المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التطبيق النحوي في الفروع الفقهية : تشييد المباني الشافعية بالقواعد اللغوية (ج1)



عماد أحمد الزبن
11-03-2007, 18:54
المسألة الأولى:
في قوله تعالى : (يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين).
البحث هنا في قوله (وأيديَكم إلى المرافق)، إذ اختلف الفقهاء في إدخال المرفقين في غسل اليدين في الوضوء( )؛ وذلك لاختلافهم في معنى حرف الجر (إلى)، فمن حمله على الغاية، لم يدخل المرفقين في الغسل؛ لأن الحد عنده غير داخل في المحدود، ومن حمله على معنى (مع) أدخلهما في الغسل( ). وحاصل كلام العلماء في ( إلى ) أنها :
1-إما أن تكون بمعنى (مع) ومثاله قوله تعالى: ( ويزدكم قوة إلى قوتكم ) ( )، وقد نَصَّ العلماء على أن (إلى) تكون للمعية في بعض السياقات؛ إذا ضم بها شيء إلى آخر( )، وعليه فيجب إدخال المرفقين في الغسل.
2-أن تكون للغاية مطلقاً، ولا دلالة فيها على الخروج أو الدخول، إنما يطلب هذا من دليل خارج عنها، وإذ لم يتحقق الدليل في الآية، وكانت الأيدي متناوِلةً للمرافق، حكم بدخولها احتياطا.
3-أن (إلى) من حيث إفادتها للغاية، تقتضي الخروج، لكنْ لمّا لم تتميز الغاية ههنا عن ذي الغاية؛ وجب إدخالها احتياطا.
مناقشة المسألة :
قد يرد على الوجه الأول جواز الحمل على قول الخصم أيضاً، فللخصم أن يقول: من أين لكم أنّ (إلى) ههنا بمعنى (مع)، فإن كان بقرينة خارجية، كانت (إلى) في جملة المدلول عليه، لا الدليل، وإن كان باعتبار ضم شيء إلى آخر؛ وقع الدور( )، وهو ممتنع، إذ توقف إثبات معنى الضمّ في (إلى) على معنى الضمّ في النّص، وتوقف إثبات معنى الضم في النّص على معنى الضم في (إلى). بل قد يكون الحمل على الغاية أولى إذا ثبت أن الحمل على المعية من باب المجاز( ).
وأما الوجه الثاني، وهو أن تكون للغاية مطلقا، فمخالف لأكثر النحاة، كما حققه أبو حيّان الأندلسي( )، إذ ذهب أكثر المحققين إلى إفادتها خروج ما بعدها، إذا لم يكن ثمة قرينة تفيد خلاف ذلك.
وأنا أميل إلى الوجه الثالث، إذ إنه غيا الغسل إلى المرافق، ولم تتميز المرافق بحد فاصل عن الساعد؛ فوجب إدخالها فيه، وهذا من باب قولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف، فطرف الثوب غير منفصل عن الثوب بحد محسوس فاصل، بخلاف قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل )، فإن النهار منفصل عن الليل انفصالاً محسوساً، والغاية هنا متميزة بانفصال محسوس بين النور والظلمة( ).

عماد أحمد الزبن
11-03-2007, 18:58
المسألة الثانية:
والبحث هنا في الآية نفسها، إذ اختلف الفقهاء أيضا في حكم ترتيب أفعال الوضوء( )، وذلك للاختلاف فيما تقتضيه واو العطف من الترتيب والنسق، أو الجمع مطلقاً، وذهب بعض العلماء إلى أفضلية الترتيب لا إلى وجوبه( )، وعليه فالواو عندهم لا تفيد الترتيب والنسق( ).
وقد يكون تمسك القائلين بوجوب الترتيب بحرف الفاء في قوله تعالى: ( فاغسلوا وجوهكم ) أنسب من حيث الاستدلال؛ لأنه يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه، إذ إن الفاء للتعقيب، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو، وجب في غيره؛ إذ لا فرق( ).

عماد أحمد الزبن
11-03-2007, 19:01
المسألة الثالثة:
في قوله تعالى في الآية ذاتها ( وامسحوا برؤوسكم )( )، اختلف العلماء في مقدار الممسوح من الرأس، وسبب اختلافهم ما في حرف (الباء) من الاشتراك في لغة العرب، فمن العلماء من عدّها زائدة؛ فقال بوجوب مسح الرأس كاملاً، ومنهم من عدّها للتبعيض؛ فقال بوجوب مسح بعض الرأس( ). وقد ذكر أبو السّعود هذه الأقوال في تفسيره، ثم جعل التحقيق فيها أنها تدل على الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب عنده، كما يقتضيه لو قيل: وامسحوا رؤوسكم، فإنه كقوله تعالى: ( فاغسلوا وجوهكم )( )؛ وعليه فهو يثبت مذهب الحنفية القائل بوجوب مسح بعض الرأس( ).

تذنيب ونقاش:
من العلماء من أنكر أن تكون الباء للتبعيض، ومنهم أبوالفتح ابن جني. قال: "فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي، رحمه الله تعالى، من أن الباء للتبعيض؛ فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثَبَت"( ). وهذا القول فيه نظر، فقد أثبت التبعيض في الباء: الأصمعي (ت210هـ)، وابن قتيبة (ت276هـ)، وأبو علي الفارسي، شيخ ابن جني، والكوفيون( )، وفي هذا رد كاف على أبي البقاء العكبري في قوله: "وقال من لا خبرة له بالعربية: الباء في مثل هذا للتبعيض، وليس بشيء يعرفه أهل النّحو"( ). ومن العلماء من قال: إن التبعيض لا يفهم من الحرف، بل من معنى الكلام، وإنما يقال: إن الحرف يعطي معنى، إذا كان المعنى لا يفهم إلا من الحرف( )؛ وعليه فتكون الباء ههنا، أيضا، من جملة المدلول عليه، لا الدليل.
وقد تكون هذه الاعتراضات حملت أبا السعود على اختيار الأصل في الباء؛ فاختار معنى الإلصاق الذي لا يقتضي عنده استيعاب الرأس عند المسح، ولكن هذا لا يسلم من اعتراض؛ لأن ماسح بعض الرأس لا يطلق عليه أنه ملصق المسح بالرأس، إنما يطلق عليه أنه ملصق المسح ببعض الرأس. على ما حققه أبو حيّان الأندلسي( ).

عماد أحمد الزبن
11-03-2007, 19:06
المسألة الرابعة:
قرئ قوله تعالى في الآية ذاتها (وأرجلِكم) بالجر( )، فجعله بعض العلماء من باب الجر على الجوار، "وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صبّ الماء عليها، ويغسلها غسلا قريبا من المسح"( )، وذلك أن مذهب العلماء غسل الرجل لا مسحها.

مناقشة وتذنيب :
قد يرد على القول بالجر على الجوار أنه في نفسه ضعيف، مختلف في صحته، وقد أنكره بعض العلماء( )، فيجب تنزيه كلام الله عنه، ثم إنهم اشترطوا في الجر على الجوار الأمن من الالتباس، كقولهم: (جحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)، فمن المعلوم أن الخرب لا يكون نعتاً للضب، وهذا الأمن غير حاصل في هذه الآية، ثم إنّ الخفضَ على الجوار لا يكون في النسق؛ لأن حرف العطف يمنع من التجاور( ) .

عماد أحمد الزبن
15-03-2007, 18:58
المسألة الخامسة :
في قوله تعالى: ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) قال أبو السّعود: إن الآية ظاهرة في تحريم متروك التسمية عمداً كان أو نسياناً، ثم ذكر مذهب إمامه أبي حنيفة (ت150هـ)، في التفريق بين العمد والنسيان في ترك التسمية، إذ يُحرّم أكل متروك التسمية عمدا، ولا يحرم المتروك نسياناً( )، ثم عدّ أبو السّعود قوله تعالى: ( وإنه لفسق ) جملة مستأنفة، وقيل حالية، فكأنه يميل إلى تضعيف الحالية فيها، ويقدم الاستئناف، وهذا منسجم مع ما قرره سابقاً من التحريم؛ لأنه بالاستئناف لا يخصص النهي، فيظل التحريم على إطلاقه. أما باختيار الحالية، فإنه من المقرّر أن الحال وصف لصاحبها قيد في عاملها، فيتخصص بها النهي، وعليه فيكون المعنى: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقاً، ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقاً، والفسق مفسَّر بقوله تعالى) أو فسقا أهل لغير الله به ) وعليه؛ فتحمل الآية على جواز أكل ما لم يسم عليه غير الله. وهو مذهب السادة الشافعية، واستبعد أبو السّعود جعل الواو في قوله تعالى: ( وإنه لفسق) عاطفة؛ لتخالف الجملتين بالإنشاء والخبر( ).
مناقشة أبي السعود:
يبقى هنا سؤال: ما مسوغ استبعاد الحالية في قوله تعالى: ( وإنه لفسق ) من الجهة النّحوية؟ أبو السّعود لم يبين المسوغ، وترك الباب مفتوحاً للبحث فيه، ولا أظن أنه استبعد الحالية من جرا الفقه حسب، بل ثمة جهة نحوية تحسن الإشارة إليها.
قال بعض العلماء: يَرِدُ على كونها حالا، التوكيد بـ (إنّ) واللام في قوله ( وإنه لفسق ) لأن هذه المؤكدات تحسن فيما قُصد الإعلام بتحققه البتة، والحال ههنا واقعة في النهي، وقد تقرر أن الحال الواقعة في الأمر والنهي مبناها على التقدير، فوقع التنافي.
فربما حمل هذا الوجه أبا السعود على استبعاد الحالية، واختيار الاستئناف. وفي هذا رد على اختيار الشافعية ؛ ويجاب عن هذا الاعتراض، بأن جهة التأكيد غير جهة التقدير؛ فلا يقع التنافي، وذلك أن التحقق الناتج عن التأكيد منصب على حكم هذا النوع من الفسق، وهو ما أُهلّ لغير الله به، وهذا مناسب للحكم، أما التقدير فمنصب على كون المأكول من هذا النوع الذي قد تحقق حكمه أو لا، فكأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان من هذا النوع من الفسق الذي الحكم فيه متحقق( )، وأما اختياره الاستئناف، فيرد عليه أن الأصل بالواو أن تربط ما بعدها بما قبلها( )، لذلك يظلّ وجه الحالية في قوله تعالى: (وإنه لفسق ) مقبولاً مسوّغاً ؛ وعليه مذهب الشافعية .