المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقض الرسالة التدمرية - (2)



سعيد فودة
06-04-2004, 22:27
قاعدة الإثبات المفصل والنفي المجمل

كثيراً ما يصرح ابن تيمية بأن طريقة السلف في وصف اللـه في حالة الإثبات هي إثبات الصفات على وجه التفصيل، وأما في حالة التنزيه فهي الاقتصار على النفي المجمل، وسوف نبين نحن أن الأمر ليس على الوجه الذي ذكره ابن تيمية، بل طريقة القرآن في الجهتين التفصيل حيث يلزم والإجمال حيث يلزم، فلا يقال إن طريقة القرآن في الإثبات هي التفصيل وفي النفي الإجمال، بل قد ينفي عن اللـه تعالى ما لا يليق به على سبيل التفصيل كما يثبت لـه على سبيل التفصيل، فالحاجة هي التي توجب الطريقة المتبعة.
وسوف نبين السبب والغاية التي من أجلها قال ابن تيمية بهذه القاعدة المدعاة، وذلك قبل الشروع في إبطالها ونقضها.
لقد عرفنا أن مذهب ابن تيمية هو التجسيم للـه تعالى، فهو يقول إن اللـه في جهة، ومستقر على العرش بمماسة، ويتحرك نزولاً وصعوداً، وتحل الحوادث في ذاته، ولـه يد وعين ووجه وغير ذلك من الأعضاء التي يسميها صفاتٍ عينيةً إلى آخر مذهبه، وهذا هو الإثبات التفصيلي الذي يريده ابن تيمية.
وأما علماؤنا من أهل الحق فإنهم يصفون اللـه تعالى بالصفات الكمالية كالقدرة والعلم والحياة وغيرها، وينزهون اللـه تعالى عن كل نقص، فينفون الحد والجهة وكونه جسماً، وينفون قيام الحوادث بذاته الجليلة، ويقولون (ليس كمثلـه شيء).
وابن تيمية عندما يقول إن طريقة القرآن هي الإثبات التفصيلي والنفي الإجمالي يريد بذلك أن يغلّط العلماء المحققين الذين نفَوا عن اللـه النقائص تفصيلاً، ونفياً كلياً، كما مرَّ، وذلك لأنه يُثْبِتُ بعضَها للـه تعالى، وإن ادعى أن ما يثبته ليس بنقيصة لله تعالى. وهو إنما يريد من العلماء الاقتصار على نحو قولـه تعالى: (ليس كمثلـه شيء) و(ولم يكن لـه كفواً أحد)؛ لأن هذه الآيات عنده عامة تحتمل التخصيص، ومجملة تحتاج للبيان، فهو ـ عند ابن تيمية ـ مع أنه (ليس كمثلـه شيء) إلا أنه في جهة، وفي مكان، ويمس العرش، ويتحرك، وغير ذلك مما يعده علماءُ أهل الحق من النقائص، ويعده ابن تيمية كمالات لازمة لوجود اللـه تعالى، أو لأفعالـه أي لكونه فاعلاً.
فالحاصل أن ابن تيمية إنما يقول بأن طريقة القرآن هي الإثبات التفصيلي والنفي الإجمالي. أما الإثبات التفصيلي فلأنه يريد فتح باب لنفسه بإثبات ما مرَّ تفصيلاً، لأنه يعتبره كمالاً للـه تعالى، وأما النفي الإجمالي فلأنه يريد أن يقفل الباب أمام مخالفيه فيمنعهم من نفي هذه النقائص عن اللـه تعالى.
فقاعدته غائية وليست علمية. أي إنه وضعها من أجل تحقيق هدفه الذي يختزنه في نفسه، ولم يحصل عليها بعد استقراء آيات القرآن والسنة الشريفة. وذلك لأن القرآن ينزه اللـه تعالى إجمالاً وتفصيلاً، ويثبت للـه تعالى الصفات إجمالاً وتفصيلاً، فلا يوجد في القرآن ما يمنع النفي التفصيلي عند الحاجة لذلك، كما لا يوجد فيه ما يمنع الإثبات الإجمالي.
فأنت تعلم أن اللـه تعالى نفى بعض النقائص عن ذاته الشريفة تفصيلاً، فقال جل شأنه: (لم يلد ولم يولد)، كما نفى إجمالاً فقال: (ولم يكن لـه كفواً أحد)، وأثبت لنفسه الكمال الكلي العام في قولـه: (اللـه لا إلـه إلا هو الحي القيوم)، كما نزّه تفصيلاً فقال: (لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ). ولما نسب اليهود البخلَ للـه تعالى ردَّ عليهم تفصيلاً فقال: (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء).
والقاعدة التي ابتدعها ابن تيمية إنما هي لتحقيق غرضه واستنفاذ شهوته. ولكن علماء أهل الحق قالوا بصحة النفي التفصيلي كما قالوا بصحة النفي الإجمالي، لأن كل ما خطر على قلب بشر من النقائص وأثبته بزيغه للـه فيجب نفيه والتصريح بنفيه عند الاحتياج إلى ذلك، وما معنى نفي الزوجة والولد عن اللـه تعالى؟ أليس هذا نفياً تفصيلياً ليدفع به زعم من قال بإثباتهما لـه تنزه وتعالى؟
وقد تنبه شارح التدمرية إلى هذه المعاني عن بُعد، فقال ـ تعليقاً على استشهاد ابن تيمية على النفي المجمل بقولـه تعالى (لم يلد ولم يولد ولم يكن لـه كفواً أحد) ـ: "ووجه الدلالة من الآية الثانية أن اللـه نفى أنْ يكون لـه كفؤ أي شبيه ونظير مكافئ لـه، فنفى المكافأة والمشابهة عموماً وهذا نفي مجمل، والشاهد قولـه: (ولم يكن لـه كفواً أحد)، وأما قولـه تعالى: (لم يلد ولم يولد) فهو من باب النفي المفصَّل، لأنه نفي صفة معينة، وقد خرجت هذه الآية عن القاعدة والأغلبية، وهي أن طريقة القرآن في النفي الإجمال، وذلك لسببين: الأول أن اليهود والمشركين نسبوا الولد إلى اللـه فردّ اللـه عليهم ونفى هذه الصفة بعينها. والثاني أن الولد والولادة صفة كمال في المخلوق، فنفيت لئلا يتوهم أن اللـه متصف بها، فهي وإن كانت وصفَ كمالٍ في المخلوق إلا أنه كمال مقترن بالنقص، هذا هو السبب في خروج هذه الآية عن القاعدة، ولها نظائر قليلة" اهـ.
ولنا بعض الملاحظات على ما مضى:
أولاً: أن ابن تيمية يقول إن الطريقة في الإثبات هي الإثبات المفصّل، وهذا من حيث الظاهر لا إشكال فيه، إلا أننا نخالفه فيما يريد أن يثبته تفصيلاً، كما شرحناه سابقاً. فهو يريد إثبات الجهة، ونحن ننفيها، وهو يريد إثبات الحدّ ونحن ننفيه، وهو يريد إثبات الحيز ونحن ننفيه، وهو يريد إثبات الحركة وحلول الحوادث في الذات ونحن ننفي ذلك.
ثانياً: قولـه إن الطريقة في النفي هي النفي المجمل غير مسلّم على إطلاقه لوجهين: الأول: أننا قد نحتاج إلى النفي المفصّل، وذلك لدفع أوهام بعض المبتدعة والملحدين كمن يتوهم أن اللـه بخيل، فننفي البخل عنه تفصيلاً، وكمن يثبت الجهة للـه، فننفيها عنه تفصيلاً كما نفى اللـه تعالى الصاحبة والولد.
الثاني: أن كلمة الإجمال مصطلح معروف عند العلماء في الأصول، وحاصلها أنها لا يمكن العمل بها لاحتياجها إلى بيان، وابن تيمية جعل المجمل وصفاً للنفي فقال: (النفي المجمل) فجعل النفي نفسه مجملاً، ولكن المجمل غير مبين، وغير المبين لا يُعْمَلُ به لعدم وضوح معناه المراد منه أو مصاديقه. والحقيقة أن ابن تيمية يعتقد حقيقةً أن النفيَ الواردَ في القرآن كنحو قولـه تعالى: (ليس كمثلـه شيء) غيرُ محكم، ويحتاج إلى بيان، وكذلك يقول في قولـه تعالى: (ولم يكن لـه كفواً أحد)، ولذلك فإنه لا يجد حرجاً عندما يثبت تفصيلاً ما ينافي هذه الآيات الكريمة، فيقول: اللـه لـه حدّ وهو في جهة وفي حيز وتحل الحوادث في ذاته، وغير ذلك مما يناقض في ظاهره الآيات الكريمة. ولكن لما كانت الآيات عند ابن تيمية مجملة فإنه حقيقة لا يجعلها العمدة في الباب، ولا القاطع للنزاع، ولذلك فإنه يقدم عليها كل إثبات تفصيلي كما يتوهمه. وهذا هو السبب في قولـه بالإثبات التفصيلي كما نبهناك سابقاً.
والحق أن يقال إن النفي في الآيات نفي كليٌّ أو عام، وهذا النفي قاطع ويجب العمل به، وليس مجملاً ولا يتوقف على بيان، لأن العموم مبيّن والنفي الكلي قاطع في محله. والحاصل أن هذه الآيات التي يقول عنها ابن تيمية إنها مجملة ومتشابهة، يقول عنها علماؤنا علماءُ أهل الحق إنها محكمة وواضحة وبيّنة لا تتوقف على بيان، ولذلك فإن هذه الآيات هي الحَكَمُ عندنا، ولكنها عند ابن تيمية مجرد نفي مجمل.
والحق أنها بعدما مرَّ يجب القول إنها نفي مفصل لا نفي مجمل، والنفي المفصل ـ أي المبين ـ العام لا تعارضه أوهام تعرضُ في أوهام بعض المبتدعة لجهلهم أو هواهم. ولذلك فإن علماءَنا لم يَرَوْا في النفي المفصل تعارضاً مع ما وَرَدَ في القرآن الكريم، بل كان هذا عندهم مؤيداً ومساوقاً ومتفقاً مع طريقة القرآن، خلافاً لابن تيمية ومن يميل إليه.
والنتيجة من هذه المناقشة الموجزة:
أن الطريقة التي يدعيها ابن تيمية ليست هي طريقة الرسل ولا هي الطريقة القرآنية بل هي طريقة ابن تيمية. وأما طريقة القرآن فهي إثبات المقطوع به للـه تعالى تفصيلاً، ونفي كل نقص لا يليق باللـه تعالى بطريق كلي وتفصيلي.
ثالثاً: تأمل في قول شارح التدمرية: (وقد خرجت هذه الآية عن القاعدة والأغلبية)، ثم قولـه: (ولها نظائر قليلة)، فهو قد اعترف صراحة بخروج هذه الآية عن قاعدة ابن تيمية، واعترف بأن لها نظائر، وما كان لـه نظائر يكون قد اشترك مع نظائره في علة وحكم كلي، والأصل أنه إذا كان الأمر كذلك الاطراد في ذلك الحكم وتعميمه، فَلِمَ لَمْ يقل ابن تيمية بذلك؟ ثم إن قولـَه إن لها نظائر قليلة غيرُ مسلّم، لأنها ليست كذلك، ولأن النفي الذي سمّاه هو وشيخه مجملاً، ليس مجملاً في الحقيقة، بل هو مفصّل مبيّن وكلّي، فهو يندرج مع هذه النظائر، وهي تصبح من ضمن أفراده فليست هذه النظائر شواذَّ حتى لا يحتجّ بها، بل هي مطردة مع القاعدة وهي النفي الكلي.
ثالثاً: قولـه عن الولادة إنها كمال مقترن بنقص، الأَوْلَى أن يُعَبِّر عنه بأنه كمال إضافي ليس مطلقاً، أي كمال بالإضافة إلى المخلوق الإنسان مثلاً، وليس كمالاً لكل موجود. ولذلك صرح علماؤنا بأن كلَّ كمالٍ لا نقص فيه بوجه من الوجوه يجب إثباته للـه تعالى، ولم يقولوا إن مطلق الكمال هو الذي يجب إثباته للـه تعالى بل نصوا على أن الواجب إثباته هو الكمال المطلق. وهؤلاء المجسمة ترى أغلبهم لا يعقلون شيئاً من قواعد علم التوحيد، ولذلك تراهم يَضلّون ويُضلّون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. كما أنهم لا يتقنون دقائق العلوم التي عليها المعتمَد في الفهم كأصول الفقه وعلم النحو والمنطق وعلوم المعاني والبيان وسائر علوم الآلات، ولذلك تراهم غارقين في ظلماتهم لا يسهل تفهيمهم ولا البيان لهم، لعدم تأهلهم لقبول البيان بعدُ لا لضعف كلام العلماء.