المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منير العين فى حكم تقبيل الإبهامين لمحدث الهند فى القرن الماضي العلامة أحمد رضا



محمد شهيد
15-02-2007, 01:46
رسالة : منير العين فى حكم تقبيل الإبهامين
( للمحدّث البريلوي العلامة الشاه أحمد رضا خان قدست أسراره)


السؤال: ما هو قول علماء الدين فى حكم تقبيل الإبهامين ثم مسحهما على العينين عند سماع كلمة " أشهد أن محمدا رسول الله" فى الأذان؟ بيّنوا تؤجروا.

فتوى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى نوّر عيون المسلمين بنور عين أعيان المرسلين ، والصلاة و السلام على نور العيون سرور القلب المحزون محمد الرفيع ذكره فى الصلاة و الأذان ، و الحبيب اسمه عند أهل الإيمان ، و على آله و صحبه المشروحة صدورهم لجلال أسراره و المفتوحة عيونهم بجمال أنواره ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله بالهدى و دين الحق أرسله ، صلى الله عليه و على آله و صحبه أجمعين ، و علينا معهم و بهم و لهم يا أرحم الراحمين آمين.

قال العبد الذليل للمولى الجليل عبد المصطفى أحمد رضا المحمدي السني الحنفي القادري البركاتي البريلوي ، نوّر الله عيونه و أصلح شيونه مستعيذا برب الفلق من شرّ ما خلق و حامدا الله على ما ألهم و وفّق:

الجواب

تقبيل الإبهامين أو السبابتين ثم مسحهما على العينين عند سماع اسم سيدنا محمد الرسول شفيع يوم النشور(صلى الله تعالى عليه و سلم) أثناء الأذان أمر جائز قطعا ، قائمة على جوازه دلائل كثيرة.

و لو سلّمنا بالفرض أنه لم يكن ثمة دليل خاص فقد كان عدم وجود دليل المنع من الشرع بنفسه دليلا كافيا للجواز.
من يدّعى عدمَ جوازهِ فالبيّنة عليه إذ القائل بالجواز متمسك بأصل ، و المتمسك بأصل لا يحتاج إلى دليل.
بيد أنه يوجد هنا كلٌ من حديثٍ و فقهٍ و إرشادِ العلماءِ و عمل ِ السلفِ الصلحاءِ القديم.

لقد روى العلماء المحدثون فى هذا الباب عن خليفة رسول الله (صلى الله تعالى عليه و سلم) سيدنا الصديق الأكبر ،
و عن ريحانة رسول الله (صلى الله تعالى عليه و سلم) سيدنا الإمام الحسن ،
و عن نقيب أولياء رسول الله (صلى الله تعالى عليه و سلم) سيدنا أبى العباس الخضر ، (على الحبيب الكريم و عليهم جميعا الصلاة و التسليم) ، و عن غيرهم من أكابر الدين أحاديثَ ، و ذكرها بشئ من التفصيل الإمام العلامة شمس الدين السخاوي رحمه الله تعالى فى الكتاب المستطاب "المقاصد الحسنة".

و قد صُرّحَ استحبابُ و استحسانُ هذا العمل ِ فى الكتب الفقهية من بينها ما يلى:
1. جامع الرموز شرح النقاية
2. مختصر الوقاية
3. و الفتاوى الصوفية
4. و كنز العباد
5. و ردّ المحتار حاشية الدرّ المختار ، و غيرها من كتب الفقه. أكثرهذه الكتب هى من مستندات المانعين أنفسهم و من مستندات أكابرهم و عمائدهم مثل المتكلم القنوجي.

المحدثون الكرام و المحققون الأعلام الذين لا يخرجون من دائرة الإعتدال فى التصحيح و التضعيف و التجريح و التوثيق ، و لا يمشون مسلك التساهل و التشدّد ، قد حكموا فى تلك الأحاديث بأن خلاصة البحث و التنقير و الحكم الأخير هو أن الأحاديث التى رُويَتْ فى هذا الباب عن النبي الصادق سيد العالم (صلى الله تعالى عليه و سلم) لم تبلغ رتبة الصحة باصطلاح المحدثين.
قال فى المقاصد:
" لا يصحّ فى المرفوع من كلّ هذا شئٌ "

يقول مولانا علي القاري (عليه رحمة البارى) فى الموضوعات الكبير:
" كلّ ما يُروى فى هذا لا يصحّ رفعُه البتة "


يقول العلامة ابن العابدين الشامي (قُدّسَ سرّه السامى) فى ردّ المحتار عن العلامة إسماعيل الجراحي (رحمه الله تعالى):
" لم يصحّ فى المرفوع من كل هذا شئٌ ".

من الواضح على خدام الحديث أن نفي الصحة فى اصطلاح المحدثين لا يستلزم نفيَ الحُسْن ، كما لا يستلزم نفيَ صلاح التماسك به و لا (يستلزم نفيُ الصحّة) دعوى وضع الكذب.
و إذا لم يصحّ الحكم بصحة هذه الأحاديث وفق اصطلاح المحدثين فكذا لن يُقبل الحكمُ عليها بالوضع و الكذب.
بل بتصريح أئمة الفنّ يُجبر النقصان بكثرة الطرق. ثم عمل العلماء و قبول القدماء مقوّيان للحديث.
و حتى لو لم يكن ثمة شئٌ من ذاك القبيل ، فإن الحديث الضعيف فى فضائل الأعمال مقبول بالإجماع. ثم فضلا عن ذلك إن هذا الفعل مروي و منقول من أكابر الدين و لحفظ صحة البصر فى السلف الصالح مجرب و معمول. و بالفرض لو لم يكن شئ فى مثل هذا المحل ، فإن هذا القدر يكفى. بل لو لم يكن ثمة نقْلٌ أصلا فمجرد التجربة وافية إذ ليس فيه إزالة ٌ لحكم شرعيّ ، و إنه ليس خلافا لسُنةٍ ثابتةٍ ، و إذا حصل النفع بطل المنعُ.
بل لو أنصفتَ فإن نفْيَ المحدثين الصحة َ من الأحاديث المرفوعة بالخصوص يصرّح بأنهم لا يقولون بعدم صحّة الأحاديث الموقوفة الواردة فى هذا الباب ، و الأحاديث الموقوفة فى هذا الصدد ليست قليلة ، و لهذا قال مولانا على القاري بعد العبارة المذكورة:
"قلتُ و إذا ثبت رفعه إلى الصديق (رضى الله تعالى عنه) فيكفى للعمل به لقوله عليه الصلاة و السلام: "عليكم بسُنتى و سُنة الخلفاء الراشدين".

فثبوت شئ عن الصديق يكون بعينه ثبوتا عن سيد العالم (صلى الله تعالى عليه و سلم) ، و إن لم يبلغ الحديث المرفوع بالخصوص إلى درجة الصحة. يقول الإمام السخاوي فى المقاصد الحسنة فى الأحاديث الدائرة على الألسنة:
" حديث: مسح العينين بباطن انملتي السبابتين بعد تقبيلهما عند سماع قول المؤذن "أشهد أن محمدا رسول الله" مع قوله أشهد أن محمدا عبده و رسوله ، رضيتُ بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد (صلى الله تعالى عليه و سلم) نبيا. ذكره الديلمي فى الفردوس من حديث أبى بكر الصديق (رضى الله تعالى عنه) انه لما سمع قول المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله ، قال هذا و قبّل باطن الأنملتين السبابتين و مسح عينيه، فقال (صلى الله تعالى عليه و سلم): " مَن فعل مِثلَ ما فعل خليلى فقد حلّتْ عليه شفاعتى" و لا يصحّ.

ثم قال(الإمام السخاوي):
"و كذا ما أورده أبو العباس أحمد بن أبى بكر الرداد اليمانى المتصوف فى كتابه "موجبات الرحمة و عزائم المغفرة" بسندٍ فيه مجاهيل مع انقطاعه عن الخضر (عليه السلام) أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله، مرحبا بحبيبى و قرة عينى محمد بن عبد الله (صلى الله تعالى عليه و سلم) ثم يقبّل إبهاميه و يجعلهما على عينيه لم يرمد أبداً".

ثم قال(الإمام السخاوي):
"ثم روى بسند فيه من لم أعرفه عن أخى الفقيه محمد بن البابا فيما حكى عن نفسه أنه هبّتْ ريحٌ فوقعـتْ منه حصاة فى عينه فأعياه خروجها و ألمته أشدَّ الألم ، و انه لما سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله، قال ذلك فخرجتْ الحصاة من فوره ، قال الرداد (رحمه الله تعالى): "و هذا يسيرٌ فى جنب فضائل رسول الله (صلى الله تعالى عليه و سلم)".

ثم قال(الإمام السخاوي):
"و حكى الشمس محمد بن الصالح المدني إمامها و خطيبها فى تأريخه عن المجد أحد القدماء من المصريين أنه سمعه يقول:"من صلى على النبي (صلى الله تعالى عليه و سلم) إذا سمع ذكره فى الأذان ، و جمع أصبعيه المسبحة و الإبهام و قبّلهما و مسح بهما عينيه لم يرمد أبداً".

ثم قال(الإمام السخاوي):
"قال ابن الصالح: و سمعتُ ذلك أيضًا من الفقيه محمد بن الزرندي عن بعض شيوخ العراق أو العجم أنه يقول عندما يمسح عينيه "صلى الله عليك يا سيدى يا رسول الله يا حبيبَ قلبى و يا نورَ بصرى و يا قرة عينى" ،
و قال كلٌ منهما (أى الفقيه محمد بن الزرندي و المجد أحد القدماء من المصريين): " منذ فعلتُه لم ترْمدْ عينى".

ثم قال(الإمام السخاوي):
"قال ابن الصالح: و أنا، و لله الحمد و الشكر، منذ سمعتُه منهما استعملتُه فلم ترمد عيني و أرجو أنّ عافيتهما تدوم و أني أسلم من العمى إن شاء الله تعالى".

ثم قال(الإمام السخاوي):
"قال (أى ابن الصالح): و روى عن الفقيه محمد بن سعيد الخولاني قال أخبرنى الفقيه العالم أبو الحسن على بن محمد بن حديد الحسينى، أخبرنى الفقيه الزاهد البلالي عن الحسن (عليه السلام) أنه قال:"من قال حين يسمع المؤذن يقول أشهد أن محمدًا رسول الله، مرحبًا بحبيبى و قرة عينى محمد بن عبد الله (صلى الله تعالى عليه و سلم) و يقبّل إبهاميه و يجعلهما على عينيه لم يعم و لم يرمد".

ثم قال(الإمام السخاوي):
"و قال الطاؤسي: إنه سمع من الشمس محمد بن أبى نصر البخاري خواجه حديثَ "من قبّل عند سماعه من المؤذن كلمة الشهادة ظفرى إبهاميه و مسّهماعلى عينيه و قال عند المسّ :" اللهم احفظ حدقتىّ و نَوِّرْهُمَا ببركة حدقتى محمد رسول الله (صلى الله تعالى عليه و سلم) و نُوْرِهِمَا"، لم يعم.



فى شرح النقاية:
"واعلم أنه يستحبّ أن يقال عند سماع الأولى من الشهادة الثانية "صلى الله تعالى عليك يا رسول الله" و عند الثانية منها "قرة عينى بك يا رسول الله" ثم يقال "اللهم متعنى بالسمع و البصر" بعد وضع ظفرى الإبهامين على العينين، فإنه (صلى الله تعالى عليه و سلم) يكون قائدًا له إلى الجنة" كذا فى كنز العباد.

يقول العلامة الشامي (قدّس سرّه السامي) بعد نقل العبارة السابقة (فى ردّ المحتار، باب الأذان): "و نحوه فى الفتاوى الصوفية" يعنى هكذا ذكره الإمام الفقيه العارف بالله سيدى فضل الله بن محمد بن أيوب السهروردي، (و هو تلميذ الإمام العلامة يوسف بن عمر صاحب جامع المضمرات شرح القدوري ، قدس سرهما) فى الفتاوى الصوفية.

شيخ مشائخنا خاتم المحققين سيد العلماء الحنفية بمكة المحمية مولانا جمال بن عبد الله عمر المكي (رحمة الله عليه) يذكر فى فتاواه:
"سئلتُ عن تقبيل الإبهامين و وضعهما على العينين عند ذكر اسمه (صلى الله تعالى عليه و سلم) فى الأذان هل هو جائز أم لا؟ أجبتُ بما نصّه: نعم تقبيل الإبهامين و وضعهما على العينين عند ذكر اسمه (صلى الله تعالى عليه و سلم) فى الأذان جائز، بل هو مستحب و صرّح به مشائخنا فى غيرما كتاب". (فتاوى جمال بن عبد الله عمر المكي).

بعد ما ذكر عن الحديث أنه لا يصحّ فقط، كتب العلامة المحدث محمد الطاهر الفتني (رحمه الله تعالى) فى "تكملة مجمع بحار الأنوار": "و رُوِىَ تجربة ذلك عن كثيرين".

يقول الفقير المجيب (المصنف و هو المحدث البريلوي العلامة الشاه أحمد رضا خان قدست أسراره) ، غفر الله تعالى له:
ليلاحظ طالب التحقيق و صاحب التدقيق الآن بعض إفادات نافعة مفيدة حتى يُكْشَفَ بحول الله تعالى الحجابُ عن وجه الحق، ونقدم شيئًا يسيرًا فقط من التفصيل للمباحث اللطيفة التي أشرنا إليها فى صدر الكلام بغاية الإجمال، لأنه للبسط الكامل و الشرح الكافل يُحتاج إلى دفتر وسيط بل مجلد بسيط ، والله الموفق و نعم المعين.

فأقول، و بالله التوفيق و به الوصول إلى ذرى التحقيق:

الإفادة الأولى: كونُ الحديثِ ليس صحيحًا لا يعنى أنه غلط

وَصْفُ المحدثين الكرام لحديثٍ ما بأنه ليس صحيحًا لا يعنى أنه غلط و باطل، بل الصحيح فى اصطلاحهم هو الحديث الذى يكون فى الدرجة العُليا ، شُرُوطهُ صعبة و شديدة ، والموانع و العلائق وافرة و كثيرة بحيث يقلّ اجتماع تلك الشروط جميعها و ارتفاع هذه الموانع كلها فى الأحاديث. ثم مع هذه القلّة تكون فى إثباته دقة ٌ شديدة ٌ.
لو خُضْنا فى تفاصيل هذا المبحث لإندرج كلام طويل فى التحرير.

إذا ما حدث نقصٌ ما، إما بأن اسناد الحديث لم يتمكن من ان يفي بجميع تلك الشروط، أو بأنْ حصل فيه امرٌ من تلك العلائق، فإن المحدثين الكرام يقولون فيه "هذا الحديث لا يصحّ "، بمعنى أنه لم يبلغ تلك الدرجة العُليا.
ثم الحديث الذى يأتى بعد هذه الدرجة العليا يقال له الحَسَنُ. رُغْمَ أنه ليس بصحيح ٍ فإنه ليس فيه أى قباحةٍ و إلا لما سُمّىَ حَسَنًا. الفرق ليس أكثرَ من أن مستوى هذا فى بعض أوصافه ما استطاع أنْ يبلغ تلك الدرجة العليا.

مئات الأحاديث من هذا القسم توجد فى الصحيح لمسلم و غيره من كتب الصحاح بل عند التحقيق يوجد البعض أيضًا فى صحيح البخاري. هذا القسم صالح تمامًا للإستناد و الإحتجاج. العلماء الذين يقولون فى هذا القسم من الأحاديث انه غير صحيح هم أنفسهم يعتمدون عليه و يحتجّون به فى أحكام الحلال و الحرام. يقول الإمام المحقق محمد محمد محمد ابن أمير الحاج الحلبي (رحمه الله تعالى) فى الحلية شرح المنية:
" قول الترمذي: "لا يصحّ عن النبي (صلى الله تعالى عليه و سلم) فى هذا الباب شئٌ" لا ينفى وجودَ الحسن و نحوه. والمطلوب لا يتوقف ثبوته على الصحيح بل كما يثبت به يثبت بالحسن أيضًا" (ذكره فى مسئلة المسح بالمنديل بعد الوضوء).

و فى نفس المصدر:
"على المشي على مقتضى الإصطلاح الحديثي لا يلزم من نفي الصحّة نفي الثبوت على وجه الحسن".
(آخر صفة الصلاة قبيل فصل فيما كره فعله فى الصلاة)

يقول الإمام ابن حجر المكي فى الصواعق المحرقة:
" قول أحمد: "إنه حديث لا يصحّ " أى لذاته فلا ينفي كونًا حسنا لغيره ، والحسن لغيره يُحتجّ به كما بُيّنَ فى علم الحديث". (ذكره فى حديث التوسعة على العيال يوم العاشورا فى آخر الفصل الأول من الباب الحادى عشر قبيل الفصل الثانى)

يقول سند الحُفاظ الإمام ابن حجر العسقلاني (رحمة الله تعالى عليه) فى تخريج الأحاديث على أذكارالإمام النووي:
"من نفْي الصحة لا ينتفى الحُسْنُ." ملخصًا

هذا الإمام الجليل يقول فى نزهة النظر فى توضيح نخبة الفِكر:
"هذا القسم من الحسن مشارك للصحيح فى الإحتجاج به و إن كان دونه"

يقول مولانا علي القاري فى الموضوعات الكبير:
" لا يصحّ لا ينافى الحسن" ملخصًا
(الأسرار المرفوعة فى الأخبار الموضوعة ، حديث 929)

يقول سيدى نور الدين على السمهودي فى " جواهر العقدين فى فضل الشرفين" :
" قد يكون غيرَ صحيح ٍ و هو صالح للإحتجاج به ، إذ الحسن رتبة بين الصحيح و الضعيف"



الإمام الترمذي بعد أن روى عن جابر و أنس (رضى الله تعالى عنهما) حديثَ: "كان النبي (صلى الله تعالى عليه و سلم) ينهى أن يتنعّل الرجل قائمًا" ، قال:
" كلا الحديثين لا يصحّ عند أهل الحديث"
(جامع الترمذي ، باب ما جاء فى كراهية المشي فى النعل الواحدة)

فالعلامة عبد الباقي الزرقاني بعد أن نقل هذا فى شرح المواهب قال:
" نفْيُهُ الصحة َ لا ينافى أنه حسن كما عُلِمَ ".
(شرح الزرقاني على المواهب ، ذكر نعله صلى الله تعالى عليه و سلم)

يقول الشيخ المحقق مولانا عبد الحقّ المحدّث الدهلوي (رحمه الله تعالى) فى "شرح الصراط المستقيم":
" الحكم بعدم الصحة لا يعنى الغرابة فى اصطلاح المحدثين ، إذ الصحة فى الحديث هى الدرجة العليا كما علم فى المقدمة. و مساحة الحديث الصحيح من جملة الأحاديث الواردة هى أضيق المساحات. و حتى فى هذه الكتب الستة التى يقال لها الصحاح الستة ليس كل ما فيها صحيحا حسب اصطلاح المحدثين بل تسميتها بالصحاح هى على سبيل التغليب" (مترجم من الفارسية ، شهيد عفى عنه)

نقل عن الإمام المحقق على الإطلاق سيدى كمال الحق و الدين محمد بن الهمام (رحمه الله تعالى) فى المرقاة شرح المشكاة:
"و قول من يقول فى حديث أنه لم يصحّ إنْ سُلّمَ لم يقدح لأنّ الحُجّية لا تتوقف على الصحة ، بل الحسن كافٍ" (المرقاة شرح المشكاة ، الفصل الثانى من باب ما لا يجوز من العمل فى الصلاة)

فينبغى أن يُحْفظ جيّدًا أنّ إنكار الصحة لحديثٍ ليس نصّا فى نفْي ِ حُسْنِهِ ، الذى يؤدّى إلى انتفاء قابلية الإحتجاج به ، كما لا يصير الحديث به (اى بإنكار صحته) غيرَ صالح ٍ للإعتبار و لا يُحْكمُ عليه أنه باطلٌ محضٌ أو موضوع ، فإنه شئٌ لا يتصوره حتى جاهلٍ. إذ الصحة و الوضع درجتان من الحديث على طرفى الإبتداء و الإنتهاء.
فالصحيح هو أعلى مراتب الحديث ، و الموضوع هو أدناها و بينهما درجاتٌ متفاوتةٌ.


مَراتِبُ الحديث و أحكامها:

الرتبة الأولى : الصحيح ( لذاته)
الرتبة الثانية : الصحيح لغيره
الرتبة الثالثة : الحسن لذاته
الرتبة الرابعة : الحسن لغيره
الرتبة الخامسة : الضعيف بضُعْفٍ قريبٍ حيث تبقى صلاحيّة الإعتبار كإختلاط الراوى أو سوء الحفظ
أو التدليس و غيرها.

الأقسام الأربعة الأول يتناولها اسم الثبوت على مذهبٍ ، و كلها مُحتجّ بها.
والقسم الأخير صالحٌ ، يُستعمل كمتابع ٍ و شاهدٍ ، و ينجبر بجابرٍ فيصير حسنا لغيره بل و حتى صحيحًا
لغيره ، و حينئذٍ يتحلى بصلاحية الإحتجاج به و القبول فى الأحكام. و أما فى الفضائل فإنه مقبول بدون
إحتياج إلى ما يجبره.




الرتبة السادسة : الضعيف بضُعْفٍ قويّ ٍ و وَهن ٍ شديدٍ كالمتروك بسبب فسق الراوى و غيره من قوادحَ
قويةٍ ، بشرطِ أنه لم يبلغ بعد إلى حدّ تهمة الراوى بالكذب.

هذا القسم من الأحاديث لا يُحتجُّ به فى الأحكام و لا يُعْتبرُ. إلا أنه يُقبل و يُعمل به فى باب الفضائل مطلقا
على المذهب الراجح ، و على قول البعض بعد انجباره بتعدّد المخارج و تنوّع الطرق كما سنبينه إن شاء
الله تعالى.

الرتبة السابعة : المطروح و هو الذى يكون فى اسناده وضاع كذاب أو مُتهمٌ بالكذب.

و هذا هو أسوأ الأقسام بل حسب بعض المحاورات مطلقا و بحسب اصطلاح ٍ يُعْتبرُ هذا القسم موضوعًا
بعينه. أو بنظر التدقيق يمكنك القول ان ما يدخل فى هذا القسم يكون موضوعا حكميّا.

و بعد هذه المَراتِب مَرتبة الموضوع ، و هو بالإجماع لا يصلح للإنجبار و لا يليق للإعتبار لا فى باب
الفضائل ولا فىغيره ، بل تسميته بالحديث هى مُجَرّدُ توسّع ٍ و تجوّزٍ ، و ليس بحديثٍ فى الحقيقة و إنما
مجعولٌ محض و افتراء بحت ، و العياذ بالله تبارك و تعالى. و سيرِد عليك تفاصيل جُلّ ذلك إن شاء الله
العلي الأعلى.

فليحفظ طالب التحقيق هذه الأسطرَ لأنها بالرغم من وجازتها محصّلُ و ملخّصُ علمٍ كثيرٍ و ربما يندر
وجوده بمِثل هذا التحريرالنفيس فى غير هذه الأسطر ، و لله الحمدُ و المنة.

لقد طال بنا الكلام ، أما الذى أريد تقريرَه هو أنه إذا كان بين الصحيح و الموضوع هذا القدر من المنازل المتفاوتة فإن التسرّع إلى إثبات الوضع لحديثٍ نُفِيَتْ فقط صِحّتُهُ تحكّمٌ عجيبٌ.

بل حتى لو اعتبرنا أن " نفي الصحة " هو بمعنى نفي الثبوت (طِبقًا لجماعةٍ من المحدّثين الذين يرون أن الثبوت يشمل الصحة و الحُسن كليهما) فباِلّرغْم ِ من ذلك ليس حاصله أكثرَ من أنه ليس بصحيح و لا حَسَن، و لا يعنى ذلك أنه باطل أو موضوع إذ بين الحَسَن و الموضوع ساحة ٌ شاسعة ٌ.

لم أكن لأقدّمَ وثائقَ لأمرٍ واضح ٍ مِثلَ هذا الذى نحن بصدده ، و لكن لمّا كان الأمرُ يتعلق بأناس يتجاهلون على علمٍ لأجل ِ إغواء العوام و يحاولون كتمان الحق الواضح كالبدرِ المنير فى رداء المكر و التزوير. لهذا إليك التصريحاتُ لهذه المقدمة المنوَّرة من كلمات العلماء:
العبارات 1. للإمام سند الحفاظ و 2. الإمام المحقق على الإطلاق و 3. الإمام الحلبي و 4. الإمام المكي و 5. العلامة الزرقاني و 6. العلامة السمهودي و 7. العلامة هروي ؛ عباراتهم المذكورة آنفا هى بدلالة النص و فحوى الخطاب دليلٌ مبينٌ على الدعوى البينة أنه إذا لم يلزم من نفي الصحة نفيُ الحُسن فإنّ إثبات الوضع قرين بالخيال المحال.

و شتان ما بين عدم صحة الحديث و وضعه و مع ذلك إليك عبارات النص:
يقول 1. الإمام بدر الدين الزركشي فى كتاب النكت على ابن الصلاح
ثم 2. الإمام جلال الدين السيوطي فى اللآ لئ المصنوعة
ثم 3. العلامة علي بن محمد بن عراق الكناني فى تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة




ثم 4. العلامة محمد الطاهر الفتني فى خاتمة مجمع بحار الأنوار:
" بين قولنا لم يصحّ و قولنا موضوع بُونٌ كبيرٌ ، فإنّ الوضعَ إثباتُ الكذبِ و الإختلاق ِ، و قولنا لم يصحّ لا يلزم منه إثباتُ العَدَم ِ، و إنما هو إخبارٌ عن عَدَم ِالثبوت ، و فرقٌ بين الأمرين ِ ."

هذا لفظ اللآ لئ و منه نقل مختصرًا فى المجمع و زاد فى التنزيه بعد هذا:
"و هذا يجئ فى كل حديثٍ قال فيه ابن الجوزي لا يصحّ و نحوه."

قد قرِّرَ فى هذه التصريحات كلها أنه بعدم ثبوت هذه الأوصاف فى حديثٍ ما لا يُتصوّر وضعُهُ.
يقول الإمام ابن حجر العسقلاني فى القول المسدد فى الذبّ عن مُسندِ أحمدَ:
" لا يلزم من كون الحديث لم يصح أن يكون موضوعا."

و يقول الإمام السيوطي فى كتاب التعقبات على الموضوعات:
" أكثر ما حكم الذهبي على هذا الحديث أنه قال " متنٌ ليس بصحيح " و هذا صادقٌ بضُعفِهِ.

يقول الملا علي القاري فى الموضوعات الكبير:
" لا يلزم من عدم الصحة وجود الوضع كما لا يخفى."

و فى نفس الكتاب بعد أن نقل قول الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله تعالى) فى حديث الإكتحال
يومَ عاشورا:" لا يصحّ هذا الحديثُ " ، قال (المُلاّ علي القاري رحمه البارى):
" قلتُ: لا يلزم من عدم صحته ثبوتُ وضعِهِ ، و غايتُهُ أنه ضعيفٌ. "

العلامة الطاهر ينقل فى مجمع تذكرة الموضوعات عن سند الحفاظ (الإمام ابن حجر) العسقلاني:
" إنّ لفظ َ "لا يَثبُتُ" لا يُثبِتُ الوضعَ ، فإنّ الثابتَ يشمل الصحيحَ فقط ، و الضعيفُ دونه."

بل مولانا علي القاري بعد أن نقل فى آخر الموضوعات الكبير قولَ الإمام ابن عساكر " شاذ ، لا يصحّ "
فى حديثِ " البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلا و يذهب بالداء أصلا"، يقول:
" هو يُفيد أنه غيرُ موضوع ٍ كما لا يخفى"

يعنى لو رآه الإمامُ ابنُ عساكر موضوعا لقال فيه انه باطلٌ أو كذبٌ أو موضوعٌ أو مُفترًى أو مختلقٌ ، و لما اقتصر على نفْي ِ الصحة. فافهم والله تعالى أعلم.

تنبيه: لقد اتضح هنا ، بحمد الله تعالى، بوضوح ٍ تامّ ٍ جَهْلُ طائفةِ المُنكرين الشنيعُ و زورُهم الفظيعُ ، اولائك الذين ينقلون من مُصَنّفات العلماء مِثلَ 1. المقاصد الحسنة و 2. مجمع البحار و 3. تذكرة الموضوعات و 4. مختصر المقاصد و غيرها، نفْيَ صحةِ الأحاديثِ الواردة فى تقبيل الإبهامين ثمّ يدّعون بلا أيّ خوف أنه قد ثبت من كلامهم أنّ الأحاديثَ التى يُحْتجّ بها فى تقبيل الإبهامين كلها موضوعة ٌ و أنّ هذا الفعل ممنوعٌ و غيرُ مشروع. سبحان الله! شتان ما بين نفْي ِ الصحةِ و الحكم بالوضع! إذا كانت ثمة َ درجاتٌ متعددةٌ لشئ معيّن ٍ فكيف يَثبُتُ فى حقه الدرجة ُ الأدنى بمجرّد نفْي ِ الدرجةِ الأعلى منه.
لو قلتَ على سبيل المثال فى زيد انه ليس َملِكا فهل يعنى ذلك أنه فقير محتاج. أو لو قلتَ فى طائفة المنكرين انهم ليسوا بأولياء ، هل يعنى ذلك أنهم كفار؟! و لكن الوهابية قوم يجهلون.


يتابع إن شاء الله المولى

محمد شهيد
15-02-2007, 01:48
الإفادة الثانية: ما هو تأثير جهالة الراوي على الحديث؟

إذا كان فى السند راو ٍ مجهولٌ فلا يكون تأيثرجهالة الراوى على الحديث أكثرَ من أنْ يقال له ضعيف. و لا يقال انه باطل أو موضوع. بل هناك اختلاف بين العلماء في جهالة الراوى هل هي قادحة ٌ للصحّة و مانعة ٌ للحُجّيّةِ أم لا. و إليك تفصيلَ المقام فيما يلي:
أقسام المجهول و أحكامها: ألمجهول على ثلاثة أقسام ٍ :
الأول: المستور و هو معلوم العدالة ِ ظاهرًا و لكن لم تتحققْ عدالته باطنًا ، و الرواة أمثال هذا يكثر عددهم فى الصحيح لمسلمٍ.
الثانى: مجهول العين و هو الذى روى عنه راو ٍ واحدٌ فقط.
و هذا على نزاع فيه ، فإن من العلماء من نفى الجهالة برواية واحد معتمد مطلقا أو إذا كان لا يروي إلا عن عدل عنده ، كيحيى ين سعيد القطان و عبد الرحمن بن مهدي و الإمام أحمد فى مسنده ، و هناك أقوال أخر.
الثالث: مجهول الحال و هو الذى لم تثبتْ عدالته ظاهرًا و لا باطنا ، و قد يطلق على ما يشمل المستور.

القسم الأول اى المستور مقبول عند جمهور المحققين و هذا هو مذهب إمام الأئمة سيدنا الإمام الأعظم (رضي الله تعالى عنه) ، فى فتح المغيث: " َقبِله أبو حنيفة خلافا للشافعي" و قال الإمام النووي هو الصحيح ، قاله فى شرح المهذب ، ذكره فى التدريب ، و كذلك مال إلى اختياره الإمام أبو عمرو بن الصلاح فى مقدمته حيث قال فى المسئلة الثامنة من النوع الثالث و العشرين:" و يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي فى كثير من كتب الحديث المشهورة فى غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم و تعذرت الخبرة الباطنة بهم.
و أما القسمان الباقيان فقد رأى بعض الأكابر حُجّيّتهما على حين يرى الجمهور أنهما مُوَرّثان للضُعْف.
يقول الإمام زين الدين العراقي فى الألفية:
"و اختلفوا هل يقبل المجهول و هو على ثلثة مجعول
مجهول عين من له راو فقط ردّه الأكثرُ و القسم الوسط
مجهول حال باطن و ظاهر و حكمه الردّ لدى الجماهير
الثالث المجهول للعدالة فى باطن فقط فقد رأى له
حجية بعض من منع ما قبله منهم سُليم فقطع"

و كذا فى تقريب النواوي و تدريب الراوي و غيرهما بل الإمام النووي عزى إلى كثير من المحققين
قبولية مجهول العين. يقول فى مقدمت المنهاج:
" المجهول أقسام: مجهول العدالة ظاهرًا و باطنًا، و مجهولها باطنا مع وجودها ظاهرًا و هو المستور ، و مجهول العين ، فأما الأول فالجمهور على أنه لا يحتجّ به ، و أما الآخران فاحتجّ بهما كثيرون من المحققين."

بل الإمام الأجلّ العارف بالله سيّدى أبو طالب المكي (قدس سره الملكي) يعتبر هذا مذهبَ الفقهاء الكرام و الأولياءِ العظام ِ قدست أسرارهم ، يقول فى الفصل 31 (الحادى و الثلاثين) من الكتاب المستطاب الجليل القدر العظيم الفخر "قوت القلوب فى معاملة المحبوب" :
بعض ما يضعف به رواة الحديث و تعلل به أحاديثهم ، لا يكون تعليلا و لا جرحًا عند الفقهاء و لا عند العلماء بالله تعالى مثل أن يكون الراوى مجهولا لإيْثاره الخمولَ و قد ندب إليه ، أو لقلة الأتباع له إذ لم يقم لهم الأثرة عنه."


و على كلّ فالنزاع هو فى الجهالة هل هي وجهٌ مِن وُجوهِ الطعن أم لا.
لا أحدَ يقول إنّ الحديث الذى يكون راويه مجهولا هو باطلٌ و مصنوعٌ ، سواءً شِئتَ أم أبيتَ.
و حينما أتى بعض المتشددين بدليل لا يؤيد دعواه فالعلماء قاموا بردّ دليله و بيان بُطلانه إذ لا علاقة َ لجهالة الراوى بالوضع ، يقول مولانا علي القاري فى رسالة " فضائل نصف شعبان" :
" جهالة بعض الرواة لا تقتضى كون الحديث موضوعًا و كذا إنكاره الألفاظ ، فينبغى أن يحكم عليه بأنه ضعيف ، ثم يعمل بالضعيف فى فضائل الأعمال."

ُنقِلَ عن الإمام ابن الحجر المكي فى المرقاة شرح المشكاة:
" فيه راو ٍ مجهولٌ و لا يَضُرّ لأنه من أحاديث الفضائل."

فى الموضوعات الكبير نُقِلَ عن أستاذ المحدثين الإمام زين الدين العراقي:
" إنه ليس بموضوع و فى سنده مجهول."

الإمام بدر الدين الزركشي و الإمام المحقق جلال الدين السيوطي يقولان فى اللآلئ المصنوعة:
" لو ثبتتْ جهالته لم َيلزَمْ أن يكونَ الحديثُ موضوعًا ما لم يكن فى إسناده من ُيتهَمُ بالوضع."

كلا الإمامين يقولان فى تخريج أحاديث الرافعي و اللآلئ:
" لا يلزم من الجهل بحال الراوى أن يكون الحديث موضوعًا."

علل الإمام أبو الفرج ابن الجوزي فى كتابه " الموضوعات" حديثَ:" من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة لم تقبل له صلاة تلك الليلة" بأنّ فيه راويًا مجهولا و راويًاٍ آخرهو مضطرب كثير الخطأ. فتعقبه شيخ الحفاظ الإمام ابن حجر العسقلاني فى " القول المسدد فى الذبّ عن مسند أحمد" ثم الإمام السيوطي فى
" اللآلئ" و " التعقبات" و قالا:
" ليس فى شئ مما ذكره ابو الفرج ما يقتضى الوضع."

يقول الأمام ابن حجر المكي فى "الصواعق المحرقة " فى حديث أنس (رضي الله تعالى عنه) فى تزويج فاطمة من علي (رضي الله تعالى عنهما):
" كونه كذبا فيه نظر ، و إنما هو غريب ، فى سنده مجهول."

يقول العلامة الزرقاني فى شرحه على المواهب:
" قال السهيلي فى إسناده مجاهيل و هو يفيد ضعفه فقط ، و قال ابن كثير منكر جدا و سنده مجهول و هو أيضا صريح فى انه ضعيف فقط ، فالمنكر من قسم الضعيف و لذا قال السيوطي بعد ما أورد قول ابن عساكر " منكر" هذا حجة لما قلته من أنه ضعيف لا موضوع لأنّ المنكر من قسم الضعيف و بينه و بين الموضوع فرق معروف فى الفنّ ، فالمنكر ما انفرد به الراوي الضعيف مخالفا لرواته الثقات فإن انتفت كان ضعيفا فقط وهي مرتبة فوق المنكر أصلح حالا منه. إنتهى" ملخصا

خلاصة الكلام هي أن تعدّد المجاهيل فى السند يورّث فى الحديث الضعفَ فقط ، و أن مرتبة الضعيف الصرف هى احسن و أعلى من المنكر و هوالذي رواه راو ضعيف مخالفا به لرواية الثقات ، ثم حتى هذا المنكر ليس بموضوع. فما علاقة الضعيف بالوضع؟! و قد صرّح الإمام الجليل جلال الدين السيوطي بهذه المطالب. والله تعالى أعلم.
الإفادة الثالثة: حُكم الحديث المنقطع

و هكذا لا يلزم الوضعُ بسبب انقطاع السندِ: لا يقع عند أئمتنا الكرام و جمهور العلماء الخللُ فى الصحة و الحجية بالإنقطاع. يقول الإمام المحقق كمال الدين محمد بن الهمام فى " فتح القدير" :
" ضُعِّفَ بالإنقطاع ، وهوعندنا كالإرسال بعد عدالة الرواة و ثقتهم لا يضر."

يقول الإمام ابن أمير الحاج فى حلية المحلي:
" لا يضُرُّ ذلك فإن المنقطع كالمرسل فى قبوله من الثقات"

يقول مولانا علي القاري فى المرقاة:
" قال أبو داؤد هذا مرسل اي نوع مرسل و هو منقطع لكن المرسل حجة عندنا و عند الجمهور"

و من يراه قادحًا فإنه يعتبره مورّثا للضُعْف فقط ، لا مستلزمًا للوَضْع:
نُقِلَ فى المرقاة عن الإمام ابن حجر المكي:
" لا يضرُّ ذلك فى الاستدلال به ههنا لأنَّ المنقطع يعمل به فى الفضائل إجماعًا."


الإفادة الرابعة: الحديث المُضْطَرِب بل المُنكَر بل حتى المُدْرَج ليس بمَوْضُوْع

الإنقطاع أمر سهل لم يعتبره طعنًا إلا البعض. يقول العلماء: كون الحديث مضطربا و حتى منكرا لا نسبة له بالوضع ، و يكون فى باب الفضائل مقبولا. بل و قالوا إن المُدرَج قِسْمٌ مُختلِفٌ عن المَوضوع على حين يكون فيه كلام الغير قد اختلط. جاء فى التعقبات على الموضوعات:
" المضطرب من قسم الضعيف لا الموضوع."
و فيه أيضًا:
" المنكر نوع آخر غير الموضوع و هو من قسم الضعيف."
و فيه أيضًا:
" صرّح ابن عديّ بأنّ الحديث منكر فليس بموضوع."
و فيه أيضًا:
" المنكر من قسم الضعيف و هو محتمل فى الفضائل."
و فيه أيضًا:
" رأيتُ الذهبي قال فى تأريخه: " هذا حديث منكر لا يعرف إلا ببشر و هو ضعيف إنتهى" فعلم أنه ضعيف لا موضوع"
و فيه أيضًا:
" حديث أبي أمامة (رضي الله تعالى عنه): " عليكم بلباس الصوف تجدوا حلاوة الإيمان فى قلوبكم" الحديث بطوله ، فيه الكديمي وضّاع ، قلت: قال البيهقي فى الشعب " هذه الجملة من الحديث معروفة من غير هذا الطريق و زاد الكديمي فيه زيادة منكرة و يشبه أن يكون من كلام بعض الرواة فألحق بالحديث ، إنتهى" و الجملة المعروفة أخرجها الحاكم فى المستدرك و الحديث المطول من قسم المدرج لا الموضوع."

الإفادة الخامسة: إذا كان راوٍ مِن رُواة حديثٍ مُبْهَمًا كُليًا فحتى هذا الحديث لا يكون مَوضوعًا

حسنا، بالنسبة لجهالة الراوي كان الشخص على الأقل مُعَيَّنًًا أنه فلان و إن انفرد التلميذ/السامع/الراوي أو شكك فى عدالته ، و أما بالنسبة للمُبْهَم فحتى هذا لا يوجد فى حقه نحو: "حدثنى رجل" أو "بعض أصحابنا" ، ثم هذا لا يورّث سوى الضُعْف و لا يستلزم الوضعَ. يقول إمام الشأن العلامة ابن حجر العسقلاني فى رسالة " قوة الحجاج فى عموم المغفرة للحجاج" ثم خاتم الحُفاظ فى " اللآلئ":
" لا يستحق الحديث أن يوصف بالوضع بمجرد ان راويه لم يُسَمَّ"

( ينجبر نُقصانُ المُبْهَم بتعدُّد الطرق) و لهذا صُرِّحَ بأن الحديث المبهم ينجبر بطرق أخرى ،
قال(الإمام السيوطي) فى التعقبات تحت حديث "أطلبوا الخير عند حسان الوجوه" الذى رواه العقيلي عن طريق يزيد بن هارون قال أنبأنا شيخ من قريش عن الزهري عن عائشة (رضي الله تعالى عنها):
" أورده (يعنى أبا الفرَج) من حديث عائشة من طرق ، فى الأول رجل لم يُسَمَّ ، و فى الثانى عبد الرحمان بن أبى بكر المليكي متروك ، و فى الثالث الحكم بن عبد الله الايلي أحاديثه موضوعة، قلتُ عبد الرحمان لم يُتهَم بكذب ثم إنه لم ينفرد به بل تابعه إسماعيل بن عباس و كلاهما يجبران الإبهام الذى فى الطريق الأول إنتهى. مختصرًا

( قد يكون الحديث المُبْهَم مُقَوِّيا لحديث آخر) بل إنه يصلح ليقوِّي حديثا آخر.
يقول أستاذ الحُفاظ فى قوة الحجاج ثم خاتم الحُفاظ فى التعقبات:
" رجاله ثقات إلا أن فيه مُبْهَما لم يُسَمَّ ، فإن كان ثقة فهو على شرط الصحيح ، و إن كان ضعيفا فهو عاضد للسند المذكور".


الإفادة السادسة: الحكم بوضع الحديث بمُجَرَّدِ ضُعْفِ رُواته ظلمٌ و جزافٌ

يتابع إن شاء الله

محمد شهيد
15-02-2007, 01:53
تنبيه و التماس
هذا تعريب للرسالة ، فإن أصلها بلغة أردو

فأرجو من الأفاضل أن يصححوا أخطائى اللغوية فى الترجمة

أخوكم محمد شهيد

جمال حسني الشرباتي
15-02-2007, 04:08
http://www.jislam.net/vb/showthread.php?t=764

قال تعالى:

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ{71} قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ{72}. القصص

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله:

ختم آية الليل بقوله: { أَفَلَا تَسْمَعُونَ }وآية النهار بقوله: { أَفَلَا تُبْصِرُونَ }؟
لمناسبة الليل المظلم الساكن للسماع ، مناسبة النهار النير للإبصار.
وإنما قدم الليل على النهار ، ليستريح الإنسان فيه، فيقوم إلى تحصيل ما هو مضطر إليه، من عبادة وغيرها بنشاط وخفة ألا ترى أن الجنة نهارها دائم ، إذ لا تعب فيها يحتاج إلى ليل يستريح أهلها فيه؟

ومع تقديري التّام للإمام الفذ زكريا الأنصاري إلّا أنني لم أجد عندي ميلا لقبول ما وجّه--

والرأي الذي أراه هو أنّ السماع هنا بمعنى الطاعة--حيث يستعار السّماع للطاعة--فالله تعالى يوجّه أنظارهم إلى نعمة عدم سرمدّية الليل ونعمة ضيّاء النّهار منه تعالى بالتالي يستنكر عليهم عدم طاعتهم مع عظم آياته ودقة تنظيمه--وكذلك في القسم المتعلّق بجعل النهار سرمدا وبكونه هو الذي جعل ليلا يسكنون إليه من تعب النهار غير السرمدي بتقديره الأزلي--فلماذا لا تتبصّرون بهذه الآية فترتدعون عمّا أنتم فيه من ضلال--

-فمعنى تبصرون هو تتفكرون

قال الكلبـي فيما نقله الرازي " قوله: { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك وقوله: { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال"

سعيد فودة
15-02-2007, 10:12
ما قلته يا أستاذ جمال لا ينافي قول شيخ الإسلام، ولا يعارضه، فلا وجه لقولك

ومع تقديري التّام للإمام الفذ زكريا الأنصاري إلّا أنني لم أجد عندي ميلا لقبول ما وجّه--
فعدم القبول إنما يتأتى حال المعارضة، أما مع الاتفاق وعدم التعارض فلم لا تقبله.
ولاحظ أن الشيخ زكرياء أورد سبب استعمال لفظ السمع والبصر، ولم يتكلم على لازمه نفيا أو إثباتا.... وأنت إنما رجحت معنى بحسب لازمه ولم تلتفت إلى سبب استعماله بعينه دون ما سواه...

جمال حسني الشرباتي
15-02-2007, 21:07
بارك الله بك يا أستاذ سعيد --

فقد أجدت التوجيه

عمر شمس الدين الجعبري
12-11-2018, 21:10
أشكر الأخ محمد شهيد على ترجمته ونقله.