المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حيدر غيبة يقرأ الإسلام قراءة عقلية



سعيد فودة
01-04-2007, 11:37
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد
فقد ترددت في أن أنشر هذا المقال في باب القرآن وعلومه وقلت لعله من الأفضل أن أنشره في الردود على المعاصرين، ولكنتي رجحت بعد قليل من النظر أن أنشره هنا، لعلاقته المباشرة بالقرآن ولا ضير فهو يشتمل على التنبيه على بعض التشويهات التي يقوم بها المعاصرون في مجال فهم القرآن بالنسبة للناس، ومن جهة أخرى ففيه إشارات كافية بإذن الله تعالى في الرد على ترهاته.

حيدر غيبة يقرأ الإسلام قراءة عقلية!!‏

هذا الكتاب [اسمه: هكذا تكلم العقل-المفهوم العقلاني للدين] من الكتب الحداثية التي ‏ظاهرها البراءة وباطنها الانسلال من الدين، والقدح فيه، وعدم الإذعان لأحكامه التي ‏يقررها، بمحاولة ادعاء إظهار قراءة أخرى لمعاني الآيات والأحاديث الواردة فيه، ومعنى ‏القراءة الأخرى أو الجديدة، أي فهم جديد، وهذا الفهم الجديد لا يكون مأخوذا من نفس ‏مدلولات الألفاظ كما هو مقتضى كلمة قراءة أو فهم، ولكن هؤلاء الحداثيين اخترعوا ‏معنى جديدا لهاتين الكلمتين، فصارتا تدلان على إلصاق معنى جديد مخترع بالألفاظ، ‏وليس معرفة ما تدل عليه هذه الألفاظ بحسب الوضع. وهذا المعنى المخترع لا يكون مقيدا ‏إلا بما يسمونه ذات القارئ الذي يتحدد بالزمان والمكان والخلفية الثقافية الذي هو فيها. ‏
على كل حال فإننا لا نريد إطالة المقدمة لهذا التعليق على ما قاله المؤلف هنا، فإن ما نريد ‏إيضاحه سنبينه إن شاء الله تعالى أثناء نقد كلامه، وبيان خطله. ‏
القضاء والقدر

يقول في ص215:"يضيف معظم رجال الدين والفقهاء إلى طقوس العبادة الإسلامية أن ‏القضاء والقدر من الله، أي إن الله هو مصدر كل الأفعال من خير وشر، وتثير هذه ‏الإضافة مشكلة خطيرة تتعلق بالجبر والقدر، فالجبريون يعتقدون أن الإنسان مجبر على فعل ‏ما يشاء الله لأن الله عليم بكل شيء وقادر على كل شيء، ولا يتم فعل من أفعال الإنسان ‏بدون علمه ومشيئه...[ثم قال]... فإذا كان الله هو الذي يهدي الشخص وهو الذي ‏يُـتيهُـه، تنـتفي صفة العدل عنه بينما هو أعدل العادلين لكونه المثل الأعلى، لذلك لا ‏يستقيم مذهب الجبريـين مع العقل. ‏
ولهذا فإن المعتزلة وهم فئة من المفكرين المسلمين الذين اتخذوا العقل أساسا لتفسير آيات ‏القرآن نفوا مذهب الجبريين. فالله عالم بالكليات وخالف فاعل لها دون الجزئيات. وضمن ‏هذه الحدود يكون الإنسان مخيرا بين الخير والشر، وهذا هو قدره، أما أن الخير والشر من ‏الله تعالى، فإن الشرَّ لا يحيق إلا بأهله، والخير يعود على فاعل الخير."أهـ
المغالطات الموجودة في هذا اللغط: ‏
أولا: نسب إثبات القدر وكونه لله تعالى إلى الفقهاء، والحقيقة أنه ثابت بالأحاديث النبوية ‏الشريفة، وتدل عليه آيات عديدة، وقد وضحت هذا في ردي على أمين نايف. ‏
ثانيا: جعل المقابلين للمعتزلة قائلين بالجبر، وهذا يستلزم زعمه أن أهل السنة قائلون بالجبر، ‏وهذا غلط عليهم. ‏
ثالثا: لم يفرق بين خالق الخير والشر وبين مكتسبهما، ولم يعلم أن الخالق لا يتصف بفعله، ‏بخلاف المكتسب. ‏
رابعا: زعم أن الله تعالى عالم بالكليات فقط، لا بالجزئيات، وهذا خروج عن عقيدة ‏المسلمين معتزلة وسنة. ونسب هذه العقيدة إلى المعتزلة والمعلوم أنهم غير قائلين بها، بل ‏القائل بها إنما هم القدرية الذين ردَّ عليهم المعتزلة وأهل السنة. ‏
خامسا: زعم أن الله تعالى خالق فقط للكليات، أما الجزئيات فلا. وادعى أن هذا هو ‏السبيل الوحيد لكون الإنسان حراً، وهذا جهل وتحامق، فبعدما انتشر من البحوث الدالة ‏على أنه لا يشترط للتكليف ولا للاختيار كون المختار خالقا لفعله بل يكفي أن يكون ‏مكتسبا له، فإن تجاهل هذه الحقائق جهالات ومحض هوس. ‏
سادسا: كعادة العلمانيين والحداثيين فإنهم يزعمون أن المعتزلة هم العقلانيون فقط من بين ‏الفرق الإسلامية، وهذا جهل بالتاريخ يستدعي كون القائل بذلك محلا للتندر!! ثم إن ‏هؤلاء ينسبون إلى المعتزلة ما لا يقول به هؤلاء كما رأينا من هذا الكاتب، ويعتمدون في ‏هذا كله على زعمهم بأن المعتزلة عقلانيون. ثم إنا نرى هؤلاء الحداثيين في عقلانيتهم!؟ ‏يخالفون المعتزلة أيضا في أصولهم وفروعهم، فتعسا لما يزعمون. ‏
يقول بنظرية التطور!‏
قال في ص220:"والإنسان نفسه لم يصبح إنسانا على الشكل الذي يظن أنه ظهر به آدم ‏إلا بعد تطور استغرق آلاف بل ملايين السنين بدءا من تراب وماء أو طين (..وجعلنا من ‏الماء كل شيء حيٍّ..)، حيث تتكون المخلوقات الحية من خلية واحدة ثم تتكاثر إلى عدد ‏من الخلايا، فحُوَينات رخوة، فحيوانات بدائية فحيوانات متطورة، فإنسان على شكل ‏بدائي فإنسان كامل على شكله الحالي، شكل آدم الذي اصطفاه الله على العالمين."اهـ

الملاحظات على هذا التلفيق: ‏
إنه يستشهد بآية لا تدل على ما يريد، فما يريد قوله هو أن الإنسان تطور على النحو ‏الذي ذكره، ولكن الآية لا تدل إلا على أن كل ما خلقه الله تعالى إنما خلقه من الماء، ‏بمعنى أن الماء أكثر نسبة في أو على معنى آخر، ولكن من أين تدل الآية على التطور؟!‏
وهو ينكر أن الله تعالى خلق آدم على صورته الحالية بإرادته بدون أن يمر آدم عليه السلام ‏بأطوار كالتي ذكرها هذا الرجل، مع أن الآيات دالة على خلاف ما يزعمه.‏
علما بأن نظرية التطور التي اخترعها أو نقحها داروين لم تصبح حقيقة علمية محل اتفاق ‏بين العلماء التجريبيين بعد، فمن أين يجب علينا أن نصرف ظواهر النصوص إليها!؟ ‏
ولا يتوهمن القارئ الكريم أن هذا الكاتب مؤمن بوجود الله تعالى كما يؤمن به أهل ‏الإسلام، وإن كان ينسب إليه الاختيار والخلق ويقول إنه المثل الأعلى للإنسان، فكل هذه ‏الإطلاقات لا تصدر منه على النحو الذي يفهمه الإسلاميون! ولتوضيح ذلك اقرأ ما يقوله ‏في ص221:"وكون وجود الله سرمديا لا يتعارض مع تأويل العقل لمعنى الألوهية، أي ‏المثل الأعلى، لأن السرمدية مقترنة بوعيها في عقل الإنسان، ولا معنى لها خارج وجود ‏البشرية، فالذي يعي معنى السرمدي هو الإنسان، والذي يعي معنى الحدوث والتوقيت هو ‏كذلك الإنسان، فسرمدية الإله في وعي الإنسان تبدأ ببدء وجود الإنسان، بصرف النظر ‏عما كان قبل وجوده."اهـ
فهذا الرجل يزعم أن الإله مجرد مثل أعلى للإنسان، والمثل الأعلى ليس بالضرورة أن ‏يكون موجودا خارج وجود من يتخذه مثلا، بل الكافي في حقه أن يتصوره ويسعى نحوه، ‏وإن لم يكن موجوداً. وهو يصرح بهذا بقوله:" فسرمدية الإله في وعي الإنسان تبدأ ببدء ‏وجود الإنسان."اهـ، وإذا كان الإنسان حادثا، فهذا المثل حادث بحدوث الإنسان، لأنه ‏لا معنى لها خارج وعي الإنسان. فالإله إذن مجرد فكر في وعي الإنسان. ‏
وهذه هي فكرة العلمانيين في وجود الله تعالى، وقد أشرت إليها في كتاب بحوث في علم ‏الكلام، وفي غيره من الكتب. ‏
ينكر حدوث العالم
قال في ص221:" أما حدوث الكون بمعنى بدء وجوده في زمن لاحق لزمن عدم وجوده، ‏فيتعارض مع المنطق لاستحالة حدوث شيء من لا شيء، وبالتالي لا بد أن يكون الكون ‏قديما لا حدود لزمنه في الماضي السحيق، والحدوث الذي حدث له هو التطور."أهـ
فهو يصرح بأن العالم قديم، لأنه لا وجود لشيء من العدم، فلا شيء موجودا غير العالم، ‏لكي يوجد العالم. ‏
فالعالم قديم والقديم ليس بمخلوق. والإله فكرة لأنه مجرد مثل أعلى في ذهن الإنسان، ‏والإنسان حادث، والفكرة (الألوهية التي لا توجد إلا في وعي الإنسان) حادثة، فالألوهية ‏حادثة بحدوث الإنسان. ‏
هذه هي الحداثة والعقلانية التي يريدون من المسلمين أن يعتقدوا بها؟؟ وما هي إلا مجرد ‏هراء وتفاهة.‏
رأيه في القصص القرآني
‏ قال هذا الكاتب في ص224 عند كلامه على القصص القرآني الشامل لقصص الأنبياء ‏والأمم السابقة:"ويتضمن أكثر هذه القصص معجزات، أي أعمالا خارقة غير معتادة ولا ‏يقبلها العقل بدون تأويل لأنه لم يألف مثلها، ولا يتوقع مثلها في المستقبل."أهـ
فهو لا يقبل هذه القصص بحجة ساذجة مريضة وهي أن العقل لم يألف مثلها، ولا يتوقع ‏حدوث مثلها في المستقبل، وكأن العقل عنده ليس إلا الإحساس بما يرى ويسمع أو يوجد ‏فقط، وهذا هو عقل التجريبيين والحسيين من منكري النبوة والإله.‏
والمعجزات عنده مردودة كلها.‏
موقفه من الإسراء والمعراج‏

قال هذا المتفاصح في ص224:"وتقول القصة إن الله سار بعبده النبي محمد في جزء من ‏الليل...وإذا عدنا إلى الآية لا نرى فيها تفصيلا ولا نرى في غيرها تأكيدا أو شرحا، ‏وأغلب الظن المعقول أن إسراء النبي كان في الحلم، ويؤيد هذا الظن أن الإسراء هو السير ‏ليلا، كما يؤيده عدم ادعاء الرسول معجزات خارقة للعادة والمعقول فيما سبق."اهـ
فتعبيره ركيك، يدل على عجمة، بل حمق، فإن قوله سارَ بعبده، يستلزم نسبة المسير إلى ‏الله تعالى وإلى عبده، وهذا تجسيم، بل هو غباء أكثر من كونه تجسيما. ‏
وانظر إلى كيفية ترجيحه لكون الإسراء مجرد حلم فإنه اعتمد على أنه لم يرد في القرآن ‏تفصيل ولا تأكيد، ولم يعرف هذا المسكين أنه ورد في السنة تأكيد عديد للأحداث التي ‏اختصرت في القرآن، ثم إذا أثبت القرآن القصة بهذه الصراحة(سبحان الذي أسرى ‏بعبده..) فلم الاحتياج إلى تأكيد لها، وهل ثمة حاجة إلى ذكرها مرة أخرى في القرآن بعد ‏وضوح الماد منها، والتفصيل لحيثياتها في السنة؟!‏
ومن أين يدل كون الإسراء في الليل على أن الحادثة مجرد حلم حصل للنبي عليه السلام، ‏إن هذا نوع من الاستهانة والاستخفاف في تأويل القرآن! ولا يوجد ما يمنعهم من ذلك ‏من فكر أو عقل أو إيمان.‏
ومن أين عرف هذا المسكين أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يدع معجزات خارقة!! ألم ‏يسمع بمعجزات النبي العديدة.‏
ثم انظر إلى وصفه للمعجزات بأنها خارقة للعادة والمعقول، أما أنها خارقة للعادة، فنعم، ‏ولذلك كانت معجزة، أما أنها خارقة للمعقول، فليتها خرقت رأسه لعله يفهم الفرق بين ‏خرق العادة وخرق العقل، فما هي المعجزات التي ادعيت لمن سبق من الأنبياء وقد خرقت ‏العقل والمعقول، إن هذا مجرد افتئات على القرآن والدين. ‏
وقال عن المعراج في ص225:"فالقصة الأولى –أي الإسراء- قصة وهي بشكل رؤيا أو ‏منام. والقصة الثانية لا تخرج عن حالة من حالات الوحي التي تنتاب الأنبياء كما مر معنا. ‏وليس في إحداهما ادعاء معجزة يبتغى منها الإعجاز والإبهار."اهـ
وقد ذكر هذا المتعالم في أوائل كتابه أن الإله عبارة عن مثل أعلى موجود فقط في وعي ‏الإنسان، فكذلك يزعم عن الوحي أنه ما هو إلا نتاج تأمل الإنسان وتفكره، بل ما هو ‏إلا فكرة منبثقة عن وعي الإنسان نفسه، وليست شيئا يأتيه من خارج ذاته. فهو يقول في ‏ص98:"إن الفكرة النبيلة إذا ما ألحت على العقل المثالي الذكي الذي يصل بشفافيته ‏الفكرية ومثاليته الوجدانية إلى الذروة أو ما يقارب الذروة، كانت ولا تزال تسطع كما ‏تسطع الشمس في نهار صاف خال من الضباب، ويصبح وجودها واقعا كفلق الصبح ‏معبرة عن المثل الأعلى نفيه..." إلى آخر هرائه! ‏
رأيه في عصا موسى ‏عليه السلام
إنه يقول بكل صفاقة إن الله لا يبدل نواميس الكون إكراما لخاطر أحد أنبيائه(ص226)، ‏كأن تشرق الشمس من المغرب والعكس بالعكس، وبناء على فهو يرفض أن تكون يد ‏موسى عليه السلام قد صارت بيضاء أو أن تكون العصا قد تحولت إلى حية تسعى حقيقة، ‏بحجة أن ذلك يخالف نواميس الكون، وقال ص227:"فما تأويل ذلك؟ إن التأويل ‏العقلاني ينبئنا أن التحول قد تمَّ عن طريق إيهام الناظرين بذلك، كما يفعل السحرة في ‏ألاعيبهم السحرية، ويبدو أن موسى قد أتقن هذه الألاعيب وتفوق بها على أخصامه، ولا ‏عيب في ذلك إذ استخدمها لإنجاح دعوته الإلهية في زمن كان للممارسات السحرية شأن ‏هام."اهـ
إن هذا مجرد تحريق مقصود للقرآن بدعوة تأويله تأويلا عقليا، بل هو تحريف وتخريب ‏مقصود للنص القرآني ونفي لدلالته يؤدي إلى إفساد نظام الآيات كلها.‏
وانظر إليه كيف يصف أحد الأنبياء بأنه يمارس ألاعيب، وأنه متقن للسحر... لتعرف إلى ‏أي مدى وصل الاتجاه العلماني الحداثي الجديد إلى الاستهانة بثوابت الإسلام وقواعده ‏الكلية. ‏
وأما انفلاق البحر
فيزعم فيه ذلك الزعم الذي زعمه أكثر بعض الزنادقة القدماء بأن المدَّ والجزر كان قد ‏حصل في تلك اللحظة الزمانية. ‏
وبعض الناس يزعمون أن بعض الكواكب كالمشتري وزحل وغيرهما كانت على استقامة ‏واحدة في تلك اللحظة، مما أدى إلى انحسار الماء... ‏
وفسر قلب الماء المر إلى حلو بأن موسى عليه السلام قد عثر على ينابيع ماء حلوة بجانب ‏البحيرة المرة، فقلب شجرة فيها فانصب الماء الحلو في البحيرة فصارت حلوة، وأما المنُّ ‏والسلوى فالمن هو مادة لزجة حلوة تقطر من بعض الأشجار كالبلوط والعفص ‏والكمثرى، والسلوى ما هو إلا طيور السماني التي تطير في وسط الصحراء. وكذلك ‏تفجر الماء من الصخر، وقال في ص230:"وليس المن والسلوى سوى هبة من هبات ‏الطبيعة التي استغلها موسى كعادته وأعلن لشعبه بأن الله أنزلها عليهم كنتيجة لدعائه لهم، ‏وذلك بهدف قيادته لهم ومواصلة مسيرتهم."اهـ، هكذا يفتري على أنبياء الله تعالى بكل ‏صفاقة، ويصفهم بأنهم يكذبون على أقوامهم لمجرد بقائه قائدا لهم! ‏
الملائكة والجن والشياطين
لما كان الإله عند هذا الكاتب مجرد المثل الأعلى للإنسان، فالملائكة من نفس الباب، فقد ‏قال في ص252:"إن الملائكة قسمان
القسم الأول: ذو معنى نفسي حقيقي، وهو الإلهامات الحاملة للأفكار والميول الحرة، وهي ‏بهذا المعنى رسل الله ، المثل الأعلى، تنقل المعرفة والهدى، وتلهم البشر طريق الحق ‏والصواب، كما تنقل الوحي الإلهي إلى الأنبياء، ومثالها الملك جبريل. ‏
القسم الثاني: ذو معنى رمزي مستمد من القسم الأول، وهو ميول البدن إلى مصيره ‏الطبيعي كالموت وميول الطبيعة إلى الحركة كهبوب الرياح وهطول الثلج والأمطار، فهي ‏صلة الوصل بين القوى الطبيعية المحركة(الأسباب العلمية) والقوى الطبيعية المنفذة ‏‏(كالرياح والأمطار)."اهـ
وأما الشيطان فقد قال عنه ص255:"فالشيطان يمثل نوازع النفس الأمارة بالسوء، ‏ووجوده بهذه الصفة معنوي ومن قبيل وسوسة النفس."اهـ ‏
وبناء على ذلك فالملائكة والشياطين من نفس الجنس، والاختلاف عرضي فهذا نحو الشر ‏وتلك نحو الخير. ‏
وأما الجن فهم في رأي هذا الحالم ص257:"إنهم ظل الإنسان على الأرض، ظله النفسي، ‏ظله الذي يحاكيه دون غيره، وقد سميناه فيما سبق طيفه، هو الذي يناجيه وهو الذي ‏يجادله في كل ما يخطر على باله، وقد يطفو هذا الوجود على السطح فيقال إن فلانا كان ‏يتكلم مع نفسه..الخ."اهـ
فهو ينكر إذن الوجود الخارجي للملائكة والجن والشياطين، ويحيلها جميعا إلى أفكار أو ‏نزوات إما نحو الخير أو نحو الشر في الإنسان، فهي عوارض تعرض على الإنسان.‏
وليس ذلك بمستنكر عند هذا الكاتب! فإذا كان الإله نفسه مجرد فكرة لمثل أعلى في نفس ‏الإنسان،فقد قال في ص265:"ولكن الله هو المثل الأعلى، ووجوده روحي-عقلي."اهـ، ‏فيجب ألا يكون الملاك والجن والشيطان أكثر مما ذكره! ‏موقفه من البعث
إن البعث عنده ليس إلا التناسخ، قال في 265:"فالدورة هي من الأرض إلى ‏الأرض."اهـ، والبعث عنده هو عودة الأرواح إلى أصحابها الذين سبقت وفاتهم"اهـ ‏ويوم القيامة ليس من القيمة بمعنى الحساب، بل من القيام وهو معنى البعث، فلا حساب ‏إذن، بل إعادة البعث كدورة طبيعية. ‏
ولم يستطع أن يؤول تأويلا أبعد ن هذا لأن ظهور معنى البعث ويوم القيامة في النصوص ‏أقوى ن أن يصرفها عن ما تدل عليه. ولذلك جاء كلامه فيه مفككا لا قيامة له ولا قيمة. ‏
وكذلك كان كلامه في الجنة والجهنم مفككا لا قيمة له، وإن حاول أن يجعلهما على ‏الأرض فقط، ومظهرا من مظاهر الحياة الإنسانية، ولم يجعل لهما ذلك المعنى الوارد في ‏القرآن والسنة من الحياة الآخرة الباقية مع ما لها من أوصاف خاصة لا يوجد مثلها في ‏الحياة الدنيا. ‏
وقد ختم هذا الكاتب كلامه فقال ص271:"وليس إله الإنسان هذا مركبا ماديا ‏ضخما....بل إنه أعظم وأخطر، إنه النور الذي يرى الإنسان من خلاله الكون، ... إنه ‏مثله الأعلى الذي يعلو على كل ما عداه، ... وجوده معنوي كالنور، يمثله فكر الإنسان ‏ووجدانه الذي يعمل في السر كما يعمل في العلانية."اهـ
وهذا يثبت أنه لا يقول بوجود الله تعالى وجودا حقيقيا، بل إنما هو مجرد فكرة في ذهن ‏الإنسان ووعيه، يسميها هذا الجاهل بالمثل الأعلى. ‏