المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهمية علم النّحو في التفسير



عماد أحمد الزبن
10-03-2007, 18:27
أهمية علم النّحو في التفسير
يرتبط علم النّحو بالتفسير ارتباطاً وثيقاً، فعلم النّحو من أهم الأدوات التي يوظفها علم التفسير لفهم القرآن الكريم، ويمكن أن نقف على العلاقة بين علم النّحو والتفسير من خلال المحاور الآتية( ):

نشأة علم النّحو وارتباطها بالقرآن الكريم:
تعددت الروايات في نشأة علم النّحو، والناظر في هذه الروايات يلحظ أنها تشترك في أمرين:
الأول: شيوع اللّحن: كان العرب ينطقون بالسليقة، فكانت لغتهم سليمة، وألسنتهم مستقيمة، وهكذا حتى انتشر الإسلام، وزادت رقعته، ودخل الناس من الأجناس كافة في دين الله، فاختلطت الألسنة وانتشر اللّحن، حتى صار ظاهرة يخشى من شيوعها.
جاء في (نزهة الألباء): "وسبب وضع (علي رضي الله عنه) لهذا العلم، ما روى أبو الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام الناس، فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء، يعني الأعاجم، فأردت أن أضع لهم شيئا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه"( ). وفي (أخبار النّحويين البصريين): أنّ أبا الأسود الدؤلي "جاء إلى زياد بالبصرة، فقال: إني أرى العرب قد خالطت الأعاجم، وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاما يعرفون، أو يقيمون به كلامهم؟ قال: لا: قال: فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنونا، فقال زياد: توفي أبانا وترك بنونا؟ ادع لي أبا الأسود. فقال: ضع للناس الذي نهيتك أن تضع لهم"( ). والأدهى أن يتسرب اللّحن إلى قراءة القرآن الكريم، جاء في (نزهة الألباء): أنّ علياً (رضي الله عنه) سمع أعرابيا يقرأ (لا يأكله إلا الخاطئين) ( ) فوَضَع النّحو( ). وفي الكتاب نفسه: "قدم أعرابي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). فقال من يقرئني شيئا مما أنزل الله على محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ فأقرأه رجل سورة براءة، فقال: (أَنّ اللهَ برِيءٌ مِنَ المُشْرِكينَ وَرَسُولِهِ)( ) بالجر، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر (رضي الله عنه) مقالُة الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابي، أتبرأ من رسول الله؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة براءة، فقال: (أَنّ اللهَ برِيءٌ مِنَ المُشْرِكينَ وَرَسُولِهِ) فقلت: أوقد برئ الله تعالى من رسوله؟! إن يكن بريء من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال له عمر (رضي الله عنه): ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: ، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر (رضي الله عنه) ألا يقرئ القرآن إلا عالـم باللغـة، وأمـر أبا الأسـود أن يضع النّحو"( ).
وهذه الروايات التي عرضت بعضا منها، بغض النظر عن صحة كل رواية منفردة، تدل بمجموعها على ارتباط نشأة علم النّحو بشيوع ظاهرة اللّحن، والخوف على كتاب الله من هذه الظاهرة المستنكرة، فدعت الحاجة إلى وضع كليّات وقوانين تحكم اللسان، وتصون القرآن من عادية اللّحن التي قد تحرّف دلالة النّص القرآني، وظاهرة اللّحن وإن لم تكن في قراءة القرآن فقط، فإنّ تسرّبها إلى قراءة القرآن نبّه على هذا الخطر الداهم، فغدت الحاجة ماسة إلى وضع قوانين ترد الألسنة التي اعوجت إلى اللسان العربي المستقيم( ).

القرآن رقعة العمل:
بعد الحاجة إلى وضع قوانين تضبط اللسان، وتصون قراءة القرآن، انطلق العلماء إلى بناء هذا العلم، وكان القرآن الكريم رقعة العمل. وتشير أغلب الروايات إلى سبق أبي الأسود الدؤلي إلى بناء هذا العلم. يقول ابن سلام الجمحي (ت232هـ): "وكان أول من أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها( )، ووضع قياسها، أبو الأسود الدؤلي"( ). وليس يهمّني هنا التحقق من صحة سبق أبي الأسود إلى نشأة علم النّحو( )، ولكن يهمني تلمس نقاط الارتباط بين القرآن وعلم النّحو، ولذا يلزمني أن أقف عند القصة الآتية:
بعد شيوع اللّحن على ألسنة بعض قرّاء القرآن الكريم، طلب أبو الأسود الدؤلي من الأمير زياد كاتبا، فلما ارتضى أبو الأسود الكاتب، قال له: "إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنّة، فاجعل مكان النقطة نقطتين فهذا نقط أبي الأسود"( ).
نستفيد من هذه القصة أنّ أبا الأسود بدأ عمله في القرآن الكريم، وارتبط نحوه به، صحيح أنه لم يكن من غرض أبي الأسود أن يسوق كلاما نظريّاً في بنية اللغة( )، أو أن يضع أسس النظرية النّحوية عند العرب، لكن عمله كان المنطلق لتأسيس النظرية النّحوية التي قامت من بعد على خطوات لاحقة، فكان هذا النّتاج العلمي الزاخر.
ولا غرو أن يكون هذا العلم الذي نشأ وترعرع في محاضن القرآن الكريم، الأداة البارزة في فهم النّص القرآني، والوسيلة الموضّحة لمدلولاته، لا سيما بعد أن اختلطت الألسنة، إذ كان الأوائل لا يحتاجون إلى كثير من هذه العلوم، فالقرآن نزل بلغتهم، "وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلّهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه"( )، وعليه فقد احتيج إلى علم النّحو في التفسير بعد فساد الألسنة، وذلك حاصل لتكاثر العجم، ودخول الأجناس كافة في دين الله، فقلّت الملكات الصافية التي يرجعون إليها، فصاروا ينتجعون هذه التآليف في العلوم كافة، يستعينون بها على فهم تراكيب القرآن ودلالاته. يقول أبو حيّان الأندلسي (ت754هـ)، "كانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي شرح لغة، ونقل سبب، ونسخ، وقصص، لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع الأمم المختلفو الألسنة، والناقصو الإدراك، احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التراكيب، وانتزاع المعاني، وإبراز النكت البيانية، حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها، ولا عنصره يحركه إليها"( ).
ولا يهمني هنا أن أحدّد تاريخ اعتبار النّحو من مصادر التفسير، ولكن ما يهمني ارتباط ذلك بأمرين:
الأول: الحاجة التي أشار إليها أبو حيّان الأندلسي، بعد فساد الألسنة وتغير السلائق.
الثاني: توافر التآليف في علوم اللسان، بعد أن صارت علوم اللسان صناعية. ويشرح ابن خلدون (808هـ) الأمر الثاني بقوله: "ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب، فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب، فتنوسي ذلك وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب، وعلى منهاج بلاغتهم"( ).
أنواع التفسير:
عرفنا مما مضى أن علم النّحو دخل التفسير بعد فساد الألسنة، وبعد أن صارت العلوم اللسانية صناعية، ودونت وكثرت تواليفها، ويبقى هنا أن نسأل: ما أنواع التفسير؟ وما دور النّحو في كل نوع؟
يقسّم العلماء التفسير قسمين: تفسير يرجع إلى النقل، ويعتمد على المأثور من القرآن والسّنّة وأقوال الصحابة، وتفسير يرجع إلى الاجتهاد والرأي، على وفق أصول دونّها علماء التفسير، وضوابط يجب أن يعتمد عليها كل من رام تفسير كتاب الله، ويحسن هنا أن أتكلم على النوعين بإيجاز:
1-التفسير بالمأثور:
وهو ما جاء في القرآن أو السّنّة أو كلام الصحابة بياناً لمراد الله تعالى من كتابه( )، وهذا النوع من التفسير يعتمد على النّقل، ويقوم على تفسير القرآن بالقرآن، أو القرآن بالسنة بقيد كونها ثابتة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)( )، أو المنقول الثابت عن الصحابة، وهذا هو المرجع الثالث في التفسير بالمأثور، وأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف العلماء( )، وقد نشط تابعو التابعين وألفوا تفاسير كثيرة من هذا النوع، جمعت أقوال الصحابة والتابعين، ثم ألف ابن جرير الطبري (ت310هـ) تفسيره المشهور، وجمع كثيراً من تفاسير من سبقه( ).
وليس في هذه التفاسير إلا ما هو مسند إلى الصحابة والتابعين، فهي، كما أسلفت غير مرة، تعتمد على نقل المأثور. ودور علم النّحو في هذا النوع من التفسير قليل، وأثره ضئيل، إذ يُعتمد هنا على النقل عمن وصفوا بسلامة اللغة، وقلة احتياجهم إلى غير السليقة في فهم معاني كتاب الله، لكنني لا أستطيع أن أنفي مطلق الاحتياج إلى علم النّحو في تآليف هذا النوع من التفسير، على قلة هذا الاحتياج، فهذا تفسير ابن جرير الطبري، الذي وصفه الزرقاني، بأجلّ تفاسير المأثور( )، يوجه الأقوال، ويذكر الإعراب والاستنباط، وقد يرجّح وجهاً إعرابياً على آخر، لا سيما عند الكلام على القراءات( ).
2-التفسير بالرأي:
ويقصد به التفسير المعتمد على الاجتهاد، لا على مجرّد النّقل. والاجتهاد عند العلماء هو: "بذل المجهود على قدر الوسع والإمكان، والتفكّر في معنى النّص في المنصوص عليه، لإدراك المقصود، وهو نيل الحكم به"( ). وبذل المجهود والتفكّر يحتاجان إلى أصول وضوابط وأدوات فكرية للوصول إلى الإدراك، واستخراج الأحكام. إذن، فهناك رأي معتد به، قائم على هذه الأصول والضوابط، ورأي فاسد مذموم، حاد عنها، وعلى هذا الأخير يُحمل النهي عن تفسير القرآن بالرأي، فقد حمل العلماء حديث "من تكلّم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"( )، على عدة معان، منها التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير( ).
فما الأصول التي يجب مراعاتها عند التفسير بالرأي ؟ الجواب عند الزرقاني، فقد عدّ أربعة أصول، وهي( ):
1.النقل عن الرّسول (صلى الله عليه وسلم) مع التحرّز والتثبت من صحة المنقول.
2.الأخذ بقول الصحابي، إن وجد و صحّ.
3.الأخذ بمطلق اللغة، والاحتراز عن صرف الآيات إلا بدليل.
4.الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع.
والملاحظ أن ما ذكره الزرقاني يربط هذا النوع من التفسير بالنوع الأول، وكأنّ التفسير بالرأي فرع التفسير بالمأثور، إذ التفسير النقلي هو المقصود بالذات( ).
وما يهمني هو دور علم النّحو في هذا النوع من التفسير، فقد تقرّر سابقاً أنّ التفسير بالرأي الجائز، يحتاج إلى أصول وضوابط، بوصفها أدوات يوظفها للكشف عن المراد من النّص، ومن المقرّر أن علم النّحو من أبرز هذه الأصول وهذه الأدوات، التي يحتاج إليها المفسر في اجتهاده، ونلمس هذا في تقسيم ابن خلدون التفسير قسمين: التفسير النقلي، والتفسير الذي يرجع إلى اللسان، وقال عن الأخير: "والصنف الآخر من التفسير، وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب"( ). وجَعْل هذا النوع من التفسير معتمداً على علوم اللسان، يجلي منزلة علم النّحو فيه.
ومن مظاهر منزلة علم النّحو في هذا التفسير، اشتراط العلماء في المفسّر معرفة النّحو، إذ جعلوا علوم اللغة والنّحو والصرف والبلاغة، من أبرز العلوم التي يحتاج إليها المفسّر، لأنّ المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب( )، فلا غرو بعد الذي سبق، أن يكون علم النّحو من أبرز العمد التي يقوم عليها تعريف التفسير. وهاك تعريفين للتفسير يجليان الارتباط الوثيق بين علم النّحو والتفسير:
قال أبو حيّان الأندلسي: "التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن الكريم، ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب"( ). وأنت خبير بأنّ الكلام على الأحكام الإفرادية والتركيبية يشمل فيما يشمل الإعراب.
وقال الزركشي (ت794هـ): "التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزّل على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنّحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات"( ). فعلم النّحو من مصادر التفسير على وفق هذا التعريف، ووسيلة فهم كتاب الله، واستخراج معانيه وأحكامه.


كتب المعاني والإعراب وعلاقتها بتفسير القرآن الكريم:
من أهم مظاهر العلاقة بين علم النّحو والتفسير، اختصاص بعض اللّغويين والنّحويين بتآليف خاصة بالقرآن، ذات منهج خاص، وهي كتب المعاني وكتب الإعراب، وسأتحدث عنها بإيجاز لتكتمل صورة العلاقة التي تجمع بين علمي النّحو والتفسير، ولإظهار أثر علم النّحو في التفسير:
كتب المعاني:
تعمد هذه الكتب إلى الكلام على لغة القرآن، وبيان وجوه إعرابه، والوقوف عند مشكله وتجلية معانيه، وترتبط بما يُشْكِل في القرآن، ويحتاج إلى بعض العناء في فهمه( )، فهذه الكتب تمثل صورة من صور التفسير اللّغوي، وفيها يتضح أثر علم النّحو واللغة في التفسير. وقد كثر المؤلفون في هذا الميدان من المتقدمين، وشاع هذا العنوان ردحاً من الزمن، وتوفّر على الكتابة فيه جلة علماء العربية في زمانهم. وسأعرض بعض الأمثلة على هذا النوع من التآليف توضيحاً له:
1-كتاب مجاز القرآن
أّلف هذا الكتاب أبو عبيدة، معمر بن المثنى( ) (ت209هـ)، وهو من أقدم ما وصل إلينا في هذا الفن، وقد عدّ بعض الباحثين أبا عبيدة، أول من صنف في معاني القرآن من أهل اللغة( )، وكلمة المجاز في عنوان هذا الكتاب لا تُحمل على المعنى الاصطلاحي عند علماء البلاغة، بل يريد بها الطرق التي يسلكها القرآن في تعبيراته( ) فهو يذكر الآية ثم يقول: ومجازه. يريد: معناه( ).
وأبو عبيدة في كتابه يقدّم تفسيراً لغوياً، يقوم على قدر من الحرية، ولا يتقيد بقوانين المذهبين النّحويين، البصري والكوفي، إذ كانا في دور التكوين( )، وهو يعنى بالشواهد الشعرية لتوضيح الآيات القرآنية عناية بالغة، وقد صرف وُكْده إلى الجانب اللّغوي، فشغله ذلك عن متابعة القصص القرآني وأسباب النزول، إلا إذا اقتضى فهم النّص ذلك( )، ويمتاز منهجه باليسر والقرب، فهو يحتكم إلى الفهم والذوق اللّغوي، ويرجع إلى كلام العرب( ).
2-كتاب معاني القرآن:
ألفه الفراء (207هـ) ( )، وهو كتاب يعرض فيه الفراء الآية، ثم يتناولها بالتحليل اللّغوي والنّحوي( )، وهو يعتمد على لغات العرب التي يحيط بها في توجيه المعنى، كما يعتمد على القراءات، وهو ضالع فيها، مطّلع عليها اطلاعاً واسعاً، وهو ينتقد القراءة بعرضها على قراءات أخرى والترجيح بينهما من خلال توجيه المعنى( ).
والفراء في كتابه يوسع دائرة التأويل، وهو من أبرز أدواته في توجيه الإعراب( )، ويعتدّ بالقياس ويكثر منه( )، وتظهر نظرية العامل جلية في كتاب الفراء، إذ هو المقتضي للإعراب عنده( )، وهذا العرض الموجز لمنهج الكتاب يبين جلّ اهتمامه بالناحية النّحوية واللّغوية في أثناء التفسير، إذ يظهر فيه أثر النّحو بوضوح، مما يجعله من كتب التفسير اللّغوي التي تبرز متانة العلاقة بين علمي النّحو والتفسير.
كتب الإعراب:
الإعراب في اللغة: الإبانة والإفصاح، وأعرب الرجل عن نفسه، إذا بيّن وأوضح( ). وفي معجم المقاييس "إعراب الكلام أيضاً من هذا القياس، لأن بالإعراب يفرّق بين المعاني في الفاعل والمفعول والنفي والتعجب والاستفهام، وسائر أبواب هذا النّحو من العلم"( )، ولا تخفى الرابطة الوثيقة بين المعاني والإعراب، لذا قالوا: الإعراب فرع المعنى، ولا يُتصوّر أن يُقدِم أحد على إعراب نص يجهل معناه، فإعراب النّص تجلية لمعانيه، وكشف لأحكامه. قال السيوطي (ت911هـ) في شروط من أراد إعراب القرآن: إنّ أول واجب عليه "أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفرداً أو مركباً قبل الإعراب، فإنه فرع المعنى، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور، إذا قلنا بأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه"( ). لذلك فإنّ المُعرِب يزلّ إذا نظر في ظاهر اللفظ فقط، ولم ينظر في موجب المعنى( ).
وكما لاحظنا، فقد تضمنت كتب المعاني السابقة وجوه إعراب آيات القرآن الكريم، وتعرضت لذلك بالمقدار الذي يوضح دلالاته ومعانيه، ويوقف على مقاصده وأحكامه، إذن ما الذي تميزت به كتب الإعراب عن كتب المعاني؟
إن كتب المعاني التي اهتمت بالنّحو وتوضيح المعاني اللّغوية للكلمات والمفردات، وربما عرّجت على أسباب النزول وقصص القرآن، بمقدار حاجة البيان، هي التي ولّدت هذا النوع من التآليف، وقد سار الإعراب في طريق الانفصال والتّطور حتى استقلّ عن المعاني وتحوّلت الأخيرة إلى كتب تفسير( )، وظهرت تآليف تعنى بإعراب كلمات القرآن وجمله، وانحصارها في هذه الناحية من القرآن، جعلها علماً قائماً بذاته، ثم تباينت مناهج العلماء في إعراب القرآن الكريم، فمنهم من اقتصر على إعراب المُشْكل فقط، ومنهم من عرض لإعراب غريبه، ومنهم من قصد إلى إعرابه كاملاً، ومنهم من عَرَضَ أشكال الإعراب وجعل لكل شكل باباً، ومنهم من جمع بين أوجه القراءات والإعراب( ).
ولكن، متى نضج هذا الانفصال عن كتب المعاني؟ يجيب إبراهيم رفيدة عن هذا السؤال( ) ويَعدُّ كتاب إعراب القرآن لابن النحاس( ) (ت338هـ)، المحاولة التي نملك الدليل على نضجها في الفصل بين معاني القرآن وإعرابه، ويؤكد هذا مقارنةً بين كتابي ابن النحاس: معاني القرآن، وإعراب القرآن. فقد جعل ابن النحاس كتابه (معاني القرآن)، كما يقول، في تفسير المعاني والغريب وأحكام القرآن والناسخ والمنسوخ( )، وجعل كتابه (إعراب القرآن) في إعراب القرآن والقراءات في المرتبة الأولى، وقد يذكر المعاني بمقدار الحاجة إلى ذلك( ).
ومن أشهر كتب إعراب القرآن التي اعتنت بالعلاقة بين النّحو وفهم معاني القرآن:
1-كتاب معاني القرآن وإعرابه:
ألف هذا الكتاب الزجاج( ) (ت311هـ)، وتعرّض فيه للإعراب والمعاني، ويظهر هذا من قوله: "هذا كتاب مختصر في إعراب القرآن ومعانيه"( )، ويسوّغ الزجاج ذكره المعاني بما يشعر بأن قصده أصالة إعراب القرآن، فيقول: "وإنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير، لأن كتاب الله ينبغي أن يتبين ( )، وهو في كتابه يثبت الآية، ثم يحلل بعض ألفاظها على طريقته في الاشتقاق اللّغوي، فيذكر أصل الكلمة والمعنى اللّغوي الذي تدل عليه، ثم يورد الكلمات التي تشاركها في حروفها، ويستشهد على رأيه بما يؤيده من كلام العرب وأشعارهم، ثم يبدأ بإعراب الآية، وهو في كل هذا يناقش النّحويين الآخرين، وقد يأخذ بآرائهم أو يردّها( ).
2-كتاب إعراب القرآن:
ألفه ابن النحاس، وقد بيّن منهجه في مقدمة كتابه فقال: "هذا كتاب أذكر فيه، إن شاء الله، إعراب القرآن والقراءات التي تحتاج أن يبين إعرابها، والعلل فيها، ولا أخلّيه من اختلاف النّحويين، وما يُحتاج إليه من المعاني، وما أجازه بعضهم ومنعه بعضهم، وزيادات في المعاني وشرح لها"( ). فخطبته في مفتتح كتابه دالة بذاتها على هذا الارتباط الوثيق بين علم النّحو، وتوجيه معاني الآيات القرآنية.
3-كتاب التبيان في إعراب القرآن:
ألفه العُكْـبَري( ) (ت616هـ)، وأعرب فيه القرآن كاملاً، وهو يذكر وجوه القراءات، ويبين وجوه إعرابها، ولا يخلو الكتاب من إشارات إلى معنى الآية، وهو يستشهد بالشعر العربي على ما يذهب إليه، وقد يذكر أئمة النّحو والتفسير الذين ينقل عنهم( )، ويذكر وجوه الإعراب في الآية ولا يرجح بينها، وهذا كثير في كتابه، وربما رجح بين الوجوه بتمريض أحدها، وذلك كأن يقرر وجهاً، ثم يتبعه بكلمة قيل ( )، وقد يستغني عن الإعراب ببيان المعنى فقط( ).
وكتب أبو المنذر عماد الزبن

سامح يوسف
17-03-2007, 20:22
فوائد نفيسة

جزاكم الله خيرا سيدي

وأنا ما زلت في انتظار تبيانكم للمرحلتين الثانية والثالثة من الخطة المتكاملة لدراسة علوم اللغة علي هذا الرابط

http://www.aslein.net/showthread.php?p=33025#post33025

عماد أحمد الزبن
18-03-2007, 18:35
أخي الحبيب الشيخ الطلعة الأديب الأريب سامح يوسف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أنا بأمركم وأرجو أن أكون عند حسن ظنكم .
ولا زلت بالخير موصولا .

سامح يوسف
19-03-2007, 12:56
بارك الله فيكم سيدي