المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقض التدمرية لابن تيمية (4)



سعيد فودة
17-04-2004, 10:43
اشتراك الأسماء بين الخالق والمخلوق

من المعلوم أن هناك أسماءً نطلقها على اللـه تعالى ونطلقها على المخلوقات، كاسم العلم والإرادة والقدرة والوجود وغير ذلك، فهل يستلزم ذلك الإطلاق اشتراك الواجب والممكن في معنى حقيقي واحد، فيلزم التشبيه والتمثيل من ذلك الوجه؟ أم أن هذا مجرد إطلاق لفظي لا يلزم منه أي نوع من الاشتراك؟ هذه المسألة من المسائل المهمة في علم التوحيد، وكثير من كلام ابن تيمية يدور عليها. وسوف ننقل بعض كلامه في هذا الباب لنبين كيف يعالج هذه المسألة. ونعلق عليها بعد ذلك.
قال ابن تيمية ص61: "وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمّى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصّه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد، ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل لـه إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود: إن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كلٍّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما. ولهذا سمى اللـه نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عن الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقُهما، ولا تماثل المسمّى عند الإضافة والتخصيص، فضلاً عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سمى اللـه نفسه حياً فقال: (اللـه لا إلـه إلا هو الحي القيوم)، وسمى بعض عباده حيّاً فقال: (يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي)، وليس هذا الحي مثل هذا الحيّ، لأن قولـه الحي اسم للـه مختص به، وقولـه (يخرج الحي من الميت) اسم الحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجُرّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسمَّيَيْن، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولا بُدَّ من هذا في جميع أسماء اللـه وصفاته، يفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى" اهـ.
هذا القدر من كلام ابن تيمية يوضح ما يريده من هذه القاعدة، والحقيقة أنني عندما أتأمل كلامه ألاحظ فيه بعض الاضطراب وعدم الدقة وعدم التحقيق، وسوف يتبين ذلك كلـه من تحليلنا لما ذكره.
فتأمل أولاً قولـه: (ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود ... إلخ) لتدرك ضعف تعقّلـه فالاسم هو اللفظ، والمسمى هو ما صدق عليه الاسم، أو المعنى الدالّ على المصداق الخارجي، وابن تيمية يصرّح في كلامه بأن الاتفاقَ حاصلٌ بين اللـه وبين مخلوقاته في (مسمّى الوجود) وهذا يستلزم اشتراكهما في أصل الحقيقة، ولكنه مع ذلك ينفي تماثلهما، فالتماثل عنده إذن لا يتحقق في أصل الوجود بل في أمر آخر لا بُدَّ أن يكون عارضاً عليه، ولذلك ضرب مثالاً العرش والبعوضة، ونحن نعلم أن الفرق بين العرش والبعوضة ليس في أصل الوجود ولا في حقيقته الخاصة، وعلى الأقل هذا ما يجزم به ابن تيمية، بل هو واقع في الشكل والكيفية المختصة بكل منهما.
وهو قد أشار إلى أن الذهن يشتق مما يلاحظه خارجاً معاني مشتركة، وهذه المعاني المشتركة هي الأمور المطلقة التي لا تحقق لها من حيث هي إلا في الذهن، ولكن هذا الكلام يلزمه بلا شك اعتراف ابن تيمية بوقوع الاشتراك في حقائق الأشياء الخارجية على الأقل ذهناً وعقلاً، في المسمّى بحسب تعبيره، وهذا هو أصل التشبيه والتجسيم الذي يقول به ابن تيمية، ولذلك فهو يجعل الفرق في الكيفيات التابعة والعارضة لهذه الحقائق. وهذا كلـه طريق غير صحيح كما سنبين.
ومما يدل على ما فهمناه من كلامه أنه قال: "إن العقل يفهم من الأسماء التي تطلق على اللـه وعلى مخلوقاته "ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق" اهـ، إذن هناك قدر من التواطؤ والاتفاق بين حقيقة اللـه وحقيقية المخلوق، ولهذا القدر المتواطئ يطلق الاسم على الخالق وعلى المخلوق، وإنما يحصل عدم التماثل من اختلاف صورة الوجود عند ابن تيمية، وسوف نذكر في بقية مباحث هذا الكتاب قرائن عديدة تدل على هذا المعنى.
هذا هو مذهبه، ولكنه لا ينبني على نظر دقيق ولا فهم صحيح.
والنظر الصحيح في هذا الباب أن يقال:
إن الإنسان عندما ينظر في الأشياء الموجودة المحسوسة، فإنه لا يدرك حقيقة ذاتها، بل ما يدركه مجرد هو انطباعات وانفعالات عنها، وبواسطة هذه الانفعالات الحسية يدرك بعقلـه ضرورة وجود أصل لها، وهو الوجود الخارجي، فالمدرَك بالحسّ ليس عينَ الوجود الخارجي بل آثاره، وأما هو فمدرَك بالعقل بالضرورة. والإنسان في فعلـه التعقلي يختزن المعاني المدركة بالحسّ وهي المعاني الأولية، ولا يشترط فيها كونها مطابقة ومماثلة لما في الخارج، ولكنها دالة بوجه ما عليه، هذه المعاني هي التي يتحرك فيها الفكر ويلاحظ أموراً مشتركة بينها فيخترع معاني ثانية من ملاحظة وجوه اشتراك مع المعاني الأولى، وهذه المعاني الثانية عبارة عن مقولات عقلية، ولكنها دالة أيضاً على ما في الخارج لأنها منتزعة مما فيه، وحكم العقل بها صادق. ومن هذه المعاني الوجود. فإننا فعلاً لم ندرك وجود اللـه تعالى بالحسّ حتى يقال إننا وجدنا تواطؤاً وتوافقاً بين وجوده ووجود غيره من المخلوقات، بل وجوده جل شأنه غير مدرَك إلا بالعقل، وعلى سبيل المعاني الثانية التي هي عبارة عن أحكام عقلية عارضة على المعاني الأولى المدركة بالحس وبالوجدان. والاتفاق بين الموجودات في هذه المعاني الثانية إنما هو اتفاق في الأحكام الثابتة التي لا تعبر عن حقيقة الأشياء، أي أن هذه المعاني وإن استعملناها في فكرنا، فإن استعمالنا لها لا يستلزم إدراكنا لحقيقة ما صدقت هي عليه، بل يتوقف على تعقلنا لـه فقط.
ونحن إنما حكمنا بالوجود على اللـه تعالى بالعقل، ولم يلزمنا لنحكم عليه بالوجود إدراك عين حقيقته. بل إن العقل هو عينه يحكم باختلاف حقيقته الخاصة اختلافاً تاماً عن سائر الحقائق الموجودة المخلوقة، لأنه لو اشترك معها في شيء لماثلها، ولأخذ حكمها الحادث؛ وهذا باطل. فالحكم بالوجود على اللـه تعالى إنما هو من المشترك اللفظي بهذا المعنى، ولا يستلزم كما ترى مواطأة ولا توافقاً في الحقيقة الخارجية الخاصة، وهو أي لفظ الوجود دالٌّ على معنى ثانوي عارض للماهيات بالنظر إلى حكم العقل، فهو في حكم العقل أمرٌ كليٌّ معنوي، ولكن الوجود من حيث هو لا مصداق مطابقياً لـه في الخارج بل هو صادق فقط على ما في الخارج، لأنه منتزع من معانٍ أولى حصلت عند العقل. وهذا هو المراد بقول الإمام الرازي إن الوجود مشترك معنوي، فهو مشترك معنوي بهذا الوجه، لا كما يقولـه ابن تيمية، لأنه مع قول الرازي بالاشتراك المعنوي إلا أنه يحكم باستحالة كون حقيقة اللـه مثل حقائق المخلوقات. وهذا لا يتم إلا إذا نفى أصل التواطؤ الخارجي الذي أثبته ابن تيمية.
وهذا التحليل للفرق بين كلام ابن تيمية، وبين كل من مذهب الإمام الأشعري والرازي يكشف لك مدى السذاجة التي يتحلى بها مذهب ابن تيمية، ولكنها ليست عفوية، بل هو ما قال بها ولا اتصف بها إلا لكونه يعتقد بالتشبيه ولو من بعض الوجوه. وهذا القدر المشترك الذي يقول عنه ابن تيمية إنه متواطئ بين الذوات هو الذي يعتمد عليه لاحقاً في القياس بين ذات اللـه وذوات المخلوقات، فيقول: بما أننا لم ندرك إلا موجودات ممتدة في الأبعاد ومتحيزة، فيجب أن يكون اللـه ممتداً في الأبعاد ومتحيزاً. ويقول: بما أننا لم ندرك إلا ما هو في جهة فيجب أن يكون اللـه تعالى في جهة، وهكذا. فهذا القياس لا يتم لـه إلا إذا قال بالقدر المشترك المتواطئ الذي مهد لـه هنا.
وبناءً على هذا القدر المشترك المتواطئ يثبت ابن تيمية اليد والوجه والعين وغيرها صفاتٍ عينية للـه تعالى لا معنوية، وهذا هو أساس قولـه بالتجسيم، لأنه لم يدرك على حدِّ قولـه يداً إلا جزءاً وعضواً، فإذا وردت نسبة اليد للـه تعالى فيجب كونها كذلك أي ركناً للـه تعالى وعيناً لا معنى. وهذا هو عين التشبيه.
ولذلك تراه دائماً ينص على نفي التمثيل لا التشبيه كما رأينا وسوف تراه.
وإذا اتضح ذلك، فإن كل ما قالـه ابن تيمية في هذه المقدمة ينهدم ويتهاوى أمام النظر الصحيح الذي بيّناه، وهذا ما يوضح قول أهل الحق إن الاشتراك بين اللـه تعالى وبين المخلوقات في بعض الأسماء كالوجود والعلم والقدرة إنما هو اشتراك لفظي يلاحظ فيه الأحكام المترتبة على معنى الاسم وليس اشتراكاً في حقيقة الاسم، فلا القدرة كالقدرة، ولا العلم كالعلم، وهكذا من حيث الحقيقة لا كما يقول ابن تيمية، إنها من حيث الحقائق مشتركة، ولكنها تختلف وتتغاير من حيث الكيفيات والهيئات الوجودية الخارجية.
واعلم أن كل هذا الكلام الذي قالـه ابن تيمية إنما يريد به إثبات الصفات العينية والتي لا يجوز نسبتها عندنا للـه تعالى كالحركة، وحلول الحوادث في الذات، والمكان، والجهة، وغيرها كالاستقرار على العرش؛ فهو إنما يحوِّم على هذه المسائل. ولذلك فقد مهَّد لكيفية إثباته تلك المعاني والهيئات بالكلام السابق.
وقد وضّح ابن تيمية أصلين لتثبيت هذا المعنى الباطل وضرب مثلين، وسوف نتابع نقده مع بيان بطلانه، أثناء مناقشتنا لهذين الأصلين والمثلين.
وسوف نبطل لـه جميع كلامه ونوضح بطلانه للعامي والعالِم، حتى يعرف الناس في أيِّ وادٍ كان يَهيم هذا الرجل، وأنه لم يكن إلا داعية لمذهب التجسيم، وإن نادى وصرخ وادعى أنه لا ينصر إلا الكتاب والسنة. ولَهَفي على الكتاب والسنة اللذَيْن يتشبث بهما جميع المبتدعة، وما من مبتدع إلا يعزو نفسه إليهما، ولكن مجرد هذا الانتساب لا يستلزم تسليمنا لما يقولـه القائلون. والحق أحق أن يتبع، والنظر في الكتاب والسنة يحتاج إلى أصول عظيمة، وأدلة دقيقة، وسنرى لاحقاً كيف خالفها ابن تيمية، وأن ما ادعاه، مجرد تمسك بهواه.

علي محمدالقادري
24-08-2005, 11:11
سيدي الكريم .... نفع الله بكم
هلا أكملتم الرد .. فقد استفدنا فائدة عظيمة بما نشر من الرد على التدمرية ... حفظكم الله وبارك في أوقاتكم

مهند بن عبد الله الحسني
29-12-2006, 01:33
مولانا الأستاذ سعيد فودة بارك الله فيكم وفي اوقاتكم .

حبّذا أن تنشروا الرد كاملاً إذا أردتم .

وبحوثكم مولانا دقيقة جدًا وقويّة أثق تمامًا أن الحشويّة لن ولم يستطيعوا أن يفهموا معانيها فضلاً عن الرد عليها .

بوركتم .