المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب جديد - نقض العقيدة (الرسالة )التدمرية لابن تيمية (1)



سعيد فودة
06-04-2004, 00:02
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمي والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين. أما بعد:
فلما كنت قد انتهيت من كتابة الرد على كتاب العقيدة التدمرية لابن تيمية، وبعضهم يسميه بالرسالة التدمرية، فقد أحببت أن أعرض على حضراتكم بعض الأبواب الأولى من هذا الكتاب، وذلك تمهيدا له، وإعلانا عنه، فإن الخير يجب أن يعمل الواحد على تعميمه على إخوته وأحبابه من الباحثين عن الحق والمعيار الصدق.

فها أنا الآن أنشر لكم بعض أبوابه الأولى راجيا من الله تعالى أن ينال إعجابكم وأن يكوت فيه من الفوائد ما يجعلكم تدعون للفقير الدائم الدعاء إلى تعالى بالتوفيق.

وإن كان عند بعضكم أي ملاحظات فأرجو أن يسارع بإبدائها سواء كانت نقدا أم زيادة فائدة.


المقدمة

لقد اشتهر بين الناس أنّ ابن تيمية هو من ألف بين قِطَعِ مَذْهَبِ التجسيم، ورتبه ونظّمه حتى أسس أركانه، وكان يسميه بمذهب السلف مجانبة منه للصواب، وتعصباً لرأيه ومحض عناد. وقد ألف أكثر كتبه لنصرة هذا المذهب، والتبس الأمر على كثير من الخلق من العلماء والعوام، لأنه اعتاد اتِّباعَ أساليب لفظية تتيح لـه التهرب عند المساءلة، وتترك لمن لم يتقن فهم مراده التشكُّكَ فيما قصده، والرجل لا نظن نحن فيه إلا أنه تقصَّد ذلك. وأما عندنا فما كتبه واضح في مذهب الضلال، ونصٌّ صريح في نصرة مذاهب المجسمة والكرامية المبتدعة. ونحن في ردِّنا عليه ونَقْضِنا لكلامه لا يتوقف هجومنا لصدِّ أفكاره وتوهماته على موافقه الناس لنا، بل إننا نعلم أن كثيراً منهم على عينيه غشاوة، نرجو من اللـه تعالى إزالتها بما نقوم به من الردود والتنبيهات.
وقد ظن كثير من العوام ـ وتابعهم على ذلك من انتسب إلى العلماء ـ أنّ علماءَنا المتقدمين الذين قاوموا أفكار ابن تيمية إنما فعلوا ذلك حسداً من عند أنفسهم، وأنهم إنما كادوا لـه لأغراض شخصية لهم. ولكن الأمر عندنا على خلاف ذلك، ولا نقول بعصمة أحد منهم، بل كانوا مدافعين عن مذهب أهل السنة الذي كان يريد ابن تيمية هدمَه وإحلالَ مذهب الحشوية المجسمة والكرامية مكانَه، ولذلك فإنهم لما ناظروه وبينوا لـه أنه لا دليل لـه على ما يقول طلبوا منه الكفّ عن الدعوة لهذا المذهب البطّال، فلما أبى حكموا عليه بالسجن، وهو عقابُ أمثالِـه ممن ناهض أهل الحق، وتفرد برأيه، ودعا الناس إليه من غير وجه حق، لما يُحدث ذلك من اضطرابات وفتن. فمخالفات ابن تيمية لمذاهب العلماء بلا دليل، وإصرارُه على ذلك هو السبب في ما آل إليه أمره.



موضوع الرسالة التدمرية

كتب ابن تيمة هذه الرسالة ـ على ما قيل ـ جواباً على سؤال وجّهه إليه ناس من تدمر، فكانت جواباً لهم وسميت باسمهم، نسبة إلى بلدة تدمر، وهي من أعمال حمص في سوريا الشام.
ويتكلم فيها عن التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر، كما نصّ عليه في أولها. والأسباب التي دفعته لذلك على حسب زعمه هي:
أولاً: أهمية هذه الأصول، وهذا صحيح.
ثانياً: كثرة الخائضين فيها بالباطل. وهذا محل نزاع، فإن الأمر في هذه الأصول الدينية أوضح من أن يخفى على الأكثر، بل لقد أوضح علماؤنا تفاصيل هذه المسائل ونقحوها وبيَّنوها، ولكن لما كان ابن تيمية يخالفهم في هذه الأصول وصفهم بأنهم إنما خاضوا في تلك المباحث بالباطل. وسوف نردُّ زعمه عليه، ونبطل كلامه، ونهدم أدلته بأوضح البيان وأوجزه.

سعيد فودة
06-04-2004, 00:06
الطريق إلى التنزيه

يدعي ابن تيمية دائماً أنه لا يقول إلا ما قالـه اللـه تعالى ورسولـه عليه السلام، فهو يدعي أنه لا يثبت إلا ما أثبته اللـه والرسول، ولا ينفي إلا ما ينفيه اللـه ورسوله، هذا ما يدعيه ابن تيمية. ويا ليته فعلاً التزم بذلك، لكان اختصر على نفسه كثيراً من النزاع مع أئمة المسلمين، ولكان تجنب مخالفة الحق في كثير مما قاله؛ ولكن الواقع خلاف ذلك، فقد وقع ابن تيمية صراحة في ضدِّ هذه القاعدة التي يكررها دائماً، فإننا نراه قد أثبت الجهة، والحدّ، والحدود، وقيام الحوادث في ذاته تعالى، وغير ذلك من مفاسد، كمماسته جل شأنه للعرش ولغيره من المخلوقات، ولم يرِدْ شيءٌ من ذلك في كتاب ولا سنة، فيكون ابن تيمية قد خالف القاعدة الأشهر عنده، فما قرر علماء الإسلام أنه الحق فإنه خالفه، وما صرح ابن تيمية أنه الحق خالفه كذلك، فلم يثبت على حقٍّ.
ثم هذه القاعدة تحتاج إلى نوع تحرير، فهي مجملة تحتاج إلى بيان، فهل يقصد ابن تيمية أننا لا نصف اللـه تعالى إلا بما صرح به اللـه تعالى والرسول، فإن قصد ذلك فهو قد خالفه كما مرَّ. ثم لا يتوقف صحة وصف اللـه تعالى على وجود النص الصريح عندنا، وإن قال بذلك الإمام الأشعري كما هو ظاهر كلامه من لزوم الاستناد إلى التوقيف في أوصاف اللـه تعالى. وعلى كل حال فقد خالف ابن تيمية هذه القاعدة. وإن قصد أن وصف اللـه تعالى يتوقف على ما يفهم من النص وإن لم يكن صريحاً، فإننا نقول ببطلان ذلك، لأن بعض صفات اللـه تعالى يمكننا إدراك ثبوتها قبل معرفة الشريعة، ولو توقف إدراكنا لجميع صفات اللـه على النصوص والشرائع للزم تعطيلُ العقول وانتفاءُ فائدة النظر، ولكن كل ذلك باطل. فما ادعاه ابن تيمية باطلٌ إذن.
فإن النظر لمعرفة اللـه تعالى واجب، وإنما يكون النظر بالعقل لا بالنقل، فلا يصح القول إذن بتوقف وصف اللـه على ما وصف به نفسه أو وصفه به رسولُه، لأن هذا لا يتأتى إلا بعد نزول الشريعة وثبوتها عند المكلف، والنظر يكون قبل ذلك كما هو ظاهر.
ومن ضمن ما يصرح به ابن تيمية من طريقته التي يزعم اتباعها قولـه في ص31: "وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل" اهـ، وهو يطلق هذه العبارة دائماً هكذا فيقرأها القارئ ويحسن الظن به لأول وهلة، ولكن إذا دقق النظر فيها وجد تحتها معاني باطلة، وسوف نبين لك بعضها بإجمال هنا.
أولاً: قولـه "من غير تكييف" إذا سمعه الواحد ربما يفهم منه نفي الكيف عن اللـه تعالى، فقد قال علماء السنة قبل ابن تيمية عن الآيات المتشابهة: "نؤمن بها بلا كيف"، وقد أرادوا نفي أصل الكيف عن اللـه تعالى، ولذلك أدخلوا النفي على أصل كلمة "كيف"، وربما يقولون: "بلا تكييف" ويريدون نفي الكيف أيضاً. والكيف هو وضع الشيء بالنسبة إلى غيره أو وضع أجزائه بالنسبة إلى بعضها، وهو يستلزم ـ كما هو ظاهر ـ التجسيم، ولذلك فالمنزِّه ينفي أصلَ الكيف، وابن تيمية لم يَرِدْ نصٌّ واحد في كلامه ينفي فيه أصل الكيف، ولكنه ينفي "التكييف" دائماً، والتكييف ـ في مراده ـ هو تحديد كيفية من الكيفيات المحتملة وهماً في وهم الإنسان ونسبتها لله، كأن يقال: يده على الصورة الفلانية، أو عينه على الصورة الكذائية، فتعيِّنُ لها كيفية معينة في ذهنك. فهو ينفي تعيين إحدى الكيفيات في وهم الإنسان، لأن الإنسان لم يرَ اللـه تعالى فكيف يعين صورة لـه وكيفية وهيئة؟ هذا هو مراد ابن تيمية وأتباعه، وهذا مبني على أصل التجسيم الثابت عنده وعندهم، وإثبات أصل الكيف للـه، تَنَزَّهَ عما يقولون. ولذلك قال شارح التدمرية ص32: "والتكييف معناه تعيين كُنْهِ الصفة، يقال: كَيَّفَ الشيءَ أي جَعَلَ لـه كيفيةً معلومةً، وكيفيةُ الشيءِ صفتُه وحالُه" اهـ. فالتعيين هو المنفي لا أصل الكيف كما صرّح ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه.
ثانياً: أما قولـه "بلا تمثيل"، فالتمثيل هو المساواة التامة في الصفات الذاتية، وهو إنما ينفي التمثيل بهذا المعنى، ونفي هذا المعنى لا يستلزم نفيَ التشبيه من جهةٍ من الجهات، وابن تيمية لا ينفي التشبيه، وإذا ورد في بعض كلامه نفيُ التشبيه فإنما يريد به التشبيهَ التّامَّ المساوي للتمثيل. ولا يعرف كثير من أتباعه هذا الفرق عند ابن تيمية بين التشبيه والتمثيل، ولذلك ربما ينجرف بعضهم وينفي التشبيه غافلاً عن مذهب إمامه، كما فعل شارح التدمرية، فقال ص31: " قال نعيم بن حماد شيخ البخاري رحمهم الله: من شبه اللـه بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف اللـه به نفسه كفر، وليس فيما وصف اللـه به نفسَه أو وصفه به رسولُـه صلى اللـه عليه وسلم تشبيه ولا تمثيل". وقال ص 32: "وكان إثباتهم بريئاً من التشبيه" اهـ.
فنقل الشارح عن نعيم بن حماد تكفير المشبهة، ولم يعلم أن ابن تيمية يجيز التشبيه من بعض الوجوه، فما أطلقه نعيم بن حماد غفل الشارح عن كونه مناقضاً لكلام شيخه ابن تيمية، وظنه موافقاً لـه فاستدل به. ومثلـه في ذلك كمن يستدل بكلام للإمام الرازي في شرح عبارة لابن تيمية؟! فكيف يُفَسَّرُ النقيضُ بالنقيض، والضدُّ بالضد، ولكن الغفلة والجهل يفعلان الأعاجيب.
وابن تيمية وإن نفى التشبيه في كلامه بعد ذلك فقال ص 34: "ففي قولـه تعالى: (ليس كمثلـه شيء) ردّ للتشبيه والتمثيل"، وقال ص33: "فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتاً بلا تشبيه" اهـ، فمراده بالتشبيه هنا التمثيل أو التشبيه التام، ولذلك قرنها في الموضعين بما يدل على ذلك، ولذلك تراه دائماً في نفي التشبيه يقرنه بالتمثيل، وسوف يأتي مزيد كلام على التشبيه والتمثيل.