المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاسلام والخروج على الحكام للدكتور النفيسي / ارجو من علماءنا الرد



خالد ابراهيم سليمان
11-03-2007, 10:35
الرد على من قال بحرمة الخروج على الحكام (د. النفيسي)


الإسلام والخروج على الحاكم

بسم الله الرحمن الرحيم


تدور هذه الأيام حوارات ساخنة في الأوساط الإسلامية حول مدى شرعية الخروج على الحكام في عصرنا هذا... بعض الذين يتصدّرون العمل الإسلامي نلاحظ عليهم حماساً مُضاداً لكلِّ فكرة تؤيّد الخروج على الحكام، أكثر من ذلك فهم قد غلوا في موقفهم واتهموا كل من لا يرى رأيهم بالغباء وقلّة الفقه والخروج عن الملّة في كتابات لبعضهم، ونحن ننصحهم - والدين النصيحة - بالابتعاد عن هذا الغلو ونُطالبهم - كإخوة في الله - أن يتقوا الله ويحذروه وألا يحسنوا الظن كثيراً بأنفسهم ويُسيئوا الظن كثيراً بإيمان غيرهم، وإذا اختلفنا في هذه القضية فليكن الخلاف رفيعاً.

نحن نقف في هذه القضية مع الذين يقولون بالخروج على الأنظمة الحاكمة في أرض الإسلام اليوم، ونقف هذا الموقف استناداً إلى دليلين:

1-الدليل الشرعي.

2-والدليل العقلي.



الدليل الشرعي

يقول جلّ القائل في كتابه الكريم:

1) { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأول-ئك هم الكافرون} [المائدة : 45].

2) { فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة : 48].

3) { فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم} [النساء : 65].

4) { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [الجاثية : 18].

5) { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حُكماً} [المائدة : 50].

6) { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء : 105].




1) وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيليكم أمراء من بعدي يعرّفونكم ما تنكرون، ويُنكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله ) [1].


2) وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيكون عليكم أُمراء يُؤخّرون الصلاة عن مواقيتها ويحُدِثون البدع. قلت: فكيف أصنع؟ قال: تسألني يابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كيف تصنعُ؟ لا طاعةَ لمن عصَى الله ) [2].


3) وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليأتين عليكم أُمراء يُقرّبون شرار النّاس، ويُؤخِّرُون الصَّلاة عن مواقيتها، فمن أدركَ ذلك منهم فلا يكُونن عرِيفاً، ولا شُرْطياً، ولا جَابِيا،ً ولا خَازِناً ) [3].


4) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فكان من خطبته أن قال: ( ألا إني أُوشك أَنْ أُدعَى فأُجِيب... فَيلِيكم عُمّال من بعدي يقولون ما يعلمون ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهراً ثم يليكم عمّال من بعدهم يقولون ما لا يعلمون ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشدّ على أعضادهم فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء ) [4].هذه مجموعة من أشهر النصوص التي وردت حول قضية الخروج على الحاكم ولأهل العلم فيها وجوه كثيرة، لكن قبل استعراض آراء الأئمة حول هذه القضية يجب علينا أن نوضح بعض النقاط الضرورية:

1) هذه النصوص التي ذكرنا إنما جاءت لتخاطب الواقع المسلم القائم آنذاك.

2) اجتهادات الأئمة حولها إنما بُنيت على أساس أنها - أي النصوص - إنما جاءت لتخاطب الواقع المسلم القائم آنذاك.

3) أن الحكّام الذين كانوا يُعاصرون الأئمة كانوا يحكمون بما أنزل الله.

4) أن أصحاب الآراء التي كانت توصف بالتطرّف والتي كانت تُنادي - آنذاك - بالخروج على حكام ذلك الزمان كانوا من خارج أهل السنة والجماعة كالمعتزلة والخوارج.

فلم يكن يتصوّر الفقهاء - أيامها - وجود حاكم لا يحكم بما أنزل الله بالصورة الكلية والشمولية التي نعيشها اليوم، لم يكن يتصور الفقهاء وجود حاكم يتنكر لشرع الله ويتآمر على الإسلام ويُنكلّ بالمسلمين ويُوالي أعداء الله كما هو حال حكام اليوم...

يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - في معرض تفسير قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يُوقنون} [المائدة : 50] : ( يُنكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كلّ خيرٍ الناهي عن كلّ شرٍّ، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من الشريعة... كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات... فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير ) [5].

يُعلق محمد حامد الفقي على كلام ابن كثير هذا في كتاب "فتح المجيد" صفحة 406 فيقول: ( ومثل هذا وشرٌّ منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما عَلِمَ وتبيّن له من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصرَّ عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمّى به ولا أي عملٍ من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها ).


قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - لما سُئل عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين ولمِا زعموا من اتباع أصل الإسلام، قال: ( كلّ طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم و غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانِعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم...
فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، و الميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين - ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها و تركها - التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تُقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء...
وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته ) [6].

قال القاضي عياض - رحمه الله -: فلو طرأ عليه (أي الخليفة) كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل.

وهكذا نرى أنه ليس هناك أي تناقض بين آراء العلماء حول مسألة الخروج على النظام الحاكم في حالة كفره وإعراضه عن شرع الله، فالكلُّ مجمعٌ على ذلك كما نقل ابن تيمية هذا الإجماع وأشار إليه عندما قال: ( وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ).

هناك بعض الناس يُسيئون فهْمَ بعض الأحاديث لرسول اللهز فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله، حرّم مالُه ودمُه وحسابه على الله ) [7].


قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - حول ذلك: ( اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان وأنّ المراد بهذا مشركُو العرب وأهل الأوثان... فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره ) [8].

لقد أجمع العلماء على أنّ من قال لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها، أو اعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها يجب أن يقاتل حتى يعمل بما دلّت عليه من النفي والإثبات.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أُمرتُ أن أُقاتلَ النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) [9].

قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في تعليقه على الحديث: ( فيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلاً أو كثيراً ) [10].


ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( إنما اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، والأذان والإقامة - عند من لا يقول بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر. فهل تُقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها ) [11].

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق لمانعي الزكاة وقتال علي للخوارج.

ويقول ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ( وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شرّ الخلق والخليقة، مع قوله: ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم ) فعلم أن مجرّد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمُسقط للقتال. فالقتال واجب حتى يكون الدين كلّه لله وحتى لا تكون فتنة. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب ) [12].

والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلون خطأ ببعض الأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فمثلاً هناك حديث يقول: ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية ) [13].

هذا الحديث يطرح أمامنا عدة أسئلة:

1) من هو الأمير المقصود في هذا الحديث؟

2) ما هي نوعية الكره؟

3) ما هي حدود الصبر؟

4) وأي جماعة تلك المقصودة في الحديث؟

5) أهي الجماعة الكبرى أم الصغرى؟


من البديهي أن الأمير الذي ذكره الحديث هو الأمير المسلم، فهذا هو المعنى الذي يتماشى مع طبيعة الشرع، فمن ثم يجب على المسلم أن يطيعه لأنه - أي الأمير - متقيّد بالشرع خاضع لأمره، لكن قد يرى المسلم منه ما يكره؛ أي بعض السلوكيات الخاطئة من قبل الأمير كحال الأمراء الأمويين والعباسيين... لكن ليس هذا مبرراً شرعياً للخروج عليه، ومن هنا فإن الصبر المَعنيّ بالحديث هو الوسيلة لمحاصرة هذا الكره الذي ذكرنا مواصفاته... الكره الذي لا تتجاوز حدوده الفرد إلى حدود الجماعة. وعلى ضوء هذا الفهم يتبين لنا خطأ الذين يُحاولون تطبيق هذا الحديث اليوم على الأنظمة التي تجثم فوق صدور المسلمين.

والذين يَرون عدم الخروج على الأنظمة الحاكمة اليوم يستدلّون بحديث لست مُطمئناً لصحته يقول: ( شرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا: يا رسول الله أفلا نُنابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ).

وحتى لو كان الحديث صحيحاً [14] فلا نفهمه بالصورة التي يُحاولون من خلالها عرضه... يقولون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أقاموا الصلاة ) ويعتقدون أن المقصود هو أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه، وهذا فهمٌ قاصرٌ وغير صحيح ولا يلتقي مع أقوال جمهور العلماء وبالأخص ابن تيمية في أقواله التي دوّناها في الصفحات السابقة؛ فالتتار كانوا يُقيمون الصلاة بل منهم من كان فقيهاً مُتعبداً ومع ذلك جعل قِتالهم واجباً لإيمانهم بالياسق [15].

والمقصود بالمنابَذة - التي ورد ذكرها في الحديث - هو نقض البيعة التي أعطاها الناس لهؤلاء الحكام والخروج عليهم. يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وإمَّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء} أي أعلمهم بنقض العهد الذي بينك وبينهم.


وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن هناك بيعة أُعطيت لهؤلاء الأمراء كي يقوموا بأمر المسلمين حسب كتاب الله وسنة رسوله، فالبيعة - ويجب أن تكون عن رضا واختيار لا عن إكراه وإجبار - هي الوسيلة الشرعية في الإسلام لتولي السلطة السياسية، وما دامت هناك بيعة بين الحاكم والمحكوم فمعنى ذلك أن الحاكم يجب أن يُطاع؛ لأن البيعة إلزام للحاكم بالتقيّد بشرع الله وإلزام للمحكوم بطاعة هذا الحاكم في حدود هذا الشرع. ومن هنا فإن الأمراء الذين طلب الصحابة منابذتهم والخروج عليهم كانوا يحكمون بما أنزل الله لكن سلوكهم الشخصي لا يُرضي المحكومين وأفعالهم تُبيح لعنهم من قِبل الناس، ومن ثَمَّ هم يلعنون الناس كما يلعنونهم.
على ضوء هذا الفهم يتبيّن لنا أن المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أقاموا الصلاة) ليس هو مجرّد إقامة الصلاة في حد ذاتها، وإنما لأن الواجب على الأمير المسلم أن يُقيم في الناس الصلاة ويخطب فيهم الجمعة، هذا العمل صورة من صور الممارسة الشرعية لمسؤولياته في الإسلام ومادام يقوم بهذا العمل... وهذا يعني أيضاً تقيّده وإلتزامه بشرع الله... لأجل ذلك لا تجوز منابذته، وليس المقصود - كما يفهم البعض - أنه مادام الحاكم يُصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه وإن لم يكن يلتزم شرع الله، فهذا الفهم يُخالف مخالفة صريحة ما كان عليه الصحابة وأجمعوا عليه وكذلك ما أجمع عليه الفقهاء.

وهل يُعقل أن يكون المقصود بالحديث هو الحاكم الذي يُقيم الصلاة فقط دون بقيّة أحكام الشرع؟! إن محاولة تطبيق هذا الحديث على حكّام اليوم هي محاولة لدعم الباطل على حساب الإسلام، فحكّام اليوم وأنظمة هذا العالم المترامي المسمّى مجازاً بالإسلامي لم يصلوا إلى الحكم بالطريق الشرعي (البيعة)، بل فرضوا أنفسهم على المسلمين بقوة الحديد والمال ودعم القوى الكافرة المتربّصة بالإسلام ودُعاته الحقيقيين، ومن هنا ينقطع الطريق أمام دعاة الضلالة الذين يحاولون ترقيع الجاهلية بأحكام الإسلام وإلباس هذه الأنظمة الكافرة ثوب الإمامة العادلة!!.

لقد استحلت هذه الأنظمة ما حرّم الله في كلّ قرار تصدره وكلّ خطوة تخطوها، فهي - كما نلاحظ - لا تقوم على بيعة وقد عطلّت حق الأمة في الشورى ومراقبة الحاكم وتسديده وترشيده وعزله، وأخذت تتوسع في إباحة المحظورات الشرعية بل تيسّر السبل والوسائل كي تنتشر هذه المحظورات وتسود الواقع، والاستحلال كفر بإجماع الأمة لا يُخالف في ذلك أحد وبالإضافة إلى ذلك استباحت دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، فهل هناك براهين على الكفر الصريح أكثر من ذلك.

إن حكّام اليوم كفروا بما أنزل الله وأعرضوا عنه مهما لبسوا من أزياء الإسلام، وهم يُوالون أعداء الله وينصرونهم على جماهير الإسلام والمسلمين، وينشرون الفساد في الأرض، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط والعدل بين الناس... والجماهير - لَهْفِي عليها - استسلمت لهذه الأوضاع المنحرفة ودانت لها حتى صبغت تصوراتها وسلوكها وأخلاقها بصبغة الكفر، فأصبحت تُوالي الحكام وتهتف لهم وتتقرب منهم وتنصرهم وتدعمهم على حساب الإسلام، وهي أولاً وآخراً لا تدري ماذا يُراد بها؟ وأصبحت لا تحمل من الإسلام سوى اسمه.

فهل هناك كفرٌ أكثر بواحاً من هذا؟.

--------------------------------------------------------------------------------
الدليل العقلي

إن المتأمل في واقع هذه الأنظمة الحاكمة اليوم في أرض الإسلام تتكشف له حقيقة هامّة وهي: أن هذه الأنظمة لم تتسلّم زمام الأمور في بلاد المسلمين اعتباطاً، هذه الأنظمة هي امتداد طبيعي للاستعمار الغربي الكافر، وإذا كان من الواجب الشرعي علينا أن نُقاتل القوى الاستعمارية الغربية الكافرة حتى يكون الدين كلّه لله، فمن البديهي أن نُقاتل هذه الأنظمة التي تُعتبر الجبهة الأمامية لهذه القوى الغربية الاستعمارية الكافرة. ومن المؤسف أن تتخوّف بعض الأوساط الإسلامية من الأساليب ((الثورية)) في التغيير.

وإذا كانت ((الثورة)) - كمصطلح - هي العِلم الذي يُوضع في الممارسة والتطبيق من أجل تغيير المجتمع تغييراً جذرياً شاملاً - كالتغيير الذي أسسه وكرسه رسول الله صلى الله عليه وسلم - والانتقال بالمجتمع من مرحلة معيّنة إلى أخرى متقدمة على صعيد تحقيق العدالة الإجتماعية؛ إذا كانت ((الثورة)) - كمصطلح - تعني ذلك وهي كما نعلم تعنيه، فليست الثورة إذاً غريبة علينا كمسلمين... ولسنا كمسلمين - أيضاً - غرباء على الثورة. وإذا كانت الثورة تقف مع مجموع الأمة، وإذا كان مجموع الأمة يقف مع الثورة، فإنها لا شك ثورة حق؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم أكّد أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.

وإذا كانت الثورة تنحاز انحيازاً تاماً لمصالح الأمة، ومطالبها، وللمستضعفين فيها، والجائعين المعذَّبين، فإنها لا شك ثورة حق، لأن الهدف الأساسي من رسالات السماء إلى الأرض كان وما زال: تحقيق العدل والقسط وتحطيم الظلم والظالمين، يقول جلّ القائل: {لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد : 25].

ولم تكن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فراراً وهروباً، بل كانت فعلاً ايجابياً عن طريق الثورة على المجتمع الظالم والقرية الظالمة، والتحضير لها والتحريض عليها. والذين لا يهجرون المجتمع الظالم لتغييره، والذين يأتلفون مع الظلمة هم ظالمون لأنفسهم... وهو أشد أنواع الظلم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتُهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً}.

ذلك أن كونهم مستضعفين في الأرض لا يُعفيهم من مسؤولية التغيير للظلم، لأن منطقهم الاستسلامي هذا يُعاكس إرادة الله سبحانه، تلك الإرادة التي صاغها القرآن الكريم في آية واحدة: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهمُ الوارثين} [القصص : 5]. فإرادة الله أن تكون القيادة والإمامة للمستضعفين في الأرض من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تكون لهم وراثة ما في حوزة أوطانهم من ثروات وعلوم وإمكانيات. وأن الدعوة إلى الله وتوحيده ليست ولم تكن في أي يوم من أيامها منفصلة عن قضايا الأمة وأوضاعها وهمومها وتطلعاتها إلى العدل والكرامة والحرية والارتفاع... لقد كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يدعون أممهم إلى العقيدة (التوحيد) لكن ينبغي التأكيد هنا أنهم كانوا يربطون هذه الدعوة بالمسائل والقضايا التي تهم أممهم.
فدعوة شعيب عليه السلام ارتبطت بمشكلة اقتصادية:
{وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخيرٍ} [هود : 84].


ودعوة موسى عليه السلام ارتبطت بمشكلة سياسية:
{ فأتِيا فرعون فقولا إنّا رسول رب العالمين * أنْ أرسِلْ معنا بنِي إسرائيل} [الشعراء : 16،17].


ودعوة لوط عليه السلام ارتبطت بمشكلة اجتماعية:
{كذّبت قوم لوطٍ المرسلينَ * إذْ قال لهم أخُوهُم لوطٌ ألا تتَّقون * إنِّي لكم رسولٌ أمينٌ * فَاتَّقواْ اللهَ وأطيعُونِ * ومَا أسألُكُمْ عليه مِنْ أجرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ على ربِّ العالمينَ * أتأتونَ الذُّكْرانَ من العالمينَ * وتَذَرونَ ما خلَق لكم ربُّكُم مِنْ أزواج-كم بل أنتم ق-ومٌ عادونَ * قالواْ لئن لم تَنْتَهِ يا لوطُ لتكوننَّ منَ المخْرَجِينَ} [الشعراء : 160،167].

نلاحظ أن دعوة شعيب كانت موجّهة ضد جشع التجار وضد أشكال الدناءة التجارية التي كانت شائعة فيهم ومازالت شائعة في كثير من المجتمعات العصرية التجارية... نقص في المكيال والميزان. {ويلٌ للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون}. كان هذا أمراً شائعاً في مدين - قوم شعيب - رغم أنهم - أي هذه الطبقة من التجار - كانوا دوماً في ازدهار {إني أراكم بخير} يعني بثروة وسعة في الرزق تُغنيكم عن الدناءة وبخس حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل، فدعوة شعيب - إذن - لم تكن دعوة مجردة إنما جاءت باسم الله لتُحارب واقعاً اقتصادياً يقوم على الاستغلال والدناءة والابتزاز.

ودعوة موسى كانت موجّهة ضد الطاغوت والتسلّط والعجرفة التاريخية التي كان يمثلها فرعون... وما أكثر فراعنة عصرنا هذا!! كان فرعون يستبيح كلّ الناس وكلّ الأرواح وكلّ النساء وكلّ الأطفال حتى قال يوماً: {أنا ربكمُ الأعلى} ويأتي إليه موسى - رسولاً من الله - ويقول له: أرسِل معنا بني اسرائيل لأن بني اسرائيل، كانوا ضحايا طغيان وجبروت فرعون... طلب منه موسى - باسم الله - أن يرفع يده عن بني اسرائيل ويخلي سبيلهم بأمرٍ من الله. الموقف فيه مُواجهة للطاغية وكل أشكال الطغيان السياسي.

ودعوة لوط كانت مرتبطة بواقع اجتماعي مُنحل سقط سقوطاً ذريعاً، جاء لوط باسم الله ليهاجمه ويُعلن المفاصلَة معه.

وهكذا يقف أنبياء الله ورسله صفّاً مُعارضاً للجشع التجاري والطُغيان السياسي والتحلُّل الاجتماعي، وهي كما نلاحظ أخطر قضايا عصرنا هذا... وبالأخص في العالم الإسلامي ( إن الله أرسل رُسُلَه وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسْفَرَ صُبحه بأيِّ طريق كان؛ فثَمَّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طُرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقاً من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شِرْعَة وسبيل للدلالة عليها، وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟ ) [16] اهـ.


وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين
د. عبدالله النفيسي


Iلهوامش:

[1] رواه الحاكم والطبراني وهو حديث صحيح.
[2] رواه الطبراني في الكبير وهو حديث صحيح.
[3] رواه ابن ماجة وسنده صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، والطبراني في المعجم الصغير، والخطيب في تاريخ بغداد.
[4] رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الزهد الكبير وهو حديث صحيح.
[5] تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/225.
[6] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 28/502،503.
[7] رواه مسلم.
[8] نقلاً عن الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم 1/206-207 .
[9] رواه مسلم.
[10] رواه مسلم.
[11] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 28/503 .
[12] المصدر السابق 28/502-503 .
[13] رواه البخاري ومسلم وغيرهما من رواية ابن عباس رضي الله عنه.
[14] قلت (أي الناشر): الحديث صحيح أخرجه مسلم 6/24، والدارمي 2/324، وأحمد 6/24-28. من حديث عوف بن مالك.
(خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويُصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا نُنابذهم بالسيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من وُلاتكم شيئاً تكرهونه، فأكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة).
[15] عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها "جنكز خان" عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملّة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه... كما يصنع الحكام المرتدين في عصرنا هذا.
[16] اعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية 4/373 .

خالد ابراهيم سليمان
11-03-2007, 10:38
ارجو من علمائنا الافاضل التوضيح

على انيس طه
12-03-2007, 01:27
الحديث رقم:
6406- كما تكونوا يولى عليكم
التخريج (مفصلا): الديلمي في مسند الفردوس
الحديث رقم:
1/912 وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال:
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا تَحاسَدُوا، وَلا تَناجَشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَ لاَ تَدَابَرُوا، وَ لا يَبْغِ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْواناً، المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ـ ويشيرِ إلى صدره ثلاثَ مرات
)وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186)
)وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (لأعراف:56)
)وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:13)

سليم حمودة الحداد
12-03-2007, 21:31
بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور النفيسي من المتحمسين لتنظيم القاعدة و أولئك الخوارج ..و يظن أن ما يفعلونه جهاد و لو كان تخريبا لبلاد المسلمين
و قتلا و تمزيقا لأشلاء الموحدين ..و يدافع عنهم بحجة أنهم يقاتلون أعداء الأمة و ينتصرون للأمة ..بينما هو نفسه يقول عن هذه الأمة هنا:
والجماهير - لَهْفِي عليها - استسلمت لهذه الأوضاع المنحرفة ودانت لها حتى صبغت تصوراتها وسلوكها وأخلاقها بصبغة الكفر، فأصبحت تُوالي الحكام وتهتف لهم وتتقرب منهم وتنصرهم وتدعمهم على حساب الإسلام، وهي أولاً وآخراً لا تدري ماذا يُراد بها؟ وأصبحت لا تحمل من الإسلام سوى اسمه. فهل هناك كفرٌ أكثر بواحاً من هذا؟.
جماهير أمة محمد صلى الله عليه و سلم عنده مرتدون موالون للكفار :mad: فعمّن "يدافعون" و من أجل من "يجاهدون"؟؟؟ ..سبحان الله العظيم..هل بعد هذا التهافت تهافت ؟؟؟؟
و هو -مثل أولئك الخوارج- يدندن حول جور الحكام و عدم تطبيقهم للشريعة ..و هذا حق لا ريب فيه..لكن هذا شيء و تكفير الحكام و أتباعهم و وزراءهم و قضاتهم و شرطتهم و الجماهير(المسلمة) التي تهتف بأسماءهم و تصوّت لهم شيء آخر تماما..
فالمعروف عند أهل السنة أن المسلم لا يكفر بالظلم و لا بعدم العمل بالفرائض حتى يستحلّها و يجحد المعلوم من الدين بالضرورة..و من المعلوم أيضا أن المعين لا يكفر -و ان جاء بمكفر- حتى تقام عليه الحجة و يعلّم أن ذلك الذي أنكره من ضرورات الإسلام المجمع عليها، إذ لعلّه حديث عهد بكفر أو لم يخالط المسلمين أو لغير ذلك من الأسباب الممكنة..
فمع تسليمنا للنفيسي أن كفر الحاكم يجيز الخروج عليه، لكن الحكم على معين من المسلمين أنه ارتد و كفر ليس أمرا بسيطا هينا و لا هو من صلاحيات من هبّ و دب من الناس ..و لا أظن السيد النفيسي إلا من هؤلاء ..
و من المعروف مثلا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يقول (من قال القرآن مخلوق فهو كافر) ، و المأمون امتحنه على ذلك ، و لكن الإمام لم يكفّر المأمون بل كان يناديه بأمير المؤمنين و كان يأمر بالصلاة خلفه، لأنه رأى أن المأمون و إن تلبس بأمر أو قول كفري إلا أنه علم من حاله ما يمنع من الحكم بردته هو بعينه..و ذلك راجع لتفريقه رحمه الله بين تكفير النوع و تكفير المعين و أن الثاني يلزمه انتفاء الموانع و توفر الشروط..
و هذا الكلام صرّح به ابن تيمية في مجموع الفتاوى و غيره ..
فتبيّن أنه حتى مع تسليم أن حكام المسلمين اليوم متلبّسون بأمر كفري ، فإن ذلك غير كاف للخروج عليهم ..لأن الحكم على واحد واحد منهم بعينه أنه مرتد يرجع الى العلماء الربانيين أوّلا و لا يكون ذلك إلا بإقامة الحجة عليهم و تعريفهم بحكم الله تعالى في الأمور التي وقعوا فيها ..إذ الحكام ككل المسلمين معرّضون للجهل و التلبيس عليهم و شحن عقولهم بالشبهات مع ما غرس فيهم من الشهوات..
فليس لأحد أن يحكم على أحد من المسلمين بالردة و الخروج من الملة لمجرد كلام سمعه عنه من أن استحل الفرض الفلاني أو الفلاني..بل الواجب عليه أن يتأكد من ذلك بسماع كلامه منه و محاولة فهم مقصوده مما قال ، فلعلّ ما قاله - و لو كان ظاهره الكفر- إلا أنه يقصد به معنى آخر لا يكفر به لأنه كثيرا ما لا يحسن الواحد التعبير عما يفكر و خاصة عندما يتكلم الجاهل في الأمور الشرعية فإنه غالب ما يقع في الزلل من حيث لا يدري و لا يقصد..
فمثلا في بلادنا في الخمسينيان و الستينيات و السبعينيات خاصة ..بسبب الجهل بدين الله تعالى لندرة الدروس الدينية لم يكن الناس يعرفون وجوب الحجاب على المرأة و كان غالبية النساء لا يلبسنه و يعتقدن أنه للعجائز حين يكبرن ..فلم يسمعن أبدا أن ذلك واجب عليهن بل كن ينكرن أن يكون واجبا لشدة جهلهن بالدين و جهل المجتمع كله..
و في السنوات الاخيرة حين ظهرت القنوات الفضائية سمع الناس بوجوب الحجاب و ارتدته الكثيرات جدا من بناتنا..
و لكن توازى ذلك مع انتشار الفكر الوهابي الذي يدعو أصحابه إلى الجلباب الأسود كما في الشرق العربي (و هو أمر لم تعرفه مجتمعاتنا)، فارتبط اسم الحجاب بالجلباب عند كثيرين من الجهلة و أنصاف المثقفين هنا ، فلو سألت أحدهم عن حكم الحجاب لسارع الى الجواب بأنه ليس فرضا و أنه لا علاقة له بتراثنا الوطني التقليدي .. و هو إنما يقصد أن هذا النوع من اللباس(الجلباب) ليس فرضا لا أن المرأة المسلمة غير ملزمة بتغطية جسدها ..فترى كثيرا منهم يدعو المرأة الى اللباس التقليدي الوطني - و هو لباس شرعي يغطي جسم المرأة ما عدا الوجه و الكفين- ، مع أنه يقول ان الحجاب ليس ضروريا ..و مقصوده ان اللباس الشرقي ليس ضروريا ..
فالحاصل أن الحكم على أحد معين بأنه مرتد جاحد للضرورات لا يكون بمجرد سماع كلام عنه و إنما بالاستفصال عن مراده و قصده بالضبط حتى يعرف ان مخالفا للشرع أم لا ثم بببيان الحق له و تعريفه به لعله يجهله و لو علمه لم يجحده ..
و ليس حال الحكام أفضل من عوام المسلمين بل كثير منهم لم يتلق من علم الشرع شيئا لظروف و دواع يطول شرحها..
فإذا كان الخروج على الحاكم المسلم لا يكون إلا بعد كفره و لم يكون الحكم بكفره أمرا بسيطا كما يظن الخوارج ، لم يكن ما أتى به الدكتور النفيسي كافيا بل يكون ما جاء به مجرد حكم منه بكفر و ردّّة الحكام المسلمين مع أنه ليس أهلا لذلك الحكم الفقهي و لا هو يعرف شروطه .. و إنما الأمر كله حماسة و عاطفية أتته من شعوره بالظلم و القهر الواقع علينا و عليه من الحكام و من الأعداء فلمّا رأى خنوع الحكام و ظلمهم سارع الى تكفيرهم و إخراجهم من الإسلام ليبرر الخروج عليهم و استبدال غيرهم بهم ممن يظن واهما أنهم المسلمون حقا و هم الخوارج المتنطعون حقا و صدقا..
ثم العقل الذي ظن أنه يشهد له كيف لم يعرف أن التجارب السابقة من الخروج على الحكام لم يكن لها نهاية و لا نتيجة إلا خراب بلاد المسلمين و موت الموحدين و انهيار اقتصاد و تجارة و حياة المسلمين ؟؟؟؟
فهؤلاء "الأئمة المعصومون" الذين يبشرنا بهم النفيسي كيف سيخرجون على الحكام ؟؟ و بأي جيوش و بأي أسلحة ثقيلة أو خفيفة ؟؟؟ و في أي مدينة من مدن المسلمين سيحاربون ؟؟؟ و كم من قرية و شارع و مؤسسة و مدرسة و معهد و مستشفى و جامعة سيهدمون ؟؟؟؟ و كم من الزمن التعيس البائس يلزمهم حتى يكملوا مهمتهم "الشرعية الشريفة" بتخريب بلاد المسلمين ؟؟؟ و كم من شباب المسلمين و طاقاتهم و قواهم و علومهم و عزائمهم و إراداتهم يلزمهم ليقضوا عما تبقى من المسلمين؟؟؟؟؟
و عندما ينتهون من خروجهم هذا "المبارك" بأيّ قوة و أي سلاح و أي مدن و أي اقتصاد و أي علوم سواجهون أعداء المسلمين ؟؟؟؟ بتلك التي خرّبوها و دمّروها و أفنوها أم بأخرى ستنزل عليهم من السماء ؟؟؟؟
بالله هل يقول عاقل بهذا ؟؟؟ أم يقول مؤمن يتقي ربه بهذا الهراء ؟؟؟؟؟؟
و هو يقول :
فحكّام اليوم وأنظمة هذا العالم المترامي المسمّى مجازاً بالإسلامي
بلاد الإسلام صارت بلاد كفر حكامها جميعا كفار مرتدون ..فماذا نفعل اذن يا علامة النفيسي؟؟ ..نخرج عليهم و نقاتلهم..
لكنهم سيقتلوننا و ننتهي و ينتهي الأمر يا أستاذ نفيسي.. فلنذهب اذن جميعا الى الجبال و الغابات و الكهوف حيث ابن لادن و الظواهري و لنقاتل العالم كله من هناك:eek: :confused: ..نقاتل حكام المسلمين و حكام اليهود و النصارى و البوذيين و الهندوس و الروس و العالم كله ..من المغارات ..و كل مرتد وجدناه نقتله..و كل أمريكي نجده نقتله..و كل رافضي نقتله في العراق.. ..هذا هو الجهاد..؟؟؟؟؟؟؟
فنقول للعلامة النفيسي: اذهب أنت و خوارجك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ..
عوض اصلاح ما فسد في بلاد المسلمين يجب علينا افسادها أكثر و تدميرها أكثر و تخريبها و افناؤها أكثر و أكثر..بذلك تسقط الأنظمة الكافرة !!!!!! ..
هل يقول هذا من يحب أرض الإسلام و بلاد المسلمين أو يغار على الموحدين ؟؟؟
و الله تعالى يقول: ( و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها و ادعوه خوفا وطمعا) ..
و أيّ فساد أعظم من الذي تقوم به القاعدة في بلاد المسلمين و خارجها ؟؟؟؟ و لم يدخلوا أرضل للمسلمين إلا و قامت بها الفتن و التقاتل و خربت حتى تصير خاوية على عروشها .. و والله لو كان لهم أثر و وجود في فلسطين لصار القتال فيها بين أهلها حربا طائفية أهلية لا تنتهي و لتركوا جهاد العدو و أخذوا يقاتلون حركة فتح بعد تكفيرهم و الحكم عليهم بالردة..

أتوقف هنا ..و أرجو من الإخوة التعليق و الإفادة و التصحيح ..
و الله تعالى أعلم و أحكم ..و الحمد لله رب العالمين..

على انيس طه
13-03-2007, 10:52
الأخ سليم الحداد
كلامك هو يعبر عن الحقيقة وهذا الرابط يوضح الحقيقة ووجهه نظرك فهناك إنحرافات كثيره تخدع الناس والواجب أن تعرف الحقيقة لكل الأمور قبل أن نفكر وحسب درجة الأخطار التى تحيط بنا نتعامل معها
http://oor3.tripod.com

سليم حمودة الحداد
13-03-2007, 11:52
يا أخي العزيز علي .. شكرا على مداخلتك و لكن المقال الذي دللتني عليه يبدو أن كاتبه عامي لا يعرف العربية فملأه بالأخطاء النحوية و التعبيرات العامية فلم أكد أفهم شيئا..
و هذه النبرة و اللهجة و الاتهامات للوهابية عادة ما تكون من أتباع الشيخ الهرري وفقه الله تعالى ..
و هم لشدة كرههم للوهابية يتهمونهم بأي شيء كان و بكل سوء يكون بلا مبالاة .. مثل كونهم عملاء للصهيونية مدعومين منها و غير ذلك مما لا يجوز اتهام الناس به إلا بدليل قطعي.. و هم -كالوهابية- يسارعون في التكفير و إساءة الظن و تحميل كلام الخصوم - بل و حتى الأشاعرة و بعض علمائهم- ما لا يحتمله من المعاني الباطلة ثم تكفيرهم بها..و غير ذلك مما لا ينغي صدوره من المسلم المنصف و الموضوعي المتزن الذي يسمع قول الله تعالى:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8.
فأنا لا أعوّل على كلامهم كثيرا حول الوهابية و إن كان للشيخ المحدث عبد الله الهرري كتابات جليلة في الرد عليهم و على معصومهم ابن تيمية كالمقالات السنية و غيره مما هو مشهور معروف جزاه لله عنا خيرا ..
و الله تعالى أعلم ..

محمد عوض عبد الله
13-03-2007, 15:32
ان مسالة الحكام المحسوبين على الاسلام زورا هي مسالة معقدة قليلا ، وتحتاج الى دراسة شرعية تجمع فيها كل الادلة ، ويستخدم الناسخ للمنسوخ ، واسباب ورود الحديث الشريف ، وهل الايات التي تتحدث عن التكفير بحق الحكام ، هي كفر اكبر مخرج من الملة ، ام لا ؟
هل احاديث الصبر التي وردت في اقوال النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ،تنطبق على الحكام اليوم ، ام اننا اصحبحنا نتجاوز هذه الاحاديث الشريفة ....
يقول القاضي عياض رحمه الله " اذا امتنع الحاكم عن اقامة الصلاة بالناس وجب عزله !!!
فما ابعد الحكام اليوم عن الاسلام ، وما ابعد حكامنا عن الايمان ...

مصطفى علي
18-03-2007, 11:43
للامام الغزالي رأي رائع أكتفي به بهذا الخصوص حيث يقول في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد في الامامة و شروطها:
(بل أقول: لو لم يكن بعد وفاة الإمام الاقرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة وتولاها بنفسه ونشأ بشوكته وتشاغل بها واستتبع كافة الخلق بشوكته وكفايته وكان موصوفاً بصفات الأئمة فقد انعقدت إمامته ووجبت طاعته، فإنه تعين بحكم شوكته وكفايته، وفي منازعته إثارة الفتن إلا أن من هذا حاله فلا يعجز أيضاً عن أخذ البيعة من أكابر الزمان وأهل الحل والعقد، وذلك أبعد من الشبهة فلذلك لا يتفق مثل هذا في العادة إلا عن بيعة وتفويض. فإن قيل: فإن كان المقصود حصول ذي رأي مطاع يجمع شتات الآراء ويمنع الخلق من المحاربة والقتال ويحملهم على مصالح المعاش والمعاد، فلو انتهض لهذا الأمر من فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه، أيجب خلعه ومخالفته أم تجب طاعته ؟ قلنا: الذي نراه ونقطع أنه يجب خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة وتهييج قتال، وإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بإمامته لأن ما يفوتنا من المصارفة بين كونه عالماً بنفسه أو مستفتياً من غيره دون ما يفوتنا بتقليد غيره إذا افتقرنا إلى تهييج فتنة لا ندري عاقبتها. وربما يؤدي ذلك إلى هلاك النفوس والأموال، وزيادة صفة العلم إنما تراعى مزية وتتمة للمصالح فلا يجوز أن يعطل أصل المصالح في التشوق إلى مزاياها وتكملاتها)
ثم قال:
(فإن قيل فإن تسامحتم بخصلة العلم لزمكم التسامح بخصلة العدالة وغير ذلك من الخصال، قلنا: ليست هذه مسامحة عن الاختيار ولكن الضرورات تبيح المحظوارت، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور ولكن الموت أشد منه، فليت شعري من لا يساعد على هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأي أحواله أحسن: أن يقول القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير منعقدة وجميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة، وإنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام، أو أن يقول الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار، فهو بين ثلاثة أمور إما أن يمنع الناس من الأنكحة والتصرفات المنوطة بالقضاة وهو مستحيل ومؤدي إلى تعطيل المعايش كلها ويفضي إلى تشتيت الآراء ومهلك للجماهير والدهماء أو يقول إنهم يقدمون على الأنكحة والتصرفات ولكنهم مقدمون على الحرام، إلا أنه لا يحكم بفسقهم ومعصيتهم لضرورة الحال، وإما أن نقول يحكم بانعقاد الإمامة مع فوات شروطها لضرورة الحال ومعلوم أن البعيد مع الأبعد قريب، وأهون الشرين خير بالاضافة، ويجب على العاقل اختياره)

سليم حمودة الحداد
18-03-2007, 13:17
جزاكم الله خيرا و بارك بكم سيدي على هذا النص الرائع المتين القاطع في المسألة..
و لله درّ أئمتنا ما كان أوسع آفاقهم و أحدّ أنظارهم ..فترى الحمقى و المغفلين من العلمانيين و الوهابيين-الذين حرموا التوفيق الرباني المختص بهؤلاء الربانيين رضي الله عنهم- يسارعون الى الطعن في ضمائر الأئمة و دينهم و أمانتهم و تقواهم متهمينهم بالخضوع للحكام و التزلف لهم طلبا للدنيا بذلك الكلام ..و هذا سوء أدب و طعن في الدين و في أئمته القائمين عليه
و اساءة ظن محرمة بمن لحومهم مسمومة و عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ..
فالحمد لله تعالى أن جعلنا من أتباعهم لا من أذيال الخوارج المكفّرين لأمة رسول الله صلى الله عليه و سلم ..فهم إنما يحاربون من أجل أنفسهم لا من أجل الأمة ..كيف و هم يعتبرون أكثر الأمة غارقين في الشرك الأكبر منذ قرون كما يصرح به شيوخهم ..كما في فتح المجيد و غيره من كتب الخوارج المحدثين ..
فالله حسيبهم و لا حول و لا قوة لنا إلا بالله تعالى ..
و قبل أن أنسى .. و تصديقا لكلام الإمام الغزالي رضي الله عنه نطلب من كل منصف أن ينظر الى حال العراق كمثال واحد على آثار الخروج على الحاكم و اسقاطه بالقوة التي لم تكن و لن تكون إلا قوة خارجية غازية .. فهل حال العراقيين اليوم خير من حالهم في عهد الدكتتور الظالم صدام حسين ؟؟؟؟ .. لكم الإجابة ..
و الله تعالى أعلم ..و الحمد لله رب العالمين ..