المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتبارك الله أحسن الخالقين



مصطفى أحمد ثابت
30-03-2007, 17:11
ما هو أفضل توجيه لقوله تعالى : "أحسن الخالقين" ردا على من زعم أن في الآية إثباتا لخالق غير الله ؟

هاني علي الرضا
31-03-2007, 14:57
أخي مصطفى

الخلق في أصل اللغة هو التقدير ..

يقول الرازي في مختار الصحاح :
[ خ ل ق : (الخلق) التقدير ، يقال خلق الأديم إذا قدّره قبل القطع ] .

وبمثل ذا قال صاحب القاموس المحيط وصاحب لسان العرب .

ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته :
[ خلق : الخلق أصله التقدير المستقيم ]

فهذا أصل هذه اللفظة ، فإليها يعود التحاكم بيننا وبين المعترضين .

ومن ثمَّ فإن قوله تعالى { فتبارك الله أحسن الخالقين } يحمل الخلق فيه على أصله اللغوي الذي هو التقدير ، ويؤيد ذلك أمور :

1/ أن هذا هو أصل الوضع اللغوي لهذه المفردة والحمل على الأصل أقوى إلا لوجود قرينة صارفة وهومعدوم هنا فوجب ترجيح الأصل .

2/ أنّ حمل الخلق على الإيجاد يعارضه نصوص صريحة تمنعه كقوله تعالى : { الله خالق كل شيء } !!
فهذا نصٌ في أنّ الله خالق لكل شيء ، وكل عامة مستغرقة لكل ما سواه عز وجل للقرينة العقلية المانعة من أن يخلق نفسه لاقتضاء ذلك الدور وهو مستحيل .
فعاد النص قاطعا في أنّ الله خالق لكل ما سواه سبحانه وتعالى ، وهو نص في المسألة يحتكم إليه ولا يقوى على مقارعته ما تتطرق إليه الاحتمالات والظنون من الظواهر والوجوه كما هو الحال هنا .

3/ أن سياق الآية الكريمة يدل على أن الخلق فيها هو التصوير والتقدير لا الإيجاد من العدم ، فوجب فهم المفردة في سياقها لا مجتزأة من ذلك السياق . يقول الله تعالى :

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ () ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ () ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }

فالخلق الذي يمتدح الله نفسه به والذي هو محل النزاع هو ما وقع منه سبحانه وتعالى أول السياق مرورا بالأطوار إلى آخرها ، وهو قد ذكر أول السياق أنه تعالى خلق الإنسان من سلالة من طين ، أي أنه خلقه من مادة أولية أنشأه عنها فلم يكن خلق الإنسان من العدم المحض ، وهذا خلاف ما يستدل به المخالف بهذه الآية عليه ، إذ إن المخالف – المعتزلي في الغالب – يعتقد أن للعبد قدرة يخلق بها أفعاله وهو يقصد بهذا انشاءها من لا شيء ، بينما الآية تتحدث عن خلق هو في الحقيقة ناشيء عن مادة أولية سابقة لا عن عدم محض فهو تحوير وتغيير وتطوير في حقيقته ، فناسب حمل (الخلق) في الآية على التقدير لا على الإيجاد من العدم الذي هو مدعى الخصم .

4/ قد ورد في الصحيح من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استخدام (الخلق) بمعنى التقدير والتصوير لا بمعنى الإيجاد ، ففي صحيح البخاري رحمه الله عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
( حَشَوتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وسادةً فيها تماثيُل كأنها نمرُقة، فجاءَ فقام بينَ الناسِ وجَعلَ يَتغيَّرُ وَجهُهُ، فقلتُ: ما لنا يا رسولَ الله ؟ قال: ما بال هذهِ ؟ قلت: وسادة جَعلتُها لكَ لَتضْطَجِع عليها. قال: أما علمتِ أنَّ الملائكة لا تدخلُ بيتاً فيه صورة ؟ وأنَّ من صنعَ الصورةَ يُعذَّب يومَ القيامةِ فيقول: أحْيُوا ما خلقتم) صحيح البخاري

وشاهدنا هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( أحيوا ما خلقتم ) ، ومعلوم أن خلقهم للتماثيل إنما هو تصويرها ونحتها وجعلها على هيئتها التي هي عليها ، أي تقديرها على تلك الهيئة ، وهو موافق لسياق الآيات التي تتحدث عن تصوير الإنسان وتقديره على هيئته ، فدل على أن المراد بالخالقين في الآية أي المصورين المقدرين .
فالحاصل أن الخلق في الآية على أصل وضعه اللغوي الذي هو التقدير ولا مستمسك فيها للخصم المعتزلي ويعارض استدلاله ما هو أوضح وأبين في المراد فسقطت الشبهة .

يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته :
[ وليْسَ الخَلقُ الذي هُوَ الإِبْدَاعُ إلاّ لله تعالى ولهذا قالَ في الفصْل بينَهُ تعالى وبينَ غيْرِهِ {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} وأمَّا الذي يكونُ بالٱسْتِحَالَةِ فقد جَعَلَهُ الله تعالى لِغَيْرِهِ في بَعْضِ الأحْوَالِ كَعِيسَى حَيْثُ قَالَ: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} .
وَالْخَلْقُ لاَ يُسْتَعْمَلُ في كافّةِ النَّاسِ إِلا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا في مَعْنَى التّقْدِيرِ كقول الشاعر:

فَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتُ ** وَبَعْــضُ القومِ يَخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي
والثاني في الكذِبِ نحوُ قولِهِ : {وتخلقون إفكا} .
إن قيل قولُهُ تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} يدُلُّ عَلَى أنّه يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ غيرُهُ بالخَلْقِ، قيلَ إنّ ذلكَ معناهُ أحسنُ المقدّرِينَ، أو بكونُ عَلَى تقديرِ مَا كَانُوا يعتَقِدُونَ وَيَزْعُمونَ أنّ غيرَ اللَّهِ يُبْدِعُ، فكأَنَّهُ قيلَ فاحْسِبْ أَنّ هٰهُنا مُبدِعينَ وَموجِدينَ فاللَّهُ أَحْسنُهُمْ إِيجَاداً عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَ كما قالَ: {خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم }] انتهى مفردات ألفاظ القرآن – طـ دار الفكر.

ويقول الألوسي رحمه الله في تفسيره :
[{ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } ........... والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى:
{ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ }

وقول زهير:

ولأنت تفري ما خلقت ** وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية، ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير. والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجود لها استقلالاً فالخالق الموجد متعدد عندهم، وقد تكفلت الكتب الكلامية بردهم. ومعنى حسن خلقه تعالى اتقانه وأحكامه، ويجوز أن يراد بالحسن مقابل القبح وكل شيء منه عز شأنه حسن لا يتصف بالقبح أصلاً من حيث أنه منه فلا دليل فيه للمعتزلة بأنه تعالى لا يخلق الكفر والمعاصي كما لا يخفى. ] انتهى

وبنحوه قال الإمام الرازي والإمام البيضاوي وغيرهما في تفاسيرهم فلتراجع .

والله الموفق .

مصطفى أحمد ثابت
01-04-2007, 15:19
بارك الله فيكم ونفع بكم