المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناقشة حول تعلق صفتي السمع والبصر



أحمد محمود علي
08-04-2004, 06:57
بناء على طلبكم. هذا الموضوع مفصول عن:
http://www.aslein.net/showthread.php?s=&postid=3641#post3641


لا أدري بما أعتذر عن التدخل في النقاش، ولكني أرى أن ما أود أن أستفسر عنه له علاقة وثيقة بالموضوع، فليعذرني الجميع.

*قال الأستاذ بلال "....إذ لا يسمع ولا يبصر إلا ما كان موجوداً وهذا متفق عليه عند الأشعريّة سواء المتقدمين والمتأخرين"اهـ
1- فهل المقصود بــ "ما كان موجودا" أي حال كونه موجودا؟ فيخرج الممكن قبل وجوده!
أم ما يمكن أن يكون موجودا؟ فيخرج المستحيل لذاته ولغيره!
إن كان الثاني فلا إشكال عندي.
وإن كان الأول:
- فيكون التعلق إذاً تنجيزياً حادثا، أليس كذلك؟
إن قيل:"بلى". قلت: التعلق التنجيزي الحادث متصور مثلا في القدرة؛ إذ أنها صفة تأثير. أم في السمع والبصر فيكاد ينبو عنه ذهني؛ إذ أنهما صفتا انكشاف لا تأثير.
ولما لا يقال أن التعلق فيهما تنجيزي قديم، [كالعلم] -على التحقيق- على ما قاله شيخ الإسلام إبراهيم البيجوري في شرح "وعلمه ولا يقال مكتسب.." بعد أن ذكر أقوالا متعددة في تعلقاته ؟
أما حجة الإسلام أبو حامد الغزالي فقد قال في كتاب الاقتصاد:
" فإن قيل: ........ وإن كانا قديمين(أي السمع و البصر) فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في الأزل والعالم معدوم والمعدوم لا يرى.

قلنا: هذا السؤال يصدر من معتزلي أو فلسفي؛ أما المعتزلي فدفعه هين، فإن سلم أنه يعلم الحادثات فنقول يعلم الله الآن أن العالم كان موجودا قبل هذا، فكيف علم في الأزل أنه يكون موجودا وهو بعد لم يكن موجودا ؟!
فإن جاز إثبات صفة تكون عند وجود العالم علما بأنه كائن، وقبله بأنه سيكون، وبعده بأنه كان، وهو لا يتغير، عبر عنه بالعلم وبالعالم والعلمية؛ جاز ذلك في السمع والسمعية والبصر والبصرية.....إلخ" اهــ
هنا نجد أن أبا حامد قاس السمع والبصر وتعلقاتهما على العلم وتعلقاته.

فما الجواب إذا قيل: "هذا قياس مع الفارق؛ إذ أن العلم يتعلق بالمستحيل بعكس السمع والبصر." ؟
وأذكر بأنني قرأت كلاما لأبي حامد-رضي الله تعالى عنه- يصرح فيه بأن السمع والبصر يتعلقان بالموجود قبل وجوده، أو نحو هذا. ولا أذكر بالتحديد الكتاب الذي ذكر فيه هذا، والله تعالى أعلم.
هذا ما أردت أن أستفسر عنه، وأكرر اعتذاري على تطفلي وتدخلي في وسط النقاش.
وفقكم الله تعالى.

سعيد فودة
09-04-2004, 22:16
لا عليك يا محب الدين، فأنت لم تفعل أمرا يستوجب الاعتذار، وسوف يجيبك بلال عنه. ولكني أعتقد أن في جهازه خللا وهذا استوجب تأخره في الجواب.
أرجو أن تكون أحوالك على خير ما يرام أنت وجميع الإخوة معك في مصر الحبيبة.

بلال النجار
10-04-2004, 16:01
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ محب الدين المحترم،

قولك: (فهل المقصود بــ "ما كان موجودا" أي حال كونه موجودا؟ فيخرج الممكن قبل وجوده!)
أقول: نعم هذا ما قصدته بالضبط.

قولك: (أم ما يمكن أن يكون موجودا؟ فيخرج المستحيل لذاته ولغيره!)
أقول: السمع والبصر على المشهور من المذهب متعلقان بالموجود فحسب. فيخرج الممكن الذي لم يوجد بعد مما علم الله تعالى أنه سيوجد، والممكن الذي علم الله تعالى أنه لن يوجد، والذي تسميه المستحيل لغيره، كما يخرج المستحيل لذاته، ويخرج كلّ ما لا يوصف بالوجود بما في ذلك الأحوال. والله تعالى أعلم.

قولك: (وإن كان الأول: فيكون التعلق إذاً تنجيزياً حادثا، أليس كذلك؟)
أقول: السمع والبصر متعلّقان بالقديم تعلّقاً تنجيزياً قديماً، وبالحادث تعلّقاً صلوحياً قديماً وتنجيزياً حادثاً. ولا إشكال في ذلك لو تأملته، لما أنه لا يزيد في علم الله تعالى شيء، كما سيأتي.

قولك: (إن قيل:"بلى". قلت: التعلق التنجيزي الحادث متصور مثلا في القدرة؛ إذ أنها صفة تأثير. أم في السمع والبصر فيكاد ينبو عنه ذهني؛ إذ أنهما صفتا انكشاف لا تأثير)
أقول: بلى. ويرد عليك أن العلم يتعلق بالشيء عند وجوده تعلّقاً جديداً لم يكن قد تعلّق به قبل وجوده، ومع ذلك لا يقال إنه تعالى انكشف له ما لم يكن منكشفاً بالعلم. والحل، أنه العلم متعلّق بالمعدوم على أنه معدوم، وأنه سيوجد، وعند وجوده بأنه موجود على الصفة التي كان معلوماً أنه سيوجد عليها. والسمع والبصر لا يمكن تصوّر تعلّقهما بالمعدوم كما يمكن تصوّر تعلّق العلم به، فيكون معلوماً له تعالى أنه سيوجد ويتعلّق به السمع والبصر تعلّق انكشاف خاصّ بالسمع والبصر، ولا يقال ههنا إن ما ينكشف بالسمع والبصر لم يكن منكشفاً بالعلم، لأن علمه تعالى محيط بجميع مصاديق أقسام الحكم العقليّ، ولكن يقال إنه حصل تعلّق جديد لصفتين قديميتن بالحادث عند وجوده لم تكن قد تعلّقتا به لما أن شرط تعلقهما به هو كونه موجوداً، وهذا التعلّق تعلّق انكشاف لم يزد في العلم شيئاً، إلا أنه لم يكن قائماً كتعلّق وانكشاف خاص.

قولك: (ولم لا يقال إن التعلق فيهما تنجيزي قديم، [كالعلم] -على التحقيق- على ما قاله شيخ الإسلام إبراهيم البيجوري في شرح "وعلمه ولا يقال مكتسب.." بعد أن ذكر أقوالا متعددة في تعلقاته؟)
أقول: لأنه لا يتصوّر تعلّق السمع والبصر بالمعدوم، ولو جاريتك مسلّماً ذلك فإني لن أجد معنى لتعلّق البصر والسمع بالمعدوم حال عدمه، لأنه يساوي قولك: الله تعالى يبصر المعدوم، فلو أردت أنه يبصر المعدوم معدوماً، ويسمع المعدوم معدوماً لم يكن لهذا الكلام معنى، لأنه يساوي أنه تعالى لم يسمعه ولم يبصره. تأمل. ولأن الاتفاق واقع على أن الله تعالى يبصر المبصرات ويسمع المسموعات، ويبعد على العقل بحسب الظاهر أن يوافق على أن المعدوم من مصاديق المبصر أو المسموع.

قولك: (أما حجة الإسلام أبو حامد الغزالي فقد قال في كتاب الاقتصاد: "فإن قيل: .... وإن كانا قديمين (أي السمع والبصر) فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في الأزل والعالم معدوم والمعدوم لا يرى، قلنا: هذا السؤال يصدر من معتزلي أو فلسفي؛ أما المعتزلي فدفعه هين، فإن سلم أنه يعلم الحادثات فنقول يعلم الله الآن أن العالم كان موجودا قبل هذا، فكيف علم في الأزل أنه يكون موجودا وهو بعد لم يكن موجودا ؟!
فإن جاز إثبات صفة تكون عند وجود العالم علما بأنه كائن، وقبله بأنه سيكون، وبعده بأنه كان، وهو لا يتغير، عبر عنه بالعلم وبالعالم والعلمية؛ جاز ذلك في السمع والسمعية والبصر والبصرية.....إلخ" اهــ
أقول:
أولاً: تمام عبارة الإمام الغزالي هي: (وإن صدر من فلسفيّ فهو منكر لكونه عالماً بالحادثات المعيّنة الداخلة في الماضي والحال والمستقبل، فسبيلنا أن ننقل الكلام إلى العلم، ونثبت عليه جواز علم قديم متعلّق بالحادثات كما سنذكره. ثمّ إذا أثبت ذلك في العلم قسنا عليه السمع والبصر) اهـ
ثانياً: قول الغزالي: (وإن كانا قديمين (أي السمع والبصر) فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في الأزل والعالم معدوم والمعدوم لا يرى)
أفهمه على أنه سؤال من معترض على صفتي السمع والبصر، لأن السائل يستشكل وجود صفة قديمة لها تعلّقات بالحوادث، فيترض أنه ما دامت الصفة قديمة فلا بدّ أن تكون تعلّقاتها تنجيزيّة قديمة فحسب. ولذا سأل السائل كيف يرى العالم في الأزل، والمعدوم لا يرى.. ونحو ذلك. فإنه يشترط للصفة القديمة أن يكون متعلّقها قديماً، ولما كان متعلّقها حادثاً أحال السائل وجود صفة قديمة متعلّقها معدوم. فهكذا أفهم كلامه والله تعالى أعلم، ويؤيده ما سيأتي من كلامه.

ثالثاً: (قولك: هنا نجد أن أبا حامد قاس السمع والبصر وتعلقاتهما على العلم وتعلقاته)
أقول: حجة الإسلام لم يقس السمع والبصر على العلم بما يلزم منه أن يكون السمع والبصر متعلّقان بالمعدوم، بل القياس من جهتين:
الأولى: صحة اتصاف الله تعالى بصفة قديمة حال عدم بعض متعلّقاتها
الثانية: صحة تعلّق صفة قديمة بالحادثات
فكأنه يقول للمنكر، أنت منكر لكونه عالماً بجميع المعلومات، فيثبت له كونه عالماً بجميع المعلومات أولاً، فإذا سلّم المنكر ذلك، قال له، فها قد أثبتّ صفة قديمة تتعلّق بالجائزات الحادثات، فلِمَ تنكر إمكان تعلّق صفتي سمع وبصر قديمتين بالحادثات.

قولك: (فما الجواب إذا قيل: "هذا قياس مع الفارق؛ إذ أن العلم يتعلق بالمستحيل بعكس السمع والبصر" ؟)
أقول: إذا نظر إلى عبارة الغزالي من الجهة التي بيّنتها فلا يكون في القياس إشكال، إذ إن كلا من العلم من جهة والسمع والبصر من جهة أخرى صفات قديمة تتعلّق بالحادث. فأنا أفهم كلام الغزالي رحمه الله تعالى على أنه ردّ على من يدّعي أن إثبات السمع والبصر يلزم عنه قدم المسموع والمبصر، أو قيام الحادث بالقديم، وكلاهما محالان، فيلزم انتفاء صفتي السمع والبصر. هذا حاصل السؤال، وتقرير الجواب أن السائل إما معتزلي ينفي وجود الصفات من جهة وقد يعيد السمع والبصر إلى العلم، فيُلزم بأن الله تعالى عالم منذ الأزل، وهو يعلم الحادثات عندكم علماً تفصيلياً محيطاً تاماً، فكيف جاز أن يعلم القديمُ بالحادث دون أن يطرأ على القديم تغيّر عند وجود الحادث؟ فكذا سمعه وبصره يجوز أن تتعلقا بالحادث تعلّق انكشاف ولا يطرأ على القديم تغيّر.
ويُلزم الفلسفيّ الذي ينفي الصفات، وينفي أنه تعالى عالم بالجزئيات، بأن يثبت له وجوب اتصافه بالعلم بجميع المعلومات، فإذا سلّم ذلك، وجب عليه أن يسلّم جواز اتصافه تعالى بالسمع والبصر لما أنهما لا فرق بينهما وبين العلم من جهة كونهما قديمتين وتتعلقان بالحوادث دون أن يلزم عن ذلك لا قدم الحادث، ولا تغيّر القديم كما قلنا.

رابعاً: أرجو أن تلاحظ يا أخ محب الدين قول الإمام الغزالي قبل ما نقلته عنه مباشرة، حيث قال: (فإن قيل: إنما أريد به العلم.
قلنا: إنما تصرف ألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام إذا كان يستحيل تقديرها على الموضوع، ولا استحالة في كونه سميعاً بصيراً، بل يجب أن يكون كذلك، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع من القرآن) اهـ

وكلامه هذا يستدعي منك تأملاً كبيراً فيما نسبته إليه، لأنه يلزم منه أن ينعدم الفرق بين السمع والبصر والعلم، وظاهر كلامه هذا أن السمع والبصر صفتان مغايرتان للعلم. وكذا لو رجعت إلى دليل إثبات الرؤية عند الأشعرية لوجدته يقوم على أن ما يصح أن يرى هو الموجود دون المعدوم، وهو ما يقرره الغزالي نفسه في الاقتصاد، فلذلك استغربت أن تنسب له القول بأن المعدوم مرئيّ، لما أنه لا يصحح رؤيته.

خامساً: اعلم أن المشهور من مذهب الأشاعرة أن كلاً من السمع والبصر صفة مغايرة للعلم، ولم أجد من العلماء من يشرح هذه المغايرة، كما نبّهت عليه في كلام سابق لي، وأرى أن الخوض في ذلك مما لا طاقة لنا به، وأن إثبات المغايرة مشي مع الظاهر الذي لا يمنع منه مانع عقليّ ظاهر.

وقد اختار بعض العلماء من أصحابنا أن السمع والبصر مرجعهما إلى صفة العلم، فسمّوا العلم بالمسموعات سمعاً والعلم بالمبصرات سمعاً، وهذا يحلّ قدراً كبيراً من الإشكال عندك، ولكن يبقى عليه أيضاً إشكالات أخرى لو تأملته جيداً، وربما تراسلني في ذلك فأزيدك في بيان ذلك. على أنه عليك أن تتنبه إلى أنك سواء اخترت المغايرة بين العلم والسمع والبصر، أو اخترت عود السمع والبصر إلى العلم بمعنى أن العلم له تعلّقات يسمى تعلّقه بالمسموعات سمعاً وبالمبصرات بصراً، فلا إشكال في تعلّق السمع والبصر في الموجود فقط دون المعدوم.
ولا يرد على القول الأوّل بأنه يحدث له تعالى انكشاف لم يكن حاصلاً له أزلاً، ولم أر أحداً من العلماء الذي قالوا بالمغايرة بين الصفتين والانكشافين يقول بذلك، بل يمكن أن نتصور مغايرة بين الانكشافين دون أن نثبت قدراً حادثاً من الانكشاف لله تعالى لم يكن منكشفاً له أزلاً بالعلم، وكون التعلّق تنجيزياً حادثاً لا يلزم منه حدوث انكشاف لم يكن حاصلاً له تعالى بحدوث الحادث والتعلّق، بل الانكشاف قديم بالعلم، والتعلّق تنجيزي قديم في العلم، وصلوحيّ قديم تنجيزي حادث في السمع والبصر بالنسبة للحادثات، تماماً مثل القدرة. والله تعالى أعلم.

وكذا لا يرد أنه على القول الثاني فالسمع والبصر يجب أن يكونا متعلقين بالمعدوم، لأنهما ههنا نوعا علم، ولكنهما لا يتعلّقان إلا بالمسموعات والمبصرات من الموجودات، فأما الموجود القديم فلا سؤال عنه ولا إشكال فيه، وأما الموجود الحادث فمع حدوثه يحدث تعلّق السمع والبصر به، ولا يكون الانكشاف الحاصل بالسمع والبصر -وإن غاير الانكشاف الحاصل بالعلم نوع مغايرة لا ندرك حقيقتها- محدِثاً في علم الله تعالى أمراً لم يكن معلوماً له تعالى أزلاً.
ولقد تأملت هذه المسائل طويلاً، فوجدت أن طريق السلامة هي أن نثبت أن الله تعالى سميع بصير عالم على ما أجمع عليه المسلمون كافة، ثم أن نقول إنه تعالى عالم بعلم سميع بسمع بصير ببصر على ما اتفق عليه أهل الحق، ثمّ نقول هذه الصفات قديمة قدم ذاته تعالى. ثمّ نقول إن علمه تعالى يتعلّق تعلّقاً تنجيزياً قديماً بكلّ معلوم وهو كلّ واجب ومستحيل وجائز، ثمّ نقول إن سمعه تعالى يتعلّق بكلّ مسموع وهو كلّ ما من شأنه أن يسمع، وبصره تعالى يتعلّق بكلّ مبصر وهو كلّ ما من شأنه أن يبصر. وأنه لا ينكشف لله تعالى فيما لا يزال شيء لم يكن منكشفاً له انكشافاً تاماً في الأزل. فهذا القدر المستيقن.

ثم أن نقول إن الظاهر أن الذي يصح أن يسمع ويبصر هو الموجود دون المعدوم، والظاهر من الشريعة التغاير بين هذه الصفات على نحوٍ ما يعلمه الله تعالى، وما تبقى من الأحكام إنما طريقها الاجتهاد الذي غايته الظنّ، وأحكامه قدر زائد عما يجب معرفته ولا يجوز الجهل به. ونسأل الله تعالى أن يكون من اجتهد فيه من علمائنا مصيباً مأجوراً بأجرين. والله تعالى أعلم. فهذا ما تيسّر لي الآن، وأرجو أن يعقب على كلامنا هذا الشيخ سعيد بما يراه مناسباً، وله من الله خير الجزاء.

أحمد محمود علي
12-04-2004, 08:00
إذا سمح السادة المشرفون أن يفصلوا ما دار بيني وبين الأستاذ بلال من نقاش حول تعلق صفتي السمع والبصر في موضوع مستقل في منتدى علم الكلام تحت عنوان [مناقشة حول تعلق صفتي السمع والبصر] أو أي عنوان ترونه مناسبا.
أشكركم جزيلا، وجزاكم الله خير الجزاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد محمود علي
12-04-2004, 12:17
أستاذي الفاضل بلال!
لقد أتحفتني حقا بما حققته من أمر الإشكال، فاسمح لي أستاذي أن أبدي لك بعض ما يدور في ذهني حول ما تفضلت مشكورا بكتابته.
وأتمنى ألا تضجر من مستوى تفكيري، فإني مازلت في بداية طريق العلم-بلّغني الله وإخوتي إياه- فليتسع لي صدرك أستاذي.

1- قلت -زادك الله رفعة- :
[ ويرد عليك أن العلم يتعلق بالشيء عند وجوده تعلّقاً جديداً لم يكن قد تعلّق به قبل وجوده، ومع ذلك لا يقال إنه تعالى انكشف له ما لم يكن منكشفاً بالعلم.]
لي هنا استفسار
التعلق الذي ذكرته ووصفته بالحدوث، هل هو مباين لما حققه الشيخ البيجوري من أن تعلق العلم تنجيزي قديم؟
أم هو مجرد إضافة محضة، كتغير إضافة شخص عن يمينك، حين ينتقل إلى شمالك، فالمتغير الشخص والإضافة. فكذلك تعلق العلم هو تنجيزي قديم على كل الأحوال، ولكن المتغير هو مجرد الإضافة الاعتبارية لا التعلق التنجيزي القديم.
إذا كان الأمر كذلك، فإني لم أفهم وجه الإيراد كما ينبغي، فأرجو توضيح ذلك وبيان الجامع بينه وبين مسألتنا.

2- قلت - وفقك الله لكل خير- :
[لا يتصوّر تعلّق السمع والبصر بالمعدوم، ولو جاريتك مسلّماً ذلك فإني لن أجد معنى لتعلّق البصر والسمع بالمعدوم حال عدمه، لأنه يساوي قولك: الله تعالى يبصر المعدوم، فلو أردت أنه يبصر المعدوم معدوماً، ويسمع المعدوم معدوماً لم يكن لهذا الكلام معنى، لأنه يساوي أنه تعالى لم يسمعه ولم يبصره. تأمل.]
أقول: لقد تأملته أستاذي، فوجدته كلاما تسلم له العقول قيادها.

3- قولكم -زاد فضلكم-:
[ويبعد على العقل بحسب الظاهر أن يوافق على أن المعدوم من مصاديق المبصر أو المسموع.]
هلا أتحفتني أستاذي بالعبرة من التقييد (بحسب الظاهر).

4-قولك -طاب علمك وعملك-:
[أرجو أن تلاحظ يا أخ محب الدين قول الإمام الغزالي.....وكلامه هذا يستدعي منك تأملاً كبيراً فيما نسبته إليه،]
أما ما نسبته إليه فإني الآن فقط بدأت أوقن أنه من صنيع الوهم، فربما قرأت العبارة فدارت في ذهني دورتها، فظننت أنه يلوح بهذا الرأي، ثم بعد ذلك أغفلت أن الأمر كان مجرد تلويحا فهمته على غير وجهه، فاعتقدته تصريحا، ثم جئتكم بهذا القول الغريب، والفهم العجيب.
ولو كنت في سعة من الوقت، لقلبت كل ما عندي من كتب حجة الإسلام بيد التدقيق، كما قلبتها الآن على وجه السرعة؛ ولظفرت بذاك النص الذي توهمت منه ما توهمت.
فأعتذر عن هذا الخطأ الفاحش، الذي نسبته للإمام في ساحة التناقش.

5-قلت- بوركت حيث كنت- :
[وقد اختار بعض العلماء من أصحابنا أن السمع والبصر مرجعهما إلى صفة العلم، فسمّوا العلم بالمسموعات سمعاً والعلم بالمبصرات سمعاً (بصرا) ، وهذا يحلّ قدراً كبيراً من الإشكال عندك، ولكن يبقى عليه أيضاً إشكالات أخرى لو تأملته جيداً، وربما تراسلني في ذلك فأزيدك في بيان ذلك.]
هل تقصد بالقدر الكبير كون التعلق إذاً تنجيزيا قديما؟
وهل تعني بالإشكالات الأخرى اطراد هذا في العلم بالمدركات الأخرى؟
ويا حبذا أن تزيدني في بيان ذلك وليّ في الله.

6- قولك سيدي- أوتيت الذكر السرمدي-:
[ولا يرد على القول الأوّل بأنه يحدث له تعالى انكشاف لم يكن حاصلاً له أزلاً، ولم أر أحداً من العلماء الذي قالوا بالمغايرة بين الصفتين والانكشافين يقول بذلك، بل يمكن أن نتصور مغايرة بين الانكشافين دون أن نثبت قدراً حادثاً من الانكشاف لله تعالى لم يكن منكشفاً له أزلاً بالعلم]
هل هذا الكلام الحسن يعارضه قول الحجة أبي حامد [ومن علم شيئا ثم رآه استفاد مزيد كشف وكمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق وليس بحاصل للخالق] وقوله في المقصد الأسنى [ السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات. ومن لم يدقق نظرا فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه فخذ منه حذرك ودقق فيه نظرك.]؟
وجه التعارض عندي هو كون هذا الكمال والمزيد من الكشف متوقف على وجود الشيء، فلا يكون حاصلا حتى بالعلم-على القول الأول- وما توقف على وجود الحادث حادث، فيكون هذا الانكشاف حادثا.
وهذه النتيجة تعارض قولك السابق.
فأرجو التوضيح أستاذي.

7- قلت- - :
[ولقد تأملت هذه المسائل طويلاً، فوجدت أن طريق السلامة هي أن نثبت....إلخ]
أقول هذا كلام ينحت على سبائك الذهب المطرزة بالياقوت الأحمر واللؤلؤ والزبرجد الأخضر، سلمت يداك أستاذي.
ويا حبذا لو تفضل علينا الشيخ العلامة -حفظه الله تعالى- بتعليقاته النفيسة -كعادتها- فما أحوجنا لذلك الفضل.

وأخيرا أدعو الله أن يفتح عليكم من خزائن رحمته، وأن ينزل على قلوبكم برد سكينته، وأن ينفعنا بنفيس علومكم وعالي هممكم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد طب القلوب، وآله وصحبه أجمعين.

بلال النجار
13-04-2004, 17:03
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل محب الدين،

أولاً: اعلم أنك تقدرني فوق قدري، فلا تكن ونفسي والشيطان عليّ فأغترّ، وحين أصير في مصاف العلماء ممن حقهم أن يخاطبوا بهذا الإطراء والتواضع، فسأحدّث الناس بالنعم. أما قبل ذلك فأرجو أن تدع عنك طريقتك هذه في الكلام معي، فلا هي ترفعني إن كنت وضيعاً، ولا هي تضعني إن كنت رفيعاً. ولكن متّعني بطول نظرك في المسائل، ودقّة تحريرك للدلائل، أكن لك من الشاكرين.

ثانياً: بشأن الإيراد
فأ: تعلق العلم تعلق تنجيزي قديم فحسب، تماماً كما ذكرت عن الباجوري.
وب: ما قصدته هو أن العلم كما تعلم متعلّق بالشيء قبل وجوده، ومتعلق به بعد وجوده، وكلا التعلقين تعلق انكشاف، فإذا جاز أن يكون للصفة تعلق انكشاف بالشيء حال عدمه وتعلق انكشاف به حال وجوده دون أن يحدث زيادة في الانكشاف للعالم، فيجوز ذلك للسامع والمبصر، أي بأن يحدث تعلق بحدوث المتعلَّق ولا يزيد في الانكشاف. وفي إيرادي نظر لا يخفى عليك، لأن تعلق العلم قديم لا حادث، وإنما الحادث هو المتعلّق دون الصفة والتعلق.
فالشيء قبل خلقه عدم محض، والله تعالى عالم به علماً قديماً تاماً تفصيلياً على حقيقته، وعالم أنه سيوجده في الوقت المعين الموهوم، وعالم أنه قبل ذلك الوقت الموهوم معدوم، وقبل خلقه كان علمه تعالى متعلقاً به أي بالموجود كمعلوم علماً قديماً تاماً تفصيلياً. فالعلم واحد لم يتغيّر، والانكشاف واحد لم يتغيّر بالزيادة والنقصان، فعلم الله تعالى متعلّق أزلاً بذلك المعدوم كمعلوم. ومتعلق أزلاً بالموجود كمعلوم. فهذا الموجود على ما هو عليه الآن في الحقيقة كان منكشفاً لله تعالى في الأزل، فالحادث هو المتعلَّق، والعلم والانكشاف قديم لم يتغيّر. ولكي يتضح الأمر أكثر عليك أن تلاحظ أن المعلوم من حيث هو معلوم لا يحكم عليه بوجود ولا بعدم. وعليك أن تزيل من ذهنك قيود الزمان عند التفكير في نسبة الأحكام إلى الله تعالى. فإذا نظرت إلى موجود الآن فعلم الله تعالى كان متعلقاً به منذ الأزل على ما هو عليه الآن من حيث هو معلوم بكلّ مشخصاته وتفاصيله وجزئياته دون أن يستلزم ذلك لا حدوث العلم ولا قدم متعلّقه. فلا يبقى ثمة فرق بين المعدوم والموجود من حيث ما هما معلومان. وكلامك في تغيّر الإضافة جيّد.

وج: الكلام على التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر
إذا قلنا إن السمع والبصر لا يتعلّقان إلا الموجود أي دون المعدوم، فعلينا أن نقول إن هذا التعلق بالحوادث تنجيزي حادث، ولا أقصد بالتنجيز تنجيز الانكشاف، أي أن الانكشاف لم يكن حاصلاً أزلاً ثمّ حدث، لا بل الانكشاف حاصل أزلاً بالعلم. ولكن الحدوث في نفس التعلق والمتعلّق دون الصفة ودون الانكشاف الحاصل بها. وهو مشكل.
لأن نفس التعلّق في العلم تنجيزي قديم ومعناه أن كلّ ما دخل تحت أقسام الحكم العقليّ والتي منها المسموعات والمبصرات فهو معلوم أزلاً، وهذا يستلزم قدم الانكشاف. وههنا نخرج عن الاصطلاح إذا قلنا: تعلق السمع والبصر تعلّق انكشاف ومع ذلك فهو تنجيزي حادث، وقصدنا أن التنجيز والحدوث ليس للانكشاف بل للتعلق والمتعلَّق دون الانكشاف، لأن التعلق تعلق انكشاف، ولا معنى لحدوث التعلق دون حدوث الانكشاف. وهو مشكل، من وجوه:

الأول: أن السمع والبصر صفتا كمال على ما هو المدّعى، والانكشاف الحاصل بهما يوجب لله تعالى كمالاً، فإذا قلنا إن سمعه وبصره ينكشف بهما انكشاف حادث هو كمال لله تعالى توقف كمال القديم على الحادث كما تنبّهت إليه أنت في سؤالك الآتي، وهو محال.

الثاني: أن الانكشاف إذا كان قديماً واقعاً بالعلم فلا معنى لحدوثه بالسمع والبصر، لأنه تحصيل للحاصل من جهة، وقيام للحادث بالقديم من أخرى، وانتفى كونهما صفتا كمال للخالق من ثالثة لأنه كماله كان حاصلاً بالعلم القديم، وكل ذلك محال.

الثالث: أنه لا يسلّم كون تعلّق السمع والبصر ليس تعلّق انكشاف حتّى ينفض الاشكال.

الرابع: أن المدّعى كون السمع والبصر لا يتعلّقان بغير الموجود، وأنهما غير العلم، وهذا يستدعي قطعاً عدم تعلّق السمع والبصر بالممكن حال عدمه، وتعلّقهما به حال وجوده، وقد قدّمنا أن التعلق تعلق انكشاف، فيكون معنى هذا الكلام أن المعدوم لم يكن منكشفاً لله تعالى بالسمع، والبصر، وقد صار كذلك. وحتى الآن لا إشكال في هذا الكلام، ولكن الإشكال في كون هذا الانكشاف الحاصل بالسمع والبصر إذا قلنا إنه مغاير لما كان منكشفاً بالعلم، بمعنى أنه ليس بعض ما انكشف لله تعالى بصفة العلم لزم المحال، وإذا قلنا إنه بعضه فلا معنى لقولهم الانكشاف الحاصل بالسمع والبصر غير الانكشاف الحاصل بالعلم. والله تعالى أعلم.

ثالثاً: قولي: (ويبعد على العقل بحسب الظاهر أن يوافق على أن المعدوم من مصاديق المبصر أو المسموع)
أقول: قصدت من قولي بحسب الظاهر، أي الظاهر من أن السمع والبصر غير العلم، والظاهر من أن المسموع والمبصر أخصّ من المعلوم.

رابعاً: قصدت بقولي: (وهذا يحلّ قدراً كبيراً من الإشكال عندك) أن القول بأن العلم صفة واحدة يدخل فيها بقية الإدراكات، بمعنى أنه ليس ثمّة إلا صفة العلم فإذا تعلّق بالمسموع سمّي نفس العلم سمعاً، وإذا تعلّق بالمبصر سمّي نفس العلم بصراً، يحلّ هذا إشكال أن يكون السمع والبصر صفتا كمال وانكشاف وفي نفس الوقت لا يتعلّقان إلا بالموجود أي لا يتعلّقان بالمعدوم.

والحلّ أنهما في هذه الحالة هما نفس العلم والانكشاف العلميّ قديم، ولكن المتعلَّق ههنا حادث، فيكون التعلق العلميّ ثاتباً بين العالم والمعلوم حال كونه معدوماً ويسمى علماً، وحال كونه موجوداً ويسمى علماً وسمعاً وبصراً. أي يكون تعلّق العلم تنجيزياً قديماً، والسمع والبصر ليسا غير العلم فلا يطلبان تعلّقاً آخر غير تعلّق العلم. فيكون تعلّق السمع بالموجود هو عين تعلّق العلم بالموجود من حيث كونه مسموعاً، وتعلّق البصر بالموجود هو عين تعلّق العلم بالموجود من حيث كونه مبصراً.
وعنيت بالإشكالات الأخرى مخالفة ظاهر الشريعة واللغة، والثابت في الشاهد من المغايرة بين مسمى العلم ومسمى السمع ومسمى البصر، وكذا المغايرة بين متعلّقاتها. وكذا مخالفة رأي جمهور الأشاعرة الذي هو ليس بالأمر الهيّن، فعلى الواحد أن يتوخّى الحذر الشديد عند مخالفة رأي الجمهور، لبعد وقوع الأغلب في الغلط. على أنّ هذا القول يتخرّج على قول الأشعريّ كما نبه إلى السعد في شرح المقاصد. والله تعالى أعلم.

خامساً: قول أبي حامد: (ومن علم شيئا ثم رآه استفاد مزيد كشف وكمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق وليس بحاصل للخالق)
أقول: ظاهر هذا الكلام مشكل، فهل لك أن تدلّني على موضعه من كتبه لأراجعه، فلعلنا نحمله على معنى حسن في سياقه. أما هذا القدر لو أخذ وحده، فهو في نظري غير صحيح، لأن استفادة المخلوق كشفاً زايداً على العلم يزيده كمالاً عند سمعه وبصره لما علمه لا يستلزم حصول ذلك للخالق، وذلك لجوازه بل وقوعه بالفعل للمخلوق، واستحالته في حق الخالق. ويلوح لي أنه بهذا الكلام يريد إثبات أن السمع والبصر صفتا كمال مطلق، فإذا أثبتناهما للمخلوق فكيف لا نجيز إثباتهما للخالق وهو أولى بكلّ كمال مطلق. فأرجو أن ترجع للموضع الذي نقلت منه قوله هذا رحمه الله، فلعله في مقام إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى لكونه يحصل بهما كمال للمتصف بهما. إذ لا يمكن أن يقول أبو حامد رضي الله عنه إن الله تعالى يستفيد كمالاً لم يكن متصفاً به أزلاً. لا سيّما وأن اهل السنة مجمعون على أن الخالق لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكنه قبلهم من صفته، كما قلاه الإمام الطحاويّ رضي الله عنه.

سادساً: قوله في المقصد الأسنى: (السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات، ومن لم يدقق نظراً فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه فخذ منه حذرك ودقق فيه نظرك)

قولك: (وجه التعارض عندي هو كون هذا الكمال والمزيد من الكشف متوقف على وجود الشيء، فلا يكون حاصلا حتى بالعلم-على القول الأول-)

أقول: هذا غير مستقيم. سلّمنا أن توقف كمال الله تعالى على وجود حادث مشكل بل محال، ولكن لا نسلّم أن ذلك على تقدير كونه لازماً على قول من قال السمع والبصر صفتا كمال يتعلقان بالموجود دون المعدوم وهما صفتا كشف مغايرتان للعلم، أنه يلزم أيضاً من أثبت أن صفة العلم صفة كشف وكمال. لأن العلم يتعلّق بالمعلوم، وتعلّقه مستمر به حال عدمه وحال وجوده، كما بيّناه، فلا يحصل كشف زائد ولا كمال زائد. بل نفس الكمال القديم الواجب لله تعالى هو المقتضي لانكشاف كل معلوم له تعالى سواء حال وجوده أو عدمه، انكشافاً تاماً قديماً لا يزيد ولا ينقص.

واعلم أنني لم أقل مطلقاً ولا يمكن أن أقول إن السمع والبصر يحصل بهما لله تعالى انكشاف لم يكن حاصلاً لله تعالى أزلاً، أو أن الإله تعالى يستفيد كمالاً من خلقه لم يكن حاصلاً له أزلاً. سواء قلتُ إن السمع والبصر هما عين العلم أو قلت إنهما مغايرتان للعلم، وسواء قلت إن الانكشاف الحاصل بهما مغاير للانكشاف الحاصل بالعلم، أو قلت إن الانكشاف الحاصل بهما هو بعض الانكشاف الحاصل بالعلم، وسواء قلت إن السمع والبصر يتعلقان بالمسموع والمبصر تعلقاً تنجيزياً قديماً على ما سميّته أنت تحقيق الباجوري، أو أنهما يتعلقان بالقديم كذلك، وبالحادث تعلقاًَ تنجيزياً حادثاً على ما ذكره المحقق الدسوقي رحمه الله تعالى في حاشيته على شرح السنوسية.

وإني والله يا محب الدين لأزداد لك حباً وتقديراً، وبعقلك إعجاباً. وأرى أن نظرة الشيخ فيك لم تخب، ولن تخيب إن شاء الله. وفقك الله تعالى لما يحب ويرضى، ويسرك لخدمة هذا الدين العظيم. آمين.
وصلّ اللهمّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم قدر عظم ذاتك في كلّ وقت وحين.

أحمد محمود علي
15-04-2004, 22:38
بســـم الله الرحمــــن الرحيــــــم

أستاذي الفاضل بلال النجــــار!!

أولاً : أعتذر عن تأخري في الرد، فلقد كنت ومازلت مهموما ببعض الأمور، التي أسأل الله تعالى أن ينحّها عني، وأن لا يبق في وقتي سعة لغير العلم والضروريات.

ثانيا : بالنسبة لما طلبته مني من عدم تقديرك فوق قدرك؛ فما أدر أين وقع مني هذا، أهو من وصفي إياك بالأستاذ ؛ فإنك لكذلك، ولما لا تعتبرني ممن استفادوا من دروسك في المنطق فكانوا لك تلاميذا، وكنت لهم أستاذا.
أم هو من تلك الدعوات البسيطة التي قدمتها بين يدي أقوالك؛ فلعمري إن مثل هذا ليقع بين الأقران والخِلان، ولا يدل إلا على أن العلم رحب ورَحِم بين أهله.
ولعل الذي دفعك إلى ذلك التصور الموهوم، اعتقادك تكلفي لتلك العبارات اللطيفة؛ فأقول التكلف طلب ما فيه كلفة وهي المشقة-كما تعلم-. ولا مشقة في الأمر كما هو ظاهر.
فبعد هذا لا يبقى وجه -في نظري- لجزعك أستاذي، وليت شعري ما أحوجنا لمثل هذا الأدب، في وقت لا ينزل فيه الناس منازلهم، وأصدق شاهد على هذا، صفحات هذا الموقع الشريف، فهل تنتظر مني بعد أن يخاطب الشيخ العلامة سعيد فودة-حفظه الله تعالى- بلهجات وكلمات لا تليق أن تقال لمثله؛ هل تنتظر أن أترك طريقتي وأسلوبي في مخاطبة أهل العلم (شيوخا وطلابا)، كلا و ألف كلا، وما يرجع ثمرة طريقتي هذه إلا لشجرة تعظيم العلم الشرعي لا الأشخاص، فلولا العلم ما كلّمت أحدا من البشر ولا انشرح صدري لرؤية الخلائق، فسبحانك اللهم على حكمتك.
فاعذرني على إطالتي في تلك النقطة، فلولا جزعك أستاذي ما أطلت.

ثالثا: نرجع لمسئلتنا -وفقنا الله تعالى فيها-.
فاعلم أستاذي أن المسئلة لم تنته بعد، وإني أحتاج مزيدا من التباحث فيها.
وأما كلام الإمام الغزالي المشكل ظاهره-كما قلت- فهو في الاقتصاد في الموضع الذي نقلنا منه عبارات سابقا في مسئلتنا، في المسلك العقلي. وما لاح لك منه صحيح ، وتعليقك عليه هو ما كنت أنتظره لأفهمه فهما صحيحا. فشكرا لك أستاذ بلال.

قلت-أحبك الله واجتباك- :
[واعلم أنني لم أقل مطلقاً ولا يمكن أن أقول إن السمع والبصر يحصل بهما لله تعالى انكشاف لم يكن حاصلاً لله تعالى أزلاً، أو أن الإله تعالى يستفيد كمالاً من خلقه لم يكن حاصلاً له أزلاً]
أقهم من هذا أن الانكشاف بصفتي السمع والبصر قديم أزلي كالعلم، ولا يتوقف هذا الانكشاف على وجود الممكن، بل هو حاصل حال عدمه.
وأن التعلق الحادث ما هو إلا مجرد إضافة محضة كتعلقات العلم بالشئ عند وجوده كما ذكرتها أنت، وكما فهمتها أنا ووافقتني.
إذا كان الأمر كذلك فلا مشاح في الاصطلاح، وإذا صحت المعاني، فلا اعتبار للخلاف في الألفاظ.
ولكن الذي يبدو لي أن الأمر ليس كذلك.
واسمح لي أن أنقل لك عبارة للإمام الرازي نتناقش فيها.

قال الإمام فخر الدين والملة في الأربعين (1/243) :
[.... والجواب عن الشبهة الأولى: أن السمع والبصر صفتان مستعدتان لإدراك المسموعات والمبصرات عند وجودها. فالتغير يقع في المسموع والمبصر لا في السمع والبصر.
ولقائل أن يقول: أليس أن كون السمع والبصر مدركين للمسموع والمبصر، موقوف على حضور المبصر والمسموع ؟ وهذا الإدراك الذي هو موقوف على حضور المسموع والمبصر ، مغاير لتلك الصفة التي هي غير موقوفة على حضور المسموع والمبصر ، فيلزمكم أن يكون كون الله تعالى مدركا للمسموعات والمبصرات، صفة متجددة.] اهـ.
تأمل هذا النص، وأخبرني بتعليقك أستاذ بلال، ثم يكون بعد تعليقك التناقش إن فضل في المسئلة ما يحتاج ذلك.

وأخيرا أتمنى أن لا يحرمنا الشيخ سعيد فودة -حفظه الله تعالى- من تعليقه على هذه المسئلة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تلميذكم ومحبكم/ محب الدين الأزهري.

أحمد محمود علي
17-04-2004, 22:00
يا نجوم الليل ماذا قلتمُ = هل أبوح أم أواري في الخبرْ
هل رأى يوما حبيبي علّتي = أم دموع العين قد راحت هدرْ
كم أنادي علّه أن ينتبه = أن قلبي مذ أحبّ ما استقرْ
لا أراك الله شوقا كالذي = جال في صدري فلازمت السهرْ
يا منير الوجه هلا نظرة = ثَمّ عقل أوشكن أن يستترْ
في هواكم إن عمري ذاهب = كي أصير عبرة للمعتبرْ
لو أجبت عن سؤاليَ الذي = حرتُ فيه يا شبيها للقمرْ
هان عندي ألف عمرٍ ذاهبٌ = ما أراعي وجد قلبي المستعِرْ
يا نجوم الليل قوموا وارحلوا = إن من أبغيه قد علم الخبرْ

تلميذكم ومحبكم / محب الدين الأزهري

الأزهري
18-04-2004, 00:06
ما شاء الله تحقيقات نفيسة.

بلال النجار
20-04-2004, 12:34
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الفاضل محب الدين،
أولاً: لا عليك لو تأخرت. سألت الله أن يفرج عنك ما أهمّك، وأن يبقي في وقتك سعة لغير العلم والضروريات لتنزود من الباقيات الصالحات. ثمّ لعلك سألت الله أن ينحيَ وأن لا يبقيَ. لأن أن ناصبة لا جازمة. وكذا قولك فيما يأتي فما أدر فحقه أن يكون بإثبات الياء لأن ما ليست عاملة. غفر الله لنا جميعاً.

ثانيا: أحمد الله تعالى أنك استفدت من دروس المنطق، وإني والله لأحب أن أتابع ولكن وقتي ضيق. وأرجو أن لا تتحفني بمناقشاتك هناك. والأخ بلال أكثر من كافية. وهي أبعث على الإلف، وأرفع للكلفة. ودعاؤك بظاهر الغيب أقرب للقبول، ويقال لك معه ولك مثله، والأقران لا يدعو بعضهم بعضاً بل يلتمسون، والخِلان لا يتخاطبون بالأستاذ، وحقاً إن أهل العلم بعضهم لبعض رحم، ونحن نتشبه بهم ونصاحبهم ونحبهم ولسنا منهم، بل تصدرنا للكلام في العلم لهو من علامات الساعة.
أما الكلفة فهي واقعة لا محالة، ونفيها الظاهر ليس بظاهر، وأحب أن تحرق ذهنك في تجريد الفكر أكثر من رسم الصور. ولست جزعاً بل حريصاً عليك أكثر مني ههنا عليّ. ولا نطيل.

ثالثا: على قولي: [واعلم أنني لم أقل مطلقاً ولا يمكن أن أقول إن السمع والبصر يحصل بهما لله تعالى انكشاف لم يكن حاصلاً لله تعالى أزلاً، أو أن الإله تعالى يستفيد كمالاً من خلقه لم يكن حاصلاً له أزلاً]

قولك: (أفهم من هذا أن الانكشاف بصفتي السمع والبصر قديم أزلي كالعلم، ولا يتوقف هذا الانكشاف على وجود الممكن، بل هو حاصل حال عدمه، أن التعلق الحادث ما هو إلا مجرد إضافة محضة كتعلقات العلم بالشيء عند وجوده كما ذكرتها أنت، وكما فهمتها أنا ووافقتني)

أقول: كل انكشاف فهو قديم حاصل لله تعالى بالعلم، والسمع والبصر إما راجعان إلى العلم فلا يطلبان تعلقاً آخر غير تعلّق العلم بالمسموع والمبصر وهو التعلق التجيزي القديم بكل معلوم. ويكون معنى السمع هو العلم بالمسموعات، والبصر العلم بالمبصرات.
وإما أن لا يكونا راجعين إلى العلم. فيكون السمع صفة مغايرة للعلم. والبصر صفة مغايرة للعلم ومغايرة للسمع. والذي نجزم به في هذه الحال أن كلّ ما ينكشف بالسمع والبصر فهو من متعلّقات العلم قطعاً، لأن متعلّقات السمع والبصر هي الموجودات، والموجودات هي بعض المعلومات. ونحن نعلم أن تعلّق العلم بكلّ معلوم هو تعلق تنجيزي قديم، فيلزم مما ذكرنا أنه لا ينكشف لله تعالى بالسمع والبصر فيما لا يزال شيء لم يكن منكشفاً لله تعالى بالعلم.
وعلى القول بأن الصفتين غير راجعتين للعلم أسئلة:

أولاً: ما معنى هذه المغايرة بين العلم والبصر، والعلم والسمع؟ والجواب: لا أدري.

ثانياً: لم قيل بالتغاير بين العلم والسمع والبصر، وبالتغاير بين الانكشاف الحاصل بالعلم والانكشاف الحاصل بالسمع والبصر، وبالتغاير بين متعلقات العلم والسمع والبصر؟ الجواب: أما الأول والثاني فمشياً مع الظاهر في الشاهد. فإن كان هنالك دليل يصرف عن هذا الظاهر كلزوم المحال، صرفناه عن ظاهره أو توقّفنا. والحق عندي التوقّف لنقص المقدمات، ومع أن الدليل الصارف عن الظاهر قويّ، إلا أنه لا يثبت به تفصيل واحد قطعيّ. والله أعلم. وأما الثالث فظاهر.

ثالثاً: هذا الانكشاف المدّعى بالسمع والبصر والمغاير للانكشاف الحاصل بالعلم، أهو حادث أم قديم، إن كان الثاني عادا إلى العلم أو عاد الحكم بأن تعلّقهما تنجيزي قديم كالعلم وهو خلاف قولهم يتعلّق بالحوادث تعلّقاً تنجيزياً حادثاً. وإن كان الأول لزم قيام الحادث بالقديم وهو محال.
ولقائل أن يقول إن كان ما دفعكم للقول بأن تعلّق السمع والبصر بالحوادث تنجيزي حادث هو أنهما لا يتعلّقان إلا بالموجود الذي منه الحادث، فالعلم أيضاً يتعلّق بالموجود الحادث وغيره ولا يلزم من تعلّقه بالموجود الحادث حدوث تعلّقه ولا حدوث الانكشاف الحاصل به.
وقد يجاب بأنا لا نعني بحدوث التعلق غير الإضافة الاعتبارية التي لم تكن قائمة بين السمع وبالبصر وبين الحادث قبل حدوثه ثمّ صارت قائمة. فينحلّ الإشكال على ما ذكرت أيها الفاضل بقولك: (إذا كان الأمر كذلك فلا مشاحة في الاصطلاح، وإذا صحت المعاني، فلا اعتبار للخلاف في الألفاظ).

رابعاً: إننا لا نفهم من قولكم بحدوث التعلق إلا حدوث نفس الانكشاف، لأن التعلق تعلق انكشاف، فيلزمكم حدوث انكشاف. فإما أن يكون حاصلاً أزلاً فلا يحصل الحاصل، وإما أن لا يكون حاصلاً فيلزمكم نوع بداء. ولهم أن يجيبوا بأن ذلك لا يلزمهم، لأنهم مع قولهم بحدوث التعلق مشياً مع الظاهر لا يقولون بأنه ينكشف للباري تعالى شيء لم يكن منكشفاً له في الأزل. ولعل الاختلاف لفظيّ أكثر منه معنويّ، وما يظهره خلافاً حقيقياً على هذا النحو هو دقّة البحث. ويبقى كلامهم بأن تعلّق السمع والبصر هو تعلقّ انكشاف وحادث، مشكلاً فعلاً.

خامساً: أنكم تقولون بأن السمع والبصر صفات كمال للخالق، فهل الانكشاف الحاصل له بهما كمال أو لا؟ إن قالوا نعم، لزمهم أن يقولوا بقدم تعلقاتهما ونفي حدوث الانكشاف ونفي حدوث التعلقات، تماماً كما في العلم.
وإن قالوا لا، فلا يجوز إثبات صفات ليست كمالاً للخالق بالاتفاق، والصفة إما كمال أو نقص، ولا يجوز أن تكون لا كمالاً ولا نقصاً. فيلزمهم نفيهما.
وليس لهم أن يقولوا إن الاستعداد لسمع وإبصار الحادثات في الأزل -حيث لا شيء من ذلك- هو القديم، والانكشاف أيضاً قديم ولكن التعلق بها حادث. لأن الكلام ليس في هذا الاستعداد المأخوذ من نفس اتصافه تعالى بصفة قديمة هي السمع وصفة قديمة هي البصر، ولكن الكلام والخلاف واقع في الانكشاف الذي يدّعون ههنا قدمه وفي نفس الوقت حدوث تعلقه. فيعود السؤال أنا لا نفهم من كون تعلّق الانكشاف حادثاً إلا حدوث نفس الانكشاف، فإن التزمتوه عاد السؤال عن حدوث الكمال. وإن قالوا الانكشاف قديم بالعلم، قلنا فالنكشاف الذي بالسمع والبصر هل هو قديم أم حادث؟ ويعود السؤال عن الانكشاف.
لأنهم يقولون إن السمع والبصر متعلقان بالحادثات، فإما أن يتوقفوا في تفصيل صفة هذا التعلق، أو أن يلتزموا قدمه ليخرجوا من الإشكال. فقراءة كلام الفريقين بما يلزم عنه يظهر ما قلت أيها الفاضل: [ولكن الذي يبدو لي أن الأمر ليس كذلك].

والحق عندي أنّ من أراد التزام الظاهر في الشاهد من أنّ السمع والبصر لا يتعلّقان إلا بالموجود، ويلتزم الظاهر في أنّ العلم مغاير للسمع والبصر، ويلتزم الظاهر في أنّ الانكشاف الحاصل بالعلم مغاير للانكشاف الحاصل بالسمع وهما مغايران للانكشاف الحاصل بالسمع، فعليه أن بعد أن يعلّق السمع والبصر بالموجود أن لا يدخل في تفصيل التعلّق. وأن لا يدخل في تفصيل المغايرة. ويفوّض ذلك إلى علم الله تعالى. فإن لم يقنع بالتفويض، فعليه أن يشرح المغايرة، وعليه أن يصوّر لنا معنى قدم الانكشاف مع حدوث التعلّق بمتعلّقه، أوأن يجيب عن سؤالنا عن أن هذا الانكشاف إن اختار حدوثه هل هو كمال أو لا.

قولك: (واسمح لي أن أنقل لك عبارة للإمام الرازي نتناقش فيها: قال الإمام فخر الدين والملة في الأربعين: [والجواب عن الشبهة الأولى: أن السمع والبصر صفتان مستعدتان لإدراك المسموعات والمبصرات عند وجودها. فالتغير يقع في المسموع والمبصر لا في السمع والبصر.

ولقائل أن يقول: أليس أن كون السمع والبصر مدركين للمسموع والمبصر، موقوف على حضور المبصر والمسموع؟ وهذا الإدراك الذي هو موقوف على حضور المسموع والمبصر، مغاير لتلك الصفة التي هي غير موقوفة على حضور المسموع والمبصر، فيلزمكم أن يكون كون الله تعالى مدركا للمسموعات والمبصرات، صفة متجددة] اهـ

أقول: عبارة الإمام في الأربعين التي أوردتها ههنا، هو سؤال يرد على من يقول إن السمع والبصر يتعلقان بالحوادث تعلقاً تنجيزياً حادثاً، كما لا يخفى عليك. وفيه إشارة لطيفة إذ لم يجب عنه، وهي ضرورة تنقيح هذا المقام في كلام من يختار هذا القول، لأنه سؤال صحيح يرد عليه. وما سبق حتّى الآن من مشاركاتي كافية في لتعتبر تعليقاً على كلام الإمام الرازي. وهذا السؤال الذي سأله الإمام الرازي هو مدار أسئلتك كلّها منذ أن بدأنا نتكلّم، كما ترى. والانفكاك التامّ عنه يكون بإعادة السمع والبصر إلى العلم، أو بإثبات التغاير بينها ولكن جعل التعلق تنجيزياً قديماً كما في العلم للانفكاك عن سؤال الكمال، وحدوث الانكشاف. فهذا ما ظهر لي حتّى الآن، وأنا أتوقّف عن كتابة شيء أقول فيه أمراً جديداً غير ما كتبته حتى الآن مما فكّرت فيه، حتّى يفتح الله تعالى عليّ بعلم أستيقنه وأطمئن إليه.
والحمد لله ربّ العالمين.

أحمد محمود علي
20-04-2004, 19:30
بسـم الله الرحـمــن الرحــيــــم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الخلق أجمعين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المتقين، صلاة وسلاما يارب العالمين، متلازمين إلى يوم الدين.
وبعد..

فأولاً : أشكرك على صبرك معي حتى وصلنا إلى هذا الموقف الجليل.
وثانيا : أشكرك على تنبيهك لي على ما وقع من لحن جلي في كلامي، وليتك تكون هكذا دائما معي، حتى تذهب تلك العجمة القبيحة من لساني.
ولكني أعجب من طلبك مني عدم التباحث معك في علم المنطق ، هل هذا الطلب مقيد بعدم تفرغك، أم هو مطلق لعدم محبتك لذلك ؟!
لا أرجو البيان في هذه الصفحة، فإن أردت فليكن برسالة خاصة.

وثالثا : أعلم أنك لا تريد أن تكتب -الآن- في هذا الموضوع، ولا ينشرح له صدرك، ولقد أديت والله الواجب وزيادة .فاعلم أني لا أنتظر منك ردا إلا إذا تبيّن لك شيء في المسئلة.

ورابعا: أحب أن أختم كتابتي في هذا الموضوع بنقل رأي الملا علي القاري الحنفي من شرحه على الفقه الأكبر، وذلك لما رأيت فيه من عبارات عذبة، جديرة بأن نختم بها هذا المبحث.

يقول -رضي الله تعالى عنه- في ص32 :

[والله سبحانه يرى الأشكال والألوان والهيئات المختلفة بإبصاره الذي هو صفته على نعت اقتداره ، ويسمع الأصوات والكلمات المفردات والمركبات بسمعه الذي هو نعته لا بآلة من الآلات ولا بمشاركة غيره من الكائنات ، وإن رؤيته للمرئيات وسمعه للمسموعات قديمة بالذات ، وإن كان المرئي والمسموع من الحادثات على ما سبق بيانه من سائر الصفات ، من أن تأخر المتعلق الحادث لا ينافي تقدم المتعلق القديم،
ألا ترى أنك ترى في حالة نومك بقوى بطون دماغك في حالة رؤياك أشكالا وألوانا وتسمع أصواتا وأفنانا ولا شكل، ولا لون بحاصل ولا حاضر ، وبعد زمان غابر ترى تلك الألوان والأشكال ، وتسمع تلك الأصوات والأقوال في حال يقظتك على منوال ما رأيتها وسمعتها في تلك الحالة بلا زيادة ولا نقصان في المآل ،
ومع هذا تتعجب من الله الملك المتعال الموصوف بنعوت الكمال أنه كيف يرى الألوان والأشكال قبل وجودها ، وكيف يسمع الأصوات والكلمات قبل وقوعها، وهو الذي يريك الأشكال والألوان في حالة نومك بدون حضورها ، ويسمعك الأصوات والكلمات قبل صدورها.] اهـ

- أعلم أنه قد لا يخلو هذا الكلام من نقاش، ولكن أحببت أن أختم به لجماله وروعته.
-وأخيرا لا أدري هل صدقت في قولي " إن من أبغيه قد علم الخبر" أم كان مجرد تخمينا غير صائب.

فالحمد لله أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة وتفضلا، وعلى آله وصحبه ما دار الفلك وسبح الملك، دوما سرمدا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بلال النجار
21-04-2004, 09:18
الحمد لله رب العالمين،

أطلب العذر منك يا أخي محب الدين، فليس ذلك ما أردت، وقد وقعت كلمة لا سهواً في كلامي. وربما كنت أريد أن أقول: أن لا تحرمني من مناقشاتك، فكتبت لا ثمّ انتقل ذهني إلى قول أن تتحفني، فوقع النفي على غير فعله. وكيف يكون مني ذلك، وأنا أشتكي نقص المباحثين في المنطق، وإني والله لأحب أن تتباحث معي في مسائله كما يحلو لك. فهذا جواب سريع أصحح فيه هذا الخطأ الفادح، ثمّ أعود إليك قريباً إن شاء الله.
والسلام عليكم

سعيد فودة
22-04-2004, 23:06
إلى الأخ الفاضل محب الدين،

لقد كنت كتبت منذ أكثر من ست سنين رسالة خاصة في هذا الموضوع، أعني السمع والبصر وتعلقاتها، وهل هي صفات غير العلم أم هي بعض تعلقات العلم. وتبلغ هذه الرسالة أكثر من سبعين صفحة ناقشت فيها أكثر الأدلة التي احتج بها الطرفان.
وقد كنت أحب أن انشر هذه الرسالة ههنا، ولكني تراجعت قليلا وفضلت أن أتأنى.
ولكني أحب أن تنظر ما قاله الإمام الهمام ابن الهمام في المسايرة، وتنظر إن استطعت ما قاله العلامة شارح التجريد أعني المحقق القوشجي.
ويمكنك أن تتعقب ما نقله المتقدمون والمتأخرون من الأشاعرة عن رأي الإمام أبي الحسن الأشعري حول السمع والبصر كما في كتاب مجرد المقالات لابن فورك ، وما تراه حول ذلك وفي كتب أصول الفقه حول رأيه هل يرجع السمع والبصر إلى العلم أم إنهما مستقلان. وترى شيئا من ذلك في التعليقات حتى في الكتب المختصرة كحوواشي الخريدة البهية وغيرها.
فإن عرفت ذلك فأخبرني بخلاصة ما تراه.

والله الموفق.

أحمد محمود علي
27-04-2004, 00:07
إلى الشيخ سعيد فودة - حفظه الله - :
أشكركم على ما اهتمامكم ، وعلى ما أشرتم بالرجوع إليه من المؤلفات المذكورة، ووالله كم أشتاق لتلك الرسالة التي كتبتموها يا شيخنا الحبيب.
أما ما حثني على الكتابة الآن؛ فهو طلب الإمهال في تلك الفترة القادمة، فلعلكم تعلمون أنها فترة الاختبارات في الأزهر الشريف، فنسألكم الدعاء.
وحتى أتمكن من البحث عن تلك الكتب المشار إليها، وتمحيص المسألة منها، فأرجو منكم طول البال.
ولقد رجعت إلى شرح الخريدة وحاشية العلامة الصاوي عليها، فما وجدت فيه جديدا، ولقد قرأت في حاشية ابن عرفة على شرح السنوسية لصاحبها، فما رأيت فيها حلا لتلك الإشكالات.

ولقد نظرت في حاشية البناني على شرح المحلي للجمع، فوجدت كلاما بديعا على اختصاره ، ولكن لا يحل إشكال التعلق التنجيزي الحادث الذي قال به الجمهور.
ولقد حاولت تتبع آراء الإمام الشهيد العلامة ابن فورك-رضي الله عنه- في كتب أصول الفقه التي بين يدي، فما ظفرت بها.

وأخيرا أتمنى لو تفضل علينا أحد الأخوة ونقل من مسايرة ابن الهمام، أو من شرح التجريد، ما يختص بهذه المسألة. فلولا ضيق وقتي لنزلت المكتبات، ولقرأت تلك النصوص.

وصلى الله وسلم على النبي المصطفى والحبيب المجتبى سيد الأولين والآخرين وأشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

تلميذكم ومحبكم / محب الدين الأزهري

أحمد محمود علي
27-04-2004, 00:31
معذرة لقد تسرعت من قبل في قراءة ما كتبه الشيخ، فأخطأت في فهم شيء جلي، ألا وهو أن الشيخ أشار بتتبع ما في كتب الأصول من رأي إمام أهل السنة أبي الحسن -رضي الله تعالى عنه- فخانتني عيني وظننت الشيخ يشير لرأي ابن فورك رحمه الله.
أكرر الاعتذار وأعد بأني سوف أحاول تتبع المسألة في كتب الأصول مرة أخرى في وقت لاحق إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سعيد فودة
27-04-2004, 00:58
أهلا بك يا محب الدين، وأخبرني إن طرأ جديد لديك.

أحمد محمود علي
27-06-2008, 10:56
لقد عادت مرة أخرى هذه المسألة تثير الحيرة والتساؤلات في عقلي
فهل من جديد فيها ،، أريد قولا حاسما يجعلني أغلق به تلك المسألة
فالله تعالى المستعان.

أحمد محمود علي
27-06-2008, 21:49
أعرض الآن المسألة من وجهة نظري -على قصره- إلى أن تنظروا فيها بارك الله فيكم.

هناك في المسألة رأيان لابد لهما من ثالث:
الرأي الأول: اعتبار أن صفتي السمع والبصر راجعتان إلى صفة العلم ولا تغايرانه، وبالتالي التعلقات تكون تنجيزية قديمة، ولا يكون هناك حقيقة لصفتي السمع والبصر أكثر من كونهما علما بالمسموعات والمبصرات.

الرأي الثاني: أنهما صفتان مغايرتان لصفة العلم ، تتعلقان بالقديم تعلقا تنجزيا قديما ، وتتعلقان بالحادث تعلقا تنجيزيا حادثا ، والانكشاف الحاصل بهما وإن كان مغايرا للانكشاف الحاصل بالعلم، إلا أنه لا يزيد في العلم شيئا كما قال الأستاذ بلال فيما سبق.

جميل إلى هذا الحد..
" وتتعلقان بالحادث تعلقا تنجيزيا حادثا " ... التعلق هنا حادث، والتعلق هنا هو الانكشاف ، يعني الانكشاف حادث..
الانكشاف بهما وإن كان حادثا ومغايرا للانكشاف بصفة العلم ، إلا أنه لا يستحدث شيئا في الانكشاف بالعلم ..
ويمكن أن أقول لا يستحدث شيئا في صفة الإرادة أيضا ، ولا صفة الكلام , ولا صفة الحياة إلخ إلخ.
فالربط بين الانكشافات الحاصلة بصفتي السمع والبصر وصفة العلم لا يوصلنا إلى حل المشكلة أبدا ، فمحور المشكلة أن هناك تعلقا تنجزيا حادثا على الرأي الثاني ، وهو ما يساوي انكشافا تنجيزيا حادثا بصفتي السمع والبصر ، لأنهما لا يتعلقان بالممكن حال عدمه... وإن كان هناك انكشاف بالعلم قديم يحيط بما ينكشف بالسمع والبصر ، إلا أن هذا نوع وهذين نوعان آخران من الانكشاف ، فلا مساواة من كل الوجوه وإلا لكان الانكشاف بالسمع والبصر هو هو الانكشاف بالعلم وهذا خلاف الفرض، فإن كان هناك فعلا اشتراك ورابط بين تلك الانكشافات ، غير أن هناك أيضا تمايزات وافتراقات ، أهمها الحدوث ، وهو ما يستوجب المحال !!

هل ينفع هنا التفويض ؟ فنقول نثبت السمع والبصر صفتين ونفوض حقيقتهما؟
لا ينفع من وجهة نظري لأننا نقول هذا في كل الصفات ، ولكن كل الصفات التي أثبتناها لم تستلزم محالا كحدوث الانكشاف السمعي والبصري وإن كان الانكشاف العلمي القديم يحيط بالانكشاف الحادث بصورة أخرى ، لكن هناك انكشاف حادث محال بصورة مخالفة للانكشاف بالعلم.

وهذا على ما أرى هو طريق الحشوية ، يثبتون الصفات على وجوه تقتضي الحدوث والمحالات ، ثم يقولون لا يلزمنا شيء من المحال لأننا نثبت المعنى ونفوض في الكيف ، رغم أن المعنى الذي يثبتونه أصلا محال فلا ينفعهم التفويض هذا..
فلو أثبتنا إذن صفتي السمع والبصر على وجه يستلزم انكشافا حادثا ثم فوضنا في الحقيقة ، لا ينفعنا التفويض هذا أبدا كما لم ينفعهم.

الرأي الثالث: أن صفتي السمع والبصر مغايرتان لصفة العلم ، وأيضا الانكشاف الحاصل بهما مغاير للانكشاف الحاصل بالعلم ، وهو انكشاف قديم كانكشاف العلم ، وذلك الانكشاف يتعلق تعلقا تنجيزيا قديما بالواجب ، سواء كان واجبا بذاته ، أو واجبا بغيره كالممكن الذي تعلق علم الله بوجوده.

هذا هو الرأي الثالث الذي لابد منه والذي لا يستلزم محالا ، ولا يقال كيف يرى الممكن حال عدمه ، لأنه يقال سمع الله تعالى وبصره كعلمه تعالى .. خارج حدود الزمان والمكان.


وفي انتظار تعليقاتكم وتعقيباتكم وفقكم الله.

أحمد محمود علي
27-06-2008, 22:34
وهذا تعليق على كلمة للإستاذ بلال في المناقشة التي تمت في الصفحة السابقة ، قال حفظه الله :

" ولا يكون الانكشاف الحاصل بالسمع والبصر -وإن غاير الانكشاف الحاصل بالعلم نوع مغايرة لا ندرك حقيقتها- محدِثاً في علم الله تعالى أمراً لم يكن معلوماً له تعالى أزلاً ".اهـ

نعم لا نزاع في أن الانكشاف لا يكون محدثا في علم الله تعالى أمرا لم يكن معلوما له تعالى أزلا كما قلت ، ولكن هذا لا ينفي -على الرأي الثاني- أنه يكون محدثا في سمع الله تعالى وبصره أمرا لم يكن مسموعا له تعالى ولا مرئيا أزلا على الرأي الثاني القائل بالتغاير وبالتعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر، وهو ما أراه يستحق النزاع بل أشد النزاع.

عبد الله جودة حسن
27-02-2011, 15:32
الرأي الثالث: أن صفتي السمع والبصر مغايرتان لصفة العلم ، وأيضا الانكشاف الحاصل بهما مغاير للانكشاف الحاصل بالعلم ، وهو انكشاف قديم كانكشاف العلم ، وذلك الانكشاف يتعلق تعلقا تنجيزيا قديما بالواجب ، سواء كان واجبا بذاته ، أو واجبا بغيره كالممكن الذي تعلق علم الله بوجوده.

هذا هو الرأي الثالث الذي لابد منه والذي لا يستلزم محالا ، ولا يقال كيف يرى الممكن حال عدمه ، لأنه يقال سمع الله تعالى وبصره كعلمه تعالى .. خارج حدود الزمان والمكان.


وفي انتظار تعليقاتكم وتعقيباتكم وفقكم الله.

جزاك الله خيرا وبارك فيك

نرجو من مشايخنا الكرم إعادة إثراء الموضوع

عبد الله جودة حسن
06-11-2011, 00:57
يظهر لي أن الإشكال قائم على فرض كون علمه سبحانه بالأشياء علما حصوليا عن طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه وعند ذلك يكون التغير في المعلوم ملازما لتغير الصور القائمة به ويلزم على ذلك كون ذاته محلا للتغير والتبدل.

وأما لو قلنا بأن علمه سبحانه بالأشياء علم حضوري بمعنى أن الأشياء بهوياتها الخارجية وحقائقها العينية فعله سبحانه وفي الوقت نفسه علمه، فلا مانع من القول بطروء التغير على علمه سبحانه إثر طروء التغير على الموجودات العينية. فإن التغير الممتنع على علمه إنما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي وأما العلم الفعلي، أي العلم في مقام الفعل، فلا مانع من تغيره كتغير فعله. فإن العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفس الفعل علمه لا غير.

أي إن التغير إنما هو في الإضافات لا في الذات. و المقصود من الإضافات هو فعله الذي هو علمه، ولا مانع من حدوث التغير في الإضافات والمتعلقات من دون حدوث تغير في الذات.

والسمع والبصر وإن غايرا مطلق العلم مفهوما، إلا أنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق.

وما هما إلا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه. فشهود المسموعات سمع، وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه المطلق بالأشياء العامة، غير المسموعة والمبصرة.

عبد الله جودة حسن
06-11-2011, 01:22
أنتظر تعليقاتكم وتصويباتكم... بارك الله فيكم.

إنصاف بنت محمد الشامي
06-11-2011, 08:02
[][] ... ... وأما لو قلنا بأن علمه سبحانه بالأشياء علم حضوري بمعنى أن الأشياء بهوياتها الخارجية وحقائقها العينية فعله سبحانه وفي الوقت نفسه علمه، فلا مانع من القول بطروء التغير على علمه سبحانه إثر طروء التغير على الموجودات العينية ؟؟؟ ؟؟؟ !!! . فإن التغير الممتنع على علمه إنما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي وأما العلم الفعلي، أي العلم في مقام الفعل، فلا مانع من تغيره كتغير فعله ؟؟؟ !!! ؟؟ . فإن العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفس الفعل علمه لا غير؟؟ ... !!! ... .
والسمع والبصر وإن غايرا مطلق العلم مفهوما، إلا أنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق. و ما هما إلا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه. فشهود المسموعات سمع، وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه المطلق بالأشياء العامة، غير المسموعة والمبصرة.[/][/FONT]

أخ عبد الله جودة حسن المحترم ، كلّ عام وَ أنتم بخير ، أعادهُ الله علينا وَ عليكم و على سائر الأُمّة الكريمة بالخير و العافية وَ الأمن و الإيمان و السلامة و الإسلام و التوفيق لما يُحبّ وَ يرضى و النصر المُبين للدين القويم وَ أَهلِه ، آمين.
بعد التأمُّل جَيّداً في كلام جنابك مع تقديم حسن الظَنّ وَ المُحاولة مِراراً كثيرة لإجتناب سـوء التفسير و سـوء الحمل على ما لا يليق ، تبيّن لدى هذه الأَمَة الضعيفة عمتك إنصاف ( كانَ اللهُ لها وَ لكُم في الدارَين) أَنَّ كثيراً من عباراتكم لا تخلُو من تَـسَرُّع وَ تَـهَوُّر مع مُجازفة خطيرة أُجِلُّ شابّاً أَلمَعِيّاً مُتعلّماً مثل حضرتك أَنْ ينزَجَّ في مضائِقِها أو ينزَلِقَ في مهاوِيْها ، أَنتُم في غِنىً عن مثلِها ...
نصيحتي الآن لنا جميعاً أَنْ نستحضرَ دائماً أَنَّ ما قَلَّ و كفى خَيْرٌ مِمّا كَثرَ وَ أَلْهَى { إقترب للنّاسِ حِسابُهُم وَ هُمْ في غَفْلَةٍ مُعرِضُون }، و نصيحةَ أمير المُؤْمنين سـيّدنا الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:" لا تُلْهِكَ الناسُ عَنْ نَفْسِـكَ فَإِنَّ الأمرَ يَصيْرُ إلَيْكَ دُوْنَهُم " وَ قول سـيّدنا عبد الله بن مسعود رضي اللهُ عنه :" نُهِينا عَنِ التَكَلُّف "، ثُمَّ أَنْ نَـتـقَـوَّى أَكثَر في اللُغَةِ العربيّة الحبيبة و نَتحرّى لقمة الحلال الصافية ، وَ إِنْ عَزَّتْ في هذه الأيّام ، فَإِن كانَ كَسْـبُنا طَيّباً فلا نَتساهَل في الأكل عند المفتونين ... وَ نحرِصَ على أن نَعمُرَ أوقاتنا بِتَدَبُّر كتاب رَبّنا الكريم وَ تَحرّي سُـنَن نبيّنا العظيم عليه أفضَلُ الصلاة وَ التسليم ، في كلّ شُـعَب الحياة قدرَ المُستطاع مع السـعي الصادق بالفكر السـليم لإحيائها و ترويجها بين أبناء الأُمّة في أنحاء المَعمُورة وَ الإهتمام بعد ذلك لهداية غير المسلمين أيضاً بِإِذنِ الله تعالى ... هذا أولى بنا وَ بأكثر أَبناء الأُمَّة من الخوض فيما لَم نَؤْمَر به وَ التَعَمّق في دقائق حقيقة تعلّقات السَـمْع و البَصَر وَ ما هُوَ من شـؤون الربوبيّة الجليلة ، و من الخَوض في كُلّ ما مِن شَـأْنِهِ أَنْ يُعَرّض صاحِبَهُ لِمزالقِ الحَوْرِ إلى القول بالكَيْفِيّات في صفات الباري عزّ وَ جَلّ وَ حدوث أيّ نوع أو ضربٍ من التغَيّر في الذات الأزليّ الأَقدَس الناتج عن تـَوَهُّم التغاير التعدّديّ و الزيادة الإنفكاكيّة بين ذات العزيز الأَقدَس وَ صفاتِهِ الأزَلِيّة { يَعلَمُ ما بينَ أَيْديهم و ما خَلْفَهُم و لا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً } ... و السلامُ على مَن اتّبَعَ الهُدى ...

عبد الله جودة حسن
10-11-2011, 02:56
يظهر لي أن الإشكال قائم على فرض كون علمه سبحانه بالأشياء علما حصوليا عن طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه وعند ذلك يكون التغير في المعلوم ملازما لتغير الصور القائمة به ويلزم على ذلك كون ذاته محلا للتغير والتبدل.

وأما لو قلنا بأن علمه سبحانه بالأشياء علم حضوري بمعنى أن الأشياء بهوياتها الخارجية وحقائقها العينية فعله سبحانه وفي الوقت نفسه علمه، فلا مانع من القول بطروء التغير على علمه سبحانه إثر طروء التغير على الموجودات العينية. فإن التغير الممتنع على علمه إنما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي وأما العلم الفعلي، أي العلم في مقام الفعل، فلا مانع من تغيره كتغير فعله. فإن العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفس الفعل علمه لا غير.

أي إن التغير إنما هو في الإضافات لا في الذات. و المقصود من الإضافات هو فعله الذي هو علمه، ولا مانع من حدوث التغير في الإضافات والمتعلقات من دون حدوث تغير في الذات.

والسمع والبصر وإن غايرا مطلق العلم مفهوما، إلا أنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق.

وما هما إلا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه. فشهود المسموعات سمع، وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه المطلق بالأشياء العامة، غير المسموعة والمبصرة.

لم أفهم بعد وجه الخطأ في هذا الكلام

ليتكم توضحون لي.. بارك الله فيكم.

برجاء التنبه لما فوق الخط.

إنصاف بنت محمد الشامي
10-11-2011, 03:30
[]
لم أفهم بعد وجه الخطأ في هذا الكلام . ليتكم توضحون لي.. بارك الله فيكم. برجاء التنبه لما فوق الخط.[]
سُـبحان الله ...!!! ..؟؟.
حاوِلْ

عبد الله جودة حسن
10-11-2011, 03:34
لا حول ولا قوة إلا بالله!

شريف شفيق محمود
10-11-2011, 22:00
الرأي الثالث: أن صفتي السمع والبصر مغايرتان لصفة العلم ، وأيضا الانكشاف الحاصل بهما مغاير للانكشاف الحاصل بالعلم ، وهو انكشاف قديم كانكشاف العلم ، وذلك الانكشاف يتعلق تعلقا تنجيزيا قديما بالواجب ، سواء كان واجبا بذاته ، أو واجبا بغيره كالممكن الذي تعلق علم الله بوجوده.

هذا هو الرأي الثالث الذي لابد منه والذي لا يستلزم محالا ، ولا يقال كيف يرى الممكن حال عدمه ، لأنه يقال سمع الله تعالى وبصره كعلمه تعالى .. خارج حدود الزمان والمكان.


وفي انتظار تعليقاتكم وتعقيباتكم وفقكم الله.[/QUOT
E]



يصح في اللغة تعلق العلم بالمعدوم لكن لا يصح في اللغة تعلق البصر أو السمع بالمعدوم فلعل هذا هو وجه عدم القول بهذا الرأي الثالث .

و البصر (أي بصر) عند الأشعري يصح أن يتعلق بالموجودات ,و الأدلة مذكورة في مبحث الرؤية, و عند غيره من الماتريدية يتعلق بالمبصرات (لا كل موجود) كما يفهم من كلام ملا علي القاري الذي تفضلت بذكره و كما يفهم من كلام العلامة البوطي حفظه الله و نفع به .

عبد الله جودة حسن
16-11-2011, 18:15
بارك الله فيكم أخي شريف

وبانتظار تعقيبات مشايخنا على ما ذكرتُ

عبد الله جودة حسن
12-12-2011, 17:52
يظهر لي أن الإشكال قائم على فرض كون علمه سبحانه بالأشياء علما حصوليا عن طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه وعند ذلك يكون التغير في المعلوم ملازما لتغير الصور القائمة به ويلزم على ذلك كون ذاته محلا للتغير والتبدل.

وأما لو قلنا بأن علمه سبحانه بالأشياء علم حضوري بمعنى أن الأشياء بهوياتها الخارجية وحقائقها العينية فعله سبحانه وفي الوقت نفسه علمه، فلا مانع من القول بطروء التغير على علمه سبحانه إثر طروء التغير على الموجودات العينية. فإن التغير الممتنع على علمه إنما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي وأما العلم الفعلي، أي العلم في مقام الفعل، فلا مانع من تغيره كتغير فعله. فإن العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفس الفعل علمه لا غير.

أي إن التغير إنما هو في الإضافات لا في الذات. و المقصود من الإضافات هو فعله الذي هو علمه، ولا مانع من حدوث التغير في الإضافات والمتعلقات من دون حدوث تغير في الذات.

والسمع والبصر وإن غايرا مطلق العلم مفهوما، إلا أنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق.

وما هما إلا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه. فشهود المسموعات سمع، وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه المطلق بالأشياء العامة، غير المسموعة والمبصرة.

نرجو من مشايخنا التعليق على هذا الذي ذكرت وإعادة إثراء الموضوع

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
12-12-2011, 19:09
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي عبد الله،

ظاهرٌ أنَّ العلم في نفسه ليس فعلاً ولا يمكن أن يكون كذلك...

هو في حقِّنا انفعالات، فيمتنع ذلك على الله تعالى.

والقول إنَّه حضوريٌّ بمعنى حضور المعلوم من حيث إنَّه مفعول فيلزم من ذلك كون المعدومات الممتنعة والممكنة غير معلومة أصلاً. وإنَّه لباطل.

ولكن لي أن أعترض على قولك: "عن طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه وعند ذلك يكون التغير في المعلوم ملازما لتغير الصور القائمة به".

بأن أقول: قد أعلم أنا ما مضى بصورة مرتسمة ولا يتغيَّر علمي به وإن مضى ذلك الأمر وفَنِيَ.

إذن: لا يلزم من حيث نفس كون العلم من ارتسام الصُّور التَّغيُّر، وإنَّما يلزم ذلك إن لو كان عين الأمر الخارجيِّ هو علَّة ارتسام الصُّورة فيَّ.

وبعد هذا يقال إنَّ صفة علم الله تعالى إذ كانت معنى من اتَّصف به كان كلُّ شيء له منكشفاً فلا يلزم من ذلك حصول صورة، بل اللازم تحقُّ إضافة (تعلُّق) بين العالم والمعلوم.

وكرّاً على كلامك على صفتي السَّمع البصر يُقال: إن قلنا إنَّهما ترجعان إلى العلم فلا إشكال أصلاً بالقول بقدم تعلُّقاتهما.

والسلام عليكم...

إنصاف بنت محمد الشامي
13-12-2011, 14:50
نرجو من مشايخنا التعليق على هذا الذي ذكرت وإعادة إثراء الموضوع

لا حول و لا قُوّة إلاّ بالله ... أكثر القُرّاء يُؤتى مِنْ قِبَل عدم إنعام النظر فيما قَرَأَ أَو كَتَبَ أو كُتِبَ لهُ ... أو ضعف الإسـتيعاب ...
أخي الكريم ، الحمد لله أنَّكَ ما زلتَ بخير فقد شـغلتم بالنا بقولكم في مشاركة سابقة :" ... أرجو منكم أن لا تتأخروا علي بالإجابة فأنا سوري وأخاف أن أسـقط شهيدا في إحدى المظاهرات وعقيدتي فيها خلل أو فساد ..." ثُمَّ أشرتَ في ملَفّكَ أنَّكَ الان تُقيم في مصر الشقيقة ... وَ بشان المُظاهرات لنا معكم حديث آخَر ... وَ قَد قال بعض كبار أئمّة السلف الصالح :" ما رَأيْتُ أفقَهَ مِنْ أَشهَبَ لولا طيشٌ فيه ". رحمهم الله جميعاً . وَ قبل أن تُعِيدَكَ عَمَّتُكَ إنصاف إلى حمّام ساخن ، رَأَتْ أن نَأخذ فكرة عابرة عن ترجمة خادم من خُدّام شيخ الأُمّة سيّدنا الجهبذ القُدوة المُقَدَّم الإمام أبي الحسن الأشعريّ من خلال هذه اللمحة السـريعة :

الشيخ بندار بن الحسين الشيرازيّ رحمه الله ، خادم الشيخ أبي الحسن الأشعريّ رضي الله عنه .
(مختصرة من التبيين للإمام الحافظ الكبير إبن عساكر الدمشقيّ و سـير الذهبيّ).
قال الذهبيّ :" بُندارُ بنُ الحُسَين الشـيرازيّ القُدوة شيخُ الصوفِيّة أبو الحُسَين نزيل أرّجان صحب الشبليّ و حدّثَ عن ابراهيم بن عبد الصمد الهاشميّ [ قال الخطيب لم نكتب من حديثه مُسنَداً غيرَ حديث واحد و ساقه بسنده إلى بندار عن الهاشميّ بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه و سلّم :" المرءُ على دينِ خليلِهِ فَليَنظُرْ أَحَدُكُم مَن يُخالِلْ "]. قال الذهبيّ وَ كانَ ذا أموالٍ فَانفقها وَ تَزَهّدَ وَ لَهُ معرِفَةٌ بالكلام و النظر . [ كان المال أربعون ألف ديناراً] ...
كان عالماً بالأُصول كبيراً في الحال توفّيَ بِأرَّجان سنة 353 هــ و غسّـلهُ أبو زُرعة الطبريّ . و قال الخطيب البغداديّ :" كان من أهل الفضل المُتمَيّزين بالمعرفة وَ العلم " ... وَ من كلامه رحمه الله :" مَن مَشى في الظُلمَةِ إلى ذي النِعَم أجلَسَهُ على بِساط الكَرَم وَ من قَطَعَ لِسانَهُ بشفرة السكوت بُنِيَ لَهُ بيتٌ في المَلَكُوت وَ مَن واصل أهل الجهالة أُلبِسَ ثَوبَ البطالة ، وَ من أكثر ذكر الله تعالى شـغله عن ذكر الناس وَ مَنْ هَرَبَ مِن الذُنُوب هُرِبَ بِهِ من النار وَ من رجا شيْئاً طَلَبَهُ " وَ قال :" صحبة أهل البِدَع تُورِثُ الإعراضَ عن الحقّ " . و قال :" لا تُخاصم لنفسكَ فإِنَّها ليست لك دعها لِمالكها يفعل بها ما يُريد " و قال " اترك ما تهوى لما تأمَل " ...
... يتبع إن شاء الله تعالى ...

عبد الله جودة حسن
13-12-2011, 16:56
والقول إنَّه حضوريٌّ بمعنى حضور المعلوم من حيث إنَّه مفعول فيلزم من ذلك كون المعدومات الممتنعة والممكنة غير معلومة أصلاً. وإنَّه لباطل.

ما أردت بيانه هو أن علم الله الحضوري بالأشياء على قسمين:

1- علم بالأشياء قبل وجودها، وهذا العلم حضوري من حيث إن العلم بالذات علم بالحيثية التي تصدر عنها الأشياء، والعلم بتلك الحيثية علم بالأشياء. فعلمه سبحانه بذاته كشف تفصيلي عن الأشياء على الوجه اللائق بذاته.

2- وعلم بها بعد وجودها على ما بينتُ أعلاه.

وزعم المشاؤون من الفلاسفة أن له سبحانه علمًا حصوليًا وراء علمه الحضوري أسموه بالصور المرتسمة.

ما الإشكال إن قلنا إن السمع والبصر (وهما لا يتعلقان إلا بموجود) من القسم الثاني؟

إنصاف بنت محمد الشامي
13-12-2011, 17:48
لم أفهم بعد وجه الخطأ في هذا الكلام ...ليتكم توضحون لي.. بارك الله فيكم. برجاء التنبه لما فوق الخط.
أخ عبد الله ما هو الأنطباع الذي تكوّن عندك من قراءة المشاركة رقم 31 هنا ؟ و كنت عازمة أن أُحيلك بعدها على:
المشاركة ذات رقم 4 على الرابط التالي ثُمَّ عرضي لك بعده كلاماً آخَر فَإذا تمكّنت من اكتشاف الغلط في مشاركتك رقم 21 بنفسك فقد حصل المقصود وَ إلاّ فعندها يتعيّن نقدها بالتفصيل:
http://www.aslein.net/showthread.php?t=14949&p=89996#post89996
الحمدُ لله ، الملاحظتان الكريمتان اللتانِ تفضّلَ بهما فضيلة الأسـتاذ محمّد فؤاد جعفر حفظَهُ الله تعالى هما في مَحَلّهما ، جزاهُ الله خيراً . و يؤَيّدُ ذلك أُمورٌ عِدّة :
1- أوّلاً : أَنَّ الذي في طبعة دلهي القديمة :" ... مُتَقَدّسٌ عَنِ الجَوهَرِيَّةِ وَ العَرَضِيّة وَ توابِعِهِما - لِما مَرَّ - وَ صِفاتُهُ عينِيّةٌ ، وَ هُوَ مَرئِيٌّ - للتواتُرِ وَ الإمكان - ..." فلا علاقة لذكر الأرض هنا باركَ الله فيكم .. ألا ترى أَنَّهُ ربط التعليل بما مَرَّ وَ هو الإشارة إلى ما تقدّم من ذكر الإرادة و التخصيص و الإختيار ثُمَّ قولِهِ :" فالعالَمُ حادِثٌ ..." .
2- ثانياً : أَنَّهُ أتبَعَ ذلك بقولِهِ " وَ توابِعِهِما " لأنَّ مباحث الجوهريّة و العَرَضِيّة مترابطة متشابِكة وَ يُستنتَجُ من تقريرها ما يتبع ذلك من الإثباتات الضروريّة لأدِلّة الإمكان و براهين حدوث العالَم وَ تنزّه الباري عزّ وَ جلّ بوجُوبِهِ الذاتِيّ الأَزَلِيّ عن الإمكانِ و الحدوث ...
3- ثالثاً : أَنَّهُ أتبَعَ ذلك بقولِهِ :" وَ صِفاتُهُ عينِيّة " أَيْ ذاتِيّة ، وَ هذا اصطلاحٌ جامِعٌ مُختَصَرٌ جِدّاً خاصٌّ بحضرة مولانا الشاه عبد العزيز قُدِّسَ سِـرُّهُ ، قَصدَ منه أُمُوراً في غايَةِ الدِقّة قَلَّما يفطنُ إليها إلاّ من امتلأَ قلبُهُ بالأنوار وَ طالت مُمارَسَـتُهُ في هذا المِضمار وَ حَسُنَ ظَنُّهُ بالسـادَةِ العُلَماءِ الأخيار ... لأنَّ الكلام في صفات الباري عزَّ وَجلّ في غاية الدِقّة و الخطورة .. فَلَمّا كانت أزلِيّةً أَبَدِيَّةً بأزلِيّة الذات الأقْدَس وَ أبَدِيَّتِهِ لا تفارِقُ الذاتَ الأَجَلَّ العليَّ الأَعلى وَ لا يُقال بأَنَّها عَين الذات و لا غير الذات ، وَ لمّا عَبَّرَ عن ذلك بعضُ متكلّمي أهل السُنّة بِأنّ وجود الصفات زائدٌ على وجُود الذاتِ زِيادَةً غَيْرَ مُنفَكّة ( للتنزيه عن مزاعم أوهام الجهمِيّة و المعتزِلة و الحشوِيّة) ، خشِيَ مولانا الدهلويّ رحمه الله تعالى أنْ يَـتَـوَهَّم القاصِرُونَ من ذلك التعبير أنَّها بمثابة أَعراضٍ غيرِيّة مُتَعَدّدةٍ حالّةٍ في ذات الواحدِ الأحَدِ أو أنَّها أجزاء أو جواهر أو ذوات مُتَّحِدة وَ كلّ هذا باطِل ... لذا لَجَاَ في هذا المُختَصَرِ العجيب ( الشديد الإختصار) إلى هذا المُصطَلَح الخاصّ ... وَ الكلامُ على ذلك بالتفصيل لا يليقُ بحال المُبتَدِئين (خاصَّةً على الإنترنت) ...

إنصاف بنت محمد الشامي
19-12-2011, 08:20
ما أردت بيانه هو أن علم الله الحضوري بالأشياء على قسمين:
1- علم بالأشياء قبل وجودها ... ... 2- وعلم بها بعد وجودها على ما بينتُ أعلاه. ... ... ما الإشكال إن قلنا إن السمع والبصر (وهما لا يتعلقان إلا بموجود) من القسم الثاني؟
قبل أن أتشعّب في الحديث هنا و هناك أقول باختصار أنَّ قولك بين قوسين عن السمع الإلهيّ و البصر الإلهيّ:" وَهُما لا يتعلّقان إلاّ بموجُود " ، لا يمنعُ بقاءَ السـمع و البصر على الأزَلِيّة المُطلَقة بلا تغيّر و لا حُدُوث زيادة و لا نقصان و لا حُدوث إنكشاف لم يكن في الأَزَل ... وَ ما وراء ذلك فلا مطمع فيه للعقول ... ثُمَّ زِدتَ بَلِيَّةً جديدَةً في هذه المشاركة فقلتَ :" - وعلم بها بعد وجودها على ما بينتُ أعلاه . !!! ... ... ما الإشكال إن قلنا إن السمع والبصر (وهما لا يتعلقان إلا بموجود) من القسم الثاني؟ ... !!! " ... وَ كُنتُ قد هَيَّأْتُ لحضرتك من قبل هذا كلاماً و لم أُثْبِتْهُ هناك وَ الآن أُرانِي مُضطَرَّةً أن أُرسِلُهُ كما كتبتُهُ بلا تَكَلُّف وَ أعُوذُ بالله من شرّ نفسي وَ سـيّئات أعمالي فَإِنَّ شهوة الكلام أشدّ من شهوة الطعام وَ الخُروج من شهوة الجاه أشدّ من الخروج من شـهوة المال :"
في المشاركة ذات رقم 23 في هذا الموضوع نبهناكم هناك ضمن الإقتباس بجعل مواضع الإشكال من عباراتك باللون الأحمر ... وَ لعلّكَ لم تتأمّل كفاية فيما كتبتَ بنفسك وَ لا فيما نصحتُكَ بِهِ وَنبَّهتُكَ عليه قبل و بعد ... ثُمَّ أقررت بأنَّكَ لم تفهم أين الغلط و طلبتُ من حضرتكَ أن تَتأمّل و تُحاول فقلت لا حولَ و لا قُوّةَ إلاّ بالله فَـهُنا رجوتُ أن يحصلَ المأمول فإذا بكَ الآن تعود إلى حيث بدأت ... فلا أستبعد أن يقول لك بعض قرّائنا الأعزّاء :" إن كنت لم تستطع فهم عبارةٍ مخلوقةٍ كتبتها أنت بنفسكَ فأنّى لك وَ لنا أن نُدرِكَ حقيقة سمع الله و بصره الذي لايشبه وَصفُهُ وصف المخلوقين بوجه من الوجوه ؟؟؟ !!! ألا ترى أن ما قلتَهُ يتنافى مع ما قَدَّمتَهُ أوّلاً في أوّل سطرين هناك ... ألا يكفينا أن نقول سمعُهُ صفةٌ لهُ بلا كيف يسمع به كلامَهُ الذاتِيَّ الأزلِيَّ الأبَدِيَّ - الذي لا يُشبِهُ مخلوقاً – وَ يسمع به كُلّ ما من شأنِهِ أن يُسمَعَ أبداً من غيرِ حلولٍ أو حدوثِ تغيّرٍ أو زيادةٍ ، وَ بَصَرُهُ صفةُ لهُ بلا كيف يُبصِرُ بِهِ ذاتَهُ وَ جميع من سواهُ وَ كُلَّ ما سِواهُ أبداً (على الراجح عند شيخ الشيوخ سيّدنا الإمام الأشعريّ رضي الله عنه من عموم تعلّق البصر بكلّ موجود) أو كلّ ما مِنْ شَاْنِهِ أَنْ يُبْصَرَ أو يُرى (على مذهب من لم يُوافق الشيخ الإمام في شمول تعلّق الرؤية لكلّ ما يمكن أن يُوجَد حتّى الروائح و الأصوات و نحوها مِمّا لم يَتصوّروا إمكان تعلّق البصَر بِرؤيتهِ) ، من غير حلولٍ أيضاً و لا حدوثِ إنكشافٍ أو أيّ كيفيّةٍ أو زيادَةٍ أو تقدُّمِ خفاء ... ؟؟؟ هذا يكفي ... وَ لكن بِما أَنَّكُم ذكرتُم ذلك مرّتين ، فقبل أن أُفَصّلَ القولَ في بيان ما في تلك الإرتجالات و التهوُّرات من الفساد ، أرجو أن تُعيد النظر برَوِيّةٍ في الفقرة التالية لا سيّما آخِرَها:"
نصيحتي الآن لنفسي وَ لنا جميعاً أَنْ نستحضرَ دائماً أَنَّ ما قَلَّ و كفى خَيْرٌ مِمّا كَثرَ وَ أَلْهَى {إقترب للنّاسِ حِسابُهُم وَ هُمْ في غَفْلَةٍ مُعرِضُون} (وَ أخشى أن يَكون تكلّف بعض الأبحاث من قبيل اللهو بالترف العلميّ مع الغفلة و الإعراض) ، و نسـتحضر نصيحةَ أمير المُؤْمنين سـيّدنا الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:" لا تُلْهِكَ الناسُ عَنْ نَفْسِـكَ فَإِنَّ الأمرَ يَصيْرُ إلَيْكَ دُوْنَهُم" وَ قول سـيّدنا عبد الله بن مسعود رضي اللهُ عنه :" نُهِينا عَنِ التَكَلُّف " (وَ هُوَ في حكم المرفُوع)، ثُمَّ أَنْ نَـتـقَـوَّى أَكثَر في اللُغَةِ العربيّة الحبيبة وَ نُقَوِّيَها في أبناءِنا ، و نَتحرّى لقمة الحلال الصافية ، وَ إِنْ عَزَّتْ في هذه الأيّام ، فَإِن كانَ كَسْـبُنا طَيّباً فلا نَتساهَل في الأكل عند المفتونين ... وَ نحرِصَ على أن نَعمُرَ أوقاتنا بِتَدَبُّر كتاب رَبّنا الكريم وَ تَحرّي سُـنَن نبيّنا العظيم عليه أفضَلُ الصلاة وَ التسليم ، في كلّ شُـعَب الحياة قدرَ المُستطاع مع السـعي الصادق بالفكر السـليم لإحيائها و ترويجها بين أبناء الأُمّة في أنحاء المَعمُورة وَ الإهتمام بعد ذلك لهداية غير المسلمين أيضاً بِإِذنِ الله تعالى ...هذا أولى بنا من الخوض فيما لَم نَؤْمَر به وَ التَعَمّق في دقائق حقيقة تعلّقات السَـمْع و البَصَر وَ ما هُوَ من شـأن الربّ العزيز الجليل ، و من الخَوض في كُلّ ما مِن شَـأْنِهِ أَنْ يُعَرّض صاحِبَهُ لِمزالقِ الحَوْرِ إلى القول بالكَيْفِيّات في صفات الباري عزّ وَ جَلّ وَ حدوث أيّ نوع أو ضربٍ من التغَيّر في الذات الأزليّ الأَقدَس ... وَمثل هذا الخوض المُشار إليه يُخشى أنْ يكونَ ناجِماً عن لوثة خفيّة من قياس الخالق على المخلوق أو تـَوَهُّمِ التغاير التعدّديّ بين ذات العزيز الأَقدَس وَ صفاتِهِ الأزَلِيّة أو تخيلِ زيادةٍ إنفكاكيّةٍ للصفات ، تعالى اللهُ الواحدُ الأحدُ الصمد {يَعلَمُ ما بينَ أَيْديهم و ما خَلْفَهُم و لا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً} { وَ لم يكُنْ لَهُ كُفُواً أحد} ... و السلامُ على مَن اتّبَعَ الهُدى

عبد الله جودة حسن
19-12-2011, 14:18
ما أردت بيانه هو أن علم الله الحضوري بالأشياء على قسمين:

1- علم بالأشياء قبل وجودها، وهذا العلم حضوري من حيث إن العلم بالذات علم بالحيثية التي تصدر عنها الأشياء، والعلم بتلك الحيثية علم بالأشياء. فعلمه سبحانه بذاته كشف تفصيلي عن الأشياء على الوجه اللائق بذاته.

2- وعلم بها بعد وجودها على ما بينتُ أعلاه.

وزعم المشاؤون من الفلاسفة أن له سبحانه علمًا حصوليًا وراء علمه الحضوري أسموه بالصور المرتسمة.

ما الإشكال إن قلنا إن السمع والبصر (وهما لا يتعلقان إلا بموجود) من القسم الثاني؟

أنتظر أجوبتكم بارك الله فيكم

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
19-12-2011, 17:07
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

مولانا عبد الله،

"1- علم بالأشياء قبل وجودها، وهذا العلم حضوري من حيث إن العلم بالذات علم بالحيثية التي تصدر عنها الأشياء، والعلم بتلك الحيثية علم بالأشياء. فعلمه سبحانه بذاته كشف تفصيلي عن الأشياء على الوجه اللائق بذاته".

أقول: هذا قول الفلاسفة وليس يصحُّ إلا بناء على قولهم –إن سلَّمنا صحَّته على طريقتهم أصلاً-!

والفرق أخي الفاضل بأنَّ كلامك يُسلَّم في حال أن يقال إنَّ المعلوم معلول عن الذات. فلو كان الله تعالى هو علَّة الموجودات جميعاً لكان العلم به تعالى موجباً العلم بالمعلول عنه تعالى.

فإنَّ بين العلة والمعلول وجوباً عقليّاً، فإذا ما وجدت العلة فالمعلول موجود ضرورة، فلا يمكن تصوُّر وجود العلة من غير معلولها.

فعلى تسليم ذلك فإنَّا نقول إنَّ الموجودات الممكنة ليست معلولة عن وجود الله تعالى. إذن: يمكن أن نتصوَّر ذات الله تعالى من غير تصوُّر أيِّ شيء من مفعولاته تعالى.

أو أن يُقال: لا يلزم من إدراك الذَّات إدراك تعلُّقات صفة الإرادة.

قولك: "علم بالحيثية التي تصدر عنها الأشياء، والعلم بتلك الحيثية علم بالأشياء".

أقول: هذه الحيثيَّة هي صفة الإرادة، فالعلم بكونه تعالى مريداً لا يوجب العلم بمتعلَّقات هذه الصفة.

فإن قلتَ: بل هو تعالى علم بمتعلِّقات الإرادة كذلك.

قلتُ: هل علَّة كونه تعالى عالماً بتعلُّقات صفة الإرادة هو علمه تعالى بصفة الإرادة؟؟

لا.

...

"2- وعلم بها بعد وجودها على ما بينتُ أعلاه".

أقول: العلم بالشيء بعد عدمه معناه حلول حادث في ذاته تعالى وهو ممنوع.

أمَّا تخريجك الذي سبق فهو ليس إلا كون العلم هو نفس الفعل أو أحد لوازمه! فهو في الحقيقة ليس علماً.

ثمَّ إنَّا نقول إنَّ أفعاله تعالى حادثة مع انَّه تعالى لا يحدث فيه شيء وقتَ الفعل، أليس كذلك؟

إذن ليس هناك (نسبة راجعة) في ذات الله تعالى أصلاً.

والعلم هو الكشف والإدراك، فهو نسبة بين العالم والمعلوم. وفيما فرضتَ النِّسبة إنَّما هي بين تعلُّق القدرة والمعلوم.

فليس يفيد في المطلوب.

فكذا الكلام على السَّمع والبصر.

ولكن ربما لنا أن نقول –وهذا سؤال منِّي لا تقرير-: علمُ الله تعالى المتعلِّق بالحوادث إنَّما هو علم بتعلُّقات صفة الإرادة –فيلزم قدم تعلُّقات العلم-، فالله تعالى عالم بأنَّه تعالى خالقُ زيدٍ الساعة 14:43 يوم الاثنين 22/12/2015م مثلاً. فليس العلم بزيد من حيث تحقُّق زيد بالفعل،وإنَّما هو من حيث تعلُّق صفتي الإرادة والقدرة؟؟

فهكذا نخرج من إشكالك يا سيدي!!

والسلام عليكم...