المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإعجاز القرآني عند الإمام الرازي



هاني علي الرضا
21-02-2007, 20:41
هذه كلمات نيّراتٌ مررتُ عليها أثناء مطالعتي تفسير الإمام الفخر الرازي -قدّس الله سره- عن وجوه بيان كون القرآن معجزاً ، فأحببتُ نقلها لتعميم الفائدة ، وقد علقت تعليقات مختصرة على بعض مواضع منه أثبتها أسفل الكلام .
يقول الإمام الأعظم الفخر الرازي رحمه الله :


[ اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول ، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار (1) ، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً.

واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين:
الأول: أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية. وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد (2).

واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً، أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم، وثانيها: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما. ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى. وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين، والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته. ورابعها: أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وفي القرآن التَكرار (3) الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً. وخامساً: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة. وسادسها: أنهم قالوا إن شعر امرىء القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل. وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن فإنه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب:
{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }
وقال تعالى:
{ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ }
وقال في الترهيب:
{ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ تِ }
وقال:
{ أأمنتم مَّن فِى ٱلسَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ }
وقال:
{ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } إلى قوله: { ويأتيه الموت من كل مكان }
وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله:
{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } إلى قوله:{ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا }
وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه :
{ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِين }
وقال في الإلهيات:
{ ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ مَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَاد }
إلى آخره.
وسابعها: أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه. وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق، ومن تأمل «كتابنا في دلائل الإعجاز» علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى.

الطريق الثاني: أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز. وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب. (4) ] انتهى من تفسير الإمام - سورة البقرة



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات :
(1) وهو قولُ حشوية اليوم ممثلين في فرقة الوهابية إذ يزعمون أن معرفة الله سبحانه وتعالى لا تستفاد إلا من السمع ويشنعون بجهلٍ على من يعتمد القواطع والبراهين العقلية ، وكأنَّ القوم ما فهموا أنَّ السمع نفسَه ما استفاد حجيته إلا من العقل ، وأنَّ العقل هو الأصل الذي ثبت به السمع ، ثم على التسليم لهم ألا يحتاج السمع عقلاً يفهمه ويعيه ، وما الوحي إلا نور لا يكفي للإبصار إلا بوجود عين العقل لتفهمه ؟!
وليس أمام هؤلاء إن ناقشهم ملحدٌ في وجود الله إلا أن يقولوا " الله موجود لأن الله قال في كلامه القرآن أنه موجود فهو موجود" وللعقلاء أن يضحكوا من هكذا تقرير !!!!
ثم إن هذا الزعم قال به قدماء حشوية الحنابلة كما أثبت ذلك الإمام ابن الجوزي في معرض نقاشه لهم في كتابه (دفع شبه التشبيه) ، أما حشوية اليوم الوهابية فقد زادوا عليهم بأن قالوا بأن معرفة الله تُستفاد من الكتاب والسنة والفطرة !!
فأضافوا مصدرا ثالثا هو افطرة بزعمهم ، وهم أنفسهم لا يعرفون ماهية الفطرة هذه التي يجعلونها مصدرا من مصادر معرفة الله ، وقد غفلوا عن أن الفطرة غير منضبطة ولا معلومة فلا تصلح دليلا بل تحتاج هي نفسها ما يدل عليها ، وجهلوا كذلك قول الله تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}وهو نص في ان المولود لا يعلم شيئا ومعرفة الله من قبيل المعلومات المفتقدة عند المولود والتي يكتسبها شيئا فشيئا بالعقل والسمع والبصر .
هذا وقد يزيد بعض غلاتهم فيقول : معرفة الله لا تكون إلا بالقرآن والسنة والفطرة وأقوال ابن تيمية !!

(2) وهو معنى أصيل عند السادة الأشاعرة : أن التوحيد لا يكفي فيه التقليد بل لا بد من معرفة الدليل ولو إجمالا ، وإليه أشار صاحب الجوهرة فقال :
وكل من قلد في التوحيد ** إيمانه لم يخلُ من ترديد

(3) قُلْ تَكْرَار (بفتح التاء) ولا تَقل تِكْرار (بكسر التاء) كما العوام ، فإن وزن تِفعال في اللغة لا وجود له وإنما هو تَفعال بالفتح .

(4) ظاهر كلامه قدّس الله سره الميل إلى القول بالصرفة.


والله الموفق