المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم جهاد الاحتلال في المذاهب الأربعة ( دراسة فقهية )



عبدالرحمن صالح محمد
21-03-2007, 21:32
حكم جهاد الاحتلال في المذاهب الأربعة ( دراسة فقهية )
عبد الفتاح بن صالح قُدَيش اليافعي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وبعد :
فلا يخفى على أحد ما وصل إليه حال أمة الإسلام من الذل والضعف والهوان حتى اجترأ عليها أعداؤها فصارت لهم نهبا يعيثون فيها كيفما شاءوا , وصار الكثير من أراضي المسلمين تحت الغزو والاحتلال العسكري , والكثير منها تحت الغزو والاحتلال الفكري نسال الله العفو والعافية
وهذا مقال موجز في حكم جهاد الاحتلال العسكري لبلاد المسلمين كما هو الحال في فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان وغيرها من بلدان المسلمين وقد جعلته في مبحثين :
المبحث الأول : في حكم جهاد الاحتلال العسكري
والمبحث الثاني : في ما يترتب على ذلك الحكم

المبحث الأول
حكم جهاد الاحتلال

تمهيد : في حالات الجهاد
الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام وهو سبب عزة المسلمين ورفعتهم , وتركه سبب الذل والضعف والهوان كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفضائله لا تخفى على أحد , والجهاد من حيث الحكم الشرعي يكون فرض كفاية أحيانا ويكون فرض عين أحيانا :

أولا : فرض الكفاية :
يكون الجهاد في سبيل الله فرض كفاية في حالة الغزو والطلب , وذلك لنشر الدعوة الإسلامية في الأرض لا لأجل القتل وسفك الدم وتحصيل الأموال فهذه الأمور تبع لا أصل , فالقتال وسيلة لا غاية قال الإمام منلا خسرو الحنفي في درر الحكام 1/282 : ( وجه كونه فرض كفاية أنه لم يشرع لعينه ; لأنه قتل وإفساد في نفسه بل شرع لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه ودفع الفساد عن العباد ) اهـ وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج 9/211 : ( جزم الزركشي بأن وجوبه وجوب الوسائل لا المقاصد ; إذ المقصود منه الهداية , ومن ثم لو أمكنت بإقامة الدليل كانت أولى منه ) اهـ
صحيح أنه من النادر أن يقبل الكفار الإسلام ويقرون بسلطانه على أرضهم بغير الجهاد ولذا قال ابن حجر بعد حكاية كلام الزركشي : ( على أن هدايتهم لا سيما على العموم بمجرد إقامة الدليل نادرة جدا , بل محال عادة ) اهـ لكن مع ذلك تبقى الدعوة هي الأصل والغاية , والقتال وسيلة لنشرها
ولا يشترط في جهاد الغزو والطلب أن يبدأ الكفار بقتالنا بل هو فرض وإن لم يقاتلونا فإن بدؤونا صار الجهاد جهاد دفع لا جهاد طلب قال الإمام منلا خسروا في درر الحكام 1/282 : ( هو فرض كفاية بدءا ) أي ابتداء يعني يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا ) اهـ وفي الجوهرة النيرة 2/257 : ( وقتال الكفار واجب علينا وإن لم يبدءونا ) لأن قتالهم لو وقف على مبادأتهم لنا لكان على وجه الدفع وهذا المعنى يوجد في المسلمين إذا حصل من بعضهم لبعض الأذية وقتال المشركين مخالف لقتال المسلمين ) اه
وأقل ما ينبغي أن يُفعل جهاد الطلب في السنة مرة واحدة إلا لحاجة قال المرداوي في الإنصاف 4/116 : ( وأقل ما يفعل مرة في كل عام ) مراده : مع القدرة على فعله . قوله ( إلا أن تدعو حاجة إلى تأخيره ) . وكذا قال في الوجيز وغيره . قال في الفروع : في كل عام مرة , مع القدرة . قال في المحرر : للإمام تأخيره لضعف المسلمين ) اه
وفي هذه الحالة – أي حالة الغزو والطلب – يعرض جيش المسلمين على الكفار الإسلام فإن قبلوه فقد كفى الله المؤمنين القتال وحصل المطلوب والأصل
فإن أبوا الدخول في الإسلام فلا إكراه في الدين , فيعرض عليهم أن يبقوا على دينهم لكن مع دفع الجزية على تفاصيل للفقهاء فيمن تقبل منهم الجزية , ومعنى قبولهم الجزية أي أن تكون تلك البلاد تحت سلطان الإسلام على أن يوفر المسلمون لهم الحماية قال تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون )
فإن أبوا دفع الجزية فآخر العلاج الكي فلم يبق إلا مناجزتهم بالسيف وعندئذ تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتغنم أموالهم وأراضيهم قال تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )
وبهذا الترتيب – الإسلام ثم الجزية ثم السيف - كان يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الجيوش التي كان يرسلها لقتال الكفار ففي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال ... إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم : ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ) اه
قال الدردير في شرحه على خليل 2/176 :
- ( ودعوا ) وجوبا ( للإسلام ) ثلاثة أيام بلغتهم الدعوة أم لا ما لم يعاجلونا بالقتال , وإلا قوتلوا
- ( ثم ) إن أبوا من قبوله دعوا إلى أداء ( جزية ) إجمالا إلا أن يسألوا عن تفصيلها ( بمحل يؤمن ) متعلق بالإسلام والجزية
- ( وإلا ) بأن لم يجيبوا أو أجابوا ولكن بمحل لا تنالهم أحكامنا فيه , ولم يرتحلوا لبلادهم ( قوتلوا وقتلوا ) أي جاز قتلهم ) اه
وما سبق ذكره من فرضية جهاد الطلب لنشر الإسلام وسلطانه :
- هو مذهب جماهير أهل العلم وعليه المذاهب الأربعة ولا أريد الإطالة بذكر أقوالهم هنا لأننا إنما ذكرنا جهاد الطلب هنا من باب التمهيد لما سيأتي
- وهناك من أهل العلم من قال باستحباب جهاد الطلب ولم يوجبه ومن هؤلاء : سفيان الثوري وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة ( أحكام القرآن للجصاص 4/311 ) , وعبد الله بن الحسن ( بداية ابن رشد 1/305 ) , وسحنون ( قوانين ابن جزي 163 ) , وابن عبد البر ( حاشية الدسوقي 2/173 )
- ومن المضحك المبكي قول بعض من ينتسب إلى العلم من المعاصرين أن جهاد الطلب محرم لأن الجهاد إنما شرع للدفاع عن النفس فقط وما عدا ذلك فهو من الاعتداء وسفك الدماء بغير حق !!!!!

ثانيا : فرض العين :
يكون الجهاد فرض عين في ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن يلتحم الصفان :
فيتعين على من حضر الصف البقاء ولا يجوز لهم الفرار إلا لتحيزٍ أو تحرّف قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ... الآية )
لكن إذا كان عدد الكفار أكثر من ضعفي عدد المسلمين جاز لهم الفرار قال تعالى : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين ... الآية )
وهناك حالات أخرى لجواز الفرار عند التحام الصفين وللفقهاء تفاصيل كثيرة في ذلك تراجع في مظانها وكلامنا هنا إنما هو عن حكم جهاد الاحتلال فلا داعي لذكر تلك التفاصيل
الحالة الثانية :عند الاستنفار :
بأن يستنفر الإمام الناس للجهاد قال تعالى : ( ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ... ) اه فيتعين على من استنفرهم الإمام أن يخرجوا للجهاد كما حصل ذلك للمسلمين في غزوة تبوك
الحالة الثالثة : جهاد الاحتلال :
بأن يدهم العدو بلاد المسلمين فيتعين على أهل تلك البلاد أن يدفعوا العدو عنهم فإن عجزوا أو أهملوا تعين على من يليهم من المسلمين نصرتهم فإن عجزوا فمن يلي من يليهم حتى تعم الدائرة كل المسلمين وقد تعين الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين في المدينة عندما دهمهم الأحزاب في غزوة الخندق
قال ابن قدامة في المغني 9/163 : ( ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع :
- أحدها : إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام …
- الثاني : إذا نزل الكفار ببلد , تعين على أهله قتالهم ودفعهم .
- الثالث : إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه …) اه
وزاد الحنفية والشافعية - وهو قول في مذهب المالكية - حالة رابعة وهي : فك الأسير انظر للحنفية مثلا البحر الرائق لابن نجيم 5/78 وللمالكية كفاية الطالب لأبي الحسن المالكي في 2/3 وللشافعية شرح البهجة لشيخ الإسلام الأنصاري 5/130
وحالة جهاد الاحتلال هي محل بحثنا ومقالنا هذا فنقول وبالله التوفيق :

حكم جهاد الاحتلال :
اتفقت المذاهب الأربعة على أن جهاد الاحتلال فرض عين على تفاصيل لهم في ذلك سيأتي ذكرها وحكى بعض أهل العلم الاتفاق على ذلك قال المرداوي في الإنصاف 4/117 : ( ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد , أو حضر العدو بلده تعين عليه [ الجهاد ] بلا نزاع ) اه
بل قال بعض أهل العلم : يتعين الجهاد ولو دخل الكفار أرضا خرابا ومواتا للمسلمين , ومن أهل العلم من قال : إن جهاد الاحتلال فرض كفاية كما سيأتي إن شاء الله
وهذه بعض أقوال أهل العلم في هذه المسألة :

بعض أقوال أئمة الحنفية :
في درر الحكام 1/282 : ( و ) فرض ( عين إن هجموا ) أي هجم الكفار على ثغر من ثغور دار الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه وهم يقدرون على الجهاد . نقل صاحب النهاية عن الذخيرة أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو , فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم , فإذا احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصوم والصلاة لا يسعهم تركه ثَمّ وثَمّ إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج ) اه
وفي الحاشية على درر الحكام 1/282: ( قوله : وفرض عين إن هجموا ) كذا في الكنز وغيره وهو يقتضي الافتراض على كافة الناس سواء فيه أهل محل هجمه العدو وغيرهم وهو صريح ما قال في منية المفتي في النفير العام يجب على كل من سمع ذلك الخبر وله الزاد والراحلة ) اه
وفي مجمع الأنهر 1/633 : ( فإن هجم ) أي : غلب ( العدو ) أي : على بلد من بلاد الإسلام , أو ناحية من نواحيها ... ( ففرض عين ) اه
وفي مجمع الأنهر 1/633 : ( قال في الذخيرة : إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو وهم يقدرون على الجهاد فأما من وراءهم ببعد من العدو , فإن كان الذين هم بقرب العدو عاجزين عن مقاومة العدو أو قادرين إلا أنهم لا يجاهدون لكسل بهم أو تهاون افترض على من يليهم فرض عين , ثم من يليهم كذلك حتى يفترض على هذا التدريج على المسلمين كلهم شرقا وغربا ) اه
وفي البحر الرائق 1/79 : ( والمراد هجومه [ أي العدو ] على بلدة معينة من بلاد المسلمين فيجب على جميع أهل تلك البلدة وكذا من يقرب منهم إن لم يكن بأهلها كفاية وكذا من يقرب ممن يقرب إن لم يكن ممن يقرب كفاية أو تكاسلوا وعصوا وهكذا إلى أن يجب على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا ) اه
وفي حاشية ابن عابدين على شرح الحصكفي 4/127 : ( قوله وفرض عين ) أي على من يقرب من العدو , فإن عجزوا أو تكاسلوا فعلى من يليهم حتى يفترض على هذا التدريج على كل المسلمين شرقا وغربا كما مر في عبارة الدرر عن الذخيرة ) اه

بعض أقوال أئمة المالكية :
في مختصر خليل : ( وتعين بفجئ العدو وإن على امرأة وعلى من بقربهم إن عجزوا )
وفي شرح الخرشي على خليل 3/111 : ( ذكر هنا أنه قد يتعين على كل أحد , وإن لم يكن من أهل الجهاد كالمرأة والعبد ونحوهما كما إذا فجأ العدو مدينة قوم , فإن عجزوا عن الدفع عنهم فإنه يتعين على من بقربهم أن يقاتلوا معهم العدو ما لم يخف من بقربهم معرة العدو , فإن خاف ذلك بإمارة ظاهرة فليلزموا مكانهم ) اه
وفي شرح عليش على خليل 3/141 : ( وتعيّن ) بفتحات مثقلا أي صار الجهاد فرض عين ( بفجئ ) أي هجوم ( العدو ) أي الكافر الحربي على قوم بغتة ولهم قدرة على دفعه أو على قريب من دارهم فيلزم كل قادر على القتال الخروج له وقتاله ... ( و ) تعين الجهاد ( على من بقربهم ) أي من فجأهم العدو ( إن عجزوا ) أي من فجأهم العدو عن دفعه إن لم يخش غير المفجوئين معرة على نسائهم وعيالهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بالدفع عمن فجأهم العدو , وإلا تركوا إعانتهم ... ) اه
وفي شرح الدردير على خليل 2 /176 : ( وتعين ) الجهاد ( بفجئ العدو ) على قوم ( وإن ) توجه الدفع ( على امرأة ) ورقيق ( و ) تعين ( على من بقربهم إن عجزوا ) عن كف العدو بأنفسهم ) اه
وفي التاج والإكليل 4/539 : ( وتعين بفجئ العدو ) ... قال أبو عمر : يتعين على كل أحد إن حل العدو بدار الإسلام محاربا لهم فيخرج إليه أهل تلك الدار خفافا وثقالا شبانا وشيوخا , ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكتر , وإن عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم كان على من جاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة . وكذلك من علم أيضا بضعفهم وأمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج , فالمسلمون كلهم يد على من سواهم
( وعلى قربهم إن عجزوا ) قال ابن بشير : إذا نزل قوم من العدو بأحد من المسلمين وكانت فيهم قوة على مدافعتهم فإنه يتعين عليهم المدافعة , فإن عجزوا تعين على من قرب منهم نصرتهم . وتقدم نص المازري : إذا عصى الأقرب وجب على الأبعد . ) اه

بعض أقوال أئمة الشافعية :
في أسنى المطالب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري 4/178 : ( و ) يتعين عليهم ( بدخول الكفار فإن دخل الكفار بلاد المسلمين تعين ) عليهم ; لأن دخولهم لها خطب عظيم لا سبيل إلى إهماله ... فلو دخلوا بلدة لنا تعين على أهلها من المكلفين ) اه
وفي الحاشية على أسنى المطالب : ( قوله : ويتعين عليهم بدخول الكفار ) هل الخوف من الدخول كنفس الدخول وجهان , ومنشأ الخلاف أن المشرف على الزوال كالزائل أم لا قال شيخنا : يظهر أنه إن غلب على الظن دخولهم إن لم يخرجوا للقتال فهو بمنزلة الدخول )