو غير ذلك.



يقول المناظر الشافعي مثلاً "معلوم أن المطعوم ربويّ والسفرجل مطعوم فليكن ربوياً. فإذا قيل فلِمَ قلت إن المطعوم ربوي فيقول الدليل عليه أن البُر والشعير والتمر والرز مطعومات وهي ربوية" كيف يرد عليه خصمه الحنفي مثلا؟


حقيقة درستُ جزءًا بسيطًا في المعاملات على المذهب الشافعي قبل بضع سنوات و مع ذلك لا أذكره الآن و بحاجة إلى مراجعة، و على كل حال فأنا لا أعرف المذهب الحنفي في المسألة! و لكن إن كان الشافعي يرى أن كل مطعوم ربويّ لأن البر و الشعير إلخ ربوية، و الجامع بينها أنها مطعوم، فلقائل أن يقول ربما هي أمور منصوصة من الشريعة و لا يُقاس عليها!


تقول فلان خائن في حقك فيقال لِمَ فيقول لأنه يناجي عدوك

المدّعي استدلً على كلامه بقضية كلّية كاذبة مخفيًّة، المقدمة الكبرى، و هي: (كل من يناجي عدوَّ آخرٍ فهو خائن لهذا الآخر)، و إذا كذبت إحدى المقدمات، كان الاستدلال باطلًا.


قال بعضهم مثلاً كل شجاع ظالم فيقال لِمَ فيقول لأن الحجاج كان شجاعاً وظالماً و هتلر كان شجاعا و ظالما و موسوليني كان شجاعا و ظالما و الاسكندر كان شجاعا و ظالما و هرقل كان شجاعا و ظالما و غيرهم الكثير جدا
فكيف نرد عليه؟


الرجل المدّعي استقرأ استقراء ناقصًا، فلا تصح هذه القضية الكلية. أو نقول، جعل القضية الجزئية تأخذ محلّ الكلية، و أنا سأسألك أخي شريف سؤالًا: هل تعتقد أن أي عاقل يعسر عليه الردّ على هذه الدعوى إذا لم يدرس المنطق؟

و أرجع فأقول أني لم أراعِ قواعد المنطق حين رددتُ بهذه الإجابات...و أرجو أن لا يظنّ بي أحد أني أعاند أو نحو ذلك...لأنه ليس بصحيح ألبتة.

على كل جزاك الله خيرًا أخي الفاضل.

شريف شفيق محمود
25-06-2012, 01:30
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

الأخت الكريمة

آسف على عدم التوضيح

لو سلمنا بصحة مضمون كلام عمرو كما سلم به زيد فوجه منع زيد لكلام عمرو هو أنه "استدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..." مع أن مدعى زيد هو أن الآراء الباطلة تنتصر كالآراء الصحيحة

فهل يصح منع زيد؟






فالمنطق يساعد عمرو في الجواب عن هذا بأن يقول مثلا :


أنا قلت أننا نستدل بانتشار أي انتصار الآراء عند المسلمين بصحتها. فكأننا نقول كل ما كان الرأي منتصرا عند المسلمين كان صحيحا و لكنه ليس بصحيح فليس بمنتصرعند المسلمين و هو المراد

شريف شفيق محمود
25-06-2012, 01:45
المدّعي استدلً على كلامه بقضية كلّية كاذبة مخفيًّة، المقدمة الكبرى، و هي: (كل من يناجي عدوَّ آخرٍ فهو خائن لهذا الآخر)، و إذا كذبت إحدى المقدمات، كان الاستدلال باطلًا..

هذا استخدام للمنطق




الرجل المدّعي استقرأ استقراء ناقصًا، فلا تصح هذه القضية الكلية. أو نقول، جعل القضية الجزئية تأخذ محلّ الكلية، .

فان قال المدعي أغير قولي و أقول معظم الشجعان ظالمون (ليهرب من ظنية الاستقراء الناقص) فماذا نقول له؟

قولك : "و أنا سأسألك أخي شريف سؤالًا: هل تعتقد أن أي عاقل يعسر عليه الردّ على هذه الدعوى إذا لم يدرس المنطق؟"
لا. و لكن لو تراكمت الأقيسة سيعسر عليه

"و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق." لا أدري , لعلك درست الكلام (و المنطق متضمن فيه كما تعلمين) فظننت أنك كنت تستطيعين الجواب دون دراسة المنطق (مع انك تعلمته مع الكلام)؟
و هذا كمن قرأ في الحواشي و كتب الشعر ثم جاء ليدرس النحو فلعله لا يرى فائدته اذ قد تكونت لديه ملكة الاعراب أو مثله في علم البلاغة مثلا؟

أنفال سعد سليمان
25-06-2012, 02:01
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

الأخت الكريمة

آسف على عدم التوضيح

لو سلمنا بصحة مضمون كلام عمرو كما سلم به زيد فوجه منع زيد لكلام عمرو هو أنه "استدل بما قد يصلح لصحة الآراء ، لا لانتصارها ..." مع أن مدعى زيد هو أن الآراء الباطلة تنتصر كالآراء الصحيحة

فهل يصح منع زيد؟






فالمنطق يساعد عمرو في الجواب عن هذا بأن يقول مثلا :


أنا قلت أننا نستدل بانتشار أي انتصار الآراء عند المسلمين بصحتها. فكأننا نقول كل ما كان الرأي منتصرا عند المسلمين كان صحيحا و لكنه ليس بصحيح فليس بمنتصرعند المسلمين و هو المراد



أخي شريف، سنسلّم بأشياء كثيرة تنزّلًا لنكمل الحوار و تحصل الثمرة من المثال (:

المهم، تقول: مدعى زيد أن الآراء الباطلة تنتصر كالصحيحة.

ثم هل هذا كلام عمرو يعني؟:


أنا قلت أننا نستدل بانتشار أي انتصار الآراء عند المسلمين بصحتها. فكأننا نقول كل ما كان الرأي منتصرا عند المسلمين كان صحيحا و لكنه ليس بصحيح فليس بمنتصرعند المسلمين و هو المراد

طيب، إن كان كلام عمرو، فهو في النهاية يقول: (ليس كل رأي صحيح في الإسلام بمنتصر.) ما علاقة هذا بالدعوى؟ ما هي دعوى عمرو أصلا؟ أليس أن الآراء الباطلة لا تنتصر؟ فعليه أن يثبت أن الأراء الباطلة لا تنتصر. هو قال: ((ليس كل رأي صحيح في الإسلام بمنتصر.) فهذه العبارة تفيد: أن الأراء الصحيحة قد لا تنتصر، بمعنى أنّ الآراء الباطلة قد تنتصر؟؟!!!

وضح أكثر فضلًا ثم نكمل إن شاء الله.

أنفال سعد سليمان
25-06-2012, 02:31
لمشاركة الأصلية كتبت بواسطة أنفال سعد سليمان مشاهدة المشاركة
المدّعي استدلً على كلامه بقضية كلّية كاذبة مخفيًّة، المقدمة الكبرى، و هي: (كل من يناجي عدوَّ آخرٍ فهو خائن لهذا الآخر)، و إذا كذبت إحدى المقدمات، كان الاستدلال باطلًا..



فرددتَ:


هذا استخدام للمنطق

ربما سيدي لم تنتبه إلى مشاركتي جيّدًا، التي ردّ عليها الشيخ بلال، فأنا قلتُ في آخرها أني استفدتُ من المنطق المصطلحات و التعبيرات، لم أنكر هذا. و أرجع فأسألك: هل تعتقد أن عاقلًا يعسر عليه الردّ على مثل هذه الدعوى دون دراسة المنطق؟ طيب، سأجيب كما العامّي الذي لم يدرس المنطق و لا يعرف اصطلاحاته، سيردّ بكل بساطة: "و هل تعتقد يا مدّعي أن كل من يناجي عدوّ الآخر فهو يخونه؟" لم يحتج العامّي إلى تعلم المصطلحات المنطقية ليردّ بهذا الجواب!

قلتُ:


الرجل المدّعي استقرأ استقراء ناقصًا، فلا تصح هذه القضية الكلية. أو نقول، جعل القضية الجزئية تأخذ محلّ الكلية، .

فرددتَ:


فان قال المدعي أغير قولي و أقول معظم الشجعان ظالمون (ليهرب من ظنية الاستقراء الناقص) فماذا نقول له؟


ليهرب؟ يعني هل هو يعتقد أنها قضية كلّية و لكنه يكذب علي فيقول أن معظم الشجعان ظالمون؟ أم أنه عدل عن رأيه الأول و صححه و قال معظم الشجعان؟ إن كان عدل عن رأيه فهنا نردّ عليه بأمثلة شجعان غير ظالمين تعادل عدد الأمثلة التي قالها و تزيد عليها ربما يقتنع! فنبطل قوله "معظم" الشجعان ظالمون. يعني كأنا نأتي له باستقراء شجعان ليسوا ظالمين يعارض استقراءه و نتيجته.



قولك : "و أنا سأسألك أخي شريف سؤالًا: هل تعتقد أن أي عاقل يعسر عليه الردّ على هذه الدعوى إذا لم يدرس المنطق؟"
لا. و لكن لو تراكمت الأقيسة سيعسر عليه


أخي شريف من البداية ينبغي لك أن تذكر مثالًا على ما تراكمتْ فيه الأقيسة و التي يعسر على العامي نقدها لأنها محل النزاع بيننا و أما هذا المثال فلا!


"و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق." لا أدري , لعلك درست الكلام (و المنطق متضمن فيه كما تعلمين) فظننت أنك كنت تستطيعين الجواب دون دراسة المنطق (مع انك تعلمته مع الكلام)؟

كيف يعني متضمن فيه؟ هل سيعلمني الكلام الأشكال و الأقيسة و الموضوع و المحمول إلخ؟ الكتب التي درستُها لم تتطرّق لهذا. ربما أعود لدليل ديكارت لاحقآ و أبين كيف أنقده من دون اصطلاحات المناطقة.


هذا كمن قرأ في الحواشي و كتب الشعر ثم جاء ليدرس النحو فلعله لا يرى فائدته اذ قد تكونت لديه ملكة الاعراب أو مثله في علم البلاغة مثلا؟



ملكة إعراب من دون نحو؟ كيف؟ من أين سيعلم المرفوع و المنصوب و الفاعل و المفعول و أحكام ذلك؟ إلا أن يكون جزء من علم النحو متضمّنًا في الحواشي و الشعر. إذن هو في النهاية يرى فائدته.

بلال النجار
25-06-2012, 13:40
الأخت أنفال،

شكراً على حسن تفهّمك

سأطلب من أخينا الشيخ الفاضل أن يكتب شيئاً عما استفاده من المنطق في التفسير وغيره، فإن كتب شيئاً فسننشره هنا إن شاء الله تعالى.

أما لماذا يعادون المنطق –وليس المنطق وحده بل وعلم الكلام والمنهج العقليّ برمته- فالجواب ببساطة: لأن معتقداتهم وأفكارهم لا تتوافق معه، فلا بدّ من هدمه وتأسيس منطق جديد يمكنهم بناء ما يعتقدونه عليه. وهذا العداء الذي نراه اليوم للمنطق هو استمرار للعداء التاريخي له، بدءاً من السوفسطائية التي قاومها سقراط وأفلاطون وأرسطو وتلاميذهم، وربما قبل ذلك.

وفي التاريخ الإسلاميّ وجد من عاداه خوفاً على المسلمين من أن يشوب معتقداتهم الصافية شيء من ضلالات الفلاسفة ودينهم الذي أسسوه على العقل والقول بالطبع والعلّة. ووجد من يعاديه لأن معتقده يتنافى مع المنهج العقليّ كابن تيميّة وبعض الاتجاهات الصوفيّة. ووجد من يعادي الكلام وحده دون المنطق كالفلاسفة الإسلاميين والشيعة اليوم من امتدادات المذاهب الفلسفية الباطنية. والسلفية امتداد لابن تيمية. ولكن في السنوات الأخيرة صاروا يدرسون بعض الكتب المنطقية مع تحفّظهم في بعض المباحث ويشربون تدريسهم بعض النقد له، فهذه مرحلة من مراحل تطورهم... وأنا شخصياً سعيد بذلك، وأتمنى أن يبدأوا عما قريب بدراسة متون عقائد مثل السنوسية والنسفية والخريدة البهية، أتمنى فعلاً أن يفهم السلفيّون حقيقة مذهبهم وحقيقة مذهبنا، ليكون من اختار أن يبقى سلفياً سلفيّاً عن بيّنة لا مجرّد مقلّد أعمى.

وفي الغرب وقبل أن نرى هذه السوفسطائية الجديدة، نشأت علمانية لا تعادي المنطق بل تعادي الأديان وتدعي أنها لا توافق العقل وساعدهم ما رأوا من التناقض الهائل في المعتقدات المسيحية التي كانت ترعاها الكنيسة. ثمّ جاء الحداثيون وما بعدهم ولا أدري هل بقي احتمالات ليتمظهر فيها الباطل ويظهر بعد هؤلاء أوْ لا...

ثمّ في الشرق وفي بلاد المسلمين وُجد دائماً الجاهزون لفتح المظلات، كلّما مرّت سحابة في إنكلترا أو فرنسا أو أميركا... فالله المستعان.

وليتك تسألين الشيخ سعيداً هذا السؤال، وأن يكون لديه وقت ليكتب بعض ما تفيض به لواعجه، فهو خير من يجيبك عن هذا السؤال.

أنفال سعد سليمان
25-06-2012, 14:30
سيدي الشيخ بلال؛ سلامٌ عليكم و رحمة الله

لقد وضّحتُ سيدي أني أريد بتساؤلي الفلاسفةَ الكبار/ الطبيعيين. السوفسطائية و علماء أهل السنة كالسيوطي و غيره و السلفيون/المجسمة هؤلاء عداوتهم للمنطق سببها معروف كما قدّمتُ. و معاداة علم الكلام سببها معروف أيضًا. إنما سؤالي عن علم المنطق بالتحديد.

المهم، قلتم أنّ الفلاسفة الكبار و الطبيعيّين أيضًا لم يختلفوا عنهم، و أقول: قبيحٌ بهم جدًّا حقيقةً إذا عادَوا مذهبًا و ما يتعلّق به قالوا أنه غير مفيد، و لا قيمة له، لمجرّد أنهك عادوه. هذه حجة من لا حجة له، و لا يرضاها لنفسه العاقل. إن كنتَ تعتقد الحقّ، فانقد هذا الذي تزعم أنه بلا فائدة، و وضح لنا -بالضبط- وجه عدم فائدته، و أنه لا يستحق أن يُدرَس، إذا كنتَ فعلًا تعتقد ذلك. أما إن كنتَ جاهلًا بهذا العلم و تقول هذا القول فالمصيبة أعظمُ.

ليس حسنًا! و لكن هكذا كان على ما يبدو!

أمّا أن أوجّه السؤال لسيدي الأستاذ سعيد -أسعد الله مهجته- شخصيًّا، فأعتقد -و الله أعلم- أنه يطّلع على موضوعات قسم المنطق و الكلام، خصوصًا إذا كان هو مشاركًا بها حفظه الله من الأساس، إن كان متفرِّغًا لذلك. و الظنّ أنه سيشارك إن وجد في ذلك مصلحة، جزاه الله خيرًا.

عمومًا ننتظر مشاركة الأخ الكريم شريف عسى أن نخرج بفائدة إن شاء الله!

جزاك الله خيرًا، و السلام عليكم

أنفال سعد سليمان
25-06-2012, 23:47
أمّا أن أوجّه السؤال لسيدي الأستاذ سعيد -أسعد الله مهجته- شخصيًّا، فأعتقد -و الله أعلم- أنه يطّلع على موضوعات قسم المنطق و الكلام، خصوصًا إذا كان هو مشاركًا بها حفظه الله من الأساس، إن كان متفرِّغًا لذلك. و الظنّ أنه سيشارك إن وجد في ذلك مصلحة، جزاه الله خيرًا.


لا أنسى أن أضيف أن مشاركة الأستاذ سعيد بما ستشتمل عليه من تدقيق و تحقيق ستفرحنا كثيرًا....حفظه الله!

أنفال سعد سليمان
26-06-2012, 08:07
قال الأخ شريف:


قول ديكارت " أنا أفكر اذن أنا موجود" ما رأيك فيه؟

و هذا الكلام من كتاب تدعيم المنطق للشيخ سعيد فودة و أنصح الأخت الفاضلة به

فرددتُ:


قرأتُ كلام تدعيم المنطق للأستاذ سعيد و ذكرتُ ذلك في مشاركتي التي ردّ عليها الشيخ بلال، و أتذكّر كيف نقد الأستاذ سعيد هذا الدليل، و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق.

و ملخَّص ما قاله الأستاذ سعيد خلال نقد دليل الكوجيتو:

أن ديكارت جعل وجود التفكير علّة لإثبات وجوده، و أنه استعان -بلا شك- بمقدّمة خفية و هي: "و كل من يفكر لا بدّ أن يكون موجودًا"، و هو مصادرة على المطلوب. إذ إن التفكير عارض للذات، و نسبة عارض إلى الذات لا يمكن أن يصحّ إلا بعد التسليم بأن الذات نفسها موجودة. أما ما اعتمد عليه حفظه الله لنقد هذا الدليل فما ورد في كتاب التهذيب للإمام المحقق السعد، قال:

[و لا بدّ في الموجبة من وجود الموضوع، إما محقّقًا و هي الخارجية، أو مقدّرًا فالحقيقية....] اهـ

و شرح هذا الكلام الملا عبد الله اليزدي فقال:

[و لا بد في الموجبة أي في صدقها، و ذلك لأن الحكم في الموجبة بثبوت شيء لشيء، و ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبَت له، أعني الموضوع، فإنما يصدق هذا الحكم إذا كان الموضوع محقّقًا موجودًا إما في الخارج إن كان الحكم بثبوت المحمول له هناك، أو في الذهن كذلك.
ثم القضايا الحملية المعتبرة في العلوم باعتبار وجود موضوعها لها ثلاثة أقسام. لأن الحكم فيها إما على الموضوع الموجود في الخارج محقّقًا نحو كلّ إنسان حيوان، بمعنى أن كلّ إنسان موجود في الخارج حيوان في الخارج....] اهـ

أقول -و أنا في مقام تلميذة الأستاذ سعيد!-: أذكر أني فكّرتُ بدليل الكوجيتو قبل ثلاث سنوات، حين أعدتُ قراءة كتاب تدعيم المنطق، و من ضمن ما فكّرتُ فيه أن مقولة "أنا أفكّر، إذن أنا موجود" لا تصحّ دليلا على إثبات وجود الذات، و لكنّا لو قلنا -مثلًا-: أن هناك إنسانًا لا يؤمن بثبوت وجود شخص معيّن كان متخفّيًا وراء الجدار، فقيل له: فإن تكلم و سمعتَ كلامه؟ قال: نعم، فتكلّم الشخص المتخفّي، فقال هذا الإنسان: هذا شيء يصدر منه كلام أدميّ، و كلّ شيء يصدرُ منه كلام آدمي فهو إنسان، إذن هذا الذي تكلّم وراء الجدار إنسان. (لنفترضْ أنّ هذا المثال نُظِم أيامَ ما قبل تكنولوجيا التلفاز و المذياع و غيرهم، باستطاعتي تغيير المثال إلى أفضل منه و لكن هذا الذي خرج معي حاليًّا فلْنبقِه!)
فهذا الإنسان جعل كلام الشخص المتخفّي علةً لإثبات وجوده، نفس الأمر الذي قاله الأستاذ سعيد حين قرّر دليل الكوجيتو أعلاه، أليس كذلك؟ فكأنّ ديكارت اشتبه عليه الأمر، و كذلك الناس الذين احتفلوا بل انخدعوا بهذا الدليل! لأنهم ربما قاسوا دليل ديكارت على هذا المثال. و في الحقيقة الفرق بين دليل ديكارت و المثال الذي عرضتُه، أنّ في المثال الإنسان يسلّم و يعتقد بالقضية الحقيقية، كما يقول الإمام السعد، بمعنى: أنه كان يقرّ بأن كلّ ما لو وُجِد في الخارج من كلام آدميّ فهو على تقدير وجوده في الخارج لازم لوجود الإنسان، أو نقول: فرعٌ له. يعني هو يقرّها من الأساس، أي: يصدِّق بإمكان وجود الموضوع في الخارج، و يصدّق بوقوعه، و يصدّق بنسبة المحمول إلى الموضوع، حالَ وجود الموضوع، و لكن محلّ طلبه الدليل هو الماصَدق الخارجي، فقط. و لا يكون في هذا شيء من المصادرة على المطلوب. تخيّلوا أن ديكارت حين نظم هذا الدليل كان يقرّ بهذا بل أكثر! و لكن فعله في الحقيقة هو عين المصادرة على المطلوب، لأنه من الأساس لا يقرّ بالقضية لا حقيقية و لا خارجية، هو لا يقرّ بشيء! هكذا ينبغي أن نعتقد! فإن كنتَ أصلًا لا تقرّ بوجودك، فكيف تبني إثبات وجودك على وجود نفسك؟ أليس في هذا دور؟ و مشاغبة أيضًا؟
فالظاهر أن ديكارت يقرّ بوجود نفسه من حيث لا يدري، بل يقرّ بعلومات عديدة من خلال نظمه لهذا الدليل على الأقل كما قدّمتُ، و لكنه بالغ في التعسّف، حين تظاهر بإنكار وجود نفسه، و وقع بما وقع فيه من التخبّط، هذه عاقبة العناد الزائد!

أنا أعتقد، و الله أعلم، أن لو مزّق الناس عن دليل الكوجيتو سرابيل القداسة و العظمة، و كسروا عن أنفسهم قيد العبودية و الامتثال، و لبسوا نظّارة القراءة، لتبيّن لهم تهافت هذا الدليل، لاأقصد كلّ الناس طبعًا ستلاحظ موضع الغلط في الدليل، أقصد الدّارس المتأمّل بقليل من النظر يستطيعه إن شاء الله حتى لو لم يدرس المنطق. و من جهة أخرى: فوجه مشقة اكتشاف خطأ هذا الدليل أشرتُ إليها آنفًا، أي أن الناس لأنها لم تشكّك قطُ بوجود الإنسان، و كان أمرًا مسلّمًا مقطوعًا به لا يختلف عليه لا صغير و لا كبير، و كانت دائما تستخدم الفرع دليلًا على ثبوت الأصل في الخارج، من أجل ذلك خفي عليها غلط هذا الدليل. و لم تنتبه أنها مقرة بالقضية الحقيقية من الأساس.


و هذا كمن يقول لمن لا يؤمن بوجود الديناصورات أصلًا، فيقول له واحد: "و لكن ثبت أن الديناصورات تأكل و تتكاثر!! و كل ما كان كذلك فهو موجود." فيردّ عليه: "ما لك يا رجل! هل تتحامق! أقول لك لا أؤمن بوجودها من الأساس تقول أنها تأكل!!" لم يحتج هذا الإنسان لتعلّم المنطق، و الاطلاع على كلام الإمام السعد و شرح التهذيب!! و التفريق بين القضية الخارجية و الحقيقية، و معرفة أن الموجبة لصدقها لا بد من وجود موضوعها إلخ حتى يردّ بهذا الردّ!!

نعم، ديكارت يختلف عنه في أمرين: أنه هو بنفسه نظم هذا الدليل، فيعسر على من نظم الدليل، و أقرّ به و اعتقد صحّته، و بنى عليه آمال الخروج من الشك إلى اليقين، يصعب عليه أن يكتشف خطأه بسهولة، ثم هناك الجهة التي قلتُها آنفًا، أنّه أصلًا يقرّ بالقضية الحقيقية و إن تظاهر بغير ذلك فاشتبه عليه الأمر.


فالإنسان الذي في المثال كان صادِقًا صريحًا في ادّعائه أنه لا يؤمن بوجود الديناصورات، أما ديكارت فقد كان معاندًا في إنكاره لوجود نفسه، ربما لذلك لم يستغرب نظم دليله و ضعفه كما فعل هذا الرجل!! ثم نضيف السببين اللذين ذكرتُهما أعلاه.

و أنا قلتُ للأخ الشريف:


ربما أعود لدليل ديكارت لاحقآ و أبين كيف أنقده من دون اصطلاحات المناطقة.


و لكنّي مزجْتُ تعليقي و نقدي بالمصطلحات المنطقية، و لكنّي بالفعل قبل ثلاث سنوات استغرق مني التفكير وقتًا ليس بالقليل، حينُ فكّرتُ التفكير السابق، و حاولتُ تدوين ما أستطيعه من الأفكار حتى تكتمل ملاحظاتي، و مع ذلك لم تكتمل، و السبب: أنّي أحسّ المعاني في نفسي، و لكني لا أعرف لها تعبيرات و ألفاظًا، و من كان يفتقد إلى التعبيرات و الألفاظ، عسُرت عليه عمليّة التفكير، و صعب عليه الترقّي فيه، و هذا أمر معروف. و أنا حين قلتُ:


و في الحقيقة الفائدة التي استفدتها من علم المنطق ترجع إلى استفادة الألفاظ و الاصطلاحات أكثر من المحتوى. (مقدمة، حجة، قياس، مانعة جمع و خلو، مانعة خلو، الخ)

ما كنتُ أستصغر هذه الفائدة للمنطق، كما أظن الشيخ بلال يعتقد فيّ، بل على العكس. فالإنسان إذا كانت عنده معانٍ في نفسه (كلام نفسيّ) و لا يعرف لها تعبيرات و اصطلاحات فسيعاني و يتعب للتعبير عما في داخله، كما يحصل معي هذا كثيرًا. فالمنطق أفادني مشكورًِا هذه الاصطلاحات، و ما كنتُ درستُ شرح التهذيب قبل وجود هذه المعاني في نفسي، و لا انتبهتُ جيّدًا إلى عبارة الإمام السعد التي نقلها الأستاذ سعيد في الكتاب، و لكني أمس حين أخذتُ أتذكّر ملاحظتي على دليل الكوجيتو و أنا أعيد قراءة كلام الأستاذ سعيد فيه ربطتُ المعاني التي في نفسي بتعبيرات الإمام السعد و استخدمتُها أعلاه، فالحمد لله على نعمة البيان، هي نعمة مريحة، كما النوم و الأكل و غيرها من النعم التي تزيل الجهد.

و الله أعلم.

راشد بن أحمد بن علي
26-06-2012, 09:52
فائدة علم المنطق لا تخفى على من مارسها.ولو لم يكن فيها أي فائدة لما اشتغل بها العلماء كأمثال الامام الرازي والغزالي والكاتبي والشيخ زكريا الأنصاري والشيخ عليش وووو.......

أنفال سعد سليمان
26-06-2012, 10:03
فائدة علم المنطق لا تخفى على من مارسها.ولو لم يكن فيها أي فائدة لما اشتغل بها العلماء كأمثال الامام الرازي والغزالي والكاتبي والشيخ زكريا الأنصاري والشيخ عليش وووو.......

أعتقد يا سيدي الكريم راشد أن كلامك قد سبق أن ناقشناه أنا و الشيخ بلال في الصفحة الماضية...فما فائدة ذكره مرة أخرى دون أي إضافة.....

أنفال سعد سليمان
26-06-2012, 19:50
سأوضح قولي هذا أكثر:


في الحقيقة الفائدة التي استفدتها من علم المنطق ترجع إلى استفادة الألفاظ و الاصطلاحات أكثر من المحتوى. (مقدمة، حجة، قياس، مانعة جمع و خلو، مانعة خلو، الخ)


من كان يفتقد إلى التعبيرات و الألفاظ، عسُرت عليه عمليّة التفكير، و صعب عليه الترقّي فيه.


نعم، أحترم فعلا قدرة أرسطو العجيبة في اختراع هذا العلم، و استنباط الأشكال و وضع شروط عليها و غير ذلك.

أنا فعلًا أعتقد أن أرسطو قد أبدع في اختراع هذا العلم، لأنه و إن كانت العديد من الأمور بديهيّة، أي يعلمها الإنسان من دون دراسة المنطق، و بعضها الآخر قريب من البداهة، إلا أن إخراجها من حيّز المعاني، و صياغتها على شكل اصطلاحات و قوالب من الكلام، له فائدة لا تُنكَر، و هو دالّ على نبوغ مخترعها بلا شك. و قريب جدًّا مما فعل أرسطو ما فعله أبو الأسود الدؤلي حين وضع النحو، فالقواعد النحويّة كان يعرفها العرب الفصحاء قبل أبي الأسود الدؤلي، من حيث تطبيقها في كلامهم، بلا حاجة إلى دراسة كتب النحو. و أيضًا الإمام الحجة الشافعي رضي الله عنه حين وضع علم أصول الفقه، فالفقهاء قبله و معه كانوا يقرّون بما أودعه الإمام الشافعي في رسالته و يعرفونها قبل تأليفه لها، و لكنّه حين وضعها الإمام الشافعي لم يقلْ واحد منهم: "ما هذا؟ نحن نعرف كلّ ما قلتَه فما فائدة تأليف هذه الرسالة؟ هذا شيء لا قيمة له، و لا تفيدنا قراءته شيئًا" لم يقل واحدٌ من الأئمة ذلك!! مع أن الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في زمن الإمام الشافعي كثر!! كلهم أثنوا على الرسالة، من بلغته منهم، لا أشك في ذلك لحظة. لماذا؟ لأنه حين تكون هناك قواعد مصاغة بشكل ألفاظ و قوالب، فقرأها و حفظها الإنسان، يسّرت عليه حتمًا ملاحظة معانيها أثناء ممارسة العلم، و أضحت المعاني تتجلّى في ذهن الإنسان بصورة أوضح، و بعدد أكثر، و بشكل أسرع. و صارتْ عملية التفكير العميق و المعقّد أيسر بكثير بتوسّط الاصطلاحات و التعبيرات. كم الألفاظ مفيدة! و هذا طبعًا ينبطق على ما كان مسبوق الجهل بالمعاني و الألفاظ، و كذلك ما كان مسبوق الجهل بالألفاظ و التعبيرات و القواعد فقط، دون المعاني، كالمجتهدين في عصر الشافعي مثلا فيما يخصّ أصول الفقه.


إلا أن الفرق بين علمَي النحو و أصول الفقه من جهة و المنطق من جهة أخرى، و إن كانوا كلهم علوم آلة، أن المنطق أقرب جدًّا من البداهة منهم بمسافات، بل لا تصح المقارنة أصلًا. لذلك ربما الناس الذين سمعوا بالمنطق أو قرؤوا منها شيئًا يسيرًا أو مروا عليه مرور الكرام لربما انقدح في نفسهم عدم جدواه. و فرقٌ آخر بينهما، أن الناس فسدت ألسنتهم في زمن أبي الأسود الدؤلي، فضلًا عما بعده، فلذلك صار تعلّم النحو أمرًا حتميًّا لمن أراد سلامة لسانه من اللحن، نحن أصلًا لم نعرف ما كان عليه فصحاء العرب إلا من النحو جزاه الله خيرًا. أما أصول الفقه، فهو أخص من المنطق و النحو، إذ لم يكن يعرف الفقه و أدلته الإجمالية منذ عهد الصحابة إلى عهد الإمام الشافعي إلا من بلغ رتبة في العلم و الدين، بخلاف النحو، فقد كان الصحابة مثلًا فقيههم و عامّيهم أيضًا سليمي اللسان (إلا من كان أعجميًّا من الصحابة إن وجد فهذا شيء آخر)، فكانت الحاجة إلى تعلمّ أصول الفقه، عند من أراد تعلم الأدلة الإجمالية للأحكام الشرعية، أشدّ من حاجة من أراد تعلم النحو أو المنطق لسلامة لسانه و عصمة فكره كما لا يخفى. و أما المنطق فهو أعمهم، أقصد، أن مصدرَه هو العقل، الذي هو موجود عند جميع البشر غير المجانين و السفهاء و من يقاس عليهم، بخلاف النحو فمصدره تتبع كلام العرب الفصحاء، و الأصول مصدره تقصّي و استنباط القواعد من خلال ملاحظة نصوص الشريعة. و لا خلاف أن هذا الأمر يحتاج إلى شيء زيادة على العقل، يحتاج إلى الإحاطة بكلام العرب في الأول، و يحتاج إلى العلم التام بنصوص الشريعة و غيرها في الثاني، و هذان الأمران بالطبع لا يوجدان عند كلّ إنسان! لا علمًا ذاتيًّا، و لا اقتدارًا على اختراعها! أمّا الأول فكما قلنا فقد ولّتْ أيام الفصحاء العرب بلا رجعة! و أما الثاني فأخص منهما، فمن هذا الذي يستطيع تتبّع نصوص الشريعة و يعرف الأدلة الإجمالية! أما العقل فالأمر أخف منهما بكثير، لأنه موجود راسخ عند كلّ عاقل سليم الطباع قديمًا و حديثًا. أنا لا أقول أن اختراع العلم و صياغة القوالب و وضع الألفاظ يستطيعه كلّ إنسان!! قصدت: أن كل إنسان لديه الكثير من المعاني المذكورة في المنطق، و يعمل بها لا شعوريًّا أحيانًا كثيرة. ثم لا يخفى على أحد أن الحاجة الأم إلتى ولدت لنا اختراع المنطق الأرسطي هو محاربة السوفسطائية و التي اشتدّ عودها في زمن أرسطو. و السفسطة هي فنّ العناد و قلب الحقائق و جحود الواقع. فالإنسان العاقل لربما لا يستشعر فائدته إذا كان عاقلًا سليم الطباع كما قال الشيخ بلال. و السؤال: ما هي نسبة من كان غير عاقل سليم الطباع بحاجة إلى تعلم المنطق في العالم الناطق بالعربية الآن، إلى من هو جاهل بالنحو و أصول الفقه و محتاج إليهما؟! أكيد الأول نسبته أقل بكثير جدًّا من الثاني بل لا مقارنة لأسباب مضت معنا أعلاه. و أزيد فأقول: كم نسبة الخطأ الذي قد يقع فيه الإنسان في التفكير إذا لم يدرس المنطق في عصرنا هذا، بالمقارنة مع نسبة الخطأ في النطق إذا لم يدرس النحو، و نسبته في استنباط الأحكام الشرعية!! إذا لم يدرس أصول الفقه؟! لا مقارنة أيضًا. و سؤال أخير قريب من السابقَين: ماذا يحصل للعاقل في ملكة النقد عنده و عصمة فكره إذا لم يدرس المنطق، و ماذا يحصل للعاقل في نطقه إذا لم يدرس النحو، و في قدرته على استنباط الأحكام الشرعية!! إذا لم يدرس أصول الفقه؟! أيضًا لا مقارنة.


و أضيف: تطبيقات النّحو و أصول الفقه واضحة تلوح في الأفق لكلّ من درسهما لا يشكّك في ذلك إلا جاهل بهما، و يستطيع الواحد أن يرى ثمرة هذين العلمين من خلال الكتب التي نتجت المشتملة على التطبيقات النحويّة و الأصولية، و هي كعدد النجوم كثرة. أنا المبتدئة لا أشكك فيها للحظة. أما المنطق -و الكلام صادرٌ من مبتدئة و أمرنا إلى الله- فبعد دراسته لم أجد فيه تطبيقات و فوائد لائحة تضيء الأفق كما يضيئه النحو و أصول الفقه، كلّ ما أعرفه مما يقوّي شوكة المنطق هو اشتغال العلماء الأكابر المحققين به من أهل السنة، و هم من هم في التحقيق و الدقّة و النظر، ثم إقرار الكثير كما يقول الشيخ بلال بجدواه و تصحيحه للفكر و تقوية ملكة النقد. هذا ما عندي شخصيًّا مما يرفع مكانة المنطق عندي، أمّا أن أجد تطبيقات صريحة على المنطق، و التي لولاه ما حصلت و لا نتجتْ، فهذا -للآن- لم أقع عليه. كلّ الذي قرأتُه أسعد فيه من جهة الاصطلاحات و التعبيرات المنطقية التي أحبّها، التي تزيد النقد وضوحًا، و هو مثالٌ واحد الذي رأيتُه فقط لا غير: نقد دليل الكوجيتو عن طريق استخدام المنطق الأرسطي. أما الأمثلة المذكورة في كتب المنطق للمبتدئين، و التي هي مرمى لسهام نقّاد هذا العلم، "كل إنسان حيوان" و أشباهها، و أيضًا الأمثلة التي ذكرها الأخ شريف في هذا الرابط، فهي ليست كافية أبدًا للتدليل على جدوى علم المنطق. ثم إن وجود جودة النقد لا يلغيه عدمُ دراسة المنطق ألبتّة.


و مع هذا كلّه أقول: على الرغم من ذلك، فإنّ دراسة الاصطلاحات و قوالب القواعد في المنطق لا شكّ أنّها مفيدة. (لا يزعل مني الشيخ بلال!) فكما أسلفتُ فإن الإنسان إذا كانت القواعد مصاغة في ذهنه على شكل ألفاظ و تعبيرات سهل عليه العمل بها و لا شك، و هذا ما أراده الشيخ بلال حين قال: "ولكنا نقول إن من يدرسه فإن ذهنه يتقد ويشحذ ويتوسع إدراكه ويقوى وينعكس ذلك على تفكيره وكلامه" اهـ و النحو في ذلك أشد، و أصول الفقه لمن أراد الاشتغال بالفقه أو مجرّد تعلم الأدلة الإجمالية أشدّ من كليهما.

و كما قلتُ في مشاركة ماضية فإن الإنسان لن يدرك الفائدة إدراكًا جازمًا إلا إذا جرّب، ربما لأني اقتصرتُ على كتب المبتدئين و لم أرقَ إلى الكتب الموسّعة فلذلك ظننتُ المنطق فائدته قليلة لي!! ربّما إن شاء الله أعدِل عن رأيي في المستقبل!!

و قد قال الشيخ بلال لي:


وأخالفك الرأي فأقول إن من لم يدرس المنطق فقد فاته الكثيييير الكثير، وسيفوته الكثير في المستقبل،

و نحن في نقاش علمي فالظن أن كلمة الشيخ بلال: "الكثيييير الكثير" ليستْ مبالغة منه. و أرجو من الله عزّ وجل أن ندرك هذا الكثير.


------------------------------------------------------

مجرّد محاولة لاكتشاف سبب الهجوم على المنطق!

إن شاء الله تكون هذه آخر مشاركة لي -اليوم- في هذا الرابط، جهِدتُ حقيقة من الكتابة ثم مراجعة الكتابة ثم مراجعة المراجعة ثم الزيادة ثم الاستدراك.....و هلم جرًّا.

أنفال سعد سليمان
01-07-2012, 03:12
مرّ أسبوع تقريبًا على ما كتبتُ و لم يعلِّق أحد...و السبب -على الراجح- أحد أمرين: إما أن كلامي ليس فيه أيّ شيء يستحقّ الرّدّ، لا بالموافقة و لا بالمعارضة، أو أن أغلب روّاد الأصلين لا يهتمّون بالمنطق ذاك الاهتمام الذي يدفعهم إلى المشاركة أو الحوار، أو كلاهما، و كل هذه الأمور محتملة قريبة.


عمومًا....قال الأخ شريف:



أعتذر على التطفل و لكن أحببت أن أضرب بعض الأمثلة لتطبيقات المنطق لأن هذا الأمر (فائدة المنطق) شغلني أيضا من قبل


إن لم يعدْ يشغلك موضوع فائدة المنطق فهل لك تكرّمًا أن توضّح لنا ما الذي تغيّر...أو كيف أدركتَ أنّه ذو فائدة؟

أنفال سعد سليمان
01-12-2012, 06:29
الشيخ الكريم بلال النجار أخبرنا عن أخ فاضل استفاد من علم المنطق كثيرًا و قال:


سأطلب من أخينا الشيخ الفاضل أن يكتب شيئاً عما استفاده من المنطق في التفسير وغيره، فإن كتب شيئاً فسننشره هنا إن شاء الله تعالى. اهـ

ليت أحدًا ممن له صلة بالشيخ بلال يذكره بذلك!!

يعني لا يُعقَل أن ندعو الناس إلى علم لا نرى فيه فائدة ظاهرة مُسفِرة، أو أن ندرِّسَه ....

من له اهتمام بعلم المنطق في هذا المنتدى -و أعلم أنهم قلة- فنرحب بمشاركته هنا ....