المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرسم العثماني للمصحف



محمد ال عمر التمر
01-02-2007, 12:35
الرسم العثماني للمصحف
هذا مقال للأستاذ محمود غنيم نشر عام 1966 م بمجلة الوعي الإسلامي:

لا أظن موضوع الرسم العثماني للمصحف من الموضوعات الشائكة التي لا ينظر المتحرجون إلى وضعها على بساط البحث بعين الارتياح. إننا ندين كل الدينونة بتقديس القرآن الكريم ولكن ما هو القرآن الذي ندين بتقديسه؟ إنه كلام الله تعالى المنزل على نبيه الكريم هذا الكلام ينبغي أن يُقرآ كما أنزل دون أن يمسه تحريف أو تصحيف، أما طريقة الرسم الذي يؤدّى به النطق على الصورة المطلوبة فليست فيما نعتقد من التقديس في شيء، فإنما هي من وضع البشر، وعلى ذلك فهي خاضعة لقواعد الإملاء قديما وحديثا.
وليس الخلاف في رسم المصحف ابن اليوم، وإنما هو خلاف قديم تمتد جذوره في باطن التاريخ إلى زمن سحيق بين رجال الدين أنفسهم، فريق يقول بضرورة المحافظة على الرسم العثماني، دون أن يبدي لذلك سببا معقولا وفريق يقول بتطور رسم المصحف طبقا لتطورات الكتابة، وما يستنبط لها من قواعد من شأنها التيسير على الكاتبين والقارئين.
وقد رأيت أن أعرض لهذا الموضوع وتطوراته عرضا يلم بأطرافه من جميع نواحيه، لأنه وثيق الصلة بأقدس مقوم من مقوماتنا الدينية واللغوية والقومية، وأعني به القرآن الكريم حتى نسلط بعض الأضواء على هذه المسألة تمهيدا لإعادة النظر فيها من جديد أتبقى على ما هي عليه أم يتخذ فيها إجراء آخر ؟
وقد عرض لي هذا الموضوع عندما كنت أضع كتابا عن المرحوم حفني ناصف تكليف من بعض دور النشر. أما صلة حفني بهذا الموضوع فهي من أوثق الصلات، ولعل كثيرين من قراء القرآن الكريم في مختلف أرجاء العالم الإسلامي لا يعلمون أنهم مدينون بضبط المصحف الشريف ورسمه بالصورة التي هو عليها الآن لهذا الرجل العظيم، الذي مضى على وفاته ما يقرب من نصف قرن (1855ـ1919) وقد شاءت المقادير أن يقوم بتصحيح آخر تجربة من تجارب طبع المصحف وهو على فراش الموت.

وتبتدئ قصة رسم المصحف من عهد كتابة الخليفة عثمان بن عفان له في القرن الأول الهجري، أو في النصف الأول منه، وتنتهي بتجديد هذه الكتابة نفسها على يد حفني ناصف وزميليه في القرن العشرين أو في أوائله.[اختار المرحوم حفني ناصف لمساعدته في هذا العمل العالمين الجليلين الشيخ أحمد الإسكندري، والشيخ مصطفى عناني]
بعد أن كادت معالم الرسم العثماني أن تنطمس آثارها لكثرة ما شاع فيها من الأخطاء والتحريفات بتوالي الطبع على مر الزمان في مختلف البلدان حتى خيف من تسرب البلبلة والاضطراب إلى خير كتاب عرفته الإنسانية جمعاء.
حينئذ قامت وزارة المعارف المصرية في ذلك العهد بتكليف المرحوم حفني ناصف مراجعة كتابة المصحف والقيام بتصحيح ما فيه من أخطاء، ولم يكن أمر هذه المهمة من الهنات الهينات، فقد سلخ من عمره في إنجاز هذا العمل زهاء سبع سنوات من 1912م إلى 1919 ثلاث منها قبل إحالته على المعاش وأربع بعد الإحالة وإلى هذه المهمة يشير في البيت الأخير من الرائية المشهورة التي بعث بها إلى حسين باشا رشدي رئيس الوزارة إذ ذاك طالبا مد أجل خدمته والتي مطلعها :


صاحب الدولة يا شيخ الوزارة = حاجتي إن شئت تقضى بإشارة

ويقول في آخرها:


ليس عندي ضيعة تكفل لي = رزق أولادي ولا عندي تجارة
إن أولادي على كثرتهم = ليس فيهم بعد من يكسب بارة
أبقني بضع سنين ريثما = يقدر الأكبر أن يؤوي صغاره
أو إلى أن ينتهي ما في يدي = وهو إن تم فخار للنظارة

البيت الأخير هو الذي نعنيه فهو يشير بقوله (ما في يدي) إلى عمله في ضبط المصحف.
وقد اقتضاه هذا العمل أن يبحث عن قواعد الرسم العثماني وأصوله، فوفق إلى ذلك بعد مجهود كبير. وكانت جملة ما قام بتصحيحه من الأخطاء بعد تطبيق هذه القواعد التي استنبطها تربو على مائتي غلطة إملائية.
أما هذه القواعد نفسها فقد ضمنها كتابا خاصا قائما بذاته، إلا أنه مما يؤسف له أن هذا الكتاب قد ضاع فيما ضاع من آثاره، ولكن من حسن الحظ أننا عثرنا بمحض الصدفة على المقدمة التي وضعها لهذا الكتاب فيما عثرنا عليه من مخلفاته. وفي هذه المقدمة يعرض لقصة رسم المصحف عرضا تاريخيا مفصلا ويسرد مبررات ضرورة العودة إلى الرسم القديم، ويرد على المعارضين بكل ما وسعه من منطق وإقناع. الأمر الذي يدل على أن المسألة كانت موضع خلاف مستحكم بين العلماء
وقد كنا نود أن نسجل هذه المقدمة بنصها ولكننا تجنبا للتطويل آثرنا أن نشير إلى أهم ما ورد فيها من النقاط الجوهرية التي تتصل بصميم الموضوع، محتفظين لأنفسنا بحق التعقيب على بعض هذه النقاط.

بدأ حفني مقدمته بقوله " جاء في حديث عائشة وفاطمة رضي الله عنهما: أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل سنة في شهر رمضان مرة واحد وفي السنة الأخيرة من حياته عارضه مرتين، فأحس بدنو أجله"

وقد كتب القرآن بعد العرضة الأخيرة زيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو الدرداء ومعاذ وغيرهم من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولكن الوحي لم ينقطع حتى قبض عليه الصلاة والسلام، فألحق الكاتبون ما نزل أخيرا بما كان عندهم.

في عهد الخلفاء:

ثم انتقل إلى التي سلكها موضوع تدوين القرآن الكريم في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأشار إلى أنه عقب توليه الخلافة ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام، وادعى مسيلمة النبوة في اليمامة وتبعه بنو حنيفة فأرسل أبو بكر خالد بن الوليد لقتالهم على رأس حيش من المقاتلين المسلمين وفي أثناء دوران رحى المعركة بين الطرفين استحرّ القتل في القراء، حتى بلغ عدد من مات منهم في هذه العركة زهاء 700 رجل. ولما عرف عمر ذلك ارتاع وخشي على القرآن الضياع إذا استحرّ القتل في بقية المعارك كما استحر في هذه المعركة، فتكن النتيجة القضاء على البقية الباقية من حفاظ القرآن، فيذهب منه بذهابهم الشيء الكثير وحينئذ بادر أبا بكر وأشار عليه بجمع القرآن فاستصوب أبو بكر رأي عمر وبعث من فوره إلى زيد بن ثابت وقال له " إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى عليه وسلم فتتبع القرآن لتجمعه" فصدع زيد بالأمر وجعل يتتبع القرآن من صدور الرجال ومن الرقاع والأضلاع وقحوف السعف حتى أتمّ جمعه، أو كاد.
يقول زيد " ففقدت آية كنت أسمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أجدها عند أحد فوجدتها عند رجل من الأنصار وهي { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} فألحقتها في سورتها ثم فقدت آية أخرى فاستعرضت المهاجرين والأنصار أسألهم فوجدتها عند خزيمة بن ثابت وهي { لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. الآيتين} فألحقتها في آخر السورة فلم أجد فيه شيئا"
ومعنى أنه لم يجد الآية أنه لم يجدها عنده مكتوبة فيما سبق أن كتبه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كونه يحفظها فمعنى أنه وجدها عند الأنصاري أنه وجدها مكتوبة لأن زيدا كان يُهمه أن يطلع على الكتابة، إذ كان فيها علائم مخصوصة تدل على أوجه القراءة التي أذن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرأ بها وفود القبائل من العرب من فك وإدغام وإمالة وتفخيم وإشمام ومد وقصر وتغليظ وترقيق.
قال عليه الصلاة والسلام " نز القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه" قيل أنها لغات قريش وكنانة وأسد وهذيل وبني تميم وضبة وقيس، وهم الذين انتهت إليهم الفصاحة وسلمت لغاتهم من الدخيل، وبذلك تم جمع القرآن كله في الصحف مشتملا على الأحرف السبعة وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات ثم كانت عند عمر حتى ما، ثم كانت عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم انتقل حفني في مقدمته إلى مرحلة تدوين القرآن في خلافة عثمان بن عفان، وهي أهم المراحل التي سلكها هذا التدوين، فأشار إلى أن حذيفة بن اليمان قدم عليه ذات يوم فزعا، وكان قد سار مع جيش من المسلمين للقتال في أرمينية وقال" يا أمير المؤمنين إني سمعت الناس اختلفوا في القراءة حتى والله لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف، فما كنت صانعا ـ إذا قيل هذه قراءة فلان وهذه قراءة فلان، كما صنع أهل الكتاب ـ فاصنع الآن"
ولم يكن عثمان خالي الذهن من أمر هذا الاضطراب قبل حديث حذيفة بن اليمان، بل كان قد بلغه طرف من هذا الاختلاف بين المعلمين في المسجد يقول أحدهم " قراءتي خير من قراءتك" ويقول الآخر " إني رويت هذه القراءة عن فلان عن فلان" ويتمادون في الخلاف إلى حد المقاتلة، ولا يسلم أحدهم بقراءة الآخر. وحينئذ وجد عثمان نفسه أمام حادث جلل لا بد أن يتخذ فيه إجراءا حاسما، فجمع الناس ليشاورهم في الأمر وكان عدة من اجتمع بهم زهاء اثني عشر ألفا وقال لهم " بلغني أن بعضهم يقول " قراءتي خير من قراءتك" وهذا يكاد يكون كفرا فماذا ترون قالوا: " فماذا ترى؟" قال " أرى أن يجتمع الناس على مصحف واحد، فلا يكون فيه فرقة واختلاف" قالوا فنعم ما رأيت"
فإرسل من فوره إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف فأرسلتها إليه فاستدعى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن هشام وقال له " انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد" وقال للنفر القرشيين " إن اختلفتم أنتم ويد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش فإنه نزل بلسانهم" فصدعوا بأمر الخليفة وأخرجوا للناس أربعة مصاحف كلها مكتوبة بخط زيد، وإملاء القرشيين، وليس فيها أية علامة من العلامات التي كانت في الصحف قبل، لتدل على الأحرف السبعة فأرسل منها مصحفا إلى الكوفة وآخر إلى البصرة، وثالثا إلى الشام، وأمسك عنده واحد وأمر بتحريق كل الصحف والمصاحف التي كانت من قبل.
وقد أقره على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، حتى قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه " لو ولّيت لفعلت في الصحف الذي فعل عثمان "
وقد أمر بعد ذلك بكتابة مصحف لأهل المدينة وآخر لأهل مكة وثالث لأهل البحرين ورابع لأهل اليمن وقد نقل الجعبري عن أبي على أن عثمان أمر زيد ابن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد قيس مع البصري ولم يعرف من بعث مع اليمني أو البحراني ولهذا انحصر الأئمة الخمسة في السبعة الأمصار.
قال الجعبري " والاعتماد في نقل القرآن على الحفاظ، ولهذا أنفذهم إلى أقطار الإسلام للتعليم وجعل هذه المصاحف أصولا ثواني حرصا على الإنقاذ ومن ثم أرسل إلى كل إقليم المصحف الموافق لقراءة قارئه في الأكثر"
ويُفهم من كلام الجعبري أن بين المصاحف شيئا من الاختلاف في الرسم وهو صحيح، ولم يكن غرض عثمان رضي الله عنه منع الناس من قراءة القرآن بالقراءات المروية بالتواتر، وحمْلهم على الاقتصار على لغة قريش وتضييق ما وسعه الله على عباده من الإذن لنبيه بأن يُقرئهم على الأحرف السبعة تسهيلا لهم ورحمة بهم بل غرضه الضرب على أيدي من يتشبث بما وصل إليه ويحجر على الناس القراءة بما وصل إليهم ويقول " قراءتي صواب وقراءة غيري خطأ "
ووضع حد ثابت لقبول الروايات فكل رواية لا تنطبق على مرسوم المصاحف العثمانية يضرب عرض الحائط ولا يجوز القراءة بها ولذلك قال أبو محمد مكي " لقد سقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف فكأنها منسوخة بالإجماع على خط مصاحف عثمان"
ولو كان عثمان أمر باتباع حرف واحد لما جاز لنا أن نخالفه فإن عرفنا عينه أخذنا به وإن لم نعرفه اقتضت قاعدة الحظر والإباحة عدم جواز القراءة بأي حرف كان إذ لا حرف إلا وهو محتمل أن يكون غير مراد فهو محتمل للمنع.
وما ظهرت هذه المصاحف إلا وقد تقاطر عليها الناس لنسخها كما هي من غير تغيير في شيء حتى الحروف المخالفة لأصول الرسم القياسي.
وكانت الكتابة في ذلك العهد خلوا من نقط الإعجام ومن الشكل بأي طريقة كانت، فكانت مصاحف عثمان كذلك. وكان المرجع في القراءة إلى المقرئين الذي أنفذوا إلى الأقطار ومن تلقى عنهم.
وأول من وضع الشكل أبو الأسود الدؤلي بطلب من زياد بن سمية عامل معاوية فوضعه نقطا حمرا فوق الحروف وتحتها وعن يمينها.
وأول من وضع نقط الإعجام نصر بن عاصم الليثي مستعينا بأستاذه يحيى ابن يعمر العدواني بطلب الحجاج عامل عبد الملك بن مروان.
وأول من غير النقط الحمر إلى الحروف الصغيرة الخليل بن أحمد الفراهيدي بعد انقراض دولة بني أمية.
ومن هذا نعلم أن مصاحف عثمان كانت صالحة لأن تُقرأ على أوجه شتى حسب ما يحتمله رسمها فكانت الرواية هي المخصصة لبعض هذه الأوجه دون بعض، وبسبب تعدد الروايات تعددت القراءات.