المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا تدركه الابصار



جمال حسني الشرباتي
13-04-2004, 04:32
السلام عليكم
لست معتزليا ولا اباضيا انما من اهل السنة
اما مسالة رؤية الله في الجنة فانا ارى ان حجة النافين للرؤية قوية .

المهم الان ان مفتي الاباضية في كتابه الحق الدامغ علق على تفسير الرازى لاية ( لا تدركه الابصار ) تعليقا يلزمكم الرد عليه.


(وأما الفخر الرازي فقد قال : "لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : (لا تدركه الأبصار) ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته ، والعلوم ، والقدرة ، والإرادة ، والروائح ، والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : (لا تدركه الأبصار) يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.

وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان ، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته ، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية ، وهذا استدلال لطيف من هذه الآية27.

وليس بعد هذا القول الذي قاله الفخر الرازي تعليق لأحد ، إلا السؤال عن عقيدته في وحدانية الله ونفي الولد والشريك عنه ، مادام يجعل من نفي الشيء دليلا على إثباته ، وبموجب هذا القول فإن للنصارى والمشركين أن ينتزعوا من قوله تعالى : (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) 28 ، دليلا قاطعا بأن له سبحانه ولدا وشريكا وأن يضيفوا إلى ذلك إثبات الصاحبة له تعالى ، بل وإثبات كل ما نفاه عنه من السنة والنوم ، والغفلـة واللغوب ، والظلم والجور ، مادام النفي دليلا قاطعا على الإمكان وبالتالي على الإثبات .

وإن تعجب فعجب أن يكون الفخر الذي اتخذ من قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) سُلَّماً إلى القطع بثبوت الرؤية قلباً للحقيقة وعكسا للحجة ، هو الذي يقول في تأصيلاته بأن دلائل الألفاظ على المعاني لا تتجاوز الظن كما هو صريح في قوله : "دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات ونقل الإعرابات والتصريفات مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً ، ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن ، وأيضا فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم النقل ، وعدم الإجمال ، وعدم التخصيص ، وعدم المعارض العقلي ، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض ، والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنا"29.

فانظر كيف يجعل الفخر دلالة الألفاظ على المعاني الموضوعة لها ظنية ، مع جعله دلالتها على ضد تلك المعاني قطعية.)

والسلام

سعيد فودة
14-04-2004, 02:17
الجواب:
أيها الأخ الفاضل جمال،
أولا أشكرك على هذا السؤال المهم فعلا.
والحقيقة أنني كنت قد نظرت في كتاب الخليلي في بداية الطلب منذ أكثر من ثمانية عشر عاما فلم يعجبني ولم أرَ أدلته قوية بل رأيت فيه المبالغات التي لا تخلو من مغالطات. ولكنه لم يخفَ تميُّزه عني وظل في خاطري أن أكتب عليه ردا لائقا به ، كما أرغب أن أعمل ردا على كتاب سفر الحوالي الذي أزعج الكثيرين من أولي المعرفة الساذجة للمذهب الأشعري.

وعلى كل حال، فأنا أقول لك الآن أنه لا يخلو كتاب الشيخ الخليلي من تميز في إدارة الكلام وترتيبه، وصاحبه لا يخلو عن ذكاء ونبل يحلو معه لعالي المرتبة يصاوله.
ومن دون إطالة أقول باختصار:
أولا: ما ذكره الخليلي عن الإمام الرازي " فانظر كيف يجعل الفخر دلالة الألفاظ على المعاني الموضوعة لها ظنية ، مع جعله دلالتها على ضد تلك المعاني قطعية"
فالجواب: أن الإمام الرازي ذكر هذه المسألة أعني إفادة اليقين من الألفاظ في أكثر من كتاب له، وذكر أنه إذا انتفت الاحتمالات العشرة المشهورة فإن اللفظ يفيد اليقين. وليس الأمر على ما أطلقه الخليلي.
ومما يؤيد ما ذكرناه ما بينه العلامة الإسنوي وغيره في شرح المنهاج :"أقول الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم يحصل من احتمالات خمسة، وهي الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص لأنه إذا انتفى احتمال الاشتراك والنقل كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد وإذا انتفى احتمال المجاز والإضمار كان المراد باللفظ ما وضع له وإذا انتفى احتمال التخصيص كان المراد باللفظ جميع ما وضع له، فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم . هكذا قاله الإمام .
ولا شك أن هذه الاحتمالات إنما تخل باليقين لا بالظن، وقد نصَّ هو على أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بعد شروط عشرة وهي هذه الخمسة وانتفاء النسخ والتقديم والتأخير وتغيير الإعراب والتصريف والمعارض العقلي.انتهى كلامه.
وقد صرح الإمام التاج السبكي بأن الظن حاصل مع هذه الاحتمالات.اهـ ومعنى هذا أنه إذا انتفت هذه الاحتمالات فإن اليقين يثبت.
وهذا أمر واضح.
وقد نص الإمام الرازي أيضا على أن اللغات أكثرها تحصل بمرتبةة قريبة من التواتر فقال بعد ذكر الاحتمالات الواردة على اللغات :"والحق أن أكثر اللغات قريب من التواتر، وبهذا الطريق يسقط هذا الطعن."اهـ يقصد الطعن في إفادة اليقين من طريق الطعن على نقل اللغات.
وهذه العبارة ذكرها الإمام مباشرة قبل النص الذي نقله عنه الخليلي في التفسير، مع أنه كان ينبغي عليه ذكرها لتعلقها بموضوع البحث، ولكنني قد رأيت هذا التصرف في أكثر من موضع من الخليلي غفر الله له.
وأيضا قال الإمام الرازي في المحصول:"في نهاية بحثه في المخلات بالفهم:"واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى اسفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين، سواء كانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا بالتواتر."اهـ
وهو لا ينكر التواتر في اللغات فإنه نص على ذلك في أكثر الألفاظ المتداولة المشهورة، كما هو معلوم، وأما احتفاف القرائن بها فإنه يفيد اليقين بلا شك. وهذا في حال عدم تمكننا من العلم بانتفاء تلك الاحتمالات.
فلو فرضنا البحث عن الاحتمالات العشرة، وبحثناها واحدة واحدة، لأفاد اليقيد قطعا هذا هو مقتضى كلام الرازي.
وأيضا، فلو بحثنا الاحتمالات العشرة فوقع التردد في بعضها، ثم حصلنا على قرائن تفيد اليقين محتفة بالمنقول سواء كانت هذه القرائن مشاهدة أو منقولة إلينا بالتواتر، وكذا إذا كانت معقولة ، فإن مقتضى كلام الإمام الرازي إسفادة القطع بلا ريب. وهو ما صرح به الإمام السبكي وغيره.

والمسألة تحتمل كلاما أكثر تفصيلا، ولكن ما ذكرته هنا أرجو أن يكون كافيا.

ثانيا: إن اعتراض الخليلي على الإمام الرازي في استدلاله بالآية إنما اعتمد فيه على كون الإمام –على زعمه- ينفي إفادة الألفاظ لليقين ومع ذلك يجعل دلالتها على ضد تلك المعاني يقينية قطعية.
فالجواب:
أولا: قد تبين لنا أن الإمام الرازي لا يقول بهذا لاقول غلى إطلاقه كما أورده الخليلي.
ثانيا: إن الإمام كما نقلنا عنه كلامه في المحصول أن اللفظ إن اقترن معه قرائن فإنه يفيد اليقين. ثم نقول:
إن الإمام الرازي لم يستدل بمجرد اللفظ في هذه الآية، بل كان استدلاله مركبا بملاحظة الدلالة الظنية أي بمراعاة الخلاف الحاصل فيها، مع انحصار الخلاف في أحد احتمالين. فهو إذن استدل باللفظ بالاقتران على انحصار الخلاف على قولين، مع دلالة العقل على أحدهما، فيبقى الآخر. إذن استدلاله مركب كما لا يخفى على المحقق.
فتأمل في قول الإمام:" ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته."
ففي هذه العبارة يبين كيفية الدلالة على كون الرؤية جائزة.
ثم يبني على جوازها فيقول :" وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان ، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته ، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية"
فهذا القول مبني على ما أثبته سابقا من الجواز.
أي إن الواحد إذا اعتقد الجواز أولا، ثم نظر في الآية بالوجه الأخير الذي بينه الإمام، فإنه يقطع بحصول الرؤية للمؤمنين.
فهذا الاستدلال كما ترى مركب من عدة أدلة، بعضها الإجماع وبعضها العقل، وبعضها الدلالات اللغوية. فتأمل فيها رحمك الله. وهذا مطرد مع مذهب الإمام الرازي كما بيناه لك سابقا.
فالرازي لم يزعم للفظ وحده قطعية الدلالة، كما نسبه إليه الخليلي. ثم لم يزعم دلالة اللفظ بمجرده على سبيل القطع على ضد تلك المعاني. فهاتان مغالطتان وقع فيهما الخليلي في سطر واحد.
ويتبين لك من هذا أن الشيخ الخليلي قد تسرع عندما حاول أن يبين تناقض الإمام الرازي بهذه الصورة الفجَّة.

ثالثا: ومن ناحية أخرى، تعالى لنبين لك أن ما ألزم الخليل به الإمامَ الرازي فإنه لا يلزمه، وإنما ذلك من سوء فهم الخليلي لدلالات اللفظ.
فإنه قال:" وليس بعد هذا القول الذي قاله الفخر الرازي تعليق لأحد ، إلا السؤال عن عقيدته في وحدانية الله ونفي الولد والشريك عنه ، مادام يجعل من نفي الشيء دليلا على إثباته"اهـ
فهو قد ادعى عدة دعاوي ههنا
1- وضوح فساد ما قاله الرازي يدل على ذلك قوله(وليس بعد...) ووضوح ذلك لكل أحد، وهذا فيه استهانة بالرازي. وغيره من العلماء، وفيه مساواتهم بالعوام من الذين ينظرون في هذا الكلام، بل فيه علو منزلة هؤلاء الناظرين على هؤلاء العلماء. ولم يبين الخليلي كيفية وضوح هذا الفساد إلا بما يأتي فساده، وهو بعد أحوج إلى البيان من كلام الرازي.
2- إن الخليلي يلزم الإمام الرازي بأن كل ما نفاه الله تعالى عن نفسه فإنه يلزمه تجويزه على الله تعالى، ومن ذلك وجود الشريك ، لأنه (لا إله إلا الله)، ومنه جواز الولد لقوله تعالى(لم يلد ولم يولد)وغيرها من الآيات النافية للولد عن الله تعالى، والأمر الذي يعتمد عليه الخليلي في ذلك الاستنباط هو أن الرازي (يجعل من نفي الشيء دليلا على إثباته).
3- فهل فعلا قال الإمام الرازي بذلك، وهل فعلا يلزم الإمام الرازي تلك اللوازم الفاسدة والبينة الفساد؟ فإن لم يلزمه ولم يلزم غيره ممن يقول بطريقته من الاستدلال ما يلزمهم به الخليلي، ألا يعد إلزام الخليلي لهم بذلك إما استهانة بهم، وهو سوء أدب منه، أو عدم فهم منه لما قالوه وهو قادح به هو لا بهم، أو أنه فاهم له ولكنه يغالط وهو مشين له هو لا لهم.
4- وعلى كل الأحوال، فتعالوا ننظر في طريقة الرازي من الاستدلال، لنبين بعد الخليلي عن فهم معناه، أو مغالطته البينة.
5- فالرازي أولا يقول : إن قوله تعالى(لا تدركه الأبصار)فيه تمدح لله تعالى، والمدح إنما يتحقق إذا كان يمكن أن يرى ولكنهم لا يرونه، مع رؤيته لهم. (ونحن هنا نجري الكلام كله على التنزل بأن معنى الإدراك هو معنى الرؤية، وليس الأمر كذلك بل فيه زيادة تخصيص). فلو كان يستحيل أن يُرى مطلقا، لما كان نفي الرؤية مدحا له. ولكن الله تعالى يرى ذاته بلا شك، إذن أصل كونه مرئيا ثابت، ولكن إنما تعلق النفي برؤية المخلوقات له لا بكونه هو في ذاته مرئيا.
6- يعني يوجد فرق عظيم بين أن يقال: الله تعالى لا يُرى . وبين أن يقال: الناس لا يرونه. فالأول فيه نص على عدم كونه مرئيا، وأما الثاني فلا يفهم منه أكثر من نفي حصول الرؤية للناس. ومن هنا كان التمدح بنفي الرؤية عنهم. فالرؤية أمر حاصل فيهم لا في الله تعالى.
7- فقوله تعالى (لا تدركه الأبصار)يدل إذن على نفي حصول تحقق إدراك الأبصار له، ولا يدل على عدم كونه مُدرَكا في نفسه. وهذا أخص من قولنا الله لا يُدرَك. فهذا فيه نفي كونه تعالى مُدركا. فلو قلنا إن الإدراك هو الرؤية، فإنما تدل الآية على عدم الحصول في الدنيا لا عدم إمكانها أصلا.
8- وبهذا يتبين لك أن استدلال الخليلي بالآية غير تام أصلا.
9- وأيضا نقول: قياس الشيخ الخليلي لاستدلال الرازي بهذه الآية على نفي الولد ونفي الشريك، عنه تعالى على ثبوتهما له، استدلال ساذج حقا. فإن نفي الولد عن الله تعالى وقع في القرآن لا بمراعاة واسطة الخلق، بل تم نفيه عنه جل شأنه بالنظر لذاته تعالى، فلم يقل الله تعالى إنكم لا تستطيعون تحصيل ولد لل تعالى، لتكون الصيغة قريبة من صيغة آية الإدراك، بل قال جل شأنه(لم يلد ولم يولد) فنفى الولد عنه جل شأنه بلا واسطة، فإلزام الرازي بهذه الصيغة مع اختلافها عن صيغة قوله تعالى (لا تدركه الأبصار)غير صحيح، وينبئ عن قصر نظر.
10- وكذلك نقول في نفي الإله، فإن نفي الإله وقع في القرآن بلا واسطة المخلوقات، فقال الله تعالى(لا إله إلا هو) ولم يقل لا يمكنكم أيها البشر إيجاد إله آخر، لكي يقاس هذه الصيغة على صيغة الآية.
11- هذا مع قولنا باستحالة جعل البشر وإيجادهم لإله آخر، واستحالة إيجاد البشر لولد لله تعالى، ولكن ذلك غير راجع لعجز البشر عن ذلك، بل لكون هذا الأمر في نفسه مستحيلا، فلا يتوقف نفيه على عدم قدرة البشر عليه، ولا يتوقف نفيه على عدم قدرة غير البشر عليه أيضا.
12- فتبين لك بهذا التحقيق أن كل كلام الشيخ الخليلي عبارة عن مغالطات محضة، ومجرد تهويش لا حاصل تحته، هكذا هو أغلب ما في كتابه من المسائل التي ناقشها، وقد بينت لك ذلك بمثال واضح في مسألة الكبيرة وخلود فاعلها في النار، ويفية بطلان وتهاوي قول الخليلي في النص الذي نقلت هلك من شرحي على العقيدة الطحاوية.

رابعا: وبعد هذه الوجوه التي تفتح لمن تأمل فيها معاني عظيمة أخرى، نقول
أولا: النفي إنما تعلق بإدراك الأبصار، وهذا معنى غير الرؤية، ولا يساويه، ولذلك لما قال النبي عليه السلام (ترون ربكم ..) أو (لن تروا ربكم حتى تموتوا..) لم يَدَّعِ واحد أنه مناقض لما في الآية الكريمة.
ثانيا: نحن لا نسلم أن الإدراك مساوٍ للرؤية، حتى يلزم من نفيه نفي الرؤية عن الناس، بل التحقيق الذي نراه أن الإدراك معناه اللحوق وبلوغ الشيء المُدرَك، وهو الأصل في معناه اللغوي، وهو ما أراده علماؤنا عندما قالوا معناه الإحاطة، وإنما قصدوا الإحاطة بحقيقة ذات الله تعالى. فيصير حاصل معنى الآية الكريمة: لا تدركه اللهَ تعالى، أي لا تبلغ علمَ حقيقته، وهو المفهوم من لحوق الشيء، أي بلوغ حقيقته. وقوله تعالى(وهو يدرك الأبصار) أي يعلم حقيقة الأبصار وأصحاب الأبصار. فالإدراك ههنا هو بلوغ الحقيقة، أي العلم بالحقيقة، وهو ثابت لله تعالى فإنه جل شأنه عالم بحقيقة ذاته كما هو عالم بحقائق مخلوقاته، وأما العلم بحقيقة ذات الله تعالى وصفاته فإنه منفي عن العباد مطلقا.
فإن قيل: ألا يترتب على هذا نفي الرؤية (بمعنى إدراك الحقيقة) التي تقول بها في الآخرة.
فالجواب: ومن قال لك أن الرؤية التي يثبتها أهل السنة تستلزم إدراك حقيقة الله تعالى، وإن أطلق ذلك في كلام بعضهم فإنما هو تجوز ومقارنة مع المعرفة الحاصلة لنا بالله تعالى في الدنيا، بل غايتها إنما هو زيادة إدراك (أي بلوغ علم زائد بالله تعالى في النفس ) يخلقه الله تعالى بلا واسطة شعاع ومقابلة وغير ذلك في نفوس العباد إما في الأبصار أي العيون أو بلا واسطة. ولا يستلزم ذلك إدراك حقيقة الله تعالى، لا دنيا ولا آخرة.
ولا يخفى عليك أن الشيخ الخليلي قد بالغ في إلزاماته الساذجة لأهل السنة في أثناء كلامه أيضا على معنى الإدراك كما في غير ذلك الموضع.

فهذا ما تيسر لي أن أكتبه علىعجالة، ولولا محبة السائل ورغبتي في إعانته في هذا النظر، لما يظهر عليه من همة وإخلاص في سبيل الوصول إلى الحق، والأمر الثابت في الشريعة المطهرة بالجواب بحسب العلم للمستأهل، لما وجد عندي باعث لتفريغ جزء من وقتي الضيق جدا لذلك.
وأدعو الله تعالى أن يكون في ذلك فائدة.
وإن كان عندك اي ملاحظة أو استفهام عن موضع فأرجو أن لا تتردد، فإن استطعت الإجابة وتيسر لي الوقت فلا أتأخر بإذن الله تعالى.
والله الموفق.

جمال حسني الشرباتي
14-04-2004, 05:38
السلام عليكم
اني افخر بكم وبردكم وكلامكم قيم جدا ودمتم لاهل السنة حصنا منيعا
الشيخ سعيد المحترم
ان ردكم علي عبارة الخليلي(وليس بعد هذا القول الذي قاله الفخر الرازي تعليق لأحد ، إلا السؤال عن عقيدته في وحدانية الله ونفي الولد والشريك عنه ، مادام يجعل من نفي الشيء دليلا على إثباته ، وبموجب هذا القول فإن للنصارى والمشركين أن ينتزعوا من قوله تعالى : (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) 28 ، دليلا قاطعا بأن له سبحانه ولدا وشريكا وأن يضيفوا إلى ذلك إثبات الصاحبة له تعالى ، بل وإثبات كل ما نفاه عنه من السنة والنوم ، والغفلـة واللغوب ، والظلم والجور ، مادام النفي دليلا قاطعا على الإمكان وبالتالي على الإثبات . ) اعطاها قيمة بالرغم انني اعتبرتها تعريضا وتهكما من قبل الخليلي .

بلال النجار
14-04-2004, 10:36
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ جمال المحترم،

لم أدر أن الشيخ سعيد قد رد على كلام الخليلي الذي نقلته عنه لأني وجدت اسمك في آخر مشاركة فحسبت أنه لم يجب عن سؤالك، فكتبت رداً، ثم لما دخلت وجدت الشيخ قد وفّى وكفّى، ولكني أضع هذا الرد لعلّ فيه فائدة إن شاء الله تعالى.

فأقول: لاحظ أن كلام الخليلي صاحب الحق الدامغ ينبني على نقطتين:

الأولى: أن استدلال الفخر الرازي باطل لكون الإمام جعل من نفي الشيء دليلاً على إثباته.
الثانية: أن الإمام الرازي اعتبر هذه الآية وهي دليل لفظيّ حجّة قاطعة، مع أنه يصرّح بأن الدلائل اللفظيّة ليست حجّة قاطعة.

فأقول:
أما الجواب عن الأولى، فالإمام لم يستدل بدليل نفي الرؤية على إثبات الرؤية. فهذا أمر لا يفعله عاقل. وبيانه من وجوه:

فأ: لا يسلّم أن هذه الآية دليل على نفي الرؤية مطلقاً، بل أهل السنّة يجعلونها مقيدة بالدنيا دون الآخرة.
وب: إن الآية لا شكّ أنها في مقام مدح الله تعالى لنفسه، والجهة التي يشير إليها الإمام الرازي هي أن الله تعالى لما كانت الرؤية في حقه جائزة وحجب الناس عن رؤيته بقدرته تعالى، كان ذلك أبلغ في مدحه مما لو كان تعالى محال عليه أن يرى، فلا يكون لقدرته سبحانه تعلّق بالمحال، وعليه فلا يكون مدحه لنفسه لكون الأبصار لا تدركه بأبلغ من الأول، أي بملاحظة تعلّق القدرة بها. على أنّ أهل السنّة يصرّحون بأن التمدّح جائز سواء كان على أمر ممكن في نفسه كالرؤية أو على أمر محال في نفسه كالشريك والولد والزوجة. والإمام الرازي نفسه يشير إلى ذلك في مواضع من تفسيره وكتبه الأخرى بحسب ما أذكر. فيكون حاصل كلام الإمام دليل ظنيّ لا يريد به الجزم والقطع. والإمام قد نثر في تفسيره وكتبه الأخرى أدلّة كثيرة جدّاً على الرؤية فلا يكون هذا دليله العمدة، وإنما هو مجرّد دليل فيه ضعف، يضيفه إلى الأدلة الكثيرة على جواز الرؤية ووقوعها للمؤمنين يوم القيامة. وناسب أن يذكر هذا الوجه ههنا لكونه يتكلّم في تفسير الآية نفسها التي أخذ منها الدليل. هذا كلّ ما في الأمر. فوصف كلام الإمام الرازي بأنه مغالطة واتخاذ لدليل النفي دليلاً على الإثبات وإلزامه بوجوب إثبات الولد والزوجة وكلّ ما نزّه الله نفسه عنه في القرآن من نفس الباب لا شكّ أنّه تماد في الإلزام بما لا يلزمه كما سنبيّنه بتفصيل إن شاء الله، لكون جهة كلام الإمام الرازي واضحة، ولها وجه ما. وصاحب الحق الدامغ كما بيّن الشيخ سعيد في بعض كتبه وذكره أيضاً في هذا المنتدى عند الكلام على مسألة صاحب الكبيرة يبالغ في التهويل بلا مبرّر، ويحب أن يزيد في التشنيع على أهل السنّة، ويسبك كلامه على نحو خطابيّ يظهر فيه تهافتهم، بل إنه أحياناً يكذب عليهم وينقل شيئاً ويترك أشياء، ويغالط حتّى يتوصّل إلى مراده من إبطال مقالتهم. وعند تحليل كلامه يظهر ضعفه. وتمسّكه بما لا ينفعه. وقد ناقشت مسألة الرؤية مع أحد الإخوة الزيديّة في هذا المنتدى قبل شهور، وكان النقاش هادفاً مفيداً، وسألني الرجل وسألته، وذكر كلّ منا بعض أهمّ الأدلّة عند المثبت والنافي، حتّى توصّلنا معه إلى أن أثبت الرؤية ولم يجد مبرراً ولا داعياً لنفيها. فأرجو أن ترجع إلى تلك المناقشة لعلك تجد فيها بعض ما يفيد إن شاء الله تعالى.

وج: الآية الكريمة تقول: (لا تدركه الأبصار)، فغاية ما في الآية من النفي نفي إدراكه تعالى بالبصر، والأصل أن الحديث عن هذه الأبصار المعهودة بهذه الكيفيّة، كما يوافق عليه النافي، ونحن نثبت الرؤية بلا كيف، فمن أين يلزم من نفي إدراكه بالبصر بهذه الكيفيّة نفي إدراكه مطلقاً، والرؤية عندنا أعمّ من أن تكون بهذه الكيفيّة، فهي صادقة على كيفيّات أخرى وعلى الرؤية دون قيد الكيفيّة. فتقييد الإدراك المنفيّ بالأبصار لا بدّ له من فائدة، لا سيّما وأن مطلق الإدراك يجيزه الجمهور. من ذلك يلاحظ كلام الإمام في الحجب عن رؤيته، بأن الله تعالى خلق الأبصار على قانون حجبها فيه عن رؤيته. وجعل رؤيته كرامة للمؤمنين في الجنة، فكان ذلك أبلغ في مدحه. ثم إذا جعلنا مطلق الأبصار بلا قيد هذه الكيفية أو غيرها وبلا كيفية أصلاً لا تدركه، فالسبيل أن يقيد هذا النفي في الدنيا جمعاً بين الأدلة.

وحاصل الجواب عن النقطة الأولى هو أن الآية ليست دليلاً على نفي الرؤية بالمعنى الذي نثبته، بحيث يدّعي هذا الرجل أن الإمام الرازي جعل دليل النفي دليلاً للإثبات. فالآية دليل على نفي رؤية خاصة ليست هي الرؤية التي نثبتها، أو الرؤية في الدنيا ونحن لا نثبتها في الدنيا، ونفي الأخص أو المقيّد لا يستلزم نفي الأعمّ أو المطلق. فلا يكون الإمام الرازي قد اتخذ من دليل نفي أمر دليلاً على إثبات نفس الأمر المنفيّ. فسقط ادعاؤه الأوّل.


وأما الجواب عن الثانية، وهي: أن الإمام الرازي اعتبر هذه الآية وهي دليل لفظيّ حجّة قاطعة، مع أنه يصرّح بأن الدلائل اللفظيّة ليست حجّة قاطعة.

فدعونا أولاً نعرض كلام الإمام الرازي ونتأمّله هل فعلاً يقول بأن استدلاله بلا قيد مطلقاً دليل قطعيّ على ثبوت الرؤية أم ما هي حقيقة قوله؟


قال الإمام الرازي: (وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة، والدليل عليه أن القائل قائلان، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية) اهـ

ثم الجواب عن كلام الخليلي المتعالي من وجوه:

الأوّل: أن الإمام الرازي حين عرض استدلاله الأول لم يقل إن هذه الآية دليل على إثبات الرؤية بل قال دليل على جواز الرؤية، وفرق بين إثبات الجواز وإثبات الوقوع، فلا يكون الإمام كما ادّعى الخليلي قد اتخذ من دليل النفي دليلاً للإثبات، بل غايته أنه اتخذ هذه الآية حين نظر إليها من جهة من الجهات دليلاً على جواز رؤيته تعالى، ثمّ بنى على تسليم هذا الجواز دليلاً آخر كما سيأتي بيانه، وفرق كبير بين الأمرين بين الأمرين لو أنصف الخليلي، ولكنه لا يريد أن ينصف ولا يهمه ذلك، بل يتعمد المغالظة وعدم الإنصاف.

الثاني: أن الإمام الرازي بعد أن ذكر وجه استدلاله بهذه الآية قال: (وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة) اهـ. وفيه إشارة واضحة إلى جواز وقوع المعارضة من النافي، فلذا قال إذا ثبت هذا وجب كذا، أي وإذا لم يثبت أو لم يسلّم لم يجب القطع.

الثالث: أنه بعد أن قال وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، لم يكن قد أتمّ استدلاله بعد، لأنا قد ذكرنا من كلامه أن استدلاله الأوّل لم يثبت فيه غير الجواز، وههنا يدّعي القطع بقيد تسليم الاستدلال الأول على الأقل الذي به يسلّم جواز الرؤية، ثمّ بدليل آخر، وهو ما يذكره تالياً حيث قال: (والدليل عليه....إلخ) أي أن الدليل على هذا القطع الذي أدّعيه بوقوع الرؤية للمؤمنين بالآخرة على فرض ثبوت ما ذكرت من الدليل الأول هو كذا وكذا كما سنذكره، فلا يكون ما مضى من استدلاله هو الدليل القاطع على أن المؤمنين يرونه في الآخرة.

الرابع: اعلم أن النافي للرؤية من العلماء من المعتبرين مسلّم بأحاديثها مصحح لها، ولكنه يتأوّلها. وسبب نفيه للرؤية ومسيره إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها هو حكمه عليها بأنها مستحيلة في حق الله تعالى. وهذا الأمر التفت إليه الإمام الرازي فأراد أن يحصر الأقوال في الرؤية، لأن الحق لا يخرج عن مجموع أقوال الأمّة. فقال: (القائل قائلان، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا) اهـ

فإذاً النافي للرؤية نافٍ لجوازها، فإذا ثبت جوازها ثبتت الرؤية لأنه لم يقل أحد من المسلمين الرؤية جائزة ومع ذلك لا أحد من المؤمنين سوف يرى الله تعالى. فهذا القول الأخير يجب استثناؤه وإهماله لأنه لم يقل به أحد، والحقّ لا يخرج عن أقوال الأمّة لأن الشريعة مبيّنة. وهكذا توصّل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إلى القطع بوقوع الرؤية للمؤمنين بمجرّد إثبات جوازها على الله تعالى إذا سلّم ذلك الجواز كما نبّه إليه بقوله: (إذا ثبت هذا). أي أن هذه الآية الكريمة تكون دليلاً قاطعاً على وقوع الرؤية للمؤمنين في الآخرة بدليل الإجماع على قولين هما: (الجواز مع الوقوع وعدم الجواز) وبشرط ثبوت أنها دليل على جواز رؤية ذاته العليّ سبحانه.

ولذلك قال رحمه الله تعالى: (فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية) اهـ

وهو حقّاً من ألطف الاستدلالات التي اطلعت عليها في إثبات الرؤية، وهو حقّاً استدلال قويّ قاطع إذا سلّم أن الآية دليل قاطع على جواز الرؤية. وهذا يعقله المنصف، ويلاحظ قوّته العاقل.

ولكم أيها السادة أن تلاحظوا أين كلام الإمام الرازي من كلام الخليلي. فالإمام كما بيّنا استدلاله لم يتّخذ من الآية من حيث ما هي دليل لفظيّ دليلاً قاطعاً على ثبوت الرؤية للمؤمنين في الآخرة هكذا دفعة وضربة بلا قيود، وبلا شروط، وبلا إضافة أيّ دليل آخر. بل استند إلى أدلّة أخرى من أهمّها إجماع المسلمين على قولين: الجواز مع الوقوع وعدم الجواز. وكذا فإنه شرط القطع بهذا الدليل بالقطع بإفادة الآية مطلق الجواز. فيكون ما نسبه الخليلي للإمام الرازي في النقطة الثانية باطلاً أيضاً. وهكذا يتهافت كلامه وادعاؤه على الإمام.

والله تعالى الموفّق.