المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقال: التوازن والتركيب في منهجية الفكر الإسلامي



محمد ال عمر التمر
30-01-2007, 11:23
هذه مقالة للأستاذ رمضان لاوند نشرت في عام 1970 مجلة الوعي الإسلامي:

ثلاثة مناهج فكرية ظهرت في غربي المتوسط وشرقيه ابتداء من العصور اليونانية القديمة حتى اليوم:
1- منهج يعتمد على العمليات العقلية النظرية التي تنضبط بعلم المنطق الأرسطي.
2- منهج يعتمد على البحث العلمي، وينضبط بالأبعاد المادية لأشياء المعرفة باعتباره أداة المعرفة الوحيدة.
3- منهج يعتمد على كل من العمليات العقلية النظرية والمادية الموضوعية وإرادة الإبداع والوعي الوجداني معا في جملة واحدة وبأقدار متوازنة موزونة.
المنهج الأول جاء به اليونان القدماء، والمنهج الثاني جاء به الغرب المعاصر منذ عصر النهضة، أما المنهج الثالث فهو المنهج الإسلامي.
في ضوء هذا التصنيف نواجه تراث المعرفة الإنسانية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وفيما يلي نقرر الوقائع والملاحظات النابعة من هذا التصنيف بالذات.

الفكر اليوناني القديم:
عندما أعلن طاليس الفيلسوف اليوناني الأول أن الماء أصل الوجود وكان ذلك في القرن السادس قبل الميلاد، فقد أعلن في الحقيقة نشوء ما يمكن أن نطلق عليه اسم المنهج الفكري الهندسي
والملاحظ أن كل الفلاسفة الطبيعيين الذين جاؤوا بعد طاليس أو عاصروه قد صدّروا في نظرياتهم التي عللوا بها أصل الوجود عن هذا المنهج الفكري الهندسي نفسه، فأعلنوا على التعاقب أن الهواء أو العناصر الأربعة أو النار هي أصل الوجود.
والظاهرة نفسها قد تكررت حين جاء من يمكن أن نطلق عليهم اسم فلاسفة الوجود فقد أصرّوا جميعا على اعتبار الوجود أصلا للموجودات كلها بالرغم من ظاهرة التجريد التي تميّزت بها فلسفاتهم.
والقول هو نفسه عند كل طبقات الفلاسفة والمفكرين اليونان بما فيهم أرسطو نفسه الذي كانت مهمته جمع طرائق التفكير التي وقع عليها في التراث اليوناني السابق وأساليب المناقشة، وإطلاق اسم علم المنطق عليها.
وقد اعتبر أرسطو واضع علم المنطق تجوزا مع العلم أنه قد أوتي موهبة الجمع والتنسيق وليس بالقليل أن يؤتى المرء مثل هذه الموهبة.
وعندما نعلم أن علم المنطق (الأداة المنظمة للعمليات العقلية) هو العلم الذي يعتبر الوجود كله بما فيه الإنسان نفسه مجموعة من العلاقات المنطقية نستبْين أن من ثَمّ مدى إغفال هذا العلم كثير من العلاقات والحقائق الكونية والإنسانية الأخرى.
وقد يكون من المفيد هنا أن نستشهد برأي مفكر غربي كبير ينقد الفكر الأرسطي، ويعطينا صورة واضحة عنه، يقول ويل ديورانت في ص 120 من كتابه قصة الفلسفة في الترجمة العربية للدكتور فتح الله محمد المشعشع:
" وهذا يجعله (أي أرسطو) يطوق في كل علم ويورّطه في مقدمات واسعة وهنا يكمن عيب اليونان الكبير الذي كان يعوزه النظام والتحديد والتقاليد الثابتة، فقد جال بحرية في ميدان غير محدود، وجرى طوعا إلى النظريات والاستنتاجات، وبذلك حلّقت الفلسفة اليونانية، وقفزت فوق مرتفعات لا يمكن بلوغها مرة ثانية بينما تخلف العلم اليوناني وراءها.."
هنا يتهم الناقد الأمريكي فكر أرسطو ومنطقه بوضع مقدمات خيالية نابعة من افتراضات قد تشكل في النهاية فكرا متناغم الأجزاء، ولكنه لا يمثل الواقع فالإنسان عند أرسطو ظاهرة منطقية متناغمة وكلنها ليست الإنسان الواقعي الذي يفكر وينفعل ويريد ويجد ما يشاء ويعدم ما يشاء، وبالتالي الإنسان المركب من عناصر متباينة ومتداخلة ومتوازنة في الوقت نفسه، أن ويل ديورانت يتهم فكر أرسطو بالخيالية والافتراضات التي لا علاقة لها بالواقعية العلمية.
كل الفلاسفة والمفكرين اليونانيين كانوا ينطلقون من منهج واحد هو منهج التفكير الهندسي البسيط وهو تفكير يتناقض تناقضا تاما مع بنية الطبيعة والكون وبصورة خاصة مع بنية الكائنات الحية، وفي مقدمتها الإنسان نفسه.

الفكر الغربي الحديث:
ولو انتقلنا إلى الفكر الغربي الحديث لوجدنا ظاهرة جديدة من حيث الشكل ولكنها قديمة من حيث المضمون والمحتوى، هذا الفكر يجد في الوقائع المادية وأبعادها مصدرا وحيدا للمعرفة، ومنهجا وحيدا لفهم الكون والطبيعة والإنسان وبذلك يكون الإنسان الذي هو الموضوع الرئيسي الذي يواجهنا باستمرار، مجموعة من العلامات المادية المحضة.
فإذا كان الإنسان الأرسطي مجموعة من الافتراضات العقلية الخيالية النظرية للسبب الذي ذكره ويل ديورانت فإن الإنسان المفكر العلمي الحديث هو مجموعة من العلامات المادية والقوانين الفيزيائية والكيميائية، ولما كانت القوانين التي تكشف عن طبيعة هذه العلاقات علامة على وجود منهج هندسي يبسط الأشياء والوقائع الإنسانية تبسيطا يخرج بها عن طبيعتها التوازنية، فإن من الطبيعي جدا أن نقول: أن الفكر الغربي الحديث بموضوعيته المادية هو ظاهرة جديدة مخالفة عن الفكر اليوناني المنطقي في الشكل. ولكنها مشابهة له من حيث المضمون باعتبار أن الإنسان في نظرهما هو مجموعة من العلاقات المادية الثابتة.
أما الفلسفات العقلية النظرية عن الغربيين بعد النهضة، والتي خالفت الفكر المادي الموضوعي فهي لم تخرج عن كونها استمرارا للعقلية الأرسطية القديمة التي تجعل من لعبة الفكر المنطقي، والمهارات العقلية المتمثلة فيها، ميزانا لحقائقها ووقائعها المختلفة، واتهام هذه الفلسفات بالمثالية البرجوازية من قبل الماديين لا يغير شيئا من الحقيقة التي قررناها مع العلم أن بعض هذه الفلسفات قد نادى بنظريات ثنائية اعترفت بحقيقتي المادة والروح، واعتبرتهما متساويتين في تمثيل الوجود ولاسيما الوجود الإنساني.
المهم أن المنهج الفكري عند العقليين على اختلاف مدارسهم والماديّين العلمييّن على اختلاف نظراتهم قد جعل من الكون والطبيعة والحياة حقائق عقلية نظرية أو علمية مادية وحسب.


الفشل:
من هنا مصدر العجز المفلس الذي اتصف به الفكر اليوناني الأرسطي حين ظهرت المدارس اليونانية المتأخرة والتي رفضت فلسفة ما وراء الطبيعة لتصبح مدارس سلوكية أخلاقية عملية من مثل المدارس الرواقية والكلبية وغيرهما، وما هنا أيضا مصدر الفشل الذي يسجله الفكر الغربي الحديث في استيعاب الحقيقة الإنسانية وتعيين أبعادها ووضع الحلول المناسبة لها والسيطرة على الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية التي تعصف بمجتمعات الغرب اليوم.
وإذا كان العقل المعاصر ما يزال متمسكا بمنهجه الفكري المادي في مواجهة قضايا الإنسان والكون فلأن هذا المنهج يتميز بالبساطة والسهولة تماما، كما بقي العقل اليوناني القديم متمسكا بمنطق أرسطو النظري في مواجهة قضايا الإنسان والكون، ذلك أن منطق أرسطو النظري سلاح سهل يصلح لتأييد كل وجهات النظر وكل الواقف الفكرية المتناقضة.
فلو صح أن المنهج المادي هو المنهج الصحيح لمعرفة الكون والإنسان، لوجب أن تكون الفلسفة النابعة منه فلسفة وحيدة ، ولو صح أن المنهج المنطقي الأرسطي هو المنهج السليم لمعرفة الكن والإنسان لوجب تكون الفلسفة النابعة منه فلسفة وحيدة أيضا.
لقد فشل هذا الفكر وذاك لأنهما يصران على تبسيط ظاهرتي الكون والإنسان تبسيطا ساذجا يخرج بهما عن حقيقتهما الأصيلة.
الوهم الكبير:
أما القول بأن البناء العقلي المنطقي النظري قد نجح في تقرير الحقائق كلها فهو وهو كبير لأن التناغم والانسجام في القضية العقلية المنطقية لا يعني أنهما يمثلان الحقيقة، فهما بالتالي يمثلان افتراضا نظريا متكاملا، ولكنه فاقد لواقعية الحقيقة الحية، وكذلك الشأن بالنسبة لبناء المعرفة العلمية المادية، فقد نجح هذا البناء في تحقيق أعظم المنجزات التكنولوجية، ولكن المنتجات التكنولوجية شيء، والحقائق الإنسانية شيء آخر وليس أدل على ذلك من أن العلم الذي بلغ بتطبيقاته التكنولوجية مرحلة غزو الفضاء وتفجير الذرة، هو نفسه الذي ما يزال عاجزا عن الإجابة على أبسط التساؤلات المتصلة بتوضيح العلاقة بين الدماغ والعقل، أو العلاقة بين الإرادة والعقل، أو العلاقة بين الحياة والموت، أو العلاقة بين الحياة والخلية، عشرات من الأسئلة الأساسية والأولية يقف العلم أمامها عاجزا لأن قضاياها ليست في متناول البحث العلمي.
ومع ذلك فالفكر العلمي مصر على تجاهل عجزه معتمد على منجزات المادية التي تساعده على التشويش على مخالفيه كما كان الفكر المنطقي القديم مصرا على تجاهل عجزه معتمدا على مهارته في تأليف القضايا المنطقية التي يحاول أن يبهر بها مخالفيه ويشوّش عليهم.

نقلة إلى الإسلام:
وبعد فإنه يجدر بنا وقد أدركنا جوانب العجز في المنهجين الغربي الحديث واليوناني القديم، أن نلقي نظرة على منهج الفكر القرآني في الإسلام.
المسلمون يعلنون أن القرآن الكريم قد طرح منهجا سليما يضع الكون والطبيعة والإنسان في صميم الصورة الحقيقية للخلق.
والمسلمون يقولون بعد تتبعهم لجوانب الشخصية القرآنية: أن منهجية الفكر الإسلامي ذات طابع توازني تركيبي فهي ترفض التبسيط الساذج في الرؤية الفكرية لكل من اليونان القدماء والغربيين المعاصرين، وهي تقرر أن الحفاظ على التوازن الدقيق بين عناصر المنهجية المركبة هو وحده الذي يحقق الرؤية الإنسانية السلمية للإنسان والطبيعة والكون.

نظرية التوازن:

جاء في الآية 19 من سورة الحجر قوله تعالى: { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} وفي الآية 21 من السورة نفسها جاء قوله تعالى { وأن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}
النباتات الموزونة والتنزيل الذي يتحقق بقدر معلوم، تقرر حقيقة واقعة هي استمرارية الأشياء منذ بدء الخلق حتى اليوم المرأة والرجل، النبات والحيوان والإنسان، النسب القائمة بين هذه وتلك وأولئك، ثم الأكوان كلها، النظام الفلكي ونظام بناء الذرة، كل هذا مستمر متكرر بأقدار معلومة وبأعداد موزونة، العلاقة بين الخلية والخلية في العضو الواحد، والعلاقة بين العضو الواحد وبقية أعضاء الجسد الواحد، وكذلك الشأن في العلاقة يبن الأجهزة الداخلية في الحسم، ومن وراء ذلك كله تلك الأخلاط التي تنتشر في الحسد الحي، والتي ما تزال في سلوكها التوازني ظاهرة معجزة أمام الأبحاث العلمية الحديثة.
يبقى أن نشير إلى العلاقة الخفية بين الحسد والملكات النفسية المختلفة، العقل ولإرادة والانفعال أو العاطفة، وهي علاقة تتحقق بها ظاهرة أخرى من ظاهرات التوازن المدهش العجيب.
فهل بعد هذا كله من يتنكر لظاهرة التوازن ؟ وهل هناك من يستطيع أن يفسر استمرارها وأن يجد القانون العلمي الذي يستطيع بوسائل الأبحاث المخبرية أن يصفه ويتعرف إلى أسراره ؟
التوازن حقيقة يعترف بها كل العلماء ويشهد آثارها كل المفكرين ويشعر بفعلها الأساسي في تحقيق الاستمرار للوجود كل صاحب عقل.
وعندما نقول توازن فنحن بالتالي نرفض أية منهجية في البحث لا تنطلق من النظرة التوازنية، فالعقل لا يستقل بوجود الإنسان، وكذلك الإرادة أو العاطفة لكن العلاقة التوازنية بين هذه الملكات النفسية المختلفة هي التي تتمثل بها ظاهرة الوحدة في السلوك الإنساني ولما لم تكن الوحدة التي يحققها التجانس المتوازن بين العناصر المتعددة موقوفة على مخلوق معين فقد وجب أن نواجه ظاهرة الوحدة هذه متمثلة في الكون كله وحقيقة مسلمة في كل ميدان وعلى كل مستوى من المستويات.

ولما كان بحثنا متصلا بكل ظاهرات الوجود، فقد وجب أن نتعرف إلى كل عنصر من العناصر التي تتحقق بها وحدة الموجودات وظاهرة تجانسها، فما هي هذه العناصر أو القوى المختلفة التي تتحقق بها رؤية متكاملة للكون والإنسان.
لننظر فيما جاء من وحي الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذلك أن مرتكز بحثنا هنا هو التعاليم وحسب.

الإرادة:
لا أحد يشك في أن الإرادة المبدعة التي تقرر حرية الإنسان في الحركة والسلوك والتصرف هي حقيقة إنسانية واقعة، ولكن الإرادة التي هي الإبداع الحرفي تحققه الإنساني لا تستطيع أن تفسر لنا كل ظاهرات الخلق ومجالي وجوده، فهل نستطيع عن طريق القرآن الكريم أن نجد لهذه الإرادة دورا في ميدان غير ميدان النشاط الإنساني، وعلى مستوى يتجاوز قدراته العملية ؟

إن لنا في القرآن الكريم ما يساعدنا على تحقيق هذا الدور والتعرف إليه لنقرأ الآية 260 من سورة البقرة { وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يـأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} وهاهي آية أخرى نقرأها في سورة آل عمران الآية 59 قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}
في هاتين الآيتين ما يكشف عن نوع من أنواع العلاقة بين الخلق وخالق الخلق، فإذا سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كان الجواب هو التجربة العملية التي تكشف عن طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، هذه العلاقة متمثلة في الإرادة الإلهية، وإذن فالله سبحانه وتعالى يقرر أن العلاقة المنطقية والعلاقة السببية المادية لا تستطيعان أن تفسّرا الكيفية التي تم بها الخلق فهما إذا لا تصلحان للإجابة عن سؤال إبراهيم الخليل أبدا.

والشيء الذي يدعو إلى الدهشة إن أصحاب هذين المنهجين عاجزون عن تجاهل دور الإرادة المبدعة في تحققها الإنساني ومع ذلك فهم يتنكرون لها بمحاولاتهم المستمرة في الزعم بأنها خاضعة لقوانين مادية يجهلها العلم حتى اليوم. ويصرون في الوقت نفسه على التمسك بها حتى لا يقعوا في التناقض فتبطل المنهجية العلمية المادية التي يتعلقون بها ويتنكرون لما سواها.
ويزيد في عجبنا أن الكثيرين منهم ينادون بحرية الإرادة في عملها الإبداعي ثم يرفضون المناداة بها حين يواجهون قضية أصل الكون ومصدر وجوده.
والفرق الظاهر بين إرادة الله للكون كله وإرادة الإنسان في خلق إعماله هو الفرق بين حجم الخلق لكل من الله والإنسان، ثم طبيعة العلاقة بينهما، فالإنسان هو جزء من الكون الذي خلقه الله وإذن فإن إرادته مرتبطة بعناصر وقوى وقوانين يخضع لها هذا الكون كله، أما الله سبحانه وتعالى فهو فوق هذا الكون ومن ورائه وإذن فإن إرادته غير مرتبطة بأي عنصر أو قوة أو قانون فهي إرادة مطلقة وإذا لم نسلم بصفة الإطلاق في إرادة الله فنحن متناقضون مع عنصر آخر يلعب دورا خطيرا في حياتنا هو العقل.

العقل:
لا يتردد أحد في أن العقل ظاهرة نفسية مسلمة، وأنه الميزة التي يتميز بها الإنسان من الحيوان والنبات فبالعقل ندرك قوانين الأشياء، والعلاقة الثابتة التي تربط أحدها بالآخر والعقل كما يبدو لنا ملكة سلبية، أنه أداة الوعي والإدراك ولكنه لا يملك طاقة العقل وإرادة التصرف، فالفعل والتصرف من خصائص الإرادة الإنسانية.
العقل نفسه مضطرا للاعتراف بوجود علاقة خاصة بين الكون وخالق الكون، لأنه بما يملكه من الأدوات التي هي الحواس الخمس لا يستطيع أن يتجاوز الأبعاد المحسوسة للكون، وهو في الوقت نفسه مضطر للتسليم بوجود علاقة على نحو من الأنحاء ين الموجود الإرادة المبدعة له، هو يسلم بها على المستوى الإنساني فلا يعترف بانتقال الشيء من السكون إلى الحركة ما لم تكن هناك إرادة إنسانية مباشرة أو غير مباشرة من وراء هذه النقلة فإذا كان استمرار الكون بتوازنه وتكرره ودوراته التي هي ظاهرة خلق مستمر غير كاف للتدليل على وجود إرادة من ورائه فإن من المكابرة البالغة أن يرفض العقل دور الإرادة الإلهية في تحقيق عملية الخلق المستمر.
إذاً، فما هو دور العقل في الإسلام بعد التسليم بوجود منطق الإرادة من ورائه ؟

تعالوا بنا إلى القرآن الكريم نسأله عن دور هذا العقل في الحياة الإنسانية لنقرأ في الآية 46 من سورة الحج قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}
وإذن فإن مهمة العقل بعد التسليم العقلي بدور الإرادة المبدعة على مستوى الإنسان وعلى مستوى الإله الخالق مع تبين الفرق بين المستويين كما شرحناه قبل فليل، هي مهمة استكشافية: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم أي هي عملية وعي وبحث كما قلنا من قبل أيضا، وعملية الوعي العقلي تستنير بظاهرة الاستمرار في العلاقات بين الأشياء والتي يعبر عنها اليوم بكلمة قوانين وهنا يأتي دور العلم المادي بالتعاون مع العقل، إن دوره هو البحث عن هذه القوانين وحسن الاستفادة منها في صنع تشكيلات مختلفة انطلاقا من إرادة الإبداع.
إن مهمة العلم ليست تفسير الوجود العام بالمنهج الموضوعي المادي بل هي الكشف عن قوانين هذا الوجود وحسن استغلالها والإفادة منها.
والخطأ الذي يرتكبه العلم المادي هو في طموحه إلى تفسير كل ظاهرة حتى ظاهرة الوجود الكوني بالقوانين التي يهتدي إليها بواسطة العقل أولا والأدوات التكتيكية التي اعتمدها العقل وجعلها وسيلة لتسريع الفائدة.
والسؤال الذي يرد الآن، هو هل في وسع العقل أن يتجاهل منطق العاطفة وظاهرة الانفعالات والإحساس الوجداني العميق ؟
طبعا لا. ذلك أن هناك قطاعا نفسيا خاصا تتحقق به رؤى معينة نسميها رؤى فنية أو وجدانية يكون فيها للذوق وللقيم الجالية والأخلاقية دور خاص.
وكما كان كل من العقل والإرادة ظاهرة تقليدية وكان كلك منهما دور إيجابي في تشكيل التراث الإنساني فإن للعاطفة الروحية وما يتفرع عنها من الانفعالات والأحاسيس الوجدانية دورها الإيجابي في تشكيل هذا التراث.


العاطفة:
والعاطفة ملكة نعين بها موفقنا الوجداني من المعاني الجمالية والخلقية، فهي إذن ذات دور إنساني تماما كما هو دور كل من العقل والإرادة. لعلنا في غير حاجة إلى الاستدلال على وجود هذه العاطفة بجانبيها الأخلاقي والجمالي في القرآن الكريم، فالآيات القرآنية حافلة بهذا المعاني التي تحض على تربية الذوق وقيم المحبة والتعاون والتضحية والفداء والتقوى التي هي في حقيقتها اتصال وجداني بالذات الإلهية التي هي المثل لظاهرة القيم المعاني الجمالية في منطق العصر.

أين المنهجية المركبة ؟
في ضوء الحقائق والملاحظات التي سجلناها في هذا المقالة نستطيع أن نقول إن نظرية المعرفة في القرآن الكريم لا تقف عند الرؤية العقلية المنطقية أو المادية بخاصة كما لا تقف عند إرادة الإبداع ولا تقتصر على تربية الذوق أو الحس الوجداني وحسب بل هي معرفة تنادي بنظرية التوازن بين القوى المختلفة هذه القوى تتلاقى وتتداخل ويكمل بعضها البعض الآخر من أجل تكوين الرؤية المتكاملة في العليم القرآني الكريم.
فنحن نؤمن بالله في ضوء الإيمان بإرادة الخلق الإلهية ونحن نستدل على وجود هذه الإرادة بالمنطق العقلي ونفيد من استمرارية القوانين الإلهية بالمنهج العلمي المادي ونربي ذوقنا الفني وقيمنا الأخلاقية بمعاناة التقوى ترقيق العواطف.
إنه المنهج الإلهي التركيبي الذي يقرر ظاهرة التوازن في الخلق على كل المستويات فيجمع بين تكوين الذرة وتكوين المجرات إن قول الله { ومن أحسن من الله قيلا}