المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقض التدمرية (3)



سعيد فودة
09-04-2004, 22:20
الفِرَقُ الأخرى وموقف ابن تيمية منها في هذا الأصل

بعد أن بيّن ابن تيمية موقفه في هذه المسألة وهي منهج الإثبات والتنزيه، شرع يرد على مخالفيه ويبين مناحي الغلط عندهم، فقال ص43: "وأما مَنْ زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية ونحوهم، فإنهم على ضدّ ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة لـه عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان. فقولهم يستلزم غاية التعطيل، وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات" اهـ.
ابن تيمية يخالف هؤلاء جميعاً، ويتهمهم بأن قولهم يفضي إلى نفي الذات، وذلك لأن ما يثبتونه ممتنع الوجود في الخارج، ولا ثبوت لـه إلا كمفهوم مطلق في الذهن. وما دام قولهم يؤدي إلى نفي الذات فهم معطلة في أقصى نهايات التعطيل، وما دام التعطيل نفياً محضاً للذات فهم إنما وصفوا الذات بأوصاف تستلزم كونها ممتنعة الوجود، فهم إذن يشبهون الذات الإلهية بالمعدومات الممتنعة، فهم وصلوا بمذهبهم هذا إلى أقصى غايات التمثيل، فالتشبيه والتمثيل ـ لاحظ أن ابن تيمية يستخدم هنا كلمة التمثيل للذمِّ لا التشبيه ـ إمّا أن يكون بالموجودات المخلوقة أو بالمعدومات الممتنعة، ولا ريب أن تمثيل الذات الإلهية بالممتنعات أشدُّ وأبطل من تمثيله بالموجودات الحادثة، فهم يكونون قد وصلوا بمذاهبهم هذه إلى أقصى غايات التمثيل من هذه الجهة.
هذا هو حاصل كلام ابن تيمية، ولكن إذا كان هؤلاء قد وقعوا فيما وضّحناه، فإن ابن تيمية قد وقع في الضّدّ المقابل لمذهبهم، فشرع في إثبات كلِّ ما يخطر ببالـه للـه تعالى وعلى وجه تفصيلي، فأثبت الحيز والجهةَ ولوازمهما، والتركيبَ وقيامَ الحوادثِ في ذاته جل شأنه وتنزّهَ، والحركةَ والحرفَ والصوتَ، وغيرَ ذلك، فنحن نراه وقع في الطرف الآخر المقابل لهم. فهم على حد زعمه شبهوا اللـه تعالى بالمعدومات وبالممتنعات، أما هو فقد شبه اللـه بالموجودات المخلوقة، وهم عندما نفوا عن اللـه تعالى ما نفوه أرادوا تنزيهه عن سمات النقص، وهو عندما أثبت للـه ما أثبته أراد إثبات صفات الكمال، على حدٍّ زعمهم وزعم ابن تيمية. فهم قد أمسكوا طرق النفي فبالغوا وابتدعوا، وهو قد تمسك بطرق الإثبات فبالغ وابتدع.
والطريق الوسط هو ما حدَّده أهل السنة من الإثبات والتنزيه إجمالاً وتفصيلاً، فأثبتوا للـه تعالى ما هو المقطوع باتصافه به، ونفوا عنه ما هو من سمات الحوادث والمخلوقين، فطريق أهل السنة وسط بين طرفين: التعطيل والتشبيه وهذا هو حدّ الاعتدال.
وقد اعترض ابن تيمية على من جعل اللـه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقـال ص51: "وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد عُلم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف ... إلخ" أهـ.
وكلامه هذا صحيح، فالقول بأن اللـه تعالى هو الوجود بشرط الإطلاق لا يقوم على دليل معتمَد، ولكن إبطال كلامهم لا يكون بمجرد القول بأن الوجود بشرط إنما هو في الأذهان لا في الأعيان، لأن هذا عين المدّعى، والاكتفاء بذلك في ردّ قولهم نوع مصادرة على المطلوب. وكذلك جعل الصفة عين الموصوف، إن قصدوا معناه المطابقي فهو باطل ضرورة كما قال، ولكن إنْ أرادوا أن الصفة ليست زائدة في الوجود على الموصوف، بمعنى لا يوجد تركب للموجود من الوجود المطلق ومن الصفة فهو أمر صحيح. وابن تيمية لم يردّ على هؤلاء بدليل معتبر بل اكتفى بمجرد الصراخ والتنفير.
وكما قال ابن تيمية في ص54: "والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هؤلاء الكلمات" اهـ. يقصد مذكور في كتاب آخر غير هذه الرسالة. ونحن نؤجل الكلام على نقد مقالته هو مع مقالة من ينازعهم إلى موضع آخر بإذن اللـه تعالى.