المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملاحظات نقدية في تفسير المنار - المنهج والنتيجة



سعيد فودة
29-01-2007, 18:04
تعليقات على تفسير المنار لمحمد رشيد رضا


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد
فقد أحببت أن أذكر هنا بعض الملاحظات النقدية على تفسير المنار لمحمد رشيد رضا، أهتم فيها ببيان طريقته في ‏التفسير وجهات يتضح بها موافقته أو مخالفته لأهل السنة، وطريقتهم في أخذ العلوم والأحكام، فإن المفسر الذي ‏لا تكون طريقته موافقة لأهل السنة في ذلك، فإنا لا يصح لنا إن نعتمده لطلاب العلم إلا القادرين على النقد ‏والتصويب وقليل ما هم، أما أن نحض الناس عليه ونعتمده في دراساتنا ووتدريسنا، فلا.‏
وأدعو الله تعالى أن يكون فيما أكتب هنا فائدة لأهل العلم وطلابه...‏
والله هو المسئول أن يوفقني وإياكم إلى انتهاج نهج أهل الحق، لننال رضاه....‏

‏1-‏ قال محمد رشيد رضا في المنار (1/7):"كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل ‏قارئه عن هذه المقاصد العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب وقواعد ‏النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين وتخريجات الأصوليين ‏واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، ‏وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازي ‏صارفا آخر عن القرآن هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم ‏الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده، كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها وقلده بعض المعاصرين ‏بإيراد مثل ذلك من علوم هذا العصر وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما يسميه تفسير الآية فصولا ‏طويلة بمناسبة كلمة مفردة كالسماء والأرض من علوم الفلك والنبات والحيوان، تصد قارئها عما أنزل ‏الله لأجله القرآن."اهـ
هذا ما قاله محمد رشيد رضا، ولننظر فيما زعمه ونحلل قوله لنصل إلى ما يذهب إليه.‏
إنه يذكر هذا الكلام أثناء ذكر منهجه وطريقته هو في تأليف التفسير، ولأي هدف يكتب بهذه الطريقة، ولذلك فهو ‏يعترض على هؤلاء الأعلام الذين كان لكل واحد منهم هدف وغاية كان منهجه تبعا لذلك. ‏
ولعل محمد رشيد رضا غفل عن أن الغاية التي حددها هي التي تفرض عليه الطريقة والأسلوب، فلما اختلفت ‏غاية المفسرين اختلفت طريقتهم. ‏
فمن فسر القرآن بالمأثور كان غايته ذكر بيان القرآن بما ورد من الأثر والحديث، والنقل عن المتقدمين. ‏
ومن اهتم بإعراب القرآن إنما كان ذلك لأن هدفه كان بيان أثر الإعراب على معاني القرآن الكريم، واختلاف ‏وجوه الدلالات بناء على ذلك. ‏
ومن اهتم بذكر المسائل الفقهية في تفسيره إنما كان هدفه وغايته إظهار أثر القرآن في اختلاف الفقهاء، أو بيان ‏دلالة القرآن على مذهبه الذي يذهب إليه مالكيا أو شافعيا أو حنفيا أو حنبليا. ولا غضاضة في ذلك على واحد ‏منهم. ‏
وكذلك يقال فيمن اهتم بذكر الإشارات الصوفية والفوائد البلاغية وغيره ذلك....‏
فلا غضاضة على واحد منهم ما دام ملتزما بالمنهج العلمي الرصين في تفسيره للقرآن، كل واحد منهم بحسب ‏دائرة اهتمامه.‏
والقارئ لكلام محمد رشيد رضا هنا وفي غير هذا الموضع، يرى تحامله على العديد من المناهج المذكورة، ‏تعصبا منه لرأيه وطريقته، فقد وقع إذن فيما انتقد به الآخرين!!! ‏
ولا يجوز لأحد أن يقول إن هذه المناهج والطرق المختلفة في تفسر القرآن، تبعد القارئ عن معانيه السامية ‏وكلياته المفيدة الدافعة للتمسك بالدين والاعتناء بهدى رسول رب العالمين، إن من يدَّعِ ذلك، فإنما يقع في نفسه ‏ويستنزل مكانته. ‏
فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أثر هذه الطرق في تحرير المعاني الكلية التي يبحث عنها رشيد رضا في تفسيره، ‏بل إنه لولا استفادته هو نفسه من هؤلاء الذين اعترض عليهم لما استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه مما أصاب ‏فيه....‏
وأما اعتراضه على الإمام الرازي وادعاؤه أنه غلا في إيداع تفسيره مما ذكر، فإنما هو دليل على قصور ف ‏فهمه لما ذهب إليه الإمام الرازي من طريقة في التفسير، وغلو مبني على نزعة وهابية غير خفية في نفس رشيد ‏رضا، ومجرد كلام مكرر لا قيمة له لعبارة صدرت من بعضهم ادعى فيها أن في تفسير الإمام الرازي كل شيء ‏إلا التفسير، وقد وهم من قال ذلك ، بل افترى على الإمام، بل فيه كل شيء مع التفسير كما قاله الإمام المجتهد ‏تقي الدين السبكي، رداً على من زعم ذلك. ‏
وأما مقارنة رشيد رضا لتفسير الإمام الرازي ببعض تفاسير المعاصرين يقصد بهم تفسير الطنطاوي، فهو دليل ‏على عدم استيعاب واضح من رشيد رضا لتفسير الإمام، وإنزال مقصود من مرتبة تفسيره العالية عندما يقارنه ‏بتفسير الطنطاوي.... !!! ‏
وأما ادعاء رشيد رضا أن الإمام ينتهز فرصة ورود كلمة مثل السماء ليورد ما انتهت إليه المعارف التجريبية في ‏عصر الإمام في هذا الموضع، فهو من اغتراره برأيه، ولو تأنى على نفسه لأمسك عن كتابة هذه العبارة التي لا ‏تليق بمنزلة الإمام الرازي. فإن الإمام إنما يورد ما يفيد في توضيح المقصود من الآية المعينة، وإذا ذكر بعض ‏التفاصيل الكونية فإنما ذلك لدفع القارئ إلى تصور هذه المعاني لعل ذلك يحدث في نفسه من الأثر الذي يحضه ‏على التفكير في عظمة الله تعالى فيخضع له وينزل عند أوامره ونواهيه..... ‏
وأما ما أضار إليه من الإسرائيليات فسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. ‏‏

2- ‏ قال محمد رشيد رضا في تفسيره (1/101):" وقد أطال الفخر الرازي في استطرادات عديدة ومسائل ‏مستنبطة من لوازم للمعاني قريبة أو بعيدة، ولكنها تشغل مريد الاهتداء بالقرآن. وأطال ابن القيم في ‏أول كتابه (مدارج السالكين) القول في استنباط المسائل منها من طريق الدلالات الثلاث المطابقة ‏والتضمن والالتزام...."(ثم قال) :"والفرق بين هذه المستنبطات –ي مستنبطات ابن القيم- ومستنبطات ‏الرازي أن أكثر تلك في المصطلحات العربية والعقلية والكلامية والفقهية، وأكثر هذه في المقاصد ‏الروحية التعبدية لتلك المصطلحات والعلوم، فهي تزيد قارئها دينا وإيمانا وتقوى، ولكن لا يصح أن ‏يسمى شيء منهما تفسيرا للفاتحة، ولو كنا تعده تفسيرا، لاقتبسناه أو لخصناه في هذه الفوائد."اهـ

فتأمل كيف يمدح تطويل ابن القيم ويعرض عن مدح ما يسميه تطويلا من الإمام الرازي، ويعلل لمدحه هذا بأنه ‏مما يزيد التقوى. وبأن ما أتى به الإمام الرازي في مختلف العلوم فلم يقتصر فيه على علم معين، وأما ما أتى به ‏ابن القيم، فإنما هو في ما يزيد التقوى على حد قوله. ‏
وقد نسي رشيد رضا أن كتاب ابن القيم المسمى بمدارج السالكين في التصوف على طريقة المجسمة، فكان من ‏الملائم أن يورد من الفوائد ما يلائم التصوف، وأما الإمام الرازي فإنما يفسر القرآن، والمطلوب من المفسر أن ‏يورد ما يحتمله اللفظ بحسب القواعد العلمية والأدبية من معانٍ بلا التزام علم دون علم ، ولذلك فقد كانت المعاني ‏التي يوردها الإمام الرازي مختلفة ومتنوعة وترجع إلى علوم ومعارف متعددة الأجناس، منها الكلامية ومناه ‏اللغوية والنحوية، ومنها الفقهية ، ومنها السلوكية والصوفية....الخ. ‏
وأما ما زعمه رشيد رضا أخيرا من أن ذلك لا يسمى تفسيرا، فنقول له: إن كانت تلك المعاني مبينة لدلالات ‏الكلمات والتركيبات القرآنية ، فلم لا يسمى ذلك تفسيرا، ولا يضيرنا بعد ذلك إن لم يوافق هواك، أو لم يتلاءم مع ‏ما تهدف إليه من أهداف... ‏

جمال حسني الشرباتي
29-01-2007, 18:15
الأخ الأستاذ سعيد

السلام عليكم

لا ننزل محمد رشيد رضا ولا الشنقيطي ولا محمد عبده ولا الطنطاوي ولا أيّ مفسّر حديث نفس المنزل الذي ننزله الرّازي أو القرطبي أو ابن كثير أو---ولا أقل منه بكثير--فاطمأن صديقي فنحن نفرّق بين الدرر والأصداف

وبارك الله بك

سعيد فودة
29-01-2007, 21:03
قولك

فاطمئن صديقي فنحن نفرّق بين الدرر والأصداف
أقول: كلامي لست أقصدك به .... !!!!

مهند بن عبد الله الحسني
29-01-2007, 22:10
أحقًّا ما يقوله البعض أنّ تفسير الإمام الرازي يُطِيلْ في تفصيل قول أهل البدع ومن ثم يورد قول أهل السنة بشكل مُجمَلْ ، فيظهر أنّ قولهم القوي المحكم المتين وقول أهل السنّة الضعيف المُشكِلْ . أحقًّا هذا ؟

سعيد فودة
30-01-2007, 00:06
هذا الكلام أخي الحسني فيه مبالغة وعدم تحقيق لطريقة الإمام الرازي، وإن أطلق هذا القول بعض الكبار... وإن صدق هذا القول فإنما يصدق على بعض المسائل الدقيقة -إن سلمنا- وليس منهجا مطردا عند الإمام الرازي....
وسوف نتكلم على تفسير الإمام الرازي في موضع لائق به.....

جمال حسني الشرباتي
30-01-2007, 00:39
قولك

أقول: كلامي لست أقصدك به .... !!!!

ونحن نعرف من تقصد --وكان كلامي عن مجموع المسلمين الذين هم يعرفون الفرق بين الرّازي وغيره من الجدد

سعيد فودة
30-01-2007, 17:54
تعليل كون السور المكية موجزة
قال رشيد رضا في المنار (1/32):"والفرق بين السور المكية والمدنية، هو أن المكية ‏أكثر إيجازا لأن المخاطبين بها هم أبلغ العرب وأفصحهم، وعلى الإيجاز مدار ‏البلاغة عندهم، ثم إن معظمها تنبيهات وزواجر وبيان لأصول الدين بالإجمال."اهـ
أقول: البلاغة لا يشترط فيها الإيجاز، بل الإطناب بلاغة في موضعه أيضا، وذلك ‏بحسب ما يلائم مقتضى الحال، فإن اقتضى الحال الإيجاز كان الإيجاز أبلغ، وإلا فلا. ‏
ولعل التعليل الأقرب إلى الصحة هو أن نفس مواضيع السور المكية يلائمها الإيجاز ‏أكثر مما يلائمها الإطناب، وذلك غير مطرد بل هو غالب، وأما ما قاله من أن ‏البلاغة عند أهل مكة مدارها على الإيجاز، فغير مسلم، لا بالنسبة لهم ولا لغيرهم. ‏
رأي محمد عبده في أول سورة نزلت: ‏
نقل محمد رشيد رضا عن شيخه محمد عبده أنه يرجح أن الفاتحة أول سورة نزلت، ‏فقال في تفسير المنار (1/35):"وأما الأستاذ الإمام فقد رجح أنها أول ما نزل على ‏الإطلاق، ولم يستثن قوله تعالى "اقرأ باسم ربك" ونزع منزعا غريبا في حكمة ‏القرآن وفقه الدين، فقال ما مثاله: ‏
ومن آية ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون سواء كان كون إيجاد أن كون تشريع، أن ‏يظهر سبحانه الشيء مجملا ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجا، وما مثل الهدايات ‏الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع ‏أصولها، ثم تنمو بالتدريج حتى تبسق فروعها بعد أن تعظم دوحتها ثم تجود عليك ‏بثمرها والفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن وكل ما فيه تفصيل للأصول التي ‏وضعت فيها..."اهـ
هذا الكلام يلخص لك مجمل رأي الشيخ محمد عبده، في سبب اختياره كون الفاتحة ‏أول سورة....‏
ومن الواضح أن هذا التعليل أقرب إلى كونه خطابيا من كونه تعليلا حقيقيا، والاطراد ‏غير لازم فيما ذكره. ‏
وقد نصَّ الإمام السيوطي في الإتقان (1/95) على أن أول ما أنزل منا لقرآن هو ‏قوله تعالى(اقرأ باسم ربك الذي خلق). فقال :" ‏
اختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال ‏
أحدها وهو الصحيح اقرأ باسم ربك ‏
روى الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق ‏الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود ‏لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار ‏حراء فجاءه الملك فيه فقال اقرأ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا ‏بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ ‏فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني ‏الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما ‏لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره الحديث ‏
وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة قالت أول ‏سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك ‏
وأخرج الطبراني في الكبير بسند على شرط الصحيح عن أبي رجاء العطاردي قال ‏كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا عليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقرأ ‏باسم ربك الذي خلق قال هذه أول سورة أنزلت على محمد صلى الله عليه ‏وسلم."اهـ
فتأمل كيف حكم بالصحة على هذا القول، ومعنى ذلك أن غيره ضعيف، وغير ‏صحيح، وبالنظر إلى الأحاديث الواردة، يترجح هذا القول فعلا، بل إنه راجح على ‏قول من قال إن أول ما نزل هو سورة المدثر، وراجح على قول من قال أن أول ما ‏نزل هو سورة الفاتحة أو البسملة. فهذه أقوال ضعيفة. ‏
والطريقة التي اتبعها الشيخ محمد عبدة، لا تفيد في ترجيح أول ما نزل، بل هي ‏محض اتباع للرأي المجرد الذي لا يوافق النقل، ولا يلزم عند العقل!!‏
وربما اغترَّ محمد عبده بما قاله الزمخشري في تفسيره ونقله عنه الإمام السيوطي ‏وذكر ردَّ الإمام ابن حجر عليه فقال في الإتقان(1/97):" قال في الكشاف ذهب ابن ‏عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت اقرأ وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة ‏نزلت فاتحة الكتاب ‏
قال ابن حجر والذي ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم ‏يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول وحجته ما أخرجه البيهقي في ‏الدلائل والواحدي من طريق يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ‏ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إني إذا ‏خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت معاذ الله ما كان ‏الله ليفعل بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو ‏بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت اذهب مع محمد إلى ورقة فانطلقا فقصا عليه فقال ‏إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأفق فقال لا ‏تفعل إذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل ‏بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين الحديث هذا ‏مرسل رجاله ثقات ‏
وقال البيهقي إن كان محفوظا يحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعدما نزلت عليه ‏اقرأ و المدثر."اهـ
‏ فما اعتمد عليه الزمخشري إذن غير معتَمَدٍ. وليت شعري كيف يرجح الشيخ محمد ‏عبده هذا الرأي وهو مخالف للرواية الصحيحة.‏
وكون جملة مقاصد الدين قد اشتملت عليها الفاتحة، لا يستلزم أن تكون هي أول ما ‏نزل من القرآن.‏
وقد علق رشيد رضا على ما قاله محمد عبده فقال (1/38):"هذا ما قاله الإمام ‏مبسوطا، ويمكن أن يقال إن نزول سورة العلق قبل الفاتحة لا ينافي هذه الحكم التي ‏بينها لأنه تمهيد للوحي المجمل والمفصل خاصٌّ بحال النبي صلى الله عليه ‏وسلم....الخ"اهـ
ومن الواضح أن محمد رشيد رضا غير راضٍ بتعليل شيخه محمد عبده لاختياره هذا ‏الرأي، ولكنه يخالفه بمنتهى الرقة ، وهذا في حد نفيه غير مذموم ، ولكنا نقول: كيف ‏لو كان قائل هذا القول أشعريا كالإمام الرازي أو البيضاوي أو غيرهما، وعلق عليه ‏محمد رشيد رضا، إننا نظن أنه لن يكتفي بهذا التلويح الرقيق في بيان ضعف قوله ‏واختياره، كما فعل في ترجيح تطويل ابن القيم على (تطويل!) الرازي، وقد سبق ‏التنبيه إليه.‏

وقد ذكر د. فضل حسن عباس قول الشيخ محمد عبده ثم علق عليه قائلا في إتقان ‏البرهان (1/172):"ولكن مع وجاهة ما ذهب إليه هذا الإمام من حيث الدليل العقلي، ‏فإن ذلك يمكن أن يقبل إذا لم يتعارض مع النص الصريح، وحديث السيدة عائشة في ‏صحيح البخاري لا ينبغي أن يقدم عليه قول."اهـ
وكلامه لطيف إلا ما قاله من أن ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده له وجاهة من حيث ‏الدليل العقلي، فإنا لا نرى له تلك الوجاهة.... فإن التنزيل على هذا الوجه من الإجمال ‏غير لازم عقلا، بل الملائم عقلا لو أردنا تحليلا عقليا مقبولا أن يكون أول ما ينزل ‏غير مشتمل على جميع مقاصد القرآن، بل على ما يدفع الإنسان إلى التفكير والنظر، ‏وما يحتوي على أصل نشأته والمطلوب منه في هذا الوجود، وبعد ذلك يناسب أن ‏يذكر جملة مقاصد الدين، ومن الواضح أن سورة اقرأ قد وفت بهذه المعاني التي ‏نراها ملائمة عقلا أكثر مما اقترحه الشيخ محمد عبده، ووافقه عليه عقلاً د. فضل ‏حسن عباس.‏

سعيد فودة
31-01-2007, 23:58
التفسير قسمان ‏

قال محمد رشيد رضا في التفسير (1/24):"فعلم مما ذكرنا أن التفسير قسمان
أحدهما : جافٌّ مبعد عن الله وعن كتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ وإعراب ‏الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية ، وهذا لا ينبغي ‏أن يسمى تفسيراً، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني ‏وغيرهما."اهـ
أقول: ولا ريب في أن رشيد رضا يدرج تحت هذا الحكم أيضا التفاسير التي توضح ‏الفوائد المستفادة من القرآن في علوم الفقه والأصول والعقائد وغيرها من العلوم ‏والمعارف...‏
وتأمل رحمك الله كيف وصف هذه التفاسير بأنها جافَّة!! ولم أعلم أن هناك شرطا ‏للتفاسير أن تكون غير جافة في نظر رشيد رضا، ولا أعلم ما مقدار صدق قوله أنها جافة، وهل هي جافة ‏لكل الناس أم إنها جافة على العوام منهم... ترى هل يراها طلاب العلم جافة كما حكم ‏عليها محمد رشيد رضا..؟!‏
إنا نعلم أن التفسير يبحث في بيان المعاني المحتملة بحسب القواعد اللغوية المعتبرة، ‏وإعراب القرآن لا ريب في أنه شرط أكيد في توضيح تلك المعاني، بل إن العديد من ‏المفسرين يتوقفون في الحكم على معنى من المعاني لآية أو كلمة في القرآن إلى أن ‏يذكروا إعرابها، فإن الإعراب يؤثر على المعنى كما هو معلوم...‏
وأنا لا أشك في أن محمد رشيد رضا يعلم ذلك، ولكنه في فورة اندفاعه لكي يحسن ‏صورة التفسير الذي يشرع فيه هو والشيخ محمد عبده، يبالغ في الحط من أساليب ‏المفسرين الأخرى... وهذا لا ريب في أنه عدم إنصاف منه...‏
ولا أشك في سوء تأثير نحو هذه الكلمات على الناشئة الذين يقع في أيديهم تفسير ‏المنار، فيقرأ منه هذا الحكم، هل نتوقع منه بعد ذلك أن يتوجه إلى الاستفادة مما كتبه ‏المتقدمون بشتى الأساليب في سبيل بيان معني القرآن، أم إنه سيكون مانعا له من ‏ذلك؟! أترك الحكم للقارئ..‏
وإنما أردت بيان هذا الأمر، لأنه يساعد في توضيح جانب من جوانب منهجية محمد ‏رشيد رضا والشيخ محمد عبده ولوازمها.‏
وهو في عبارته نراه يستخف بمثل هذه الأساليب في التفسير، فهو يعتقد أنها لا ‏تستحق إلا أن تكون ضربا من التمرين في الفنون، وهذا لعمري فيه استخفاف كبير، ‏وحط لا يسامح عليه قائله...!‏

سعيد فودة
02-02-2007, 12:17
اعتراضه على الجلالين والعلامة الصبان معنى الرحمن الرحيم‏
نقل محمد رشيد رضا عن شيخه محمد عبده في التفسير (1/46) قوله:"وقد مشى الجلال في تفسيره ‏وتبعه الصبان على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول، ومن العجيب أن يصدر ‏مثل هذا القول عن عالم مسلم، وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها. ‏
قال: وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه إن في القرآن كلمة تغاير أخرى ثم تأتي لمجرد تأكيد ‏غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به....الخ"اهـ ‏
أقول: أنا لا أريد الآن أن أتعقب كلام رشيد رضا وشيخه في تفسير الرحمن الرحيم، وجميع ما وقعا فيه! ‏إذ المقام الآن لا يسمح بذلك، وربما أكتب رسالة خاصة فيه فإنه موضوع مهم يليق الاهتمام به.‏
إنما أريد التنبيه إلى بعض تجاوزاته المتفرقة التي يناسب أن نذكرها في هذا الموضوع.‏
أولا: ليس في كلام الجلال أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، بل غاية ما قاله الجلال المحلي في التفسير ‏لقوله تعالى(الرحمن الرحيم):"أي ذي الرحمة، وهي إرادة الخير لأهله."اهـ ‏
وعلق عليه العلامة الصاوي في حاشيته فقال:"قوله(أي ذي الرحمة) أضار بذلك إلى أن الرحمن الرحيم ‏بنيتا للمبالغة من رحم والرحمة في الأصل رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى ‏مستحيلة في حقه تعالى، فتحمل على غايتها لأن ما استحال على الله باعتبار مبدئه وورد، يطلق ويراد منه ‏لازمه وغايته."اهـ
وقال العلامة الجمل في حاشيته:"أشار إلى أن الرحمن الرحيم بنيتا للمبالغة من رحم، أي ذي الرحمة ‏الكثيرة"اهـ فقيدها بالكثيرة.‏
فالذي في هذا الكلام إشارةٌ إلى عدم القول بأنهما بمعنى واحد، بل تصريح بأن أصل اشتقاقهما فيه اشتراك ‏لا أكثر، أما هما، فلا يغيب عمَّن هو في مثل مكانة الجلالين، وخاصة الجلال المحلي أنَّ اختلاف البناء ‏والصيغة يؤثر في المعنى، فلا يليق أن ينسب إليه أنه يقول إنهما بمعنى واحد. ‏
ثانيا: إن في كلام الشيخ محمد عبده استهانة بمثل الجلال، والمحشين، وهو لم يصل إلى أجزاء من دقتهم في ‏تحليل الكلام ولا في مكانته في الإسلام ، ويستحيل أن يساويَ درجة الإمام المحلي ولا السيوطي، وأما ‏مكانة محمد رشيد رضا فأدنى كثيرا من شيخه عندنا! ‏
أقول: فإن كان الأمر كذلك، فلا يليق به أن يحط عليهما بمثل هذا الهجوم العنيف، فيقول:"أنا لا أجيز ‏لمسلم...الخ"اهـ.‏
ثالثا: نسب الشيخ محمد عبده إلى العلامة الصبان أنه تابع الجلال في القول بالترادف، وأن الثاني مجرد ‏تأكيد للأول. ‏
وقد خطر في بالي أولا أنه ربما يكون قد قصد العلامة الصاوي في حاشية فغلط سهوا، فلما تبين لي تصريح ‏الصاوي بالتغاير بينهما، فقد قال في حاشيته (4/321):"والرحمن المنعم بجلائل النعم كما وكيفاً، دنيا ‏وأخرى، والرحيم المنعم بدقائقها كذلك."اهـ، استبعدت أن يكون قد أراد الصاوي. ‏
فرجعت إلى رسالة العلامة الصبان التي عملها في شرح البسملة، فرأيته بعد أن ذكر وجوها عديدة في ‏معاني الرحمن والرحيم، بناء على إفادة كل منهما معنى خاصاً، لا بناء على ترادفهما، واستقصى في ذلك ‏استقصاء مفيداً جدا، قال في ص49:"وفي المقام احتمالات أخر لا تخلو عن بعدٍ وتعسف ككون الرحمن ‏على الأول بدلا أو عطف بيان بناء على جواز اشتقاقهما وكون الرحيم مطلقا بدلا من الله.....إلى أن ‏قال.... وكونه تأكيدا لفظيا للرحمن بناء على ترادفهما، ونكتته ترغيب العباد في التخلق بالرحمة وتقوية ‏رجائهم رحمته...."اهـ
فأنت ترى أن الصبان قد ذكر وجه التأكيد المبني على الترادف من ضمن الوجوه التي لا تخلو عن بعد ‏وتعسفٍ، فلم يرتضه إذن، فكيف يَصِحُّ من الشيخ محمد عبده التشنيع عليه في هذا القول، ولم يتعب محمد ‏رشيد رضا نفسه في محاولة تتبع شيخه لئلا يقع في العلماء الكبار الذين اعتمد محمد عبده عليهم هو وغيره ‏في تعلم العلوم المفيدة!!! بل تابعه في ذلك ورضي بما قاله، ولم لا فإن هذا التوجه يلاقي هوى في نفس ‏رشيد رضا أيضا!! ‏
رابعا: وأما ما قاله الشيخ محمد عبده من أن الرحمن تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كفعال، وأن ‏صيغة فعيل فإنها تدل في الاستعمال على معان ثابتة كالأخلاق والسجايا، وبناؤه قولا خاصا في معنى ‏الرحمن الرحيم على ذلك، فأنا لا أسلمه له، ولا أراه أرجَحَ مـِمـَّا قاله العلماء الأكابر، وإن استخف به ‏وسماه كما في تفسير المنار (1/47):"تحكم في اللغة"اهـ. ‏
خامساً: ولو كان المقام يسمح لنا بالتفصيل في مناقشته في تخريجاته اللغوية، لأريناك من التحقيق ما تسرُّ ‏له، ويطرب له كل ذي لبٍّ، ولكنا في هذا المحلِّ إنما نهتم بما يكفي لبيان منهج أصحاب تفسير المنار، وأثر ‏هذا المنهج على القراء من طلاب العلم، ومدى موافقته أو مخالفته لعلمائنا المحققين الذين هم العمدة في ‏العلوم الدينية.‏
ومع ذلك فإنني لم أملك نفسي عن أن أنبه على أمر خطير صرح به الشيخ محمد عبده في معنى الرحمن ‏الرحيم، بناء على أن الرحمة صفة ذاتية لله تعالى، فقال (1/47):"فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه ‏آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان ‏وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه ‏المفيض للنعم فعلا لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما، لأن الفعل إذا لم يكن عن صفة ‏لازمة ثابتة وإن كان كثيراً، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ‏ويرضيه سبحانه، ويعلم أن لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على ‏غير مثال صفات المخلوقين..الخ."اهـ
فلو تمعنت في هذا القول لرأيته قد حاد فيه عن الصواب، إذ فيه تصريح بأن الفعل المتصف بالرحمة يجب ‏أن يكون دائم الصدور عن الله تعالى بناء على أن الرحمة صفة ينشأ عنها ذلك الأثر المتصف بالنعمة ‏والإحسان على سبيل الوجوب واللزوم!! وهذا القول أقرب إلى قول الفلاسفة وقد وقع في قريب منه في ‏تعليقاته على العقائد العضدية.‏
ولم يعلق محمد رشيد رضا على هذا المعنى لأنه ليس من فرسان علم التوحيد والكلام، فربما لم ينتبه إليه، ‏ولم يعرف حقيقة مبناه، على أنه لو انتبه وعرف أنه مخالف في ذلك لما يقول به السادة الأشاعرة، ربَّما كان ‏تبناه وقال به ما دام لا يعارض أقوال ابن تيمية وابن قيم الجوزية خاصة بعد وفاة الشيخ محمد عبده!‏
سادسا: وأما ما قاله الشيخ محمد عبده في مسألة الزيادة في القرآن وعدمها، فإنا سنتكلم عليها في موضع ‏خاص، لأن العديد من الكتاب قد خاضوا فيها ولم يفهمها الكثير منهم على وجهها.‏

سعيد فودة
05-02-2007, 03:49
ولما تكلف الشيخ محمد عبده ما مضى، زاد عليه قوله في ص(1/51):"والرحيم الثابت له ‏وصف الرحمة لا يزايله أبدا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية ‏رحمة وإحسان، ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات..."اهـ
فهو هنا يرجح أن الرحمة ترجع إليها جميع الصفات، وهذا غلو منه غير خافٍ، والمعتمد ‏عند أهل السنة غير ذلك. ‏
ثم لما كان قد ادعى أن تعلق الرحمة عام، اضطر إلى تخريج وجود العقوبات دنيا وأخرى ‏فقال:"ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا، وما أعده من العذاب ‏في الآخرة...فإنه وإن سمي قهرا بالنسبة لصورته ومظهره، فهو في حقيقته وغايته من ‏الرحمة..."اهـ
وهذا تكلف آخر لا يخفى، فكما أن الله تعالى رحيم فهو جبار منتقم، وكما أنه المنعم على ‏عباده، فهو المعذب للكفار والمنافقين، والقول بأن الرحمة تتعلق تعلقا عاما بكل الأشياء، يحتاج ‏إلى دليل، ولم يذكره!‏

جمال حسني الشرباتي
07-02-2007, 02:48
الأستاذ سعيد

هل صحّ القول عن محمد رشيد رضا أنّه من دعاة نبذ السنّة القوليّة كما زعم سعيد ظاظا في موقع الورّاق إذ قال

(اطلعت في موقع على الشبكة على بحث موسع حول منكري السنة، في العصر الحديث، فاستوقفني فيه كلامه عن الشيخ محمد رشيد رضا، فرأيت فيه ما يكشف جانبا غير مشهور من حياة هذا الرجل اللغز. قال:

(كان محمد رشيد رضا من أشد منكري السنة خفية ودهاء، وإن المرء ليشعر بالخجل والأسف وهو يتحدث عن واحد من أبرز رموز الأمة في العصر الحديث، وقد شهد له القاصي والداني بأنه مرجعية المسلمين الأولى في زمانه، وحامل لواء السنة النبوية المطهرة لا مناحة في ذلك، غير أن الأدبيات التي تركها الإمام محمد رشيد رضا خالفت ما تمنيناه، وشككت في ما أيقناه، وشهدت على صاحبها بغير ما أحببناه.
لقد كان الشيخ محمد رشيد رضا واحداً من الألغاز المحيرة، ليس أقل من لغز وحيرة شيخه الشيخ جمال الدين الأفغاني، فكل منهما قَدّم للإسلام الكثير من العلوم الفقهية والشرعية والسياسية، لكن كل منهما أيضاً استطاع أن يدس على المسلمين الكثير من السم الناقع القاتل، الذي تسلل إلى جسد الأمة حتى تمكن منه ولم يعد سهلاً البراءة من أذاه.
لقد فتح الباب على صفحات مجلته الشهيرة (المنار) للعديد من الكتاب ومدعي العلم، لممارسة الطعن والإنكار والتشويه ليس في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورواتها من صحابته رضوان الله عليهم، بل تجاوز ذلك إلى الطعن في كتاب الله وتأويل آياته على غير ما علمت الأمة واعتقدت، ابتداء من عددها التاسع من السنة التاسعة عام 1324هـ ، 1906، ولمدة أربعة أعوام في بضعة عشر عدداً من مجلته المنار.
وكان صاحبي الشبهات التي تطوع الشيخ رشيد رضا بنشرها في المنار، هما طبيبه الخاص محمد توفيق صدقي (1298هـ ـ 1338هـ/1920) الطبيب بمصلحة السجون بالقاهرة، وصديقه الطبيب الصليبي عبده إبراهيم، الذي قال الشيخ رشيد رضا في المنار (209)، أنه أعلن إسلامه بعد ذلك بعامين، أي بعد أن أفسد على المسلمين عقيدتهم، لكن واحداً من الثلاثة (رشيد وصدقي والذي قيل أنه أسلم) لم ينشر في المنار أنه تراجع عما قال، أو تاب عما ارتكب.
إنما كتب بعدها الشيخ رشيد رضا مقرظاً لما كتبوه في المنار (210)، ثم ثناءه عليهما عند اعترافه بتصميمه على مذهب منكري السنة (211)، كما وجدناه مرة ثالثة، يثني عليهما عند تأبينه لصدقي قائلاً: >فإني أعرفه سليم العقيدة، مؤمناً بالألوهية والرسالة، على وفق ما عليه جماعة المسلمين، مؤدياً للفريضة (212).
ولأسباب عديدة فقد حاول الدارسين المسلمين وأصحاب الفقه والفكر، إعتزازاً بالرجل، أن يتلمسوا له الأعذار في هذه الجريمة الشنعاء، مستدلين على براءته بما كتبه في المجلة قائلاً (213): >إن أكبر شذوذ وقع للمترجم يقصد صدقي وشريكه] رحمه الله تعالى وحاول إثباته والدفاع عنه، هو ما عرض له من الشبهة على كون السنة ليست من أصول الدين... ولما عرض له ذلك، واقتنع به هو وصديقه الطبيب عبده إبراهيم، عفا الله عنهما (!!) جاءاني كعادتهما، وعرضاه علىّ ... وإنني كنت أعلم أن هذا الرأي، عرض لغيره من الباحثين المستقلين ... وإنه أي إنكار السنة] رأي منتشر في كثير من الأمصار التي يسكنها المسلمون... وأعلم أيضاً أن كثيراً من المباحث الكبيرة التي تختلف فيها الأنظار، لا تتمحص إلا بالكتابة والمناظرة، ولهذين السببين، ولتوفير الوقت عليّ في تمحيص المسألة لصاحب الترجمة وصديقه، اقترحت عليه أن يكتب رأيه لينشر في المنار<.
لكن هؤلاء المحبين للشيخ، تغافلوا ولم يقرأوا ماكتبه تحت عنوان >الاعتراف بالحق< قائلاً: (214) >وأصرح بأن اعتقادي الذي ظهر لي بعد طول التفكير والتدبير، أن الإسلام هو القرآن وما أجمع عليه السلف والخلف من المسلمين عملاً واعتقاداً إنه دين واجب ... ولا يدخل في ذلك، السنن القولية غير المجمع على اتباعها)

سعيد فودة
07-02-2007, 12:11
الأخ العزيز الأستاذ جمال،
إن إنكار السنة تهمة خطير جدا، لا نقوى على إلصاقها بواحد وإن خالفناه في أمور عديدة إلا بعد التثبت القوي والمستقصي من أنه يقول بذلك، ولم أسمع عن رشيد رضا قوله بذلك، بل إنه في تفسيره يستشهد بالسنة.... نعم ربما يكون قد سمح لبعض أن ينشر أفكارا تقول بذلك كما يزعم هذا الكاتب، ولكني لا أستطيع أن أتخذ موقفا من هذا الكلام الشديد إلا بعد التحقق منه.
نعم إن نحو هذا القول يدفعنا ويدفع الأفاضل من الإخوة في هذا المنتدى المبارك إلى أن يحاولوا التثبت من ذلك ومن غيره من الأمور التي تنسب إلى محمد رشيد رضا، وأن يحاولوا الاستقصاء عنها وإفادتنا بما يئول إليه بحثهم، فهذا البحث لا ريب في أنه يفيد الباحثين وطلاب العلم والمعرفة المنقحة.....
ومع أن واقع الحال الظاهر نستطيع بناء على أن نقول إنه لا يقول بذلك، إلا أن هذا لا يمنعنا من زيادة التحقق...
وإن وجدت شيئا بخصوص ذلك فسوف أنشره هنا بإذن الله تعالى.....
والله الموفق

سعيد فودة
08-02-2007, 23:12
رأي محمد رضا في تفسير صفة الرحمة:‏
ذكرنا لك ما أورده صاحب المنار في صفة الرحمة ، وكان أكثر ذلك الكلام نقلا عن الشيخ محمد عبده، ‏ولكن محمد رشيد رضا ارتأى رأيا آخر بعد الانتهاء من تفسيره سورة الفاتحة، ويغلب على الظن أنه مال ‏إلى هذا الرأي بعد وفاة الشيخ محمد عبده وزياراته المتكرره للوهابية ولقائه بملكهم كما حكاه عن نفسه في ‏كتاب المنار والأزهر . وسوف نحلل ما ذكره محمد رضا في تفسير المنار [1/76] وما بعدها، ونحلله بناء ‏على طريقتنا وبما يتلاءم مع هدفنا الذي وضعناه في المقدمة.‏
قال محمد رشيد رضا: "ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة (ص46) تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ‏ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولا، ومحصلة أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني ‏القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها اللغوي عليه، فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان، فتكون من ‏صفات الأفعال كالخالق والرازق، وقال بعضهم تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فلا ‏تكون صفة مستقلة وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح "اهـ.‏
ونشير الآن وباختصار إلى ما في كلامه في هذه الفقرة.‏
أولا: نسب محمد رضا إلى محمد عبده أنه تابع الأشاعرة والمعتزلة، لا عن قصد بل (ذهولا) كما عبر عنه، ‏وكأنه يقول أن محمد عبده لو عرف الذي عرفه رشيد رضا بعد ذلك، لما قال إلا بقوله، ولنبذ قول ‏الأشاعرة والمعتزلة! ولا ريب أن هذا فيه استنقاصا لعلم محمد عبده، وعندي أن الأولى بالذهول عن ‏الحق هو رشيد رضا لا محمد عبده .‏
ثانيا: وقع محمد رشيد رضا في إشكالات مركبة سنوضحها في هذه النقطة وما يأتي.‏
فقد نسب إلى محمد عبده أنه يؤول صفة الرحمة ويرجعها إما إلى الفعل أو إلى الإرادة كما قال رشيد رضا. ‏وهذا غلط واضح، فإن الموضع الذي أشار إليه ذكرنا لك سابقا أنه كلام محمد عبده، مع تعليقات لرشيد ‏رضا، وقد وضحنا سابقا أن محمد عبده اختار فيه أن الرحمة صفة ذاتية عامة التعلق، وهذا خلاف قول ‏الأشاعرة والمعتزلة، وخلاف من أثبتها صفة معنى من الأشاعرة لأنه لم يجعلها عامة التعلق.‏
فما نسبه محمد رشيد رضا لمحمد عبده غير صحيح إذن، ويبدو أنه لم يتقن فهم كلام شيخه أو لعله قال ‏هذا الكلام مذهولا بعدما التقى بالوهابية وأثروا عليه بكتب ابن تيمية.‏
ثالثا: تأمل أيها القارئ في العبارة الأخيرة لرشيد رضا، وهي العبارة التي يصف بها قول المتكلمين بأنه ‏فلسفة باطلة مخالفة لهدي السلف الصالح. وهذا القول الذي يصفه بهذه الشناعات هو قول الأشاعرة ‏وهم أهل السنة على التحقيق، فقد علم العارفون بعلم الأشاعرة أن الأشاعرة جمهورهم يقول بأن الرحمن ‏الرحيم إما مشتقان من الفعل الصادر عن الله تعالى، أو عن إرادة ذلك الفعل، وعليه فالرحمة إما صفة ‏فعلٍ لله تعالى، أو راجعة للإرادة بملاحظة بعض تعلقاتها.‏
وكل من هذين القولين صحيح سائغ قريب من الفكر ومستند إلى اللغة، كما وضحه العلماء.‏
وبعض الأشاعرة قد يقولون بأن الرحمة صفة ذات ولكن لا يقولون أنها عامة التعلق كما قال محمد عبده. ‏وهذا جرى منهم على طريقة التفويض.‏
ومع أن المشهور من قول الأشاعرة أقوال راسخة في أهل العلم، إلا أن هذا لا يشكل أدنى دافع عند محمد ‏رشيد رضا ليجعله يتأنى قليلا قبل أن يصفه بأنه قول فلسفة باطلة، وبأنه مخالف لهدي السلف.‏
وهذه الأوصاف تدلك أيها القارئ المنصف على حقيقة اعتقاد رشيد رضا في أهل السنة الأشاعرة، ‏ولذلك فلا تستغرب كثيرا إذا رأيت مواقفه الصارخة بمخالفتهم واحتقارهم!‏

سعيد فودة
09-02-2007, 20:51
ثم قال محمد رشيد رضا[1/77] :" والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما ‏يسميه الأشاعرة صفات المعاني، ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافا للمعتزلة . فإن معاني هذه ‏الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على الله تعالى، إذ العلم بحسب مدلوله ‏اللغوي هو صورة المعلومات في الذهن الذي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر، وهي بهذا المعنى ‏محال على الله تعالى، فإن علمه تعالى قديم غيرعرض منتزع من صور المعلومات. وكذلك يقال في سمعه ‏تعالى وبصره. وقد تمدهما من صفات المعاني القائمة بنفسه، والرحمة مثلها في هذا"اهـ.‏
لا بد أن نقول للقارئ أن رشيد رضا في كلامه هذا يمهد لذكر مذهب ابن تيمية، مع أنه لايفهم حقيقة ‏مذهب الرجل كما هو، وسوف نبرهن على ذلك لاحقا.‏
ولكن يكفي الآن أن نحلل عباراته الواردة.‏
فهو يعتقد أنه لا فرق بين العلم والقدرة من جهة، وبين الرحمة من جهة أخرى. فإذا كانت القدرة والعلم ‏صفات معنى، فيجب أن تكون الرحمة كذلك ومعتمده في هذا الاستدلال الغريب أن جميع هذه الصفات ‏محالة على الله تعالى بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر.‏
فهذا هو معتمد رشيد رضا في قوله الذي اختاره، وهو القول الذي لأجله وصف محمد عبده بأنه إنما قال ‏بما قال ذاهلاً، وهو الذي لأجله وصف قول الأشاعرة بأنه فلسفة باطلة!‏
وها هنا أمران...‏
الأول : المدلول اللغوي للعلم مثلا.‏
والثاني : استعمال العلم في البشر.‏
ورشيد رضا يعتقد كما يظهر من عباراته أنه لا فرق بين المدلول اللغوي للعلم وبين المعنى الذي ينسب ‏للبشر إذا استعمل العلم فيهم!‏
وهذا خلط فاضح بين أصل الوضع اللغوي للفظ معين، وبين ما صدق هذا المعنى عليه وما صح ‏استعماله فيه.‏
نعم نحن نقول إن طريقة حصول البشر على العلم، وحقيقة نفس العلم الثابت للبشر ليس يجوز نسبته لله ‏تعالى، ولكنا لا نقول مطلقا إن ما هو متحقق للبشر مما يطلق عليه العلم، فهذا هو ما وضع له اسم العلم ‏في أصل اللغة، بل غاية ذلك أن يكون صادقا عليه. وهذا واضح عند من حصل أدنى قدر في علم ‏التوحيد، واطلع على بعض علوم الآلة كالبلاغة والوضع ونحوهما، وهي تلك العلوم التي استخف بها ‏رشيد رضا – على نحو من الأنحاء – كما بيناه سابقا، واستخف بفائدتها في علم التفسير!!‏
فالتحقيق إذن خلافا لرشيد رضا أن المدلول اللغوي للفظ العلم، يصح إطلاقه على الله تعالى كصفة له أو ‏أصل يشتق له منه اسم أو وصف فيقال عالم وعليم.... وإطلاق هذا الاسم على الله في أصله صحيح ‏وليس محالا بالنظر إلى ما وضع له لفظ العلم.‏
وأما العلم الحاصل للإنسان في حقيقته وأسبابه، فليس ملاحظا في أصل الوضع اللغوي كجزء من ماهية ‏المعنى الدال عليه لفظ العلم، بل هو مأخوذ مما صدق عليه هذا اللفظ عند استعماله في البشر.‏
ورق عظيم بين الأمرين.‏
فلا نقول أصلا إن أصل ما وضع العلم له محال في حق الله تعالى كما قال رشيد رضا. ولكنا نقول إن ما ‏صدق على لفظ العلم عند إطلاقه على الله تعالى، ليس عين ما صدق عليه عند استعماله في البشر وإطلاقه ‏عليهم، وذلك لأن حقيقة الله تعالى مخالفة لحقيقة البشر.‏
ولهذا نقول تقريبا للأذهان إن الاشتراك في إطلاق لفظ العلم على الله تعالى وعلى المخلوقات كالبشر ‏والملائكة اشتراك لفظي بالنظر إلى ما صدق عليه في كلٍّ ، لاختلاف الحقائق،ولكن نقول إن لفظ العلم ‏وضع أصلا على كل مصداقٍ مصداقٍ منها، أو لبعضها دون بعض كما زعم رشيد رضا، بل هو موضوع ‏لمعنى عام صادق عليها كلها، والاشتراك في هذا المعنى لا يستلزم الاشتراك في الحقائق ولا يستلزم ‏الاضطرار إلى التجوز في الإطلاق، فشابه من هذا الجانب الاشتراك اللفظي.‏
ووجه تسميته بالاشتراك اللفظي هو اختلاف حقائق مصاديقه، مع صحة إطلاقه عليها جميعا، ولكن ‏دون أن يكون موضوعا لكل واحد منها وضعا خاصا، بخلاف المشترك اللفظي المعهود فإن صدقه على ‏المتعددات المختلفات حقيقة يكون بواسطة تعدد الوضع لكلٍّ.‏
ومع ذلك ، فليس من المحال كونه مشتركا على الحقيقة.‏
ولنرجع إلى فول محمد رشيد رضا، فإنه خلط كما ترى بين الأمرين وجعلهما أمرا واحدا. ثم تأمل بعد ‏ذلك التعريف الذي زعمه للعلم، وزعم أن هذا اللفظ وضع أصلا في اللغة على هذا المعنى، وهاك المعنى ‏المزعوم للعلم عند رشيد رضا، فقد قال إن العلم في اللغة :" صورة المعلومات في الذهن التي استفادها ‏من إدراك الحواس أو من الفكر " اهـ.‏
فمحمد رشيد رضا زعم أن اللغة وضعت لفظ العلم على هذا المعنى والمتألف مما يلي:‏
‏1- صورة المعلومات،‏
وهذا خلط من محمد رشيد رضا، فإن تعريف العلم بأنه صورة المعلومات تعريف اصطلاحي، وليس ‏كون العلم صورة أو انفعالاً أو حصول الصورة أو نحو ذلك مما ذكره المعرفون للعلم بحسب نظرهم، ‏قيدا ملاحظا في أصل الوضع اللغوي.‏
‏2- ثم قيد محمد رشيد رضا المعلومات بأنها حاصلة في الذهن، أو موجودة في الذهن فجعلها كونها في ‏الذهن شطر مدلول كلمة العلم لغة، ولو طالبناه أن يأتي بدليل على هذا الزعم من اللغة لما استطاع إلى ‏هذا سبيلا، بل هو مبني على جهل مركب بالفرق بين أصل الوضع اللغوي والمعنى الاصطلاحي.‏
ويلزم على قوله أن الذي أدرك الشيء على ما هو عليه، وليس له ذهن، فلا يكون هذا الإدراك علما، ولا ‏تكون الصورة الحاصلة عنده علما، وهذا باطل ظاهر البطلان، والملائكة عالمة لكن لايقال أن لها ذهنا.‏
فاشتراط الذهن وحصول الصورة فيه كجزء من مفهوم العلم تحكم محض!!
‏3- ثم اشترط رشيد رضا للصورة الحاصلة في الذهن قيدا آخر، وهو أن تكون مستفادة من إدراك ‏الحواس أو من الفكر، ويلزم على ذلك أن من ليس له حاسة وحصلت فيه هذه الصورة بلا واسطة ‏الحس، فلا يسمى عالما في اللغة، وكذلك من حصلت لديه هذه الصورة بلا تأمل ولا نظر وفكر، فلا ‏يسمى لغة عالما عند رشيد رضا ومعلوم أن هذا كله تحكم محض منه.‏
فتبين أن ما ادعاه رشيد رضا ظلمات بعضها فوق بعض.‏

سعيد فودة
12-02-2007, 11:55
وأما ما اعتمد عليه كدليل قياسي، مؤيد لما ذكره، و حاصله أن ما يقال في السمع والبصر من صفات ‏المعاني يقال في الرحمة، فإذا كانت تلك الصفات معان فالرحمة كذلك.‏
فهو دال على ضعف تعقله لمباحث علم التوحيد وتخبطه فضلا عن تقليده الأعمى لمقولات ابن تيمية ‏وانجرافه خلفه بلا تأمل، وهو دال أيضا على نفوره الواضح من طريقة السادة الأشاعرة في تقرير العلوم.‏
ويتضح ذلك كله من كلامه الآتي، فقد قال مباشرة بعد ما مضى:" فقاعدة السلف في جميع الصفات التي ‏وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن ‏صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله عز وجل( ليس كمثله شيء) فنقول: إن لله علما حقيقيا هو وصف ‏له ولكن لا يشبه علمنا، وإن له سمعا حقيقيا هو وصف له لايشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي صفة ‏له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فجمع بذلك بين النقل ‏والعقل.‏
وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في ‏الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما، فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها. فإما ‏أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى ‏الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه، وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة ‏وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين، فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم ‏شبهها بها من باب التجوُّز"اهـ.‏
هذا ما قاله رشيد رضا، ولا بد من أن نقررأولا أنه مع تأثره الظاهر بابن تيمية في مناهجه الاستدلالية، ‏وفي العديد من المسائل، إلا أنه لم يوافقه على التشبيه وما يتعلق به من مسائل كإثبات الحد والجهة والحركة ‏ونحو ذلك. مع تخابط ظاهر في تقعيد ما يذهب إليه ومنشأه عدم قدرته ومكنته على الاطراد التام في ‏تأسيس المذهب الذي يراه، وتردده بين أقوال مختلفة متخالفة، وتنقله بتدرج من واحد منها لغيره كما ‏ذكرنا ذلك.‏
فنحن نراه هنا استعار من ابن تيمية طريقة استدلاله التي ذكرها في الرسالة التدمرية وفي غيرها من ‏الكتب، وهي إن القول في صفة من صفات الله كالقول في غيرها، إلا أن رشيد رضا لم أره يقول بقيام ‏الحوادث مثلا، وبالحركة والحد والجهة ونحو ذلك، خلافا لابن تيمية.‏
واشترك معه في مخالفة الأشاعرة في تأويلهم لظاهر لفظ الرحمة مثلا والغضب ونحوهما.‏
فرشيد رضا يقول إن القول في الغضب والرحمة كالقول بالعلم، فنثبتها جميعها مع عدم التشبيه، ونعترف ‏بالعجز عن إدراك كنه الصفات.‏
وإطلاق هذه الصفات على الله تعالى إطلاق حقيقي، وليس من باب المجاز، وأنا مع مخالفتي له في ذلك، ‏أقول إنه أقرب من ابن تيمية إلى قول الأشاعرة مع استنكاره عليهم ورده لقولهم كما رأيت.‏
لكن ما معنى الإطلاق الحقيقي عنده، والإطلاق الحقيقي هو استعمال اللفظ فيما وضع له، فما هو المعنى ‏الذي وضع له لفظ العلم مثلا، إنه يقول :"معنى الصفة العام" ولم يبين ماهو؟ وهذا ضعف ظاهر في ‏كلامه، مع استحضار ما زعمه سابقا أن العلم وضع للمعنى الذي ساقه وحللنا قوله فيه وبينا تهافته!‏
فلا معنى إذن لقوله بالإطلاق الحقيقي هنا، ونحن نعتقد أنه يحوم حول المعنى الصحيح لكن لم يظفر به.‏
وأما الاحتمال الثاني الذي يقترحه، فهو مانسبنا إليه سابقا من زعمه أن نحو هذه الألفاظ وضعت أصلا ‏لصفات المخلوقين، فهو قد قصرها على بعض مصاديقها فيكون استعمال اللفظ في حق الخالق بعد ذلك ‏بضرب من التجوز.‏
وكان عليه أن يبين وجه التجوز، أما أن يطلق هكذا فلا يقبل منه، إلا أن الدافع الذي دفعه إلى مثل هذا ‏التشتت هو حيرته بين المذاهب والناهج المتعددة مع عدم أهليته للخوض في المسائل العظيمة بحسب ما ‏نراه فيه.‏
وفي كلامه إيهامات لا بد من التنبيه عليها:‏
‏- منها ما يوهمه كلامه من أن أهل السنة يزعمون أنهم يعلمون حقيقة هذه الصفات وأن الاشتراك فيها ‏بين الخالق والمخلوق حقيقي فهذا زعم باطل من رشيد رضا وإيهام لا قيمة له.‏
‏- ومنها زعمه تناقض أهل السنة الأشاعرة حينما أولو بعض الصفات ولم يؤولوا بعضها الآخر، فادعاؤه ‏تناقضهم مبني على عدم دركه للمبنى الذي بنوا عليه قولهم، وهو في هذا مقلد أسير لابن تيمية لا لشيخه ‏محمد عبده.‏
‏- وأيضا أوهم في قوله أن هذا هو قول ابن تيمية ومدعي السلف من الوهابية، وقد عرفنا نحن بطلان ‏ذلك، فابن تيمية لا يقول بهذا القول بل يخالفه مخالفة صريحة، وذلك لأنه يثبت قيام الحوادث بالذات ‏الإلهية والحركة والتصرف بالذات ونحو ذلك من الحدود للذات، ويبدو من محمد رشيد رضا أنه لا ‏يرضى بذلك كله.‏
وقد خلط رشيد رضا خلطا واضحا بين مذهب طائفة من المفوضة من أهل السنة، وهم الذين أثبتوا اليد ‏والعين والوجه صفة لله تعالى ليست بجزء ولا عضو ولا جارحة، وبين مذهب ابن تيمية فظن أن ابن ‏تيمية قائل بهذا القول، وظن أيضا أن هذا القول يرفضه الأشاعرة قاطبة.‏
ومن جهة أخرى، فإنه عمم هذا القول في سائر الصفات كالرحمة وغيرها، وهذا لم يوافقه عليه هؤلاء ‏القائلون بالتفويض مع إثبات أصل المعنى من أهل السنة، وبهذا يظهر مدى تخابطه بين المذاهب والأقوال ‏وعدم قدرته على طرد المذاهب ولا الإلتزام بواحد منها بعينه!!‏
وسوف يزداد هذا الحال لك اتضاحا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.‏
والحقيقة الواضحة عند من يعلم مذهب الأشاعرة أنهم يقولون بعدم التساوي بين حقيقة الصفات الإلهية ‏وحقيقة الصفات البشرية وغيرهم من المخلوقات، وإن اشتركت بينهما الأسماء، ولكنهم يجيزون إطلاق ‏نفس الاسم لاشتراكهما في عوارض خارجة عن الحقيقة أو بعض الأحكام، وبهذا صرح بعضهم بأن ‏الاشتراك بين الصفات الإلهية وبين صفات البشر في الأسماء نفسها هو اشتراك لفظي محض، وبعضهم ‏نص على أن قولنا في علم الله أنه صفة تتميز بها الواجبات والجائزات والمستحيلات، ليس تعريفا حقيقيا ‏بل هو رسم، وقولنا (صفة) في التعريف ليس جنسا حقيقيا بل هو كالجنس لعدم وجود اشتراك حقيقي ‏بين صفات البشر وصفات الله تعالى.‏

سعيد فودة
12-02-2007, 11:56
وأما ما اعتمد عليه كدليل قياسي، مؤيد لما ذكره، و حاصله أن ما يقال في السمع والبصر من صفات ‏المعاني يقال في الرحمة، فإذا كانت تلك الصفات معان فالرحمة كذلك.‏
فهو دال على ضعف تعقله لمباحث علم التوحيد وتخبطه فضلا عن تقليده الأعمى لمقولات ابن تيمية ‏وانجرافه خلفه بلا تأمل، وهو دال أيضا على نفوره الواضح من طريقة السادة الأشاعرة في تقرير العلوم.‏
ويتضح ذلك كله من كلامه الآتي، فقد قال مباشرة بعد ما مضى:" فقاعدة السلف في جميع الصفات التي ‏وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن ‏صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله عز وجل( ليس كمثله شيء) فنقول: إن لله علما حقيقيا هو وصف ‏له ولكن لا يشبه علمنا، وإن له سمعا حقيقيا هو وصف له لايشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي صفة ‏له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فجمع بذلك بين النقل ‏والعقل.‏
وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في ‏الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما، فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها. فإما ‏أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى ‏الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه، وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة ‏وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين، فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم ‏شبهها بها من باب التجوُّز"اهـ.‏
هذا ما قاله رشيد رضا، ولا بد من أن نقررأولا أنه مع تأثره الظاهر بابن تيمية في مناهجه الاستدلالية، ‏وفي العديد من المسائل، إلا أنه لم يوافقه على التشبيه وما يتعلق به من مسائل كإثبات الحد والجهة والحركة ‏ونحو ذلك. مع تخابط ظاهر في تقعيد ما يذهب إليه ومنشأه عدم قدرته ومكنته على الاطراد التام في ‏تأسيس المذهب الذي يراه، وتردده بين أقوال مختلفة متخالفة، وتنقله بتدرج من واحد منها لغيره كما ‏ذكرنا ذلك.‏
فنحن نراه هنا استعار من ابن تيمية طريقة استدلاله التي ذكرها في الرسالة التدمرية وفي غيرها من ‏الكتب، وهي إن القول في صفة من صفات الله كالقول في غيرها، إلا أن رشيد رضا لم أره يقول بقيام ‏الحوادث مثلا، وبالحركة والحد والجهة ونحو ذلك، خلافا لابن تيمية.‏
واشترك معه في مخالفة الأشاعرة في تأويلهم لظاهر لفظ الرحمة مثلا والغضب ونحوهما.‏
فرشيد رضا يقول إن القول في الغضب والرحمة كالقول بالعلم، فنثبتها جميعها مع عدم التشبيه، ونعترف ‏بالعجز عن إدراك كنه الصفات.‏
وإطلاق هذه الصفات على الله تعالى إطلاق حقيقي، وليس من باب المجاز، وأنا مع مخالفتي له في ذلك، ‏أقول إنه أقرب من ابن تيمية إلى قول الأشاعرة مع استنكاره عليهم ورده لقولهم كما رأيت.‏
لكن ما معنى الإطلاق الحقيقي عنده، والإطلاق الحقيقي هو استعمال اللفظ فيما وضع له، فما هو المعنى ‏الذي وضع له لفظ العلم مثلا، إنه يقول :"معنى الصفة العام" ولم يبين ماهو؟ وهذا ضعف ظاهر في ‏كلامه، مع استحضار ما زعمه سابقا أن العلم وضع للمعنى الذي ساقه وحللنا قوله فيه وبينا تهافته!‏
فلا معنى إذن لقوله بالإطلاق الحقيقي هنا، ونحن نعتقد أنه يحوم حول المعنى الصحيح لكن لم يظفر به.‏
وأما الاحتمال الثاني الذي يقترحه، فهو مانسبنا إليه سابقا من زعمه أن نحو هذه الألفاظ وضعت أصلا ‏لصفات المخلوقين، فهو قد قصرها على بعض مصاديقها فيكون استعمال اللفظ في حق الخالق بعد ذلك ‏بضرب من التجوز.‏
وكان عليه أن يبين وجه التجوز، أما أن يطلق هكذا فلا يقبل منه، إلا أن الدافع الذي دفعه إلى مثل هذا ‏التشتت هو حيرته بين المذاهب والناهج المتعددة مع عدم أهليته للخوض في المسائل العظيمة بحسب ما ‏نراه فيه.‏
وفي كلامه إيهامات لا بد من التنبيه عليها:‏
‏- منها ما يوهمه كلامه من أن أهل السنة يزعمون أنهم يعلمون حقيقة هذه الصفات وأن الاشتراك فيها ‏بين الخالق والمخلوق حقيقي فهذا زعم باطل من رشيد رضا وإيهام لا قيمة له.‏
‏- ومنها زعمه تناقض أهل السنة الأشاعرة حينما أولو بعض الصفات ولم يؤولوا بعضها الآخر، فادعاؤه ‏تناقضهم مبني على عدم دركه للمبنى الذي بنوا عليه قولهم، وهو في هذا مقلد أسير لابن تيمية لا لشيخه ‏محمد عبده.‏
‏- وأيضا أوهم في قوله أن هذا هو قول ابن تيمية ومدعي السلف من الوهابية، وقد عرفنا نحن بطلان ‏ذلك، فابن تيمية لا يقول بهذا القول بل يخالفه مخالفة صريحة، وذلك لأنه يثبت قيام الحوادث بالذات ‏الإلهية والحركة والتصرف بالذات ونحو ذلك من الحدود للذات، ويبدو من محمد رشيد رضا أنه لا ‏يرضى بذلك كله.‏
وقد خلط رشيد رضا خلطا واضحا بين مذهب طائفة من المفوضة من أهل السنة، وهم الذين أثبتوا اليد ‏والعين والوجه صفة لله تعالى ليست بجزء ولا عضو ولا جارحة، وبين مذهب ابن تيمية فظن أن ابن ‏تيمية قائل بهذا القول، وظن أيضا أن هذا القول يرفضه الأشاعرة قاطبة.‏
ومن جهة أخرى، فإنه عمم هذا القول في سائر الصفات كالرحمة وغيرها، وهذا لم يوافقه عليه هؤلاء ‏القائلون بالتفويض مع إثبات أصل المعنى من أهل السنة، وبهذا يظهر مدى تخابطه بين المذاهب والأقوال ‏وعدم قدرته على طرد المذاهب ولا الإلتزام بواحد منها بعينه!!‏
وسوف يزداد هذا الحال لك اتضاحا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.‏
والحقيقة الواضحة عند من يعلم مذهب الأشاعرة أنهم يقولون بعدم التساوي بين حقيقة الصفات الإلهية ‏وحقيقة الصفات البشرية وغيرهم من المخلوقات، وإن اشتركت بينهما الأسماء، ولكنهم يجيزون إطلاق ‏نفس الاسم لاشتراكهما في عوارض خارجة عن الحقيقة أو بعض الأحكام، وبهذا صرح بعضهم بأن ‏الاشتراك بين الصفات الإلهية وبين صفات البشر في الأسماء نفسها هو اشتراك لفظي محض، وبعضهم ‏نص على أن قولنا في علم الله أنه صفة تتميز بها الواجبات والجائزات والمستحيلات، ليس تعريفا حقيقيا ‏بل هو رسم، وقولنا (صفة) في التعريف ليس جنسا حقيقيا بل هو كالجنس لعدم وجود اشتراك حقيقي ‏بين صفات البشر وصفات الله تعالى.‏

سعيد فودة
15-02-2007, 00:46
ثم زعم محمد رشيد رضا أن ما قاله في الصفات الإلهية قد وافقه عليه الإمام الغزالي رحمه ‏الله تعالى في الإحياء ونقل فقرة من كلامه من كتاب الشكر،وها نحن ننقلها لك من كتاب ‏الإحياء بشرح الزبيدي(9/72):"إن لله عز وجل في جلاله وكبريائه صفة يصدر عنها الخلق ‏والاختراع، وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة ‏تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن لها في العلم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة ‏واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم ‏كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف في ‏أبصار الخفافيش، فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض ‏عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا، فاستعاروا لها اسم ‏القدرة، فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا: لله تعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر ‏الخلق والاختراع، ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات ومصدر انقسام هذه ‏الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي سبقت ‏عبارة المشيئة، فهي توهم منها أمرا مجملا عند المتناطقين باللغات التي هي حروف وأصوات ‏المتفاهمين بها، وقصور اسم المشيئة عن الدلالة عن كنه تلك الصفة وحقيقتها كقصور لفظ ‏القدرة....."اهـ.‏
وقد اقتصر محمد رشيد رضا في نقله إلى قول الإمام الغرالي:"هي القدرة عنها يصدر الخلق ‏والاختراع"اهـ.‏
والمتأمل الحاذق في كلام الغزالي يراه لب مذهب الأشاعرة، فلم يقل واحد منهم ‏بالاشتراك في الحقائق بين الله تعالى والمخلوقات لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، ثم ‏أن ترى أن الغزالي يصرح أن الإطلاق كان بنوع استعارة، فليس الإطلاق عنده إذن حقيقيا كما ‏يزعم رشيد رضا أولا.‏
وليت شعري كيف نرى محمد رشيد رضا يهجم على مذهب الأشاعرة هذا الهجوم ثم ‏يرجع ويستمد منهم ولا يق\ر على مخالفتهم في هذه المسألة مخالفة حقيقية، ويشيح بوجهه عن ‏ابن تيمية فلا يعترض عليه عندما يقول إن الإطلاق على الله تعالى حقيقي ولا مجاز ولا استعارة ، ‏فالتزم قيام الحوادث والحركة والحد وغيرها، ومع ذلك كله نرى رشيد رضا يزعم أن ما يقول به ‏ابن تيمية هو مذهب السلف وأن ما يقول به الأشاعرة إنما تبعوا فيه الفلاسفة!! فهل لذلك ‏سبب إلا الهوى المبني على جهل بحقائق المذاهب.‏
ولا نجد\ أحدا من المعاصرين الذين يشيدون بمحمد رشيد رضا وبتفسيره يشيرون إلى ‏أمثل هذه التخابطات المنهجية المنتشرة في كتبه.‏
ثم ختم محمد رشيد رضا كلامه بأن قال في تفسيره (1/78):" وقد رجع الإمام أبو ‏الحسن الأشعري شيخ المتكلمين والنظار إلى مذهب السلف في نهاية أمره...."اهـ. وهذا هو ‏الكلام المعهود من ابن تيمية، ولا قيمة له عند أهل التحقيق فالإمام الأشعري نصر مذهب ‏السلف منذ رجوعه عن الاعتزال ولم تحصل له رجعة أخرى في نهاية عمره كما يتوهم الواهمون، ‏وقد بينت ذلك في بعض كتبي.‏
هجوم حاد على الألوسي:‏
هاجم رشيد رضا الألوسي صاحب التفسير هجوما عنيفا واتهمه اتهامات كبيرة عندما ‏دافع الألوسي عن مذهب الأحناف في مسألة البسملة هل هي من الفاتحة أم لا. فقال في تفسير ‏المنار:"وقد ذكر الرازي في تفسيره سبع عشرة حجة على إثبات كون البسملة من الفاتحة، منها ‏القوية والضعيفة، وتصدى له الألوسي محاولا دحضها تصبا لمذهبه الذي تخله في الكبر إذ كان ‏شافعيا فتحول حنفيا تقربا إلى الدولة، وصرح بهذا التعصب قال هنا:"على المرء نصرة مذهبه ‏والذب عنه...إلخ"، وهذه كبرى زلاته، المثبتة لعدم استقلاله بعدم طلبه الحق لذاته....الخ"اهـ.‏
يريد رشيد رضا أنه هو الباحث عن الحق باستقلال وتجرد، وليت شعري فإني أجزم أن ‏الألوسي أقرب إلى الحق والاستقلال في البحث عنه من رشيد رضا، الذي يقلد عدة مذاهب ‏ورجال وهو غير قادر على التوفيق بينها ولا على الترجيح الصحيح، ثم هو بعد ذلك يزعم أنه ‏باحث عن الحق!َ!‏
ثم وصف محمد رشيد رضا الألوسي صاحب التفسير بقوله(1/93):"وأما الجواب ‏الذي نقله الألوسي وارتضاه، فلا يستغرب صدوره ولا إقراره ممن يثبت الجمع بين النقيضين ‏المنطقيين، ويفتخر بأنه يمكنه توجيه ما يعتقد بطلانه"اهـ.‏
وهذا الكلام يتضمن القدح في الألوسي في نظر رشيد رضا، وما قاله عن الألوسي أنه قادر ‏على توجيه ما يعتقد بطلانه، فهذا دال على إحاطته وعلمه، وأما مسألة الجمع بين النفي ‏والإثبات، فإنا نرى رشيد رضا قد بالغ فيها، ونرى أن كلام الألوسي ضعيف أيضا، ولكن المقام ‏لا يلائم تفصيلها هنا.‏

وبهذا نكون قد ذكرنا بعض الانتقادات المتوجهة على السيد محمد رشيد رضا والشيخ محمد ‏عبده في تفسير المنار إلى نهاية تفسيرهما لسورة الفاتحة، وسنشرع في تعقبهما بإذن الله تعالى لسورة ‏البقرة، ولا أريد من هذا إلا زيادة البحث والتدقيق الباعث عند أولي النظر والعقول إلى الاهتمام ‏بالإسلام وتنقيح الأنظار مطلوب جليل بل هو واجب على القادرين عند الحاجة. وندعو الله تعالى أن ‏يكون في عملنا هذا فائدة لطلاب العلم باعثا لهم على إعادة النظر في العديد من الأمور بناءً على ‏مناهج أهل السنة والجماعة وعلومهم، وأن لا يمنعهم من ذلك مانع وإن كان اسم الذي ينتقدونه كبيرا ‏وإن كان موصوفا الإمام أو الأستاذ الإمام، شريطة أن يلتزموا في نقدهم الأسس الصحيحة للنظر والله ‏الموفق.‏

سعيد فودة
15-02-2007, 01:35
الإخوة الأفاضل،
هذا الملف يحتوي على الملاحظات السابقة على تفسير المنار على شكل ملف أكروبات، لمن أراد قراءتها دفعة واحدة وتنزيلها عنده.
مع رجاء الدعاء بالخير

ماهر محمد بركات
23-03-2007, 14:44
الملف لايعمل ....

الحقوووووونا .

سعيد فودة
17-01-2008, 20:15
ملاحظات على تفسير المنار لسورة البقرة

استكمالاً لما بدأناه من إبداء الملاحظات النقدية، وإرشادا لطلاب العلم إلى كيفية إعادة النظر في الكتب التي ألفها ‏بعض المشهورين، وقد خالفوا فيها من بعض الجهات طريقة أهل السنة، نشرع بتوفيق الله تعالى وعونه في كتابة ‏بعض ما لاحظناه على تفسير المنار.‏
المؤمنون بمجرد الفطرة:‏

ذكر محمد رشيد رضا أن أقسام الناس التي ذكرها الله تعالى في بداية سورة البقرة ثلاثة، منها كما ‏قال(1/105):"المؤمنون وهم قسمان : اللذين يؤمنون بالغيب بمجرد سلامة الفطرة ويقيمون ركني الدين؛ البدني ‏والروحي والمالي الاجتماعي، والذين يؤمنون به بتأثير إيمانهم بما أنزل من قبله من كتب الرسل..الخ"‏
ثم ذكر القسمين الآخرين وهما الكافرون الراسخون في الكفر، والمنافقون. ونلاحظ على ما ذكره محمد رشيد رضا ‏أنه في القسم الأول ذكر أن المؤمنون إما يؤمنون بالفطرة أو بتأثير بما أنزل من قبل، ونحن نعجب من هذا القول ‏الذي يهمل فيه المؤمنون عن طريق النظر والعقل، وهو يعلم أن القرآن أصلا نزل يخاط الناس ليؤمنوا بالله تعالى ‏وبرسالاته عن طريق النظر والتدبر العقلي.‏
ويبدو لي أن حصر المؤمنين في ما ذكر تقليدا للوهابية وابن تيمية، وقد لجأ محمد رشيد رضا إلى تفسير قوله تعالى ‏‏(أفلا تعقلون) في(1/111) بقوله"وهي صريحة في أن هذا مخالف في المنقول الشرعي وهو الكتاب، وللمعقول ‏الفطري إذ لا يخفى على عاقل قبح عمل من يأمر غيره بالخير وهو يتركه...الخ"اهـ. فسمى هذا المعقول بالمعقول ‏الفطري، وكان ينبغي أن يقتصر على تسميته بالمعقول كما أطلقه القرآن، وأما تقييده بالفطري، فإن كان المقصود ‏منه أن مخلوق مع الإنسان ذلك الإدراك، فهو غلط محض، وإلا فهو معقول مطلقا ولا وجه لتسميته بالفطري.‏

استعماله لمصطلح غربي(القرون الوسطى)‏

من المعلوم أن مصطلح القرون الوسطى مصطلح غربي أطلق على فترة معينة مر فيها أهل أوروبا، وفي هذه القرون ‏انتشر الجهل والخرافات والهزات الفكرية، واشتد فيها تسلط رجال الدين عندهم على الحياة الاجتماعية والسياسية ‏بزعم أنهم يتكلمون باسم الرب. ومن العجيب أن نرى واحدا يفسر القرآن ويزعم أنه يجدد للناس دينهم يستعمل ‏هذا المصطلح ويطلقه على علمائنا المتقدمين فقد قال مثلا في (1/114):" وإن في إطلاق مقلدة المصنفين من خلف ‏القرون الوسطى القول بإيجاب تقليد المجتهدين في أمور الدين وتحريم الأخذ بالدليل فيه.... خلاصة تحريم العلم ‏وإيجاب الجهل، وهذا منتهى الإفساد للفطرة والعقل ، وهو أقطع المدى لأوصال الإسلام وأفعل المعاول في هدم ‏قواعد الإيمان...الخ"اهـ.‏
ومن الواضح تأثره بالغربيين لا في المصطلح فقط، بل إنه استحضر أيضا روحهم في مخاطبهم الرهبان والبابوات، ‏فتراه يخاطب علماء الدين بنفس تلك الروح التي تسلطت على ما يسمون بعلماء التنوير أو مفكري التنوير.‏
وتأمل كيف يعتبر تقليد المجتهدين كالفقهاء الأربعة سببا في خراب الدين وفساده
وقال في أثناء نقده لكتب كان ‏الأزهر قد اعتمدها كشرح التلخيص وحواشيه ونحوهما في تفسير المنار (1/202) وحض على قراءة كتب عبد ‏القاهر الجرجاني وقراءة كثير من منظوم العرب ومنثورهم :" فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهما وأداء، ‏والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام البليغ وليس هو مستنبطا منها، وقد عكست القضية منذ القرون الوسطى ‏حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في الكتب التي أشار إليها وهي التي تقرأ في مدرسة الجامع الأزهر وأمثالها إن ‏قواعدها تقليدية لا يمكن أن يعلم بها تفاضل الكلام..."اهـ
ونحن لا نريد الآن إلا التنبيه على استعماله لمصطلح القرون الوسطى بنفس الإيحاءات التي أشرنا إليها سابقا، وليس ‏قصدنا أن ننقد ما قاله من رأي ضعيف حقا في كتب الإمام السعد وغيره، وسوف نتكلم على رأيه هذا في موضعه ‏إن شاء الله تعالى، وعند ذاك سيتبين لك مدى فهاهة قوله وتفاهة رأيه؛ وإن بدا للعديد من كتاب هذا العصر ‏الغريب العجيب قويا رشيدا.‏
ولا بد من ملاحظة أننا لا نستقل من فائدة كتب الإمام عبد القاهر بل نقول إنها العمدة والأساس، ولكنا نخالفه في ‏رأي أبداه في مصنفات علماء البلاغة الأخرى على ما سيظهر لك في موضعه.‏

سعيد فودة
20-01-2008, 10:41
لابد من الحجة العقلية للمتصدي لهداية القرآن:‏
مر معك أن محمد رشيد رضا ذكر أن المؤمنين إما بالفطرة يكونوا مؤمنين أو بتأثرهم بالكتب السابقة، واعترضنا ‏عليه أنه أهمل ذكر الحاجة إلى الحجة العقلية، فالإنسان قد يؤمن بناء على النظر في الحجة العقلية أيضا وهو ما لم ‏يذكره.‏
فإذا عرفت ذلك فتأمل في قوله قي(1/127):" ومن لا يؤمن بالله لا يمكن أن يهتدي بالقرآن، ومن يتصدى لهدايته ‏لابد له أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلها متصفا بصفات الكمال....الخ"اهـ.‏
فأنت ترى تصريحه بضرورة الاعتماد على الحجة العقلية في الإيمان بالله تعالى وذلك الإيمان هو شرط الإستفادة من ‏هداية القرآن، وهذا تضارب مع ما مضى مع أن الآيات في أول سورة البقرة لم تقيد المؤمنين بكونهم مؤمنين بالفطرة ‏أو لتأثرهم بالكتب السابقة، وهذا القيد من عند رشيد رضا. وأما القول بأن الإنسان محتاج إلى الحجة العقلية للإيمان ‏بالله تعالى فهو من كلام الشيخ محمد عبده وهو أقعد وأضبط عموما من مجازفات رشيد رضا.‏

موقفه من بعض العلوم المهمة:‏
لا يتردد محمد رشيد رضا في الحط من شأن بعض العلوم المهمة عند علماء أهل السنة والمحققين المشتغلين بالعلوم ‏الشرعية، وكذلك لا يلوح في تبخيس قدر بعض العلوم المهمة التي اشتغل أكثر العلماء بها واعتنوا فيها وجعلوها ‏عمدة للدرس والتحقيق، وهذا مطرد عنده وعند شيخه محمد عبده، ومن أمثلة ذلك:‏
قال في تفسير المنار(1/173) تعليقاً على قوله تعالى: ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ‏ودرسوا ما فيه) :"بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام، لكنه دارس الصوت والأعلام المعنوية لهداية ‏القلوب والأحلام ومقروء بالتجويد والأنغام ولكنه متروك الحكم والأحكام...الخ"اهـ.‏
وقال في (1/182) موضحاً رأيه في مختصر السعد في البلاغة:" وأما مختصر السعد ومطوله فلا يتعلم قارئهما إلا ‏الاصطلاحات الجافة التي تفسر ملكة البيان وتبعد بقارئها عن الذوق والبلاغة"اهـ.‏
‏ ومن البين أن هذا مجرد مبالغة معهودة منه ومن الشيخ محمد عبده، فهذه الكتب لم ينكر فائدتها كبار العلماء بل ‏أقروا بما فيها، وإن اختلف البعض في طريقة عرض علم البلاغة أو النحو، فاختلاف الأساليب غير مذموم، بل هو في ‏غاية الإفادة، ولكن المستنكر هنا أن ينكر رشيد رضا هذه الكتب والعلوم ويدعي أنها تبعد الإنسان عن القراءة ‏والدين!!!‏

سعيد فودة
21-01-2008, 08:41
تأثره بالوهابية:‏
قال محمد رشيد رضا (1/184):" فكان كل رسول يبدأ دعوته بقوله ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ‏وذلك أن جميع تلك الأمم كانت تؤمن بأن الله خالق الخلق هو ربهم ومدبر أمورهم، وإنما كان كفرهم الأعظم ‏بعبادة غير الله تعالى بالدعاء الذي هو ركن العبادة الأعظم في وجدان جميع البشر، وبغير بالدعاء والاستغاثة من ‏العبادات العرفية كالتقرب إلى المعبود بالنذور وذبح القرابين...."اهـ.‏
وهذا الكلام لا يُسَلَّم له، فإن الذي يعتقد أن الله تعالى هو مدبر أمره وهو ربه فيستحيل أن يدعو غيره، وإنما يدعو ‏الإنسان من يعتقد قدرته على الإجابة، فلولا أنهم كانوا مشركين مع الله تعالى غيره في التدبير والربوبية، لما دعوا غير ‏الله تعالى، ومن الواضح أن محمد رشيد رضا متأثر تماما بمذهب الوهابية، فهو يكرر بنفس طريقتهم، ولا يكلف ‏نفسه إعادة النظر في بعض مقولاتهم.‏

تدقيق لغوي:‏

قال محمد رشيد رضا في هامش(1/191):" هذا مبني على قاعدة معروفة في العربية وهي أن شرط (إذا) يقتضي ‏الوقوع، وشرط (إن) يقتضي عدم الوقوع أو الشك فيه"اهـ.‏
والتحقيق أن (إذا) تقتضي قرب الوقوع وتوقعه، و(إن) تفيد بعده الصادق على غلبة نفيه وعلى عدم وجوده قطعاً؟
وليس كما قال.‏

تأويل آيه:‏

قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)‏
قال في المنار(1/192):" وقوله تعالى (من مثله) فيه وجهان (أحدهما) أن الضمير في "مثله" للقرآن المعبر عنه بقوله ‏‏(مما نزلنا)، و(الثاني) أنه ل(عبدنا)، قال شيخنا وهو أرجح بدليل من الداخلة على مثله الدالة على النشوء، أي فإن ‏كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة من مثله فليفعل"اهـ.‏
قال الماوردي في النكت والعيون (1/84):" ( فأتوا بسورة من مثله) فيه تأويلان:‏
أحدهما: يعني من مثله من القرآن وهذا قول مجاهد وقتادة.‏
والثاني: فأتوا بسورة من مثل محمد صلى الله عليه وسلم من البشر، لأن محمداً بشر مثلهم"اهـ.‏
وذكر ابن عادل في اللباب الوجه الأول ثم قال(1/435):" الثاني أنها تعود على (عبدنا) فيتعلق (من مثله) ب (أتوا، ‏ويكون معنى (من ) ابتداء الغاية، ويجوز عل هذا الوجه أيضاً أن تكون صفة لسورة أي بسورة كائنة من رجل مثل ‏عبدنا أميّ لا يقرأ ولا يكتب، قال القرطبي: و(من) على هذين التأويلين للتبعيض."اهـ
ثم ذكر ابن عادل قولين لعود الضمير، فما ذكره الشيخ محمد عبده سبقه إليه غيره وهو لم يدَّعِ التفرد، ولكن ‏لغرابة هذا الوجه ذكرنا ما ذكرنا لئلا يبادر إلى الإنكار.‏
معنى قوله تعالى ( فاتقوا النار):‏

قال الشيخ محمد عبده في المنار(1/197):" وهي موطن عذاب الآخرة نؤمن بها، لأنها من عالم الغيب الذي أغبر الله ‏تعالى به ولا نبحث عن حقيقتها، ولا نقول بأنها شبيهة بنار الدنيا ولا أنها غير شبيهة بها....الخ"اهـ.‏
أنا أرى أن هذا المنهج غير مقنع، بل الواجب أن نثبت للنار حقيقتها وماهيتها المعلومة لدينا في الحياة الدنيا، ثم لا ‏مانع أن نقول أنها أعظم مما في الدنيا من حيث قوتها وكيفيتها أو شدتها، أما أن نقول: أنها لا شبيهة ولا غير شبيهة ‏بالنار في الدنيا، فهو خلاف الظاهر، ولا موجب هنا للعدول عن الظاهر. وإنما وجب العدول عن الظاهر في آيات ‏الصفات المتشابهة كاليد والوجه ونحوها، لأن الله تعالى يستحيل أن يشبه المخلوقات، وهذا المحظور المخوف منه هنا، ‏غير متحقق في النار الآخرة والدنيا.‏
فقول محمد عبده أنها من المتشابهات، متشابه والله أعلم.‏
وقد مشى الشيخ محمد عبده على ها الموقف في كل المواضع التي قال إنها من المتشابهات.‏
تعليق صاحب المنار على القول بالصَّرْفة:‏

قال صاحب المنار(1/198):" قال بعض علماء المعتزلة: إن إعجازه بالصرفة يعنون أن الله تعالى صرف قدرة بلغاء ‏العرب الخلص في عصر التنزيل عن التوجه لمعارضته فلم يهتدوا إليها سبيلاً، ثم تسلسل ذلك في غيرهم واستمر إلى ‏عصرنا هذا، وهذا رأي كسول أحب أن يريح نفسه من عناء البحث وإحالة قدح الفكر في هذا الأمر....الخ"اهـ
وقد غفل صاحب المنار عن أن بعض أكابر علماء أهل السنة قد قالوا بالصرفة، كالإمام الجويني في النظامية، وقد ‏نقله القاضي عياض عن بعض أهل السنة في مواضع من الشفا في أحوال المصطفى. وهؤلاء لا يوصفون بأنهم مالوا ‏إلى هذا القول لمجرد أنهم كسولون يحبون أن يريحوا أنفسهم، كلا! بل لا يوصف بهذا الوصف من قال بهذا الوصف ‏من المعتزلة.‏
ومن عنده علم يقطع أن المسألة لها ذيولها، وأنها لا تخلو من وجه دقة قد بينه العلماء الباحثون في إعجاز القرآن وفي ‏علم الكلام، وإن رجح أكثر أهل السنة خلافها وأن الإعجاز ليس بالصرفة، ولكن لا يقال إن هذا الرأي رأي كسولٍ...الخ ما قال رشيد رضا!
وإنما أحببت التنبيه إلى هذا، لأن هذه الطريقة التي اتبعها صاحب المنار هنا في نقد المذهب القائل بالصرفة، ليست ‏طريقة علمية ولا مقبولة.‏

سعيد فودة
24-01-2008, 10:15
انتقاد الكتب المعتمدة في بعض العلوم:‏

غير خاف أن الشيخ محمد عبده كان قد ثار ثورة عظيمة على مناهج الأزهر، وانتقد العديد من الكتب التي كانت ‏مقررة منذ أزمان وفيه، وقد اتخذ الموقف نفسه في انتقاد الكتب المعتمدة للتدريس في علم البلاغة كشرح السعد ‏وألفية الخضري وشروحهما وحواشيهما، وقد كان يزعم أن هذه الكتب لا تفيد شيئاً بل تقطع الإنسان عن روح ‏اللغة، وعن بلاغة القرآن، وهذه دعوى عظيمة، نزعم نحن أنها مردودة لا قيمة لها، فإن أعظم من كتب في التفسير ‏والتدقيق في آيات القرآن الكريم على النهج البلاغي هم العلماء الذين برعوا في هذا الفن على الطريقة التي انتقدها ‏محمد عبده، ومنهم الإمام السعد والشريف الجرجاني والعديد من المفسرين وأصحاب الحواشي الدقيقة التي ما زلنا ‏حتى الآن ننهل من نهلها ونشرب من مائها.‏
وقد سار على نهجه في هذا الانتقاد محمد رشيد رضا ، وكنا قد نقلنا بعض كلام له في هذا، وسنعلق هنا على جهة ‏نراها مهمة أغفلها الشيخ وتلميذه.‏
فقد قال صاحب المنار (1/201):" فقد مرت القرون في إثر القرون على ترك الناس لمدارس الكلام البليغ منها ‏واستظهاره واستعماله، واقتصار مذاهب الأمصار على قراءة كتب النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وهي ‏أدنى ما وضع في فنونها فصاحة وبياناً، وأشدها عجمة وتعقيداً، وهي الكتب التي اقتصر مؤلفوها على سرد القواعد ‏بعبارة فنية دقيقة بعيدة عن فصاحة أهل اللغة وعن بيان المتقدمين الواضعين لهذه الفنون ومن بعدهم إلى القرن ‏الخامس...الخ"اهـ.‏
وضرب أمثلة كالسمرقندية وشرحي جوهر الفنون وعقود الجمان وشرحي التلخيص للسعد والعالم بالبلاغة، وليس ‏من ضرورة العالم بالبلاغة أن يكون بليغاً في كتاباته، بمعنى إنه ليس بالضرورة أن يكون شاعراً وخطيباً وأديباً، ولكن ‏العالم بالبلاغة على تحليل الكلام ونقده، وإظهار البليغ منه وبيان جهات البلاغة فيه، وذكر مراتب الكلام البليغ. ‏وبناءً على ذلك، فليس من ضرورة كتب علم البلاغة أن تكون لغتها وأسلوبها شعرية خطابية، بل يمكن أن يكون ‏أسلوبها تقريرياً دقيقاً حازماً، بلا عبارات إنشائية، وهذا الأسلوب هو ما جرى عليه العديد من العلماء المتأخرين ‏وهو الأسلوب الذي قرره الأزهر لتعليم الطلاب، وفي رأيي أن هذا الأسلوب أقرب إلى البلاغة كعلم منه إلى البلاغة ‏كممارسة، وما يريده صاحب المنار ينصب في ممارسة البلاغة وصيرورة الإنسان نفسه بليغاً، ولكن المطلوب في ‏العلوم هو تقرير وجوه البلاغة في الكلام، ونقده وبيان درجاته، والقادر على ذلك هو الذي درس وتعلم علم ‏البلاغة كقواعد رصينة وليس هو من حفظ الشعر وقرأ الأدب وصار منفعلاً به. فالتحقيق إذاً أن المناسب للتدريس ‏هي الطريقة التقريرية في هذا العلم وغيره من العلوم على الأقل في مراحل معينة.‏
وأزيد أيضاً فأقول: إن تقرير كتابي عبد القاهر وهما الدلائل والأسرار على المبتدئين في دراسة البلاغة غير مناسب ‏مطلقاً، ولا هو موافق للحكمة أيضاً، فهذا أن الكتابان من الكتب المؤسسة للعلم، وليس من المناسب في التدريس ‏تقرير الكتب المؤسسة، كمن يريد تعليم أصول الفقه للمبتدئين فيقرر عليهم الرسالة للشافعي!!‏
ولذلك لم نزل نرى العلماء يختصرون الكتب المؤسسة ويهذبونها تقريباً لطلاب العلم، وتدرجاً بهم إلى امتلاك المبادئ ‏الأساسية ليتمكنوا بعد ذلك من الخوض مع الكتب الأساسية.‏
ولو تأمل صاحب المنار قليلاً مع نفسه، لأدرك هذا المعنى، ولكنه في فورة اندفاعه قال ما قال!‏
ونحن لا ننكر دقة كتب السعد، ولكنها لم تكتب للمبتدئين بل للمنتهين أو للبالغين مراحل متقدمة من هذا الفن. ‏وعلى الأساتذة والمعلمين تقرير الكتب المناسبة للمبتدئين والمتوسطين.‏
على أنه لو تم سلوك طريقة معينة في التعليم، لكان تقرير مثل كتب السعد في موضعها في غاية الحكمة، وذلك بعد ‏أن يمهد لذلك بما يلائم من الكتب. أما مع قطع المراحل الممهدة والمباشرة في تقرير كتاب السعد، فسوف يلاقي ‏كل من الطالب والمعلم أشد العنت، فالتدرج مطلوب لا شك.‏
ومما يدل على أن الأمر قد اختلط عند محمد رشيد رضا أنه بعد ما ذكر الطريقة ‘إلى تحصيل البلاغة من قراءة الشعر ‏وحفظه وقراءة كلام البلغاء نظماً ونثراً، ودراسة كتب عبد القاهر وغير ذلك مما هو معلوم غير مجهول ‏قال(1/202):" فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهماً وأداءً، والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام ‏البليغ وليس هو مستنبطاً منها، وقد عكست القضية منذ القرون الوسطى حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في ‏الكتب التي أشرنا إليها وهي التي تقرأ في مدرسة الجامع الأزهر وأمثالها إن قواعدها تقليدية لا يمكن أن يعلم بها ‏تفاضل الكلام، إذ يمكن حمل كل كلام عليها ولذلك كان أكثر الناس مزاولة لها أضعفهم بياناً وأشدهم عياً ‏وفهاهةً"اهـ.‏
وهذا الحكم ما هو إلا من تسرعه، فالمقصود من هذه الكتب ليس تحصيل ملكة البلاغة نفسها، بل تحصيل العلم ‏بالبلاغة، بقواعدها وأحكامها وآثارها، ونحو ذلك ولم يغب عن العلماء ما هي الطريق التي يتوصل بها الإنسان إلى ‏إدراك بلاغة البلغاء وصيرورة ذلك ملكة في نفسه، على أنَّا لا نسلم له عدم فائدة الكتب التي يهاجمها في تحصيل ‏ملكة البلاغة.‏
وأما حكمه على من يقرأ هذه الكتب بأنه يزداد فهاهة وضعفاً فهو غير مُسَلَّم، بل يزداد علماً وتمكناً في إدراك ‏مواطن البلاغة، ولا أدل على ذلك من أن كبار المحشين على التفاسير المشهورة كالزمخشري والبيضاوي والجلالين ‏هم من أصحاب هذه الطريقة، وليسوا من أصحاب طريقة محمد رشيد رضا وصحبه، وأنى لهؤلاء أن ينتجوا لنا كما ‏أنتج أولئك!‏

سعيد فودة
26-01-2008, 14:48
‏ اعتراض وتخابط
قال الشيخ محمد عبده(1/229):" ولابد في تحقيق الإيمان من اليقين ولا يقين إلا ببرهان قطعي لا يقبل الشك ‏والارتياب"اهـ.‏
ثم قال (1/229):" لا ينحصر البرهان العقلي المؤدي إلى اليقين في تلك الأدلة التي وضعها المتكلمون، وسبقهم إلى ‏كثير منها الفلاسفة الأقدمون...الخ"اهـ
فعلق عليه محمد رشيد رضا(1/230):" كان الأستاذ قد أطلق اشتراط البرهان العقلي هنا كما أطلقه في مواضع ‏أخرى تقدم بعضها والبحث فيه، ثم قيده هنا بما بيَّن به خطأ بعض المتكلمين في اشتراطهم البراهين المنطقية التي ‏سموها قطعية على ما فيها من خلل وعلل، والحق أن اطمئنان القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير ‏تردد ولا اضطراب كافٍ في النجاة في الآخرة، وأن أفضل الأدلة ما أرشد إليه القرآن من النظر في آيات الله تعالى في ‏الأنفس والآفاق، فبداهة العقل فيه كافية عند سليم الفطرة الذي لم يبتل بشكوك الفلاسفة وجدليات المتكلمين ولا ‏بتقليد المبطلين"اهـ.‏
وهكذا كما ترى لا يترك محمد رشيد رضا فرصةً في الحط من مناهج المتكلمين وتشويه صورتهم إلا وينتهزها.‏
وأما ما قاله محمد عبده من عدم انحصار الأدلة فيما ذكره المتكلمون والفلاسفة، فإن قصد عدم وجوب ذلك عقلاً، ‏فوافقه، وإن قصد أنه يمكن الإتيان بما لم يأت به المتقدمون فمسلم، ولكن هل جاء هو أو غيره بذلك، أم إن همهم ‏هو الاستنقاص مما جاء به المتقدمون!؟
وأما جعله المتكلمين تابعين في أكثر ما يقولون للفلاسفة فهو غير خاف، وفيه ما فيه، فإن الاستفادة منهم غير ممنوعة ‏لا شرعاً ولا دافعاً، ولكن لا يصح إنكار تفرد المتكلمين بما هو من خصائص منهجهم، ولا يصح عدم الالتفات إلى ‏ما انتقدوه على الفلاسفة وما ردوه عليهم.‏
وكان على محمد رشيد رضا أن يوضح أن أكثر المتكلمين لم يشترطوا لصحة الإيمان العلم بالبراهين العقلية، وأن ‏المعتمد عند الأشاعرة هو جواز التقليد بشرط كونه جازماً، مع كون المقلِّد مقصراً إذا كان قادراً على الاستدلال ‏ولم يفعل.‏
وأما عطفه جدليات المتكلمين على شكوك الفلاسفة وإضافة تقليد المبطلين إلى ذلك كله، فواضح ما يرمي إليه.‏
وقد نص العلماء على أن المعتمد جواز التقليد بالشرط الذي ذكرناه، وهو يعلم ذلك إذ لابد أن يكون قد قرأ ‏الجوهرة ونحوها من كتب المبتدئين في علم التوحيد، وهذا كله مذكور فيها.‏
الحور العين
قال الشيخ محمد عبده(1/233):" ونساء الجنات من المؤمنات الصالحات، وهن المعروفات في القرآن بالحور العين، ‏وصحبة الأزواج في الآخرة كسائر شؤونها الغيبية نؤمن بما أخبر به الله تعالى منها لا نزيد فيه ولا ننقص منه، ولا ‏نبحث عن كيفيته، وإنما نعرف بالإجمال أن أطوار الحياة الآخرة أعلى وأكمل من أطوار الحياة الدنيا كما ‏تقدم...الخ"اهـ.‏
وهذا خلاصة طريقة الشيخ محمد عبده في الإيمان بالغيب، مما أخبرنا الله تعالى عنه من شؤون الآخرة، إلا أنه يجب أن ‏يصرح بأن الحقائق في أصلها واحدة، فلإنسان إنسان في الآخرة أيضاً ولكن درجة إنسانيته أكمل ولذاته أكمل ‏وإدراكه أعلى، وهو لا ينكر ذلك، ولكن قد سبق النقل عنه في ما مضى قوله أنه لا يخوض حقيقة النار ولا يقول ‏أنها شبيهة بنار الدنيا ولا غير شبيهة بها، وكان ينبغي على طريقته أن يقول أن الحقائق والماهيات واحدة، ولكن ‏درجات وكمالات الوجود مختلفة، وحينذاك فلا يمنع القول بالمشابهة بين النارين وبين الوجودين، مع وجود ‏الاختلافات كمالاً ونقصاً.‏

سعيد فودة
01-02-2008, 16:47
رأي رشيد رضا في الحياء:‏
قال الشيخ محمد عبده (1/ 236) ناقلاً عن البعض مؤدي مذهبهم:" فمعنى عدم استحياء الله تعالى أنه لا يعرض له ‏ذلك الانكسار والانفعال، ولا يعتريه ذلك التأثر والضعف، فيمتنع من ضرب المثل"اهـ
ولم يرفضه، ولم يمنعه.‏
فقال محمد رشيد رضا(1/236):" أقول: هذا مؤدي ما قاله الأستاذ في الدرس .....والتحقيق أن الحياء انفعال ‏النفس وتألمها من النقص والقبيح بالغريزة الفضلى غريزة حب الكمال، فهو كمال خلافاً لأولي الوقاحة الذين يعدونه ‏ضعفاً ونقصاً....الخ"اهـ.‏
ولا أدري هل نستطيع أن نفهم من كلام هذا الرجل أنه لا يحيل اتصاف الله تعالى بذلك، ويعده كمالاً! إنه إن ‏أجاز ذلك، فالله أعلم من هم أولو الوقاحة!‏
وقد غاب عن رشيد رضا أن الحياء بالقدر الذي ذكره إنما يكون كمالاً لمن هو ناقص أصلاً وقابل لكمال زائد غير ‏حاصل له، أو من توقف كماله على غيره، أما من لم يكن كذلك فهذا المعنى محال في حقه. والله تعالى لا ينتظر ‏كمالاً ليس حاصلاً له ولا يستكمل بغيره. فليفهم هذا فإنه من أصول علم التوحيد.‏
‏( وما يضل به إلا الفاسقين):‏
قال الشيخ محمد عبده( 1/238):" فعرفت علة ضلالهم وهي الفسوق أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في ‏خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلى الذين أوتوه، وليس المراد بالفاسقين ما هو معروف في ‏الاصطلاحات الشرعية وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصي، فإنه لا يصح هنا، وتلك الاصطلاحات حادثة بعد ‏التنزيل"اهـ.‏
إن العلماء لا يمنعون من إطلاق الفسوق على الكفر، فالكافر فاسق، ولكنهم يقولون إن الفسوق يطلق على ما هو ‏دون الكفر من المعاصي أيضاً، فحمل اسم الفسوق على الكافر يحتاج إلى دليل وقرينة. وهذا الاصطلاح غير مخالف ‏لاستعمال الشريعة لهذا الاسم، بل هو مشتق منها.‏
وتعريف الفسوق الذي ذكره الشيخ محمد عبده ليس كافياً في هذا المقام، لأن القرآن ذكر الفسوق في مقابل ‏الضلال، إما كفر أو معاصٍ، والمناسب لسياق الآيات إرادة الكفر هنا، لأنه جل شأنه قال: ( وأما الذين كفروا ‏فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً، يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ولا يضل به إلا الفاسقين).‏
والفسوق هو خروج عن النظم المعين الذي هو الدين هنا، والله تعالى جعل الأمثال التي يضربها يترتب عليها امتحان ‏الناس وافتراقهم إلى ضالين ومهتدين، فالضلال إذن هو بالنسبة إلى ما ينزله الله تعالى من الآيات وليس بالنظر فقط ‏إلى السنن الكونية العامة والهدايات التي بثها الله تعالى في خلقه، وكذلك الهدى والاهتداء يناسب أن يكون بالنسبة ‏إلى المنزل من الآيات والأمثال، فالانحراف عنها فسوق وهذا موافق ومتفق مع اصطلاح العلماء وليس خارجاً عنه.‏
قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله....):‏
قال الله تعالى: ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).‏
وفي تفسير المنار قال الشيخ محمد عبده(1/246):" لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحي ‏الذي هو دليلها ومثبتها؟ لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث ‏في هذا المقام"اهـ.‏
كذا قال فوجه الآية بأنها احتجاج بالمجموع بما عليه الجمهور، والذي أراه أن هذا غير مستقيم، لأنه استدلال برهاني ‏وليس حجة جدلية حتى يكون المراد الإلزام، فيكون معنى الآية بناءً على هذا:‏
إن الله تعالى قد أحياكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، ثم هو الذي يميتكم، ثم يحييكم بعد إماتتكم، فإذا صح ذلك فكيف ‏يسوغ لكم الكفر به وإنكاره أو إنكار صفة من صفاته.‏
فهو احتجاج عليهم بالأمر في نفسه، ولا يتوقف صحة الاحتجاج هنا على اعتقاد طائفة من الناس به سواء أكانوا ‏أغلب الناس أو أقلهم. وهذا هو الموافق لظاهر الآية، فهي خطاب للكفار بالله تعالى أنفسهم، فهو يقول لهم إنه لا ‏يصح كفرهم به ولا يقوم على أساس والحال ما ذكرنا!!‏
وليس خطاباً لهم واحتجاجاً عليهم بعقيدة غيرهم ممن لا يكفر بالله.‏
فلا معنى لقوله "فلا عبرة بالشذاذ"، لأنه لا عبرة بالجمهور إن كان منكراً للحق، والحال كلام في أصل من أصول ‏الدين، وليس يقوم على هذا قول الجمهور أو قول الأقلين.‏

جمال حسني الشرباتي
05-02-2008, 04:12
السلام عليكم

أعطاك الله ملكة الباحث الدقيق فبارك الله بك وبأبحاثك

سعيد فودة
05-02-2008, 16:16
جزاك الله خيرا أخي العزيز جمال على هذا الكلام الذي يشد العزم ويشحذ الهمة....

سعيد فودة
05-02-2008, 16:21
قصة خلق آدم وخطاب الملائكة:‏
قال محمد رشيد رضا في الآية الكريمة( وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة...) في تفسير المنار(1/251):" ‏وقد ذهب الأستاذ إلى أن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها، لأنها بحسب قانون التخاطب ‏إما استشارة وذلك محال على الله تعالى، وإما إخبار منه سبحانه للملائكة واعتراض منهم ومحاجة وجدال وذلك لا ‏يليق بالله تعالى أيضاً ولا بالملائكة"اهـ
فأنت ترى أن ما اختار أن ما ورد في هذه الآيات فالمراد به التمثيل، يعني أنه لم يحصل على ما يفيد ظاهر النص، ‏وهذا اختيار مخالف لمنهج التفسير حيث إن الأصل الأخذ بالظاهر، ما لم يستحيل، ولا استحالة هنا، أما ما اعتمد ‏عليه من أسباب، فهي ضعيفة جداً،
فقد قال: إن خطاب الله تعالى إما أن يكون على سبيل الاستشارة وذلك محال في حق الله تعالى أو إخبار فيلزم ‏اعتراض الملائكة عليه جل شأنه وهذا لا يجوز لما أنهم لا يعصون الله ما أمرهم.‏
فقد أدار الاحتمالات بين اثنين، والاستشارة مرفوضة قطعاً، أما الإخبار فهو في حد ذاته لا إشكال فيه، فلا محال ‏يلزم من إخبار الله تعالى لبعض خلقه ببعض أفعاله، وهو لم يعترض على مجرد إخبار الله تعالى، بل قال إذا كان ‏إخباراً فإن ما قاله الملائكة اعتراض عليه ولا يصح هذا، فنقول له: لا يلزم أن يكون ما قاله الملائكة لا يحتمل إلا ‏معنى الاعتراض، لم لا يحمل على الاستفهام بناء على محدودية علمهم، كما ذكره العلامة أبو السعود العمادي في ‏تفسيره (1/82):" وإنما أظهروا تعجبهم استكشافاً عما خفي عليهم من الحكم التي بدت على تلك المفاسد وألغتها، ‏واستخباراً عما يزيح شبهتهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه عليه السلام من الفضائل التي جعلته أهلاً لذلك، كسؤال ‏المتعلم عما ينقدح في ذهنه لا اعتراضاً على فعل الله سبحانه ولا شكاً في اشتماله على الحكمة والمصلحة إجمالاً، ولا ‏طعناً فيه عليه السلام ولا في ذريته على وجه الغيبة، فإن منصبهم أجل من أن يظن بهم أمثال ذلك، قال تعالى( بل ‏عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون).....الخ"اهـ.‏
أفلم يكن نحو هذا التفسير قريباً بل متبادراً إلى الذهن كفاية ليخطر في نفس أصحاب تفسير المنار؟ فيصرفهم عن ‏دعوى أن الآية قد سيقت على سبيل التمثيل ولا سؤال ولا جواب!‏
وكيف ساغ لهم ذلك وقد وردت هذه القصة ونحوها في القرآن والسنة حتى شاع هذا الأسلوب مما يسهل حمله ‏على غير الاعتراض والمشاورة اللذين اعتمد عليهما صاحب المنار في دعوى التمثيل والصرف عن الظاهر.‏
وأما دعوى أن الخطاب على سبيل التشاور مع الملائكة فهو لعمري بعيد غير متبادر بل هو خطاب على سبيل ‏الإعلام لهم بما سيخلقه الله تعالى وبما سيجعله، ولم يتوقف حكم الله تعالى وإرادته على موافقة الملائكة ولا على ‏قناعتهم أو عدم ذلك مما هو الشأن في المشاورات، فهذا احتمال بعيد يستحضر لتبعيد الظاهر ويطوى طياً، وذلك ‏أسلوب لا يصح في التفسير.‏

سعيد فودة
05-02-2008, 16:52
وأما من قال أن هذه الآية يفهم منها حسن التشاور، فلا شيء في هذا، ولكن يوجد فرق بين أن يستفاد منها حسن ‏المشورة وبين أن يقال أن الله تعالى يشاور الملائكة مشورةً.‏
وقد عبر محمد عبده عن رأيه في الحوار المذكور في الآية فقال(1/254):" وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من ‏شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ‏ذلك القول، ولكنا نعلم أنه ليس كما يكون منا"اهـ.‏
وفي كلامه دلالة غير خافية على أنه يقول بأن الحوار تمثيل وإلا فلا حوار ولا سؤال ولا جواب ، وأما ما قال من ‏أنا لانعلم حقيقة ذلك القول ، إن قصد بالقول الآيات المنزلة ، فحقيقة مادل عليه ، وهي معلومة إما قطعا أو ظنا، ‏وإن قصد القول الذي هو كلام الله تعالى ما حقيقته في نفسه وكلام الملائكة ماحقيقته في نفسه ، فلا يتوقف فهم ‏الآية على ذلك وليس هذا مقصودا منها ، بل محل لذكر هذه العبارة هنا خصوصا.‏
وقال الشيخ محمد عبده في تفسير المنار(1/255):"فإذا كان الملأ الأعلى قد مُثِّلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لايعلمون ، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين وبالأنبياء أن ‏يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين .."اهـ .‏
وهذا يعني أن الشيخ محمد عبده يزعم أن ظاهر الآية المفهوم منها أن الملائكة فعلوا هذه الأفعال من الاختصام ‏ونحوه، ولا ريب في أن هذا خلاف الصحيح، كما بيناه عند العلماء.‏
والشيخ مصر على أن الآيات وردت مورد التمثيل فقد قال ( 1 / 255 ) :" وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة ‏الملائكة ووضع لهم تعريفا ومنهم من أمسك عن ذلك ، وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون ، والقصة على ‏مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ماتفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية ..الخ"اهـ
ولا أدري لم يستحيل حمل الآية على ظاهرها عند الشيخ محمد عبده، وقد أبطلنا الحجج التي سند إليها في ذلك، فإن ‏لم يبق عنده غيرها، فلا مصحح له لصرفها عند الظواهر.‏
ولا أدري لما يصر الشيخ محمد عبده فيما يزعم أنه من المتشابهات على أن يجري فيه مجرى السلف فيسكت عنه ولا ‏يخوض فيه، ونراه قد تكلم وخاض هنا مع زعمه أن الآية من المتشابهات؟!‏
وقال في ( 1 / 264 ) :" وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله ‏تعالى في معرفة حقيقتها، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها، وقد تقدم بيان ذلك، وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل
وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل، وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية في قوالب العبارة ‏اللفظية...الخ " اهـ
كذا قال، وقد مضى أنه لاحاجة إلى التأويل بهذه الصورة، وإن قصد بالتمثيل أن شيئاً من المحاورة والخطاب لم يكن، ‏فهذا خلاف الظاهر ولا مسوغ له.‏

جمال حسني الشرباتي
06-02-2008, 14:23
السلام عليكم

الأستاذ المحترم سعيد

ترى متى تحوّل محمد رشيد رضا عن منهج أستاذه محمد عبدة ليقترب أكثر من منهج السلفيّة --وأين بدأ ظهور ذلك في تفسير المنار ؟؟

نزار بن علي
06-02-2008, 20:22
من مقالات صاحب المنار ذهابه إلى القول بأن أجساد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عرضة للبلى من أكل الدود وغير ذلك مما تتعرض له سائر الأجساد في الثرى... وقد رد عليه الإمام العلامة محمد بن عثمان النجار مفتي تونس آنذاك وشيخ الأئمة كالشيخ الطاهر بن عاشور ومحمد الخضر حسين.. وحرر في ذلك رسالة خاصة سماها: تحرير الكلام في حفظ أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام"، وأقام الحجة على صحة ما ذهب إليه جماهير أهل السنة، وبين أن المتطاول على مقام الأنبياء لم يتمسك فيما ذهب إليه من مقالة فاسدة إلا بشبهات واهية.. ولا شك أن الحيد عن منهج أهل السنة قد يؤدي إلى مثل تلك الزلات وأكثر.. ولم أعلم أن الإمام محمد النجار قد صنف تلك الرسالة ردا على صاحب المنار إلا بعد أن وقفت عليه منصوصا بخطه في طرر بعض أختامه لبعض أبواب الجامع الصحيح..

سعيد فودة
09-02-2008, 13:00
الأستاذ جمال
أما بالنسبة لتأثر رشيد رضا بالتيار الوهابي، فقد تبدى لي أنه ظهر عنده مبكرا حتى قبل أن يسافر للقاء محمد عبده، ولكنه تفشى عنده بعد وفاة الشيخ محمد عبده، ولذلك ترى أن شذرات الوهابية والمذهب التيمي بارزة من المجلد الأول للمنار...
وهذا لا يعني أن محمد عبده كان غافلا عن ذلك التأثر بل كان عارفا به...!

سعيد فودة
09-02-2008, 13:02
الأستاذ نزار
لقد سمعت أن العديد من علماء تونس كانوا قد ردوا على المذهب الوهابي منذ ظهوره وقد أخبرني أحد الإخوة في أثناء زيارتي لمصر ببعض الأسماء لعلماء تونس ممن ردَّ على الوهابية، وقال لي إنه توجد كتب مطبوعة وغير مطبوعة لهم في ذلك، ولكني نسيت الآن تلك الأسماء، فيا ليتك تخبرنا ببعض المعلومات حول ذلك الأمر لما له من اهمية...

سعيد فودة
09-02-2008, 13:15
ورد في كتاب صدر حديثا عن دار الطليعة أسما لبعض العلماء من تونس ممن ردوا على الوهابية منهم
قاضي الجماعة الشيخ عمر المحجوب، له رسالة اسمها " رسالة في الرد على الوهابي"
القاضي الشيخ إسماعيل التميمي، له كتاب اسمه "المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية"
الشيخ الرياحي

وتوجد كتب في الرد على كتاب "كشف الشبهات" من علماء تونس...

وأما المغرب فقد ردَّ العديد من العلماء على الوهابية منهم شيخ الجماعة بفاس الطيب بن كيران الفاسي في رسالة اسمها"رد على مذهب الوهابيين"
ورسالة اسمها "رسالة في الرد على مبتدعة أهل البدو وناحية المشرق"
ورسالة المولى سليمان إلى سعود بن عبد العزيز من تدبيج الطيب بن كيران بدايتها بعد بسم الله الرحمن الرحيم، هذه براءة أرسلها السلطان أمير المؤمنين مولاي سليمان على لسان شيخنا المحقق سيدي الطيب بن عبد المجيد بن كيران إلى عبد الوهاب...."

نزار بن علي
09-02-2008, 14:40
قد كتبتم يا شيخ سعيد ما كان بإمكاني أن أكتبه وزيادة.. فبارك الله بكم.
ولعلي أصور رسائل الشيخ محجوب والشيخ التميمي وأنزلها في هذا الموقع.
أما رسالة الشيخ الطيب بن كيران فلا أعلمها إلا مخطوطة.
وللشيخ محمد النجار - تلميذ الشيخ إسماعيل التميمي - ردود مفحمة على ابن تيمية في مسألة التوسل ساقها في بعض أختامه لشروحه على الجامع الصحيح.

سعيد فودة
09-02-2008, 17:38
وزيادة على ذلك أقول: إن محمد رشيد رضا قد قام بالتصرف عن قصد بكتاب "رسالة التوحيد" الذي ألفه الشيخ محمد عبده، وغيره في بعض المواضع ليتواءم أكثر ما يمكن مع ما أشاعه الوهابية والتيمية من مذاهب وعقائد!!!
وقد أشار إلى ذلك غير واحد من الباحثين ....
ولعلنا نقوم بعرض ذلك في محل خاصٍّ....!!!
ويا ليت أحد الإخوة يقوم بتصوير رسالة التوحيد طبعة بولاق التي طبعت في حياة الشيخ محمد عبده، ويقوم بتصوير الكتاب نفسه الذي طبع بعد ذلك بمطبعة المنار تحت إشراف محمد رشيد رضا....
فسوف يتمكن الجميع عند ذلك من المقارنة بينهما ومعرفة مواضع التغيير والتصرف...

سعيد فودة
17-02-2008, 10:33
وفي تفسير المنار قال الشيخ محمد عبده ( 1 / 265 ) : (فسجدوا إلا إبليس) أي سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس، ‏وهو فرد من أفراد الملائكة كما يفهم من الآية وأمثالها في القصة إلا أيه الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن
‏(وإذ قال للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه )‏
وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلا جوهريا يميز أحدهما عن الآخر، وإنما هو اختلاف أصناف عندما ‏تختلف أوصاف، كما ترشد إليه الآيات، فالظاهر أن الجن صنفا من الملائكة ...الخ "اهـ
أول مايلفت النظر في هذا الكلام هو تناقضه مع ماسبق من قرءه أن الملائكة لايعصون الله، وهذا كان سبباً كافياً ‏عنده لعدم الاعتراف بأنهم يحاورون وبناءً على ذلك أوجب حمل الآية على التمثيل، وههنا يقول بملء فيه إن إبليس ‏من الجن، ولا فرق في الجنس بين الملائكة والجن، ومع ذلك فقد صرح القرآن بأن إبليس عصى الله تعالى وكذلك ‏ذريته.‏
إذا كان على مذهب الشيخ محمد عبده لايجب أن يصرف آية خطاب الله تعالى للملائكة عن ظاهرها للعلة التي ‏ذكرها فقد نقضها هنا.‏
ومجرد عصيان إبليس لله تعالى كاف في إخراجه من جنس الملائكة لأنهم (لايعصون الله ماأمرهم ويفعلون ‏مايؤمرون).‏
واحتجاجه بالاستثناء على أنه منهم، ضعيف، فالاستثناء منقطع والخطاب موجه إلى الملائكة لأنهم أغلب وهو كان ‏فرداً معهم وإن لم يكن منهم، فالخطاب موجه للحضور جميعاً فعبر عنهم بالملائكة للغلبة الغالبة.‏
وكذلك قوله (1 / 265 ) : " وقد أطلق في القرآن لفظ الجنة على الملائكة على رأي جمهور المفسرين في قوله ‏تعالى ( واجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) وعلى الشياطين في آخر سورة الناس "اهـ
قول ضعيف لايكفي لجزمه بما جزم، وقد قال الإمام الرازي ( 2 / 233 ) :" وأيضا فقد بينا أن الملك يسمى جناً ‏بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب الفرق اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب أصل اللغة ‏يتناول مايدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض مايدب ،" اهـ
وكذلك قال الإمام الرازي ( 2 / 233 ) :" قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبتت ذلك النسب في الجن كما أثبته ‏الملائكة " اهـ
ولا يخف أن إبليس له ذرية والملائكة لاذرية لهم، ودليل إثبات الذرية لإبليس قوله تعالى(أفتتخذونه وذريته أولياء من ‏دوني) وأما الملائكة فلا ذرية لهم لأنها إنما تحصل من الذكر والأنثى، وقد جاء إنكار كونهم إناثاً، في القرآن الكريم
‏( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، أشهروا خلقهم ) وإبليس مخلوق من نار والملائكة ليسوا (كذلك)‏
قال تعالى حكاية عن إبليس (خلقتني من نار) وهو من الجن وقد قال الله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار ‏السموم) ، (خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار) ( راجع تفسير الرازي)‏
وأما الملائكة فهم مخلوقات من نور لامن نار كما جاء في حديث مسلم (2996)‏
عن عائشة قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، ‏وخلق آدم مما وصف لكم " فهذا الحديث نص واضح عن اختلاف جنس الملائكة عن جنس الجن.‏
وقد قال الإمام الرازي ( 2 / 233 ):" لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لايكون من الملائكة لقوله تعالى ‏‏( ويوم نحشرهم جميعاً ثم تقول الملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ‏يعبدون الجن ) وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك" اهـ .‏
ولا يضر ماقلنا ورود القول بأن إبليس من الملائكة أو من طائفة من الملائكة تسمى الجن عن بعض السلف لأن ‏كلامنا لامن جهة النقل بل الأدلة والبراهين كما هو منهج الشيخ محمد عبده، فلا نعارضه بمجرد النقل فيما يدعى ‏القطع فيه بالبرهان وإلا فالقائلون بخلاف قوله هم الجمهور.‏

علي محمدالقادري
18-02-2008, 05:28
سيدي العلامة سعيد بن عبد اللطيف فودة أبقاك الله ذخراً لأهل السنة، ونصر بك الحق ..


سيدي الكريم هل يمكن أن تضعوا لنا ما سبق في ملف pdf فإن الرابط السابق لم يعمل معي.



حفظكم الله ورعاكم ، وأعانكم على إكمال هذه النظرات والنقدات العميقة .

سعيد فودة
18-02-2008, 14:16
بارك الله فيكم أخانا المحترم

ندعو الله تعالى ولكم بالخير دنيا وأخرى.
وأرجو من المتابعين الكرام أن لا يبخلوا علينا ببعض الملاحظات على ما نكتبه فإنما نريد الوصول إلى الحق قدر ما نستطيع فرحم الله امرءاً كان سببا في ذلك...
وفقنا الله وإياكم جميعاً...!

سعيد فودة
18-02-2008, 14:30
رأي الشيخ محمد عبده في الملائكة
ذكر الشيخ محمد عبده رأيه في الملائكة وحقيقتهم في المنار ( 1 / 254 ) فما بعدها، فقال بعد أن صرح بأن أناساً ‏قد بحثوا في جوهر الملائكة:" وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله على هذا الأمر قليلون.. والدين إنما شرع للناس ‏كافة...‏
ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء... وأما ذلك الحوار في الآيات فهذا شأن من شؤون ‏الله تعالى مع الملائكة صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ، ونحن لانعرف حقيقة ذلك ‏القول، ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا... والقصة على مذهبهم _ أي الخلف وردت مورد التمثيل لنقرب من ‏أفهام الخلق ماتفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية.... ( ثم قال على سؤال الملائكة ) وسألوا الله تعالى بلسان ‏المقال إن كانوا ينطقون أو بلسان الحال والتوجيه إليه لإستنقاضه المعرفة بذلك وطلب البيان والحكم، وعبر الله عن ‏ذلك بالقول..."اهـ
ثم قال محمد عبده في ( 1/ 267 ) :" وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة فكل أمر كلي قائم ‏بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح الهي سمي في لسان الشرع ملكاً ، ومن لم يبال في ‏التسمية بالتوفيق يسمي هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لايعرف من عالم الأفكار إلا ماهو طبيعة أو قوة يظهر ‏أثرها في الطبيعة"اهـ
فهو يرى أن في باطن الخلق أمراً هو مناطها وبه قوامها ونظامها لايمكن لعاقل أن ينكره"يسميه المؤمن ملكاً والكافر ‏قوة طبيعية "وماذا على هذا الذي يزعم أنه لايؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيب عنه"‏
‏" يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمره فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، ‏بأن في نفسه تنازعاً...فهذا الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكراً – وهو في الحقيقة معنى لايدرك كنهه وروح ‏لاتكتنه حقيقتها- لايبعد أن يسميه الله ملكاً أو يسمي أسبابه ملائكة أو ماشاء من الأسماء...الخ"‏
فيظهر من هذا الكلام أن الشيخ محمد عبده يقول بهذا الرأي الغريب ، أي أن القوى الطبيعية ثابتة ، أي مايسميه ‏العلماء بالقوى المودعة ، وثانياً يقول بأن هذه القوى هي عين الملائكة.‏
وقد زعم محمد رشيد رضا (1/268) أن الإمام الغزالي قد سبق إلى هذا المعنى وبينه وعبر عنه بالسبب، وزعمه هذا ‏باطل.‏
ثم قال الشيخ محمد عبده (1/269): لا يبعد أن الله تعالى بعد ماخلق هذه القوى الطبيعية "خلق الإنسان وأعطاه قوة ‏يكون بها مستقرا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها إلى عمادة الأرض، وعبر عن تسخير هذه القوى له ‏بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير"اهـ
وهذا تأويل عجيب يقرب متن التأويلات الباطنية، ثم قال :" ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في ‏الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق"اهـ
إذن هو يجيز هذا التأويل ويصرح بأنه لايوجد في الشريعة مايمنعه، وهذا مجرد زعم منه، بل تأويله لايوجد مايقيمه و ‏يقويه بحيث يكون سائغاً . وأما الضابط الذي زعمه من أن العمدة إنما هي في اطمئنان القلب وركون النفس وإلى ‏ما أبصرت فسيفرح بذلك الكلام العلمانيون والمنكرون للذين كثيراً، بل قد فرحوا وفرحوا مذاهب صارت راسخة ‏بصورة أقوى من رسوخ الأديان.‏
ومهما حال محمد رشيد رضا بعد ذلك تسويغ قول الشيخ محمد عبده بالقول بأنه أراد إقناع المنكرين للأديان ‏بالملائكة بقول فريب من عقولهم، فهذا الدفاع لايجدي، بل إن الصحيح في طريقة مخاطبة المنكرين أنهم يجب أن ‏يفهموا أن مايقوله الدين غير مخالق للعقل أصلاً، وأن مايزعمون أنه هو العقل المحض ليس كذلك أما أن نخترع لهم ‏تفسيراً جديداً غير معهود بحجة تقريبهم، فكأننا اخترعنا لهم دينا جديداً ليؤمن به، خاصة إذا سمحنا لأنفسنا تعميم ‏هذه الطريقة.‏
ثم تمادى رشيد رضا كعادته عندما قال (1/274) :" وإنني قد جربت هذه الطريقة التي استنكروها عليه أي ‏الطريقة التي استنكرها معارضو محمد عبده، وهي ما وضحناه سابقا في إقامة الحجة على بعض المنكرين لوجود الله ‏تعالى، فلم يستطيعوا لها دحضا، وذلك بأن علماءهم ينكرون إله اللاهوتيين وكذا إله المتكلمين لا إله الخليقة ثم ‏جعل مجرد اعترافهم بلزوم وجود نظام ومنظم للخلفية وانها ليست صدفة كافيا للإتفاق معهم في جوهر وأين ‏الإسلام فقال: "إذا قلت لهم هل تعقلون أن هذا النظام الدقيق في كل نوع من المخلوقات ووحدة النظام العام في ‏مجموعها كلها قد وجدا بالمصادفة وليس لهما مصدر وجودي؟ يقولون: لا بل لابد لذلك من مصدر لكنا لانجهل ‏حقيقته ، حينئذٍ كنت أقول لهم : وهذا أس عقيدة الإسلام، وهو أننا نجهل كنه رب العالمين، وإنما نعرفه بأثاره في ‏خلقه، فالفرق بينا لفظي "اهـ
فتأمل مدى جرأته عندما يقول إن خلافه مع هؤلاء المنكرين للأديان وللإله، وهم الطبيعيون الماديون، مجرد خلاف ‏لفظي، وهذا يعني أنهم يوافقونه في أصل المعنى، وهو يوافقهم كذلك، بينما يجعل خلافهم مع المتكلمين خلافاً ‏حقيقياً، فهو إذن يرجح عقيدة الماديين على عقيدة المتكلمين ويهجم على المتكلمين من أجل خاطر هؤلاء الماديين ‏فتعساً لهذه الطريقة إن كانت تقرب إلا إلى الإلحاد لا إلى الأديان.‏
ومن تأويلاته ماقاله (1/282):" ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة " اهـ
والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري والشيخ محمد عبده متأثر ‏بنظرية الأحوال الثلاث التي اخترعها بعض فلاسفة الغرب يفسرون بها مراحل انتقال الإنسان من طور إلى طور حتى ‏وصل إلى طور العقل، وهي نظرية باطلة كما هو معلوم عند العلماء والباحثين، فعجبا من محمد عبده يميل إليها ‏ويذكرها في تفسير كتاب الله تعالى، ويريد بالأطوار الاعتدال الفطري، ثم طور الخروج عن حد الفطرة والخضوع ‏للخيال، ثم طور العقل والتدبر.‏

علي محمدالقادري
19-02-2008, 19:39
سيدي العلامة سعيد بن عبد اللطيف فودة أبقاك الله ذخراً لأهل السنة، ونصر بك الحق ..


سيدي الكريم هل يمكن أن تضعوا لنا ما سبق في ملف pdf فإن الرابط السابق لم يعمل معي.



حفظكم الله ورعاكم ، وأعانكم على إكمال هذه النظرات والنقدات العميقة .


هل يمكن أن تضعوا لنا ما سبق في ملف pdf فإن الرابط السابق لم يعمل معي

سعيد فودة
20-02-2008, 00:10
بارك الله فيك على اهتمامك أخانا العزيز
هذا هو الملف المتعلق بنقد المنار في سورة الفاتحة

وسوف نضع قريبا -إن شاء الله- نقدنا للمنار في تفسيره لسورة البقرة -المجلد الأول في ملف آخر.

علي محمدالقادري
22-02-2008, 13:45
بارك الله بكم سيدي الحبيب ، تم التحميل ، نسأل الله أن يبارك فيك ، وأن يرزقك البركة في الوقت حتى يكون لنا حظ وافر من علمكم.

سعيد فودة
26-02-2008, 19:47
اعتراض على الجلال
اعترض على الجلال في تفسيره للعهد في قوله تعالى ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) بأنه عهد الإيمان، لاداعي ‏لتخصيصه بالإيمان بل يدخل فيه الالتزام بمقتضى الفطرة ووزن كل شيء بميزان العقل والنظر الصحيح انظر ‏‏(1/290) ، وأنا أرى اعتراضه معترضاً عليه، فمن التزم بالإيمان الصحيح اتدرج فيه كل شيء ولكن المقصود ‏بالذات هو الإيمان ولوازمه لا مايقوم عليه والله أعلم وزعم في (1/ 295) أن الإيمان الذي لا تأثير له على القلب ‏لايعتد به فإن قصد بالتأثير ماهو زائد على الإذعان، فقوله باطل.‏


موقف الشيخ محمد عبده من الشفاعة ‏
قال الشيخ محمد عبده في المنار (1/307) :" الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على ‏فعل أو ترك كان أراد غيره حكم به أم لا فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع فأما الحاكم ‏العادل فإنه يقل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به...أما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة ‏المقربين عنده...وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلي لايتغير.‏
‏( قال شيخنا ) فما ورد في اثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات "اهـ
ثم أجرى قانونه الخاص بالمتشابهات، وهو يقتضي على مذهب السلف عنده أن الله عبر بهذه العبارة ( الشفاعة ) ولا ‏نحيط بحقيقتها، وعلى مذهب الخلف دعاء يستجيبه الله.‏
والحقيقه أن مايقوله الشيخ محمد عبده لا أراه يعبر عن عمق نظر، فلا تقضي الشفاعة تغير إرادة بل هي متصورة إذا ‏وجد حكم عام يقضي اندراج شخص فيه، وإن لم تتعلق ارادة، الحاكم بإدراجه في بالفعل ،فيأتي الشافع ويشفع ‏عند المشفوع عنده بعدم إدخال هذا الفرد تحت مقتضى الحكم . وقد يمكن أن يري المشفوع عنده عذاب شخص ‏لفترة ثم يقبل شفاعة الشافعين فيما وراء هذه الفترة ، وهذا كله لا يقتضي تغير الإرادة ولا حمل المشفوع عنده على ‏تغييرها ، ولا يقتضي خلاف العلم الأزلي. . ‏
وهذا هو المعني بالشفاعة عند أهل السنة .‏
أما ما قاله على مذهب السلف فهو غير مسلم وقد أشرنا إلى ذلك في مواضع متعددة ،فمذهب السلف لا يقول إننا ‏نعتقد أن الله تعالى أطلق اللفظ ونحن لا نعلم المراد به مطلقاً، أو انه أطلق الوضع اللغوي والاستعمال الجائز، ولكن قد ‏يسكتون على ما وراء المعنى الإجمالي من البحث عن تفاصيله أو حقيقة ما يصدق عليه وهذا نحو من النظر يخالف ما ‏يقرره الشيخ محمد عبده عن مذهب السلف ولذلك قال علماؤنا إن طريقة السلف لا بد فيه من تأويل إجمالي كما ‏أن التأويل التفصيلي لازم على طريقة الخلف.‏
وعلى هذا فالشفاعة لا تكون من المتشابهات والله تعالى أعلم.‏

سليم حمودة الحداد
26-02-2008, 20:41
سيدي الشيخ سعيد ..جزاكم الله تعالى على هذه التعليقات المفيدة و التنقيدات السديدة ..لا حرمنا الله تعالى من علومكم و تحقيقاتكم ..و رزقنا شيئا مما عندكم نحرس به مذهب أهل الحق ..

سعيد فودة
04-03-2008, 22:31
رأي محمد عبده في البعث بعد الصاعقة ‏
قال تعالى (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ،فأخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون (55)ثم بعثناكم ‏بعد موتكم لعلكم تشكرون (56).‏
قال الشيخ محمد عبده في تفسير هذه الآية (1/322)المراد بالبعث هو كثرة النسل ،أي أنه بعد ما وقع فيهم الموت ‏بالصاعقة وغيرها وظن أنهم سينقرضون بارك الله في نسلهم ....الخ "اهـ ‏
وهذا التأويل غريب بعيد عن السياق وخلاف الظاهر فإن الظاهر هو أنهم بعثوا بعد موتهم،أي إنهم ماتوا موتاً ‏حقيقياً بالصاعقة، لتعنتهم بطلب الرؤية جهرة، ثم أعاد الله إحيائهم ليكون موعظة لهم. وإنما أصيب بالصاعقة من ‏كان مع موسى عليه السلام، ولم يكونوا جميع بني إسرائيل حتى يخاف انقطاع النسل ليكون مسوغاً لا لحمل البعث ‏الوارد في الآية على المجاز كما زعم محمد عبده !!‏

مسألة أهل الفترة
قال الشيخ محمد عبده (1/338):" وذهب جمهور الحنفية وكذلك المعتزلة إلى أن أصول الاعتقاد تدرك بالعقل ، ‏فلا تتوقف المؤاخذة عليها على بلوغ دعوة رسول "اهـ
وهذا الكلام غير دقيق، فإنما قال الماتريدية ذلك في الإيمان بالله تعالى، وليس في جميع أصول الاعتقاد. فضلاً عن أنه ‏يوجد فرق بين مبنى المعتزلة ومبنى الماتريدية في هذا القول ،فالمعتزلة بنوه على الحسن والقبح الذاتيين، والماتريدية بنوه ‏على وضوح الدلائل وقيامها مقام الرسالة في ذلك أي في الكشف عن حكم الله الثابت بقوله.‏
قال(1/339):" ولا يعقل أن يكون مَن لم تبلغهم الدعوة بشرطها أو مطلقاً ناجين على سواء وأن يكونوا كلهم في ‏الجنة كأتباع الرسل في الإيمان الصحيح والعمل والصالح، إذ لو صح ذلك لكان بعث الرسل شراً من عدمه بالنسبة ‏إلى أكثر الناس"اهـ.‏
أما قوله أنه غير معقول، فإن قصد أنه محال، فقوله مجرد دعوى لا دليل عليها، كيف يكون محالاً وقد ثبت أن الله ‏الفاعل المختار لا تحجير عليه في أفعاله، فإن شاء أن يدخلهم الجنة، فلا رادَّ لحكمه ولا معقب لقضائه.‏
وأما استلزام كون بعث الرسل شراً، فإن هذا الكلام مجرد مغالطة مكشوفة، فإن إرسال الرسل يتبعه أن يؤمن البعض ‏ويكفر البعض، بغض النظر من الأكثر، أهم المؤمنون أم الكافرون، وهذا بغض النظر عن حكم أهل الفترة، يعني ‏سواء وجدوا أم لا، وسواء أدخلهم الله تعالى أم لا. فمن اتبع الرسل نجا ومن أبى عوقب، فلو كان ترتب العقاب ‏شراً لكان شراً مطلقاً بغض النظر عن حكم أهل الفترة، والقائل بذلك يقدح في أصل عظيم من أصول الدين وهو ‏إرسال الرسل.‏
والشيخ محمد عبده كما هو واضح يبني على أن الحسن والقبح ذاتيان، وهذا مبدأ باطل من مبادئ الاعتزال.‏
ثم قال (1/ 339):" والمعقول الموافق للنصوص أن الله تعالى يحاسب هؤلاء اللذين لم تبلغهم دعوة ما بحسب ما ‏عقلوا واعتقدوا من الحق والخير ومقابلهما"اهـ.‏
هذا ظاهر أنه يبنيه على الحسن والقبح العقليين خلافاً لأهل السنة، وهو ظاهر في أنه يعمم ذلك في كل شؤون الحياة ‏لا في أصول الدين الاعتقادية فقط.وهو غلوٌّ.‏

بنت رابح العربي
11-05-2008, 12:28
هل صحّ القول عن محمد رشيد رضا أنّه من دعاة نبذ السنّة القوليّة كما زعم سعيد ظاظا في موقع الورّاق

قائلاً: (214) >وأصرح بأن اعتقادي الذي ظهر لي بعد طول التفكير والتدبير، أن الإسلام هو القرآن [SIZE="6"]و ما أجمع عليه السلف والخلف من المسلمين عملاً واعتقاداً إنه دين واجب ... ولا يدخل في ذلك، السنن القولية غير المجمع على اتباعها
)[/COLOR]
ما فهمته من قول الأستاذ رشيد رضا (غير المجمع على اتباعها) ما لم يثبت قطعا من السنة كأحاديث الأحاد ،و معلوم رايه في حجية الأحاد كما نقل الشيخ الغزالي رحمه الله في كتابه (السنة بين أهل الفقه و أهل الحديث)ما نصه :

و يقول (صاحب المنار) [التفرقة بين ما ثبت بنص من القرآن من الأحكام و ما ثبت بروايات الأحاد و أقيسة الفقهاء ضرورية،فإن من يجحد ما جاء في القرآن الكريم يحكم بكفره ،و من يجحد غيره ينظر في عذره !فما من إمام مجتهد إلا و قد قال أقوالا مخالفة لبعض الظحاديث الصحيحة لأسباب يعذر بها ،و تبعه الناس على ذلك،
....و لا يعد احد ذلك خروجا من الدين حتى من لا عذر له في التقليد..]

حسين القسنطيني
12-05-2008, 10:09
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه، أما بعد:أعتذر بادئ الأمر أنني أحشر أنفي بين الكبار رغم قلة بضاعتي و لكنني لا أعلم و أحب أن أسأل من يعلم لأتعلم، فخذوا بيدي سيدي.
قلت سيدي و شيخنا الفاضل :

رأي محمد عبده في البعث بعد الصاعقة ‏

وأما استلزام كون بعث الرسل شراً، فإن هذا الكلام مجرد مغالطة مكشوفة، فإن إرسال الرسل يتبعه أن يؤمن البعض ‏ويكفر البعض، بغض النظر من الأكثر، أهم المؤمنون أم الكافرون، وهذا بغض النظر عن حكم أهل الفترة، يعني ‏سواء وجدوا أم لا، وسواء أدخلهم الله تعالى أم لا. فمن اتبع الرسل نجا ومن أبى عوقب، فلو كان ترتب العقاب ‏شراً لكان شراً مطلقاً بغض النظر عن حكم أهل الفترة، والقائل بذلك يقدح في أصل عظيم من أصول الدين وهو ‏إرسال الرسل.‏
والشيخ محمد عبده كما هو واضح يبني على أن الحسن والقبح ذاتيان، وهذا مبدأ باطل من مبادئ الاعتزال.‏
ثم قال (1/ 339):" والمعقول الموافق للنصوص أن الله تعالى يحاسب هؤلاء اللذين لم تبلغهم دعوة ما بحسب ما ‏عقلوا واعتقدوا من الحق والخير ومقابلهما"اهـ.‏
هذا ظاهر أنه يبنيه على الحسن والقبح العقليين خلافاً لأهل السنة، وهو ظاهر في أنه يعمم ذلك في كل شؤون الحياة ‏لا في أصول الدين الاعتقادية فقط.وهو غلوٌّ.‏
أنا الذي فهمته سيدي من كلامه أنه يرد على من جعل أهل الفترة كلهم و إطلاقا في الجنة و يبين لهم بالعقل أن ذلك محال لأنه قادح في الحكمة من بعث الرسل، فيقول بأن الدليل على عدم صحة كونهم في الجنة سواء مع أتباع الرسل، أن تكون هذه البعثة شر على الذين يدخلون النار، و أنه لو صحدخول أهل الفترة الجنة لكان ذلك مبلغ البعثة، فإنما يعبد الله الناس ليدخلوا الجنة و يتقوا النار، و ذلك متحقق قبل البعثة، أما بعدها فعدد الداخلين في نقص.
و كنت سيدي أيضا أحب أن أسأل سؤالا في قولكم :(والمعقول الموافق للنصوص أن الله تعالى يحاسب هؤلاء اللذين لم تبلغهم دعوة ما بحسب ما ‏عقلوا واعتقدوا من الحق والخير ومقابلهما) أنا لا أشك في ذلك سيدي فقد بشر رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم بعض أهل الفترة بالجنة مستثنون بذلك عن غيرهم و إلا لما كان لذكرهم نفع، و إن كانت هناك مسألة تدرس عن كونهم من أهل الفترة أم بقية من المسلمين، فإن وجد مثل هؤلاء فهل لغيرهم حجة في أنهم من أهل الفترة... و لكن أين الحجة التي يجعلها الله على الناس و قد خلقهم في العقل متفاوتين، و في العيش متفاضلين و قد نشؤوا كلهم من آباء مجوس...

جلال علي الجهاني
08-01-2012, 15:29
وفي تفسير المنار يقول:
ولكن لا يجوز عقلا ولا شرعا ألا يبالي المؤمن من الذعن بالأمر والنهي، بحيث يترك الفرائض ويرتكب الكبائر بغير جهالة عارضة، بلا خوف ولا حياء من الله ولا اهتمام بالثواب والعقاب، ويصر على ذلك وهو يعلم حكم الله فيه. وليس لاستحلال ما ذكر معنى غير هذا، والمستحل لمثل هذا كافر عند أهل السنة كالمعتزلة.

فجعل عدم المبالاة بالطاعة، بعد الإيمان الأصلي، بارتكاب الكبائر بلا خوف ولا حياء من الكفر عند أهل السنة وعند المعتزلة!!
أما عند المعتزلة فهو مشهور مذهبهم، أما عند أهل السنة، فالأمر غير صحيح، فإن عدم المبالاة قد يكون سببها الاستحلال وهو كفر، وقد يكون بالغفلة وغلبة الشهوات، وهذا لا يخرج من الإيمان عند أهل السنة ..

والله أعلم

أنفال سعد سليمان
08-01-2012, 18:05
وليس لاستحلال ما ذكر معنى غير هذا

لم أفهم ماذا قصد بقوله "استحلال" ، هل ارتكاب الكباير و ترك الفرايض الخ بلا حياء و خوف الخ يعتبر استحلالا للمحارم !

أخي جلال ، هو قال :


والمستحل لمثل هذا كافر

فقيد بقوله المستحل ، أي هو فقط الذي يحكم عليه بالكفر .