المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التطبيق النحوي في الفروع الفقهية : تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج5)



عماد أحمد الزبن
15-03-2007, 19:01
المسألة الخامسة :
في قوله تعالى: ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) قال أبو السّعود: إن الآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية عمداً كان أو نسياناً، ثم ذكر مذهب إمامه أبي حنيفة (ت150هـ)، في التفريق بين العمد والنسيان في ترك التسمية، إذ يُحرّم أكل متروك التسمية عمدا، ولا يحرم المتروك نسياناً( )، ثم عدّ أبو السّعود قوله تعالى: ( وإنه لفسق ) جملة مستأنفة، وقيل حالية، فكأنه يميل إلى تضعيف الحالية فيها، ويقدم الاستئناف، وهذا منسجم مع ما قرره سابقاً من التحريم؛ لأنه بالاستئناف لا يخصص النهي، فيظل التحريم على إطلاقه. أما باختيار الحالية، فإنه من المقرّر أن الحال وصف لصاحبها قيد في عاملها، فيتخصص بها النهي، وعليه فيكون المعنى: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقاً، ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقاً، والفسق مفسَّر بقوله تعالى) أو فسقا أهل لغير الله به ) وعليه؛ فتحمل الآية على جواز أكل ما لم يسم عليه غير الله. وهو مذهب السادة الشافعية، واستبعد أبو السّعود جعل الواو في قوله تعالى: ( وإنه لفسق) عاطفة؛ لتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر( ).
مناقشة أبي السعود:
يبقى هنا سؤال: ما مسوغ استبعاد الحالية في قوله تعالى: ( وإنه لفسق ) من الجهة النّحوية؟ أبو السّعود لم يبين المسوغ، وترك الباب مفتوحاً للبحث فيه، ولا أظن أنه استبعد الحالية من جرا الفقه حسب، بل ثمة جهة نحوية تحسن الإشارة إليها.
قال بعض العلماء: يَرِدُ على كونها حالا، التوكيد بـ (إنّ) واللام في قوله ( وإنه لفسق ) لأن هذه المؤكدات تحسن فيما قُصد الإعلام بتحققه البتة، والحال ههنا واقعة في النهي، وقد تقرر أن الحال الواقعة في الأمر والنهي مبناها على التقدير، فوقع التنافي.
فربما حمل هذا الوجه أبا السعود على استبعاد الحالية، واختيار الاستئناف. وفي هذا رد على اختيار الشافعية ؛ ويجاب عن هذا الاعتراض، بأن جهة التأكيد غير جهة التقدير؛ فلا يقع التنافي، وذلك أن التحقق الناتج عن التأكيد منصب على حكم هذا النوع من الفسق، وهو ما أُهلّ لغير الله به، وهذا مناسب للحكم، أما التقدير فمنصب على كون المأكول من هذا النوع الذي قد تحقق حكمه أو لا، فكأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان من هذا النوع من الفسق الذي الحكم فيه متحقق( )، وأما اختياره الاستئناف، فيرد عليه أن الأصل بالواو أن تربط ما بعدها بما قبلها( )، لذلك يظلّ وجه الحالية في قوله تعالى: (وإنه لفسق ) مقبولاً مسوّغاً ؛ وعليه مذهب الشافعية .