المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد والتقليد -مراجعات



سعيد فودة
17-03-2007, 21:49
بسم الله الرحمن الرحيم

الاجتهاد والتقليد


إذا حكم الحاكم فكان حكمه مخالفا للنص، فحكم الحاكم مردود، ولا حجة به، وهذا إذا تأكدنا أنه ‏مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، لأن الأصل أنه لا حكم إلا لله ولا حكم يصح في خلاف حكم الله ‏ورسوله عليه السلام.‏
والمجتهد يجتهد رأيه، ولا يصح لأحد من المجتهدين أن يقلد المجتهد في اجتهاده أو بوسيلة اجتهاده التي ‏يعتمدها ، فللمجتهد أن يقيس وأن يأخذ بالحديث، ومادام القياس صحيحا فله العمل به والبناء عليه، ‏ونحن نقول إن الله لما صحح القياس وجعله وسيلة إلى الاجتهاد فيجوز فللمجتهد الاعتماد عليه مطلقا ‏إلا إذا عارض نص أو قياسا أجلى منه. ‏
ولذلك فإنا لا نوافق من قال" أن اجتهاد الرأي لا يباح إلا عند الضرورة" ويعني باجتهاد الرأي : ‏القياس، فالقياس جائز وإن وجد النص، ولكنه لا يعتمد إذا خالف النص أما في حال الموافقة فلم لا ‏يعتمد عليه؟ وأما الاجتهاد بالرأي الذي لا يصح إلا عند الضرورة، فهو مطلق الأخذ بالقول والرأي ‏ولو بلا قياس، والضرورة يجب أن يكون معناها هنا عدم النص، فحينذاك لا بد من العمل، وإذ انعدم ‏النص، فلا شيء إلا الرأي المحض، وبهذا التفسير يصح القول، وعلى هذا يحمل ما رواه البيهقي عن ‏الإمام أحمد أنه قال: سالت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورة، فيحمل القياس هنا على الاجتهاد ‏بالرأي، أو يقال أراد الشافعي أنه لا ضرورة للقياس مع وجود النص على الحادثة المعينة، وأما مع عدم ‏وجود نص عليها فهناك ضرورة للقياس، وهذا صحيح مطلقا ليس بحاجة إلى تأويل ولا صرف عن ‏ظاهرة، ويبدو لي أوجه من الذي قبله.‏
ولا يخفى أن بعض المتقدمين يطلقون ذم القول بالرأي والظن والقياس على غير أصل، وعلى هذا يحمل ما ‏جاء في كلامهم من الذم المطلق للرأي والقياس.‏
وأما من قال: إن الرأي إنما كان من رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنه كان مصيبا فيه، لأن الله كان ‏يريد ذلك الرأي، وأما نحن فإن الرأي منا تكلف وظن.‏
فهذا القول منه يحتاج إلى نظر، لأنه ينطوي على أن الاجتهاد يشترط فيه العصمة عن الخطأ وهذا مخالف لما ‏ورد من صريح كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من تصحيح اجتهاد المجتهد مع احتمال خطأه، ‏ومخالف لما نص عليه الكتاب من وجوب سؤال أهل العلم مع القطع بجواز خطئهم. ثم إن تسميته ‏الرأي الصادر عن المجتهدين تكلفا لا يصح ولا يسلم له كما لا يخفى لما مضى الإشارة إليه، ثم نحن ‏نخالفه فنقول: لا نسلم أن كل رأي صادر من المجتهد فهو تكلف وظن باطل، فهذه القضية العامة ‏باطلة، بل يصح أن يصدر رأي صحيح عن المجتهد كما هو ظاهر، وبذلك يبطل هذا القول الذي تعلق ‏به.‏
وقد تعلق قوم بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من غير طريق أنه كان يقول:"إن أصحاب ‏الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين يسألون أن يقولوا لا ‏نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم"اهـ.‏
فإن أريد بأصحاب الرأي هنا القائمون على أصل صحيح، فهذا القول المنسوب إلى عمر بن الخطاب ‏رضي الله عنه لا بد أن يكون باطلا، لاستحالة صحة القول بل لظهور بطلانه، مع استحالة مثله عن عمر.‏
وأما إن أريد بأصحاب الرأي الذين يتكلمون بمحض رأيهم فيخالفون السنن، ويخالفون الأقيسة ‏الصحيحة، فقوله صحيح في وجوب الحذر منهم. ولا يصح أن يحمل هذا القول على نحو الإمام أبي ‏حنيفة كما يفعل بعض الجهلة، فهذا الحمل منهم قادح فيهم وشاهد صدق على ابتداعهم وانحرافهم.‏
وكذلك يقال في ما روي عن الشعبي أنه قال:" إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس "اهـ.‏
فإن كانت تلك المقاييس تعطي أحكاما مخالفة للآثار الصحيحة، فهي مردودة طبعا، ولا أحد يقول ‏بقياس في مخالفة الأحاديث الصحيحة. وأما إن لم تكن المخالفة فلا يعد الأخذ بالمقاييس هلاكا في الدين، ‏بل القياس مشروع ويصح القول به في مجاله وحدوده. وأما الآثار فإنما يجب الأخذ بالصحيح والمعتد به ‏منها لا بكل ما يسمى أثرا، والأثر يطلق إطلاقه الأول عام شامل للحديث المروي عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين، والآخر خاص بما روي عن غير النبي عليه السلام من السلف، ‏ومن المعلوم بداهة في الدين أن الواجب اتباعه إنما هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح عنه، ‏وأما ما سوى ذلك فالأصل أنه غير واجب الاتباع، وفي ذلك تفصيل معلوم في علم الأصول، فإذا كان ‏كبار الصحابة قولهم غير حجة لذاته، فأقوال التابعين ومن وراءهم أولى بذلك، بل القول يعتد به بمقدار ‏ما يشتمل عليه من الصحة والسداد والموافقة لقواعد الشريعة وأدلتها.‏

يتبع....

لؤي الخليلي الحنفي
18-03-2007, 18:31
سيدي الكريم الشيخ سعيد قلتم :
إذا حكم الحاكم فكان حكمه مخالفا للنص، فحكم الحاكم مردود، ولا حجة به، وهذا إذا تأكدنا أنه ‏مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، لأن الأصل أنه لا حكم إلا لله ولا حكم يصح في خلاف حكم الله ‏ورسوله عليه السلام.

ما رأيكم بقول السادة الأحناف: أن حكم الحاكم في العقود والفسوخ يحل حراما ويحلل حلالا في بعض الحالات؟

سعيد فودة
18-03-2007, 21:49
حكم الحاكم إذا أمضي، فلا ينقض بمثله [هذا من حيث الأصل!]، لأن الشرع أوجب على الحاكم أن يعمل باجتهاد، ولو نقض لما تم حكمٌ....
ولذلك ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام كما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ . [المنتقى لابن الجارود ج1/ص249]

سعيد فودة
22-03-2007, 22:01
وليعلم أن السؤال عن الأحكام الشرعية واجب على من احتاج إليه، وكثرة السؤال وقلته ليست مطلوبة ‏لذاتها ولا مرذولة كذلك، بل الذم قد يرد على السؤال إن لم يكن لحاجة، أو كان لمجرد الجدل أو ‏للمغالطة، فقد كان الصحابة يسألون النبي عليه السلام، وقد وردت الآيات القرآنية بذلك وجعلت دينا ‏يتعبد به، فكيف يقال بعد ذلك أن السؤال محظور، بل الحظر قد يرد على السؤال والسائل لأمر خارج عنه ‏كما وضحناه، ولذلك فقد كان رضي الله عنه يقول " ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه ‏وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث مسألة، حتى قبض كلهن في القرآن( يسألونك عن المحيض) (يسألونك ‏عن الشهر الحرام) (يسألونك عن اليتامى)، ما كانوا يسألون ."اهـ
والمقصود من هذا الأثر العبارة الأخيرة، وهي أن السؤال عما ينفع غير محظور ولا مرذول، بل مستحسن ‏ومقبول.‏
ثم نقول: نعم إن كثرة السؤال بلا فائدة أمر غير حسن، ولكن إذا كان عن الأحكام صادرا عن طلاب ‏العلم الذين خصصوا حياتهم لتعلم الشريعة وبيانها في المستقبل، فهذا لا ينبغي إلا أن يكون حسنا. وما ‏ورد في النهي عنه فإنما يحمل على غير طلاب العلم أو عمن سأل منهم عن مسائل بعيدة وأهمل العمل ‏بالقريب المحتاج إليه في ذلك الزمان، ولا شك في صواب ذلك القدح حينئذ. ولهذا قال عمر بن الخطاب ‏رضي الله عنه:" لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، إن الله تبارك وتعالى قد قضى فيما هو كائن"اهـ. ‏فالقضاء في الكائن من العالم، لا يعارض السؤال عما لم يكن من طالب العلم. وأما ما روي عنه رضي الله ‏عنه من قوله:"إياكم وهذه العضل،فإنها إذا نزلت بعث الله إليها من يقيمها ويفسرها "أهـ فإن أريد به ‏عدم جواز السؤال من كل واحد إلا عما هو واقع لديه فقط ،أو عما ألمّ به ، وأن هذا الحكم شامل للعلماء ‏والعوام ن فبطلان هذه القول ظاهر،فعلماء الصحابة كانوا يعلمون من المسائل ما لم يقع بعد بل كان ‏الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم الصحابة ما لم يقع في زمانهم بل حصوله في أزمنة لاحقة ،وذلك ‏ليعلموها من بعدهم ويحذروهم فتكون هذه المعارف إرشادا أو تعليما لمن يأتي من بعدهم . وعلى هذا ‏درج العلماء والفقهاء وبعث الله للفقهاء إنما يكون على سبيل الكسب منهم وطلب العلم والتعلم، ‏ولذلك إذا قصر الناس في حفظ العلم وتعليمه، فإنهم يأثمون على ذلك. وإذا ظهر هذا، عرفنا أن المراد ‏من كلام عمر رضي الله عنه ما ذكرناه من غير المتأهل أو الحض على الاستفادة من الزمان بالعمل ‏الصالح، أو لأنه لاحظ وجود كفاية من العلماء في زمانه ففي هذه الحالة فإن الأولى للناس أن يعلموا ‏بعلمهم فهذا أنفع لهم دنيا وأخرى وبخلاف هذا التخريج لقوله فإنا نرى صعوبة الأخذ به وقبوله فهو ‏إذن من جنس ما ورد من الأحاديث من النهي عن كثرة السؤال التي لا تنفع في واقع ولا في تعليم ولا ‏خلاف في النهي عن ذلك.‏
وقد كان كثير من المعارضين لأهل الرأي يتهمون بأنهم لا يعرفون الحديث والرواية، ولذلك يلجأون إلى ‏الرأي وقد ذكرنا شيئا من ذلك، إن بعضهم سئل عن أصحاب الرأي فقال:" هم أعلم الناس بما لم يكن، ‏وأجهلهم بما كان" يريد أنهم لم يكن لهم علم من مضى، بهذا فسرها بعض المتسرعين ولكن معناها أنهم لم ‏يكن عندهم علم بالرواية ولا بالأحكام التي حصلت ووقعت.‏
ولعل هذا الموقف من هؤلاء مبني من جهة من الجهات على فهمهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏الذي رواه عنه جابر بن عبد الله:- أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله ‏عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" رواه مسلم، ورد له الثوري بن جعفر وقال فيه: ‏وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". فإن كانوا معتمدين على نحو هذا الحديث في ‏موقفهم النافر من القياس، فإنا نقول هذا لا يدل على ما تزعمون، وقد قال الشافعي: المحدثات من ‏الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف الكتاب أو سنة أو أثر أو إجماعا، فهو البدعة والضلالة. والثاني: ‏ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر في قيام شهر ‏رمضان : نعمت البدعة هذه، أي أنها كانت محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى."اهـ. فتأمل ‏كيف ينه الإمام على فهم عمر بن الخطاب للحديث النبوي الشريف وتخصيصه بما أحدث مما يخالف ‏الدين، أي يصير معناه: كل بدعة تخالف الدين فهي ضلالة، وأما ما لم يكن من المحدثات كذلك، فلا ‏يقال أنه ضلالة. وإذا عرفنا معنا الحديث فلا وجه للاعتماد عليه في رد القياس بحجة أنه لم يكن ثم كان، ‏فهو ضلالة، فليس كل محدث ضلالة كما اتضح. ولا يخفى عليك أن هذا لفهم الذي ذكرناه مؤيد بقوله ‏عليه الصلاة والسلام في الحديث:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فمفهوم الحديث من ‏أحدث ما هو منه فلا يرد، ويفهم من هذا أن الإحداث غير المذموم هو إحداث في الصورة لا في اصل ‏المعنى، فاستحداث قاعدة جديدة بلا ضابط ولا دليل عليها لا شك في كونه ضلالة، وأما العمل بقاعدة ‏مسلمة غير محصورة الصُّور باستحداث صورة جديدة لم تكن معمولا بها من قبل ولكنها تندرج في عموم ‏القاعدة المسلمة، فهذا كيف يكون سيئا؟!‏
وبعض الناس يحتج بما روي عن الإمام علي رضي الله عنه في مسح الخفين وأن الدين لو كان بالرأي لكان ‏مسح الخفين من أسفل هو الواجب، وتعلقوا به في رد القياس وأصل النظر والاجتهاد فبالغوا في هذا ‏الفهم. وأما نحن فلا نرى في هذا القول لهم حجة وقد كتبت رسالة موجزة في قول الإمام علي رضي الله ‏عنه مبينا فيها معنى قوله وإبطال حجة من احتج به لرد القياس. فراجع تلك الرسالة في مفيدة على ‏صغرها.‏
وقال يحيى بن حريس سمعت سفيان- وأتاه رجل فقال: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال- وماله، قال: ‏سمعته يقول آخذ بكتاب الله فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم أجد في كتاب الله ولا ‏سنة نبيه أخذت بقول أصحابه من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول ‏غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - ‏وعدد رجالا- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا. قال: فسكت سفيان طويلا ثم قال: كلمات برأيه ما ‏بقي في المجلس أحد إلا كتبه نستمع السديد من الحديث فنخاف، ونسمع اللين فنرجوه، ولا نحاسب ‏الأحياء ولا نقضي على الأموات، نسلم ما سمعناه ونكل ما لم نعلم إلى عالمه ونتَّهم رأينا لرأيهم.قال الإمام ‏البيهقي: فذكرنا في الصحابة رضي الله عنهم إذا اختلفوا كيف يرجع قول يعضهم على بعض، وبماذا ‏يرجع، وليس له في الأخذ بقول بعضهم اختيار شهوة من غير دلالة، والذي قال سفيان الثوري من أنّا ‏نتّهم رأينا لرأيهم إن أراد الصحابة إذا اتفقوا على شيء، أو الواحد منهم إذا انفرد بقوله ولا مخالف له ‏نعلمه منهم، فكما قال، وإن أراد التابعين إذا اتفقوا على شيء فكما قال. وإن أراد الواحد منهم إذا انفرد ‏بقوله لا مخالف له نعلمه منهم فقد قال كذلك بعض أصحابنا، وإن اختلفوا فلا بد من الاجتهاد، وفي ‏اختيار أصح أقوالهم. وبالله التوفيق وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا زكريا العنبري يقول ‏سمعت أبا الوليد وحدث بحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل ما رأيك؟ فقال: ليس لي مع ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي، وقال يحيى بن آدم: لا نحتاج مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم ‏إلى قول أحد وإنما يقال سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ليعلم النبي صلى ‏الله عليه وسلم مات وهو عليها أي أن السنة لم تنسخ فلو نسخت لم يعمل بها الصحابة وهم أعلم الناس ‏بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم عليه. ومما يدل على أن العلم لا يكون بمجرد كثرة الرواية ما قاله ‏مالك: الحكمة والعلم نور يهدي الله به من يشاء وليس بكثرة المسائل، وقال ابن وهب:سمعت مالكا ‏يقول ليس الفقه بكثرة المسائل، ولكن الفقه يؤتيه الله من يشاء من خلقه.‏
وقال مالك: العلم والحكمة نور يهدي الله به من يشاء وليس بكثرة المسائل.‏
وإن كان هذا حملا للفقه ودراية له للعمل به وهو محمود لمن هو أهله، وليس كل أحد يطيق الاجتهاد في ‏دين الله بل هذا منصب اختص الله به الأقلين وصفوة عباده، اللهم اجعلنا منهم.‏
وقال بقية: سمعت الأوزاعي يقول: العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عن ‏أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس يعلم.‏
قال أبو عمر ابن عبد البر: معناه ليس له أن يأتي بقول ويخالفهم به.‏
ومعنى هذا الكلام أن الصحابة إذا تكلموا بمسألة ألمت بهم أو عرضت عليهم، واتفقوا على قول فيها أو ‏اختلفوا على أقوال، فليس لمن بعدهم أن يأتي بقول جديد، في عين تلك المسألة يخالفهم فيه ويبطل قولهم. ‏ومن الواضح أن هذا من قبيل الاحتجاج بالإجماع. ولا يصح أن يفهم من هذا القول أن الصحابة قد ‏تكلموا في كل العلوم إجمالا وتفصيلا، وبناء على ذلك يمنع كل من سواهم ممن هو بعدهم أن يقول بقول ‏في مسألة لم يتكلموا فيها، فهذا فهم غالط، لأنا نقول أن ما تكلموا فيه لا يجوز الخروج عليه، وأما ما لم ‏يتكلموا فيه فكيف نمنع الكلام فيه وكيف يعتبر مجرد عدم الكلام منهم فيه دليلا على بطلان أصل الكلام ‏فيه؟ فربما لم يتكلموا فيه ولم يقولوا فيه قولا لأنه لم يعرض عليهم ولم تلح الحاجة إليه عندهم، وأكثر ‏فقههم كان فيما هو كائن. فعدم قولهم فيه ليس دليلا على حرمة القول فيه مطلقا كما توهم بعض السذج ‏ممن انتسب إلى محض هواه وادعى أنه أنه مذهب السلف وليس هو حقا مذهبا لهم ولا قولا لهم، بل ينسب ‏إليهم على سبيل الغلط والمغلطة.‏

يتبع إن شاء الله .....

مهند بن عبد الله الحسني
23-03-2007, 21:17
وبعض الناس يحتج بما روي عن الإمام علي رضي الله عنه في مسح الخفين وأن الدين لو كان بالرأي لكان ‏مسح الخفين من أسفل هو الواجب، وتعلقوا به في رد القياس وأصل النظر والاجتهاد فبالغوا في هذا ‏الفهم. وأما نحن فلا نرى في هذا القول لهم حجة وقد كتبت رسالة موجزة في قول الإمام علي رضي الله ‏عنه مبينا فيها معنى قوله وإبطال حجة من احتج به لرد القياس. فراجع تلك الرسالة في مفيدة على ‏صغرها.‏

زيادة في التوثيق فموضوعكم الأنور هنا :
http://www.aslein.net/showthread.php?t=993

ودعواتنا لكم موصولة يا سيدنا العلامة .

سعيد فودة
01-04-2007, 11:24
وورد بأسانيد رجال بعضها ثقات عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له:" ‏يا عبد الله بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال: أتدري أي الناس أعلم؟ قلت الله ‏ورسوله أعلم، قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان ‏يزحف على أسته. قال أبو يوسف وهذه صفة الفقهاء."‏
وهذا الحديث يدل بوضوح على مكانة العلماء وتفضيلهم على الزهاد، ويدل على أن للعلم وإن كان ‏صاحبه مقصرا في العمل، فضيلة عظيمة، وهذا يفهم من أصل معنى العلم، ومن تكرار الرسول صلى الله ‏عليه وسلم لسؤال جلبا لاهتمام المسئول وإظهارا لأهمية موضوع الكلام.‏
وقد نقل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال:" لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا"اهـ. ‏وهذا ظاهر في المفتي الذي يفتي للناس ولا يجوز تعميمه في كل أحد، فلا يقال أن هذا القول يدل على منع ‏التقليد مطلقا، فهذا مخالف لظاهر كلام الإمام وليس تفسيرا له. وأما ما نقل عن الإمام أبي حنيفة وأبي ‏يوسف من قولهما:" لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه "اهـ. فهذا ظاهره العموم وإن ‏حملناه على العموم يخالف قوله السابق وتخصيص العام أهون من القول بالتعارض ثم البحث عن وجه ‏الترجيح، فإذن نحن نرى أن هذا القول المطلق محمول على ما سبق، فهو إذن في حق المفتين ولا يعم الناس ‏جميعا. لا يجوز أن يحمل على معرفة الدليل الإجمالي كالقياس أو الحديث أو الآية المعينة، أما اشتراط العلم ‏بالتفاصيل كحيثيات القياس ووجه دلالة الآية أو الحديث والإنفكاك عن المعارض ودفع النسبة الواردة ‏مما لا يتم الدليل إلا بها فلا يمكن القول بتكليف العامة به.‏
ويؤيد هذا الفهم ما نقل عن الإمام أبي حنيفة أنه قال:" لا يحل لأحد أن يأخذ قولنا ما لم يعرف مأخذه من ‏الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو القياس الجلي في المسألة "اهـ. فهذا القول يدل على أنه يكفي معرفة ‏الدليل الإجماعي ما هو؟ قياس أو كتاب أو سنة أو إجماع أما تفصيل ذلك فلا.‏
وقد جرت عبارة على لسان الفقهاء تنص على أن "العمل بالفقه لا بالحديث"، يعني أن الأحكام التي يتم ‏بناء العمل عليها إنما هي ما يقرره الفقهاء، وليس يصح ظان يبادر الناس عامتهم وخاصتهم إلى العمل ‏بمجرد رواية الحديث أو ظاهر ألفاظه دون التبحر في معانيه والتدقيق في مبانيه. ولا يخفى أن الفقه عبارة ‏عن الفهم من النصوص والبناء عليها، سواء الكتاب أو السنة، فلا فقه بلا هذين المصدرين، ولكن ‏لوجود الخاص والعام والمطلق والمقيد والمنسوخ والظاهر والمؤول والمشترك وغير ذلك من النصوص، ‏لزمنا أن نلجأ إلى الفقهاء ولكي يبينوا لنا ما هو المحكم من الأحكام لنعمل بها، فالفقه هو فهم ‏المجتهدين، وهذا ما يجب البناء عليه، وقد يشنع بعض المتهورين على هذا الفهم فيقول: أنتم تقدمون قول ‏الرجال على قول الله ورسوله عليه السلام! وهذا الزعم منه محض مغلطة قبيحة، بعدما بينا له ما معنى ‏الكلمة. ثم هذا يقول أن العامي يجوز له أن يعمل بالحديث، أو لا يعلم هذا أن العامي لا يعمل بنفس ‏الحديث بل بفهمه للحديث، وما أدرانا أن فهمه على وجهه؟! أنقدم فهم العامي على فهم المجتهد العالم، ‏هروبا من شبهة ترك الحديث،ن والعمل بقول الرجال الذين نعلم أنهم من أهل العلم قد وصلوا إلى رتبة ‏الاجتهاد، لنقع في تجويز العمل بفهم/ أو لا بفهم رجال عوام نقطع بأنهم لا يدرون شيئا من الدين، أبهذا ‏الطريق نكون عاملين على الحفاظ على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أم نكون مخربين مدمرين لها، ‏لأنا إن رضينا بهذا؛ فإنا نرضى أن يكون الكتاب والسنة بين أي الجهال يديرونه كيفما شاءوا لا ضابط لهم ‏ولا رابط.‏
وهذا الزاعم يدعي أنه بهذا الأسلوب يمنع الناس عن تقليد المجتهدين، وهو في الحقيقة يسمح بالعمل ‏بالجهل والتخابط الذي لن يجد بديلا عنه لدى العوام. فإذا كنا جميعا نجزم أن أبا حنيفة مثلا مجتهد ‏يستحق النظر في الكتاب والسنة، وأن الأغلب صوابه، وصحة العمل بفتواه، فكيف نجوز ترك ذلك ‏للعمل برأي عامي جاهل لا يدري كوعه من بوعه. وبض الناس قالوا: إن الله تعالى قال في حق رسوله ‏العظيم (لتبين للناس ما نزل إليهم) وهذا ما عناه أن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم لجميع ‏الناس، ولذلك فهم لا يحتاجون لأحد يوضح لهم معنى الحديث، فمن قال إن العامي لا يجوز أن يعمل ‏بالحديث إلا إذا قرر مجتهد كيفية العمل ووضح الحديث وشرحه، لا يريد إلا إبعاد الناس عن هدي النبي ‏عليه السلام، ولعل هذا الرأي لم يصدر إلا من واحد لا يريد أن يكشف حقيقة رأيه للعوام، فهو يمنعهم ‏لذلك من النظر في الحديث ثم تراه لذلك ادعى أنه لا يوجد مجتهد في هذه العصور، ليلجئ الناس جميعا ‏إلى رأيه الكاسد. وكيف يتصور أن يصح هذا الزعم وهو يقتضي أن كلا الرسول عليه الصلاة والسلام ‏غير مفهوم للبشر ولا هو هدى ولا بيان!!‏
هذا خلاصة ما يتفوه به بعض الذين يزعمون أن الاجتهاد سهل ميسور للعوام والعلماء بأقل جهد ‏يصلون إليه.‏
ولا بد أن نبين جهات الغلط فيه لكي لا يغتر به الناس. ونقدم لذلك مقدمات:‏
المقدمة الأولى: إن هناك درجات متعددة من الفهم لنصوص الكتاب والسنة، فهناك الفهم الإجمالي وهناك ‏الفهم التفصيلي. فأما الفهم الإجمالي فيشترك فيه اغلب الناس إلا من بلغ حدا كبيرا من البلادة. وأما ‏الفهم التفصيلي، فيختلف باختلاف الناس، ولا يفهم تفاصيل الكتاب والسنة إال المجتهدون العالمون.‏
المقدمة الثانية: المواضيع المبينة في الكتاب والسنة تختلف، فتوجد نصوص تبين دقائق الأحكام في العقائد ‏والفقه العملي، وتوجد نصوص فيها مواعظ يخضع لها قلب كل إنسان يدري اللغة العربية. ولا ريب أن ‏العوام تهتز نفوسهم للمواعظ وما يشبهها، من الكتاب والسنة، ولا يتوقف فهمهم لها على البلوغ إلى ‏درجة الاجتهاد. ومع ذلك نقول أن كل آية من آيات القرآن تحتوي على معان دقيقة لا يصل إليها إلا ‏العلماء، ثم يصل العوام إليها بشرح أهل العلم لها. وبعض النصوص يستعصي فهمها على العوام حتى ‏بعد شرح أهل العلم والاجتهاد.‏
المقدمة الثالثة: إننا عندما نميز بين وظيفة المجتهد ووظيفة العامي، فإننا نلاحظ ما مضى من المعاني ‏والدرجات. ثم نريد أن المجتهد إذا استنبط حكما ، فيستحيل أن يعارض قوله بقول العامي بل بقول ‏مجتهد مثله، أما العامي فلا قيام لكلامه أمام كلام المجتهد.‏
المقدمة الرابعة: مما مضى يتبين أن كلام الله تعالى وكلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم هدى للناس ‏جميعا ولكن كل واحد من البشر يفتح له بحسب ما يتقبل وما هو أهل له، فهم إذن وإن اشتركوا في أصل ‏الفهم، فلا يستوون في مقداره، ولا في الأحكام اللازمة عن هذا التفاوت. ويظهر من هذا جليا أن من ‏قال بتوقف الاستنباط على المجتهد لا يلزمه القول بأن الحديث والقرآن ليس فيهما هدى وبيان لعامة ‏البشر، بل البيان والهدى قد يكون مباشرا بلا واسطة، وقد يكون بواسطة، فالأول للمجتهد والثاني ‏للعامي، ولكل من الاجتهاد والتقليد درجات لا تخفى. فلا يصح القول بأن الاستنباط حق للعامي كما ‏هو جائز للمجتهد، بل هذا القول مجرد سفسطة ومغالطة ظاهرة عند التأمل اليسير.‏
المقدمة الخامسة: يظهر بما شرحناه بطلان زعم من ادعى أن القائل بالفرق بين الاجتهاد والتقليد، وبين ‏المجتهد والمقلد، إنما يريد إخفاء عوار رأيه. بل هذا القيل من القائل رأي أعور.‏
وبهذه المقدمات يظهر لنا صحة رأي من قال أن هناك فرقا بين الاجتهاد والتقليد، وإن رتبة الاجتهاد لا ‏يتوصل إليها إلا بعد البحث والجد واكتساب العديد من المعارف والعلوم التي لا يمكن التسليم باجتهاد ‏المجتهد إلا إذا حصلها وتمكن منها وشهد له بذلك أهل الفضل والعلم المتبحرون.‏
وأما من يرى أن الاجتهاد مرتبة سهلة وميسورة للعوام، فقد أخطأ وابتعد عن الجادّة، فكيف يجيز أن ‏يُسلِّم دين الله إلى الجهال يقودون غيرهم بمحض رأيهم المبني على الجهل، ويسيرون في حياتهم على هذا ‏التخابط بلا هدى ولا علم؟ لعمري إن هذا القائل هو الأولى بالتشنيع والمهانة.‏
ثم إنا نرى هؤلاء المتساهلين يزعمون فيقولون: إ ن القائل بالفرق بين المجتهد والمقلد وتوقف العمل على ‏قول المجتهد، إنما يشترط العمل بالكتاب والسنة بقول المجتهد، وهذا قول باحتياج الكتاب والسنة إلى ‏قول العلماء، والحال أن العلماء محتاجون إلى الكتاب والسنة، فهل هذا إلا دور ونقض للأصول، وجعل ‏للفروع أصولا؟! وتصيير للأصول فروعا؟! ‏
وهذا الزعم مبني على وهم كما لا يخفى، فالكتاب والسنة في ثبوتهما في أنفسهما لا يتوقفان على المجتهد ‏ولكن إذا قلنا أن العامي يجب عليه الرجوع إلى المجتهد، فهذا يعني توقف فهم العامي على المجتهد وليس ‏توقف الكتاب والسنة في أنفسهما، وهذا التوقف أي توقف فهم العامي على فهم المجتهد لا يستلزم قلب ‏الأصل وجعله فرعا ولا يستلزم افتقار الكتاب والسنة في أنفسهما إلى المجتهد، بل التوقف معناه توقف في ‏البيان في مستوى معين على النحو الذي بيناه سابقا. ولا نريد مطلق التوقف.‏
ثم نقول: نعم إن الأخذ من الكتاب والسنة في مستوى الاستنباط للأحكام، وهو الفهم العالي متوقف ‏على المجتهد، وهذا لا يستلزم افتقار الكتاب والسنة إلى المجتهد بل هو مبني على افتقار المجتهد إليهما في ‏الفهم، لأنا نقول إن كلام المجتهد إذا لم يكن مستنبطا منهما فلا عبرة به، فهو المفتقر إليهما في الحجية، ‏والعامي مفتقر إلى المجتهد في الفهم، فلا دور ولا قلب للحقائق. خلافا لما يزعمه هؤلاء.‏
ولم لا يقال إن الله تعالى قد تعبد الناس بأن يسأل العامي العالم عما أشكل عليه ولم يكن واضحا لديه، كما ‏تعبد العلماء بالرجوع إلى الكتاب والسنة والاجتهاد أقصى جهدهم ولا يملك أحد أن يمنع هذا، وقد ‏جائت النصوص الشرعية بما يدل بظاهره على المعنى. وهذا ليس مخالفا للمعقول، ولا ينافي ما جاء به ‏الكتاب والسنة، ولا ما جرى عليه عادة السلف من سؤال العلماء منهم والرجوع إليهم في المهمات، وإن ‏كان عدم رجوعهم إليهم في الواضحات فهو لا يؤثر ولا يناقض ما أثبتناه هنا.‏


انتهى بحمد اله تعالى