المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال إلى شيخي سعيد فودة-حفظه الله-



يونس حديبي العامري
22-01-2007, 13:21
سؤال إلى شيخي سعيد فودة-حفظه الله-


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ابنك الحبيب يونس العامري: أود أن اطرح عليك جملة من الأسئلة التي أريد منك ان تجيبني عليها ببعض التوسع نظرا لي قصور المناهج الدراسية في مادة الفلسفة عندنا فهي لا تلبي حاجتي لذا أرجو منك أن تتكرم علي بالجواب وأجركم على الله وإن كنا قد طالعنا لمجموعة كبيرة من كتبكم وفيها ما يكفي لكن هنالك بعض المفاهيم التي لم تتضح لي بعد

1- درس في الشعور واللاشعور: س من المقرر علينا دراسة لفرضية الفيلسوف المشهور ديكارت –صاحب المقولة أنا أفكر إذا أنا موجود ولقد طالعت ما كتبته في تدعيم المنطق في نقض هذه الفرضية -في نفيه للاشعور وإرجاع اللاشعور إلى الحياة الفيزولوجيا فهو يعتبر الحياة كلها شعورية إلا ماستثناه ومما درسناه نقض هذه النظرية للطبيب النفسي فرويد وبالغ في نفيه للشعور حيث أرجع اعتبر الإبداع ما هو إلا تعبير لا شعوري وقسم نظريته إلى الأنا العلى والهو والأنا وجعل لكل مصطلح وتعريف ؟؟فهل نعتبر أن ديكارت حقا بالغ في نفيه للاشعور أم أن فرويد قد ألزم نفسه حينما يعالج مرضاه فهو في الواقع يقول بأنه يرجعهم من اللاشعور إلى الشعور فهل هذا اعتراف من فرويد بالشعور وتناقض منه.
2- العادة: يقال في فرضية خير عادة ان لا نتعلم أي عادة ممادى صحت ذلك؟؟
3- ما هي المعايير لقياس الأخلاق
4- الحسن والتقبيح مسألة من المسائل التي أخطأ المعتزلة في التعبير عنها ولقد طالعت ما كتبته في شرحك لعقيدة ابن الحاجب والسنوسي وبعض تلخيصاتك لبعض الكتب في هذه المسألة وإن كان ما ذكرته كافيا وشافيا لكن أريد منك أن توضح لي الركيزة أو القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في التعبير عن قولهم في هذه المسألة وخطأهم في ذلك.
5- الفكر واللغة أيهما أسبق الفكر أم اللغة ؟؟
''يجب ان يتصور المعنى قبل وضع اللفظ ليدل عليه'' قولكم في تدعيم المنطق ص75 فهذا كلام صريح في أسبقية الفكر للغة ولكن نقلكم عن مغني الطالب "إن الحد بالكتابة والإشارة داخلان في تعريف الحد لأن الكتابة دالة على الألفاظ والألفاظ على المعاني المعقولة فيكون الحد بالكتابة قولا معقولا وكذا الإشارة دالة على معاني معقولة فتكون قولا معقولا" فمن الأسبق وهل اللغة تقف عند حد معين أي تخرص الألفاظ عند الحالات الوجودية التي لا يستطيع الإنسان التعبير عنها في حالة الجذب كقولهم لمجنون ليلى من أنت قال أنا ليلى وشعره المشهور في نظر القمر بعينها ام ان الجهل بالمصلحات هو الذي ولد عدم القدرة عن التعبير؟؟ وهذه المسألة مهمة جدا كما لا يخفى لفضيلتك؟
6- إدراكنا للأشياء تتوقف على فاعلية الذات ما معنى هل هذا صحيح؟؟
7- المنطق لقد تحدثت في بحثك الرائع "تدعيم المنطق" على علاقة المنطق ببعض العلوم كالأصول وعلم الكلام ونقلت في المقدمة عن البعض علاقة المنطق بالرياضيات ولكنك لم تفصل نظرا لعدم علاقة الموضوع ببحثك فأرجو منك ان تفهمني في العلاقة أي علاقة الرياضيات بالمنطق ولو ملخصا.
8- الذكاء هل هو فطري أم مكتسب؟؟ ومما يجدر بالذكر قولك أثناء الرد على المبتدع الحرّاني ابن تيمية في رده لعلم المنطق على قولك بالعقل المكتسب وضح ذلك أكثر.
9- ما الفرق بين البديهة والمسلمة؟؟ الفرق الفلسفي.
10- الاشتراكية والرأس المالية قطبي التناقض هنالك بعض المراجع عندنا ممن لا يفقهون ويكتبون ما لا يعلمون يجعلون النظام الإسلامي تركيب ودمج لهما ؟؟؟ ما رأيك.
11- لقد طالعت في كتابك الكاشف الصغير وتقسيم ابن تيمية للخيال والحس والوهم والعقل فأرجو منك توضيح ذلك وماذا يريد ابن تيمية وراء هذا التقسيم هل هو الإلزام-أي الخصم-؟؟؟ ام التوضيح؟؟ مع أنه قد أوقع نفسه في الحفرة التي بناها بتقسيمه هذا إن كان يريد التوضيح.



وبعد هذه الأسئلة أرجو منك إحالتي لبعض المراجع والكتب في المنطق وعلم الكلام الموسع غير كتاب شيخ الإسلام مصطفى صبري رضي الله عنه الذي تنصحون به في أغلب كتبكم وبارك الله فيك وجعل ما تقول وتقرئ في ميزان حسناتك أرجو منك ان تعذرني على هذا التطفل فمثلكم لا يطردون السائلين وهذا الذي عهدتك عليه والله الموفق لما يحبه ويرضاه.

سعيد فودة
23-01-2007, 08:20
سأجيبك عن أسئلتك أيها العزيز،
ولكني الآن على سفر ربما إن تيسر لي أثناءه أو بعدما أرجع
وفقك الله

يونس حديبي العامري
18-02-2007, 08:26
أعانك الله وبارك الله فيك وأرجعك إلى أهلك غانما والسلام

يونس حديبي العامري
11-04-2007, 11:12
عجل الله لكم سفركم هذا لكي نستفيد من علمكم والسلام

سعيد فودة
10-06-2007, 08:30
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد، ‏
فإن الأسئلة التي وجهتها إليَّ أيها الأخ الفاضل وطالب العلم الذكي المثابر، لا يكفي مثلك ‏أن يجاب عنها جوابا إجماليا، وقد كان بمقدوري أن أفعل ذلك في يوم أو ساعة، ولكني لما ‏أن رأيتها فضلت أن يكون الجواب على قدر السائل،فأرجأت الجواب إلى حين أن يأتي ‏وقت أتمكن فيه من الإجابة وطباعة الجواب، وتحريره ليكون مرجعا مفيدا لكل ولطلاب ‏العلم، فإنني في نفسي أحبُّ البحث في نحو هذه المسائل التي وجهتها إليَّ، ويندر أن يهتمَّ ‏إنسان بمثل هذا المستوى من البحوث فضلا عن أن يطلب بحثا معمقاً فيها. ‏
ولما طال الوقت، وتكاثرت الأشغال، نسيت أصل الأسئلة، وكلما كنت تطلب مني ‏الإجابة عنها، أتذكرها فيدور في ذهني ما لخصته لك سابقاً، فأعزف عن الجواب الإجمالي ‏إلى التحرير والتدقيق، وذكر ما يناسب تلك البحوث اللطيفة، وذكر ما قد وقع فيه بعض ‏المفكرين في هذا الزمان من مغالطات ومآزق فكرية في هذا الباب. ‏
ولما رأيت تذكيرك لي أخيرا بتلك الأسئلة مع ما أحسسته فيك من حزن على عدم ‏الجواب، عزَّ عليَّ ما شعرته، فما أتأمله فيك ليس ضئيلاً. ‏
فقررت أخيراً أن أبدأ الجواب عنها واحدا واحداً لا جميعها دفعة واحدة، وألا أبدأها على ‏الترتيب. ‏
ولا يخفى عليك أن غيرك من طلاب العلم الأفاضل يوجهون إليَّ العديد من الأسئلة وكثيرا ‏ما يحصل معهم نفس ما حصل معك. ‏
والرجاء منهم أن يقدروا ما أنا فيه من ضيق وقت وكثير مهام وانشغالات وواجبات لا ‏يطيقها العديد من الناس، بل لا يقدرون على بعضها. ‏

ولا أريد أن أطيل فأبدأ الأجوبة، فأقول والله المستعان: ‏

السؤال الأول
ما الفرق بين البديهية والمسلمة
قبل أن نوضح الفرق بين البديهية والمسلمة، لا بد أن نذكر التعريفات من بعض الكتب ‏والمراجع المعتمدة، ليتسنى لنا من بعدُ أن نعلق عليها بما يناسب.‏
التعريفات: ‏
تعريف البديهية ‏Axiom‏: ‏
ورد في المعجم الفلسفي، للدكتور عبد المنعم الحفني:"البديهية هي القضية الضرورية التي لا ‏يتوقف التصديق بها على نظر وكسب، وهي أصل اليقينيات. ‏
والقضايا البديهية على ستة أنواع ‏
الأولية: التي يصدق بها العقل لذاتها بدون سبب خارجي، مثل قولنا "الكل أعظم من ‏الجزء". ‏
والمشاهدة، وتسمى المحسوسة: وهي التي يحكم بها العقل بواسطة الحسِّ. ‏
والتجريبية أو المجربة: وهي التي يحكم بها العقل بواسطة تكرار المشاهدة. ‏
والمتواترة: التي تسكن إليها النفس سكونا يزول معه الشكُّ، ويحصل الجزم القاطع بواسطة ‏إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب واتفاقهم على الخطأ. ‏
والحدسية : التي مبدأ الحكم بها حدس من النفس قويٌّ جداً يزول معه الشكُّ. ‏
والفطرية: التي قياساتها معها، مثل حكمنا بأنَّ الاثنين خمس العشرة. "اهـ
قال العلامة الأحمد نكري في دستور العلماء (1/159):" والبديهيات ستة أقسام ‏بالاستقراء:‏
ووجه الضبط: أن القضايا البديهية إما أن يكون تصور طرفيها مع النسبة كافيا في الحكم ‏والجزم أو لا يكون، فالأول هو الأوليات؛ كقولنا الكل أعظم من الجزء، والثاني لا بد أن ‏يكون الحكم فيه بواسطة لا تغيب عن ‏
الذهن عند تصور الأطراف أو لا تكون كذلك، والأول هو الفطريات، وتسمى قضايا ‏قياساتها معها كقولنا الأربعة زوج؛ فإنَّ من تصور الأربعة والزوج تصور الانقسام ‏بمتساويين فيحصل في ذهنه أن الأربعة منقسمة بمتساويين وكل منقسم بمتساويين فهو زوج ‏فالأربعة زوج. ‏
وعلى الثاني: إما أن تكون تلك الواسطة حسا فقط فهي المشاهدات؛ فإن كان ذلك الحس ‏من الحواس الظاهرة فهي الحسيات مثل الشمس مضيئة والنار حارة ‏
أو من الحواس الباطنة فهي الوجدانيات كقولك إن لنا خوفا وجوعا‏
أو مركبا من الحس والعقل فالحس إما أن يكون حس السمع أو غيره فإن كان حس ‏السمع فهي المتواترات وهي قضايا يحكم العقل بها بواسطة السماع من جمع كثير يستحيل ‏العقل توافقهم على الكذب مثل مكة موجودة.‏
وإن لم تكن تلك الواسطة مركبة من الحس والعقل بل يكون العقل حاكما بواسطة ‏الحدس أو بواسطة كثرة التجربة فالأول هي الحدسيات كقولنا نور القمر مستفاد من ‏الشمس لاختلاف تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس قربا وبعدا، ‏والثاني التجربيات مثل قولنا شرب السقمونيا مسهل للصفراء."اهـ
ومن المهم في الفلسفة وعلم الكلام أن تفهم علل التعريفات، أي أحكامها وما تدلُّ عليه. ‏
فلو نظرنا في البديهيات لعرفنا أن جميع البديهيات تشترك في أمر معين، وهو أن خضوع ‏النفس لها وانكسارها أمامها، ليس راجعا لإرادة النفس ورغبتها بذلك، بل إن سبب ذلك ‏الخضوع هو من خارج النفس، فالنفس منفعلة بذلك، وليست فاعلة له. ‏
وهذا هو المعنى المقصود من البديهيات جميعها، بغض النظر عن أسبابها، ولا بدَّ أنه قد ظهر ‏الآن أن تلك الأقسام التي ذكرناها للبديهيات راجعة إلى السبب الذي بواسطته تخضع ‏النفس (العقل) للبديهيات. وليس شيء من تلك الأسباب الإرادة والشهوة أو الرغبة ‏والهوى. ‏
فالنفس لا تضع تلك البديهيات وضعا بالإرادة أو القصد، بل تأتيها تلك البديهيات من ‏خارجها، أي من خارج كونها مريدة، وما هو خارجها -بهذا القيد- ما هو إلا حقيقة الوجود، فلا بدَّ من علاقة فعل أو انفعال ‏‏(أي نوع من الاضطرار) الذي لا يتوقف على الإرادة الإنسانية حال تمامه. ‏
ولا شك أن البديهيات ههنا بمعنى الضروريات، وهو استعمال شائع بين العلماء في الكلام ‏والفلسفة يستعملون البديهيات بمعنى الضروريات، وقد نبهت إلى ذلك في حاشيتي على ‏شرح صغرى الصغرى. ‏
وربما يخصون البديهيات بما لا يتوقف العقل في إدراكه على الحس أو تجربة أو غيره، بل لا ‏يتوقف إلا على تصور طرفيه، وهذا هو معنى البديهي الأخص. ‏
ولا يخفى أن الضروري قد يطلق ويراد به كل ما يستحيل الانفكاك فيه بين محموله ‏وموضوعه، بديهيا كان أو نظرياً. ولذلك أطلق بعض علماء الأشاعرة كالإمام الجويني ‏والإمام الرازي وغيرهما القول فقالوا: "كل العلوم ضرورية"اهـ أي بهذا المعنى. وهو ‏إطلاق صحيح تماماً. ‏
والبديهي يطلق على ما جزم العقل به بلا توقف على كسب ونظر، وهو ما قلنا فيه سابقاً ‏إنه ما يكفي للجزم به مجرد تصور طرفيه، وهو يرادف الأوليَّ بهذا المعنى. ومقابله النظريُّ.‏
ثم يمكن تقسيم الضرورة من جهات أخرى، فيقال : الضرورة إما أزلية وهي التي لا علة ‏لها، أو ذاتية وهي الحاصلة ما دامت ذات الموضوع موجودة، أو وصفية باعتبار وصف ‏الموضوع، أو وقتية باعتبار وقته أو ذهنية وهي الأولية التي وضحناها سابقاً. ‏
ثم بعد هذا كله تأمل فيما ذكره العلامة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون ‏‏(1/158):"البديهي هو في عرف العلماء يطلق على معانٍ. ‏
منها مرادف للضروري المقابل للنظري ويجيء في صل الراء المهملة من باب الضاد ‏المعجمة، منها المقدمات الأولية وهي ما يكفي تصور الطرفين والنسبة في جزم العقل به، ‏وبعبارة أخرى ما يقتضيه العقل عند تصور الطرفين والنسبة من غير استعانته بشيء، وهذا ‏المعنى أخصًّ من الأول لعدم شموله التصور، بخلاف المعنى الأول، ولعدم شموله الحسيات ‏والتجربيات وغيرها بخلاف الأول، ويجيء تحقيقه في لفظ الأوليات في فصل اللام من ‏باب الواو. ‏
ومنها ما يثبته العقل بمجرد التفاته إليه من غير استعانته بحسٍّ أو غيره تصوراً كان أن ‏تصديقاً، وهذا أعمُ من الثاني لشموله التصور والتصديق، وأخصُّ من الأول أي من ‏الضروري، لأنَّ الضروري هو الذي لا يكون تحصيله مقدورا لنا، بأن لا يكو له سبب ‏مقدور لنا يدور معه وجوده وعدمه، وذلك إما بأن لا يكون له سبب يدور معه، وهو ‏البديهي، أو يكون له سبب يدور معه لكن لا يكون مقدوراً، كالحسيات والتجربيات ‏والعاديات وغير ذلك. ‏
فاستقمه فإنه قد زلَّت في أقدام. كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في ‏تقسيم العلم الحادث إلى الضروري والنظري في الموقف الأول. "اهـ
ولا يخفى أن في هذا الكلام تحقيقات عالية مرتبة فاجتهد في فهمها وذكرها. ‏
وقال العلامة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون:"الأوليات تطلق على قسم من ‏المقدمات اليقينية الضرورية وتسمى بالبديهيات أيضاً، وهي ما لا يخلو النفس عنها بعد ‏تصور الطرفين، أي من حيث إنهما طرفان، فيشتمل تصور النسبة أيضا. ‏
والمراد بتصور الطرفين ما هو مناط الحكم أعم من أن يكون بالبداهة أو بطريق الكسب ‏والنظر والحاصل أن الحكم فيه لا يتوقف بعد حصول تصور الطرفين على ما هو مناط ‏الحكم على شيء آخر بشرط سلامة الغريزة، فلا يرد الصبيان وصاحب البلادة المتناهية، ‏وبشرط عدم تدنس الفطرة بما يضاده فلا يرد المدنس بالاعتقادات الباطلة المنكر ‏للبديهيات، وبعض العوام والجهال. ‏
فمن الأوليات ما هو جليٌّ عند الكلِّ لوضوح تصورات أطرافه، كقولنا الكل أعظم من ‏الجزء، أي الكل المقداري أعظم في المقدار من جزئه المقداري. ‏
ومنها ما هو خفيٌّ لخفاء في تصورات أطرافه إما لعدم الوضوح أو لكونها نظرية. ‏
هكذا يستفاد مما ذكر الصادق الحلواني في حاشية القطبي والسيد السند في شرح المواقف ‏والمولوي عبد الحكيم في حاشيته. ‏
والفرق بينها وبين المشهورات على ما في شرح المطالع: أن الإنسان لو قدر أنه خلي ‏ونفسه من غير مشاهدة أحد وممارسة عمل، ثم عرض عليه المشهورات، توقف فيها لا في ‏الأوليات، وكذا الحال في الفرق بينها وبين المتواترات. ‏
وقد تطلق الأوليات على الضروريات أيضا باعتبار أن الضروريات أوائل العلوم فحينئذ ‏الأوليات محمولة على المعنى اللغوي. ‏
هكذا ذكر مولانا داوود في حاشية المطالع في الخطبة في بيان مراتب النفس."اهـ
وقد أشار لالاند في معجمه الفلسفي إلى اختلاف المعاني المرادة عند استعمال هذه الكلمة ‏بين الفلاسفة والمفكرين، وذكر هناك أن من المعاني التي يمكن أن تستعمل للدلالة عليها، ‏
أ‌-‏ المسلمات الموضوعة التي توضع في مقدمة كل علم استنتاجي. ‏
ب‌-‏ وذكر أن المعنى الأكثر قبولاً وتداولاً: "مقدمة قياسية تُعَدُّ بأنها بينة وتُقبَلُ ‏على أنها صحيحة بلا برهان، من قبل كل الذين يفهمون معناها"‏
ت‌-‏ وقد تستعمل للدلالة على معنى المصادرات أو المسلمات الموضوعة في ‏مقدمات العلوم بلا ضرورة أن تكون واضحة أو بينة بالضرورة. ‏
تعريف المسلَّمة ‏Presupposition‏ : ‏
جاء في المعجم الفلسفي المسلمة :" عبارة عما يحصل التسالم عليه بينك وبين غيرك على ‏صدقها، سواء كانت صادقة في نفس الأمر، أو كاذبة أو مشكوكة. ‏
والطرف الآخر إن كان خصماً فإنَّ استعمال المسلمات في القياس معه يراد به إفحامه. ‏
وإن كان مسترشداً فإنه يراد به إرشاده وإقناعه ليحصل له الاعتقاد بالحق بأقرب طريق ‏عندما لا يكون مستعداً لتلقي البرهان وفهمه. ‏
والمسلمات إما عامة سواء كان التسليم بها من الجمهور عندما تكون من المشهورات، أو ‏كان التسليم بها من طائفة خاصة كأهل دينٍ أو ملَّةٍ أو علم خاصٍّ. ‏
وخصوص هذه المسلمات في علم خاص سمي الأصول الموضوعة لذلك العلم، عندما يكون ‏التسليم بها عن مسامحة على سبيل حسن الظن من المتعلم بالمعلم. ‏
وإما خاصة إذا كان التسليم بها من شخص معين وهو طرفك الآخر في مقام الجدل، ‏كالقضية التي تؤخذ من اعترافات الخصم ليبتنى عليها الاستدلال في إبطال مذهبه أو ‏دفعه."اهـ
وقال الأحمد نكري في دستور العلماء:"المسلمات: هي قضايا تسلم من الخصم ويبني عليها ‏الكلام لدفعه سواء كانت مسلمة فيما بينهما خاصة أو بين أهل العلم كتسليم الفقهاء ‏مسائل أصول الفقه، كما يستدل الفقيه على وجوب الزكاة في حلي البالغة بقوله صلى الله ‏عليه وسلم :"في الخلي زكاة". فلو قال الخصم هذا خبر واحد ولا نسلم أنه حجة، فيقول ‏الفقيه له:"قد ثبت هذا في علم أصول الفقه، ولا بدَّ وأن تأخذه ها هنا مسلَّماً."اهـ
وأضاف التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون هنا قيدا مفيدا في كلامه على المسلمات ‏فقال (2/696):"هي قسم من المقدمات الظنية"اهـ . ‏
ولا بدَّ من الانتباه إلى هذا القيد، لأن المسلمات لا يشترط فيها أن تكون قطعية أو ‏ضرورية.‏
وبينها وبين المصادرات نوع اشتراك فقد قال الأحمد نكري في دستور العلماء ‏أيضا:"المصادرات:هي المبادئ التصديقية التي غير بينة بنفسها وأخذها المتعلم من المعلم ‏بالإنكار والشكِّ كقولنا لنا أن نعمل بأي بعد وعلى أي نقطة شئنا دائرة، وإنما سميت ‏مصادرات لأنها يصدر بها المسائل التي تتوقف عليها."اهـ
وجاء في المعجم الفلسفي (ص1036) للفيلسوف لالاند في تعريفها ذكر ثلاثة معان ‏تستعمل فيها:" الأول: ما يؤخذ على أنه متفق عليه في بداية مبحث، بداية برهان، بداية ‏سجال. ‏
الثاني: فعل عقلي تقريري يُقبل بواسطته مفترض سابق. ‏
الثالث: أحياناً، بمعنى عامي مرادف لـ"معنى سابق" (مفهوم شائع) بالمعنى الذي كان ‏يعطيه دوركهايم لهذه الكلمة. "اهـ
ولا يخفى عليك أن ضبط المتكلمين لهذه المعاني أشد وأقوى من ضبط الغربيين.‏

خاتمة
في مواقف المفكرين من البديهيات والمسلمات


اختلفت مواقف الفلاسفة والمفكرين من البديهيات والمسلمات.‏
فقد أرجع الفلاسفة التجريبيون والحسيون البديهيات إلى مجرد العادة والتجربة، وبعض ‏المتأثرين بالنزعات الاجتماعية مثل دركهايم أرجع البديهيات إلى اجتماع أفراد الجنس ‏الإنساني بعضهم مع بعض، فأرجعها إلى ضرورة اجتماعية لا ضرورة راجعة إلى أصل ‏العقل الراجع لحقيقة وجود الإنسان، هذا القول قريب من قول من أرجع البديهيات إلى ‏مسلمات اجتماعية، أي مقدمات سلم بها الناس وتواضعوا عليها لحاجة اجتماعية، فإن ‏تغيرت المجتمعات والحاجات فلهم أن يغيروها، فهي راجعة إلى مجرد التواضع. وكذلك فإنا ‏نرى جون لوك يرجع البديهيات إلى مجرد التجربة، والتجربة في النهاية لا تفيد العموم. ‏
وبعض الفلاسفة أرجعوا البديهيات إلى مجرد المسلمات، فزعموا أنها راجعة إلى الإرادة، ولا ‏ميزة بينها وبين المسلمات التي يتفق عليها الواحد مع غيره، غاية الأمر أن البديهيات لما ‏اتفق عليها أكثر الناس سميت بديهيات، فليس لها حقيقة خارجية ولا ضرورة ذاتية، ولا ‏كلية لها في نفس الأمر. ‏
وأما المتكلمون من أهل السنة وغيرهم من أكثر المتكلمين ومعهم أكثر الفلاسفة العقليين ‏كأرسطو وأفلاطون وديكارت فقد قرروا أن البديهيات راجعة إلى أصل الوجود، وإلى ‏أصل حقيقة العقل، على اختلاف في بعض التفاصيل. ‏
فالبديهيات عند المتكلمين ليست راجعة إلى مجرد التواضع، ولا إلى عادة إنسانية، بل ‏راجعة إلى الأمر في نفسه، فصدقها مطرد في مرتبة وجود الإنسان، وفي مرتبة الوجود ‏الواجب، فالجزء أقل من الكل في الرتبتين، ولا تنقدح البديهيات في علم الواجب ولا في ‏علم المخلوق. وهي أساس البراهين كما هو معلوم. ‏
ولكن قد شذ في هذا بعض من نسب إليه من الإسلاميين أن هناك عالما هو عالم الخيال هو ‏عالم حقيقي، وأن الجزء فيه قد يكون أكبر من الكل، وأنه قد دخل هذا العالم، فإن ‏صحت هذه الرواية عنه فهو مخالف للمتكلمين في أصل كبير من أصول النظر والعلم. وكذلك من زعم أن الله تعالى قادر على المحال قريب من هذا القول.
وقد تأثر بعض المعاصرين من المفكرين اللامعين من أهل المغرب العربي ببعض الآراء ‏الغربية،وحاول أن ينسج على نهج خاص به، فزعم :"أن البديهيات التي يقام عليها ما ‏يسمى بالبراهين والأدلة على وجود الله تعالى وعلى أصول الأديان هي عبارة عن مسلمات ‏متواضع عليها، وليست راجعة إلى محض الوجود كما يزعمون"!!. وهذا القول إن صحَّ ‏عنه وثبت عليه، ثمَّ بنى فكره على أركانه، فسوف يؤدي به إلى هاوية. ‏
وبعد فهذه مجرد لمحات إلى أهمية فهم البديهيات والمسلمات أردت لفت الأنظار إليها لعله ‏يكون فيما قلناه فائدة، وإن كان المقام يحتمل بعدُ كلاما أطول وأشد تفصيلاً في غاية ‏الأهمية.‏


والله هو الموفق.‏
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب‏
سعيد فودة

يونس حديبي العامري
10-06-2007, 10:09
بارك الله فيك شيخنا, لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم
ياشيخ صدقني كتبت كم من تعبير ومحيته ظنا مني انه ليس في حقك وكيف أو فيك حقك فكتبت هذا الكلام واكتفيت فأمثالك عزيز وجودهم.
مشاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

سعيد فودة
10-06-2007, 21:33
السؤال الثاني
الاشتراكية والرأسمالية ‏
والإسلام


وقد ورد في السؤال الرغبة في معرفة هل يمكن أن يكون الإسلام تركيباً ودمجاً من مبادئ ‏الاشتراكية والرأسمالية؟ ‏
وقبل أن نتكلم في ذلك، علينا أن نعرف ما الاشتراكية وما الرأسمالية، وما الإسلام، لكي ‏نعرف بعد ذلك هل الإسلام تركيب ودمج منهما أم لا؟؟
وقد يبدو السؤال غريبا مستشنعاً عند من استغرق في القراءات الدينية، ولم يختلط بالأفكار ‏الأخرى، ولم يهتم بدرايتها، أو عند من لم يخالط هؤلاء، ولم يتصدَّ بنفسه للدعوة إلى ‏الإسلام، وقد يبدو السؤال سهلا مستسهلا عند من لم يعرف الإسلام وعرف فقط تلك ‏المبادئ والأفكار الأخرى، وبغض النظر عن موقف أي واحد –على اختلاف اتجاهاته-، ‏فدعنا نشرع أولا في معرفة التصورات، لأن التصور يسبق التصديق كما هو معلوم، لا ‏سيما عند السؤال بـ[هل] المركبة، لا بـ[هل] البسيطة، وسؤالك من هذا الباب.‏
ما هي الاشتراكية ؟
جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعتها لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، وترجمها ‏سمير كرم، وراجعها د. صادق جلال العظم (الشيوعي حتى النخاع)، وجورج طرابيشي ‏‏(صاحب الاتجاه اليساري المعروف)، فكل من ألف وترجم وراجع هذه الموسوعة ‏يساريون، والمصطلحات التي جاءت فيها لا تخدم شروحاتهم لها إلا الفلسفة الشيوعية، ‏على كل حال فقال قالت هذه الموسوعة الفلسفية في التعريف بالاشتراكية ‏Socialism‏:"نظام اجتماعي قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والاشتراكية ‏تظهر إلى حيز الوجود نتيجة إلغاء النمط الرأسمالي للإنتاج وإقامة دكتاتورية الملكية: ملكية ‏الدولة (العامة) والملكية التعاونية والجماعية. ‏
وتقتضي الملكية العامة انعدام وجود الطبقات المستغلة واستغلال الإنسان للإنسان، ‏وتقتضي وجود المشتركين في الإنتاج. ‏
وفي ظل الاشتراكية لا يوجد اضطهاد اجتماعي وعدم مساواة بين القوميات كما لا يوجد ‏أي تناقض بين المدينة والريف، بين العمل الذهني والبدني برغم وجود تمايزات بين المدينة ‏والريف، وبين العمل الذهني والبدني."اهـ
وقالوا أيضا:"وأيضا فإن الحياة الاجتماعية في الاشتراكية تتأسس على ديمقراطية تتضمن ‏جذب الشعب العامل كله إلى الإدارة الفعالة للدولة. وقوى الإنتاج لا تكون قد تطورت ‏بما فيه الكفاية في المرحلة الاشتراكية لضمان فائض من المنتجات، ولا يكون العمل قد ‏أصبح بعد ضرورة حيوية أولية لجميع أعضاء المجتمع، ولهذا السبب تتوزع الثروة المادية ‏وفق مبدأ " من كلٍّ حسب قدرته، ولكل حسب عمله". ‏
والثمرة الطبيعية لتطور الاشتراكية هي الشيوعية."اهـ
فالاشتراكية إذن مرحلة مُعِدَّةٌ لظهور المرحلة الشيوعية، فهي إذن عمل مقصود للوصول ‏إلى هدف، وغاية، هي الشيوعية، وليست مجرد اشتراك في الثروات على أي مبدأ كان!‏
إذن توجد مرحلتان لتشكيل النظام الاجتماعي – الاقتصادي، وهما الاشتراكية ‏والشيوعية، والاشتراكية هي مرحلته الأولى الأدنى، والشيوعية هي مرحلته الأعلى، وهما ‏تختلفان في درجة النضج الاقتصادي. ‏
وفي الاشتراكية لا توجد أي ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، ولا تقوم علاقاتها الاقتصادية ‏على التسلط والخضوع بل على التعاون القائم على الزمالة الاقتصادية والمساعدة المتبادلة ‏بين الناس المتحريين من الاستغلال. وفي هذا المضمار لا يوجد اختلاف بين الاشتراكية ‏والشيوعية. ‏
وفي الاشتراكية يوجد شكلان من الملكية هما ملكية الدولة، وشكل ملكية المزرعة الجماعية ‏والملكية التعاونية. ‏
وأما المرحلة الثانية من التطور في نظرة الشيوعيين والاشتراكيين، فإنا نكتفي بنقل خلاصة ‏مهمة من برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي، وذلك حسبما ورد في الموسوعة الفلسفية التي ‏عرفنا بها.‏
ورد في بيان الحزب الشيوعي:"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي، له شكل واحد ‏للملكية العامة لوسائل الإنتاج والمساواة الاجتماعية الكاملة بين جميع أفراد المجتمع، وفي ‏ظله سيصاحب التطور الشامل للناس نمو قوى الإنتاج عن طريق التقدم المستخدم في العلم ‏والتكنولوجيا، وسوف تتدفق ينابيع جميع الثروة التعاونية بشكل أكثر غزارة، وسيتم تنفيذ ‏المبدأ العظي:[من كلٍّ حسب مقدرته، ولكل حسب احتياجاته]. إن الشيوعية هي مجتمع ‏منظم بشكل سام للشعب العامل الحر الواعي اجتماعيا، والذي تتأسس فيه الإدراة الذاتية ‏العامة، إنه مجتمع يصبح فيه العمل من أجل خير المجتمع المطلب الحيوي الأولي لكل فرد، ‏وهي ضرورة يدركها الجميع وكل فرد. وسيتم استغلال مقدرة كل شخص بأكبر فائدة ‏من أجل الشعب."اهـ
وبعد فهذا بعض ما يهمنا معرفته في هذا المقام، قبل الإقدام على الحكم واتخاذ موقف من ‏هذا السؤال. ‏
ونزيد فنقول، لقد عرف المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة للدكتور عبد المنعم الحفني ‏الاشتراكيةَ بكلام نختار منه ما يأتي: "فالاشتراكية هي الذهب الذي يقول بأن العمل هو ‏أساس التملك، وأن الملكية وظيفة اجتماعية، ويدعو لذلك إلى ملكية المجتمع لوسائل ‏الإنتاج وإشراف الدولة على النشاط الاقتصادي، وتوجيهه بما يكفل رفع التناقضات ‏الاجتماعية، ويحقق فرص العمل لكل مواطن وعدالة التوزيع والتقريب بين الدخول ‏والمساواة أمام القانون...وحرية الفرد لا تتحقق فعلا إلا في النظام الذي يقوم على ‏الجماعية.‏
وتنهض فلسفتها التاريخية على ما تسميه بحتمية الحل الاشتراكي، بمعنى أن الاشتراكية ‏مرحلة تفرضها قوانين التاريخ والتطور الاجتماعي."اهـ
إذن فإن للاشتراكية أساسا عقائديا وأسسا اقتصادية. ‏
فالتملك المسموح به إنما هو تملك جماعي لوسائل الإنتاج، فالفرد لا يصح له أن يتملك ‏وسيلة من وسائل الإنتاج.‏
وأسباب التملك تنحصر في العمل، فالميراث باطل لا يصح أن يكون سببا للتملك. ‏
وهي تقوم على خلفية عقائدية تاريخية تعتقد بحتمية التغير التاريخي أو حتمية الحركة ‏التاريخية، ومن المعلوم أن هذه العقيدة قائمة على ما يطلق عليه بالديالكتيك المادي ‏والديالكتيك التاريخي.‏
وكل فرد من الأفراد يأخذ بحسب عمله، في الاشتراكية، ولكن هذا لا يدون، بل يمنع بعد ‏ذلك من أن يأخذ بحسب عمله، بل بحسب حاجته في المرحلة الشيوعية. ‏
ومن المعلوم أن أساس الفلسفة الديالكتيكية قائم على قدم العالم، وضرورة القوانين المادية، ‏وأن الوعي تابع للمادة، ونفي وجود الإله الصانع، وهو قائم أيضا على مناقضة الأديان، ‏وإن حاول العديد من أتباع الاشتراكية من العرب ادعاء أن الشيوعية ليست ضد ‏الأديان!! وهذه الدعوى لا أعتبرها إلا محاولة لتزييف الواقع تزلفا لنشر أفكارهم بين ‏جماهير المسلمين. ‏
فلو نظرنا في هذه اللوازم والأسس التي تقوم عليها الاشتراكية، لعرفنا عن قرب أنها بعيدة ‏جدا عن الإسلام، وأن الإسلام لا يقول بأسسها الكبرى الاقتصادية ولا الاعتقادية، فكيف ‏يصح أن يقال بعد ذلك إنه الإسلام اشتراكي، أو إنه عبارة عن دمج بين الاشتراكية ‏والرأسمالية!؟ ‏
أنا أعلم أن بعض اللامعين في الفكر الإسلامي في القرن الماضي قد قالوا بأن الإسلام ‏اشتراكية، أو باشتراكية الإسلام؟!! وقد كنت أتعجب كثيرا من إطلاقهم لمثل هذه ‏الدعاوي المتناقضة؟ ‏
ولكنهم كانوا يتصورون أنهم ربما يستجرون أقدام بعض المنبهرين بالاشتراكية حيث كان ‏لها بريق قاتل في ذلك الزمان، ويقربونهم إلى الإسلام، وأنا لا أرى في مثل هذا الأسلوب ‏إلا عبارة عن نوع من السفسطة، والخلط الذي لا يعود في النهاية على الإسلام بالخير ‏والفائدة، بل ربما يستفيد من إطلاق هذه الدعاوي الاشتراكيون أنفسهم والشيوعيون ‏يقلبونه لمصلحتهم. ‏
والطريقة الصحيحة للدعوى إلى الإسلام، هي التمييز بين ما هو إسلامي وبين غيره، وعدم ‏الخلط في المفاهيم، وذلك ليبقى الإسلام واضحا نقياً في أعين أتباعه والمخالفين له، وبهذا ‏نحافظ على نصوع صورته في أنفسنا وأمام أعدائنا، ولا مصدر لقوة الإسلام إلا من حقيته ‏في نفسه، فلو توسلنا لزيادة قوته باستعارة بعض المفاهيم من غيره فإن ذلك يكون سببا في ‏الإضلال لا الهداية. ‏
ولا شك أن هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا يقصدون من قولهم إن الإسلام اشتراكي أو أنه ‏يقول ببعض المبادئ الاشتراكية، إلا أنه ما يزعمه هؤلاء الاشتراكيون من سعيهم للعدالة ‏الاجتماعية، والتساوي بين الناس..الخ ما أطلقوا من غايات لهم، لا يخالف فيه الإسلام، ‏أي إن الإسلام لا يخالف العدالة كمفهوم عام، ولا يخالف التسوية بين الانس، ...الخ، ‏ولكنهم غفلوا عن أن مفهوم العدالة مثلا ليس إلا مفهوما كليا عاما، لا يمكن أن يتحقق ‏إلا إذا تشخص بتقييدات، وهذه التقييدات لا بد أن تنبني على أسس فلسفية أو فكرية أو ‏مبادئ دينية عامة، فالعدالة في نظر الاشتراكيين المنع من الملكية الخاصة وإعطاء الواحد ‏بحسب عمله مع عدم تملكه شيئا، وفي مرحلة الشيوعية، المنع من الملكية الخاصة وإعطاء ‏الواحد بحسب حاجته لا عمله مع عدم تملكه شيئا، فهذه الصورة الجزئية هي التي تريدها ‏الاشتراكية من قولهم إننا نسعى إلى العدالة، فالعدالة في نظرهم هي هذا الحكم الخاص ‏المقيد بعينه، وليس حكما آخر. ‏
ونحن نعلم أن الإسلام يرى العدل في كيفيات حكمية غير هذه التي يراها هؤلاء! ‏
فيبدو أن الإسلاميين الذين أطلقوا على الإسلام أنه اشتراكي أو شيوعي ربطوا المفهوم ‏الكلي للعدالة بهذين المبدأين، ثم جعلوهما علامة على العدالة، ثم أطلقوا اسم الاشتراكية ‏على الإسلام!! وفي هذا ما فيه من خلط ظهر بما قلناه.‏

ما هي الرأسمالية ‏Capitalism؟
الرأسمالية في نظري هي عبارة عن مظهر من مظاهر تجليات الفكر البراغماتي، وهي ‏الأساس الذي يعبر عنه، وتقوم فلسفة النظام الرأسمالي على الملكية الخاصة، والسوق الحرة ‏والحرية الضرورية. ‏
وأما رأس المال الذي تنسب إليه الرأسمالية فهو ما يملكه الرأسمالي ويستثمره في الإنتاج. ‏
فالرأسمالي هو عينه البراغماتي متجليا بالعمل الخارجي الفعلي الممارس لتلك الفلسفة بكل ‏ما تعنيه. ‏
وفي الموسوعة الفلسفية لمجموعة من علماء السوفيت:"الرأسمالية هي التشكيل الاجتماعي ‏الذي حلَّ محل الإقطاع. وتقوم الرأسمالية على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واستغلال ‏العمل المأجور، واستخلاص فائض القيمة هو القانون الأساسي للإنتاج الرأسمالي، وفوضى ‏الإنتاج والأزمات الدورية والبطالة المزمنة وفقر الجماهير والمنافسة والحروب هي الملامح ‏المميزة للرأسمالية...الخ"اهـ
فإذا عرفنا أن الرأسمالية تقوم أصلا على المذهب البراغماتي، الذي ينكر في الحقيقة القيم في ‏واقع الأمر، ولا يؤمن إلا بما يؤدي إلى المنفعة، ولا حقيقة إلا لما له نتيجة عملية، والأحكام ‏عندهم لا ينبع إلا من رؤوس البشر، ولا عبرة بأحكام منسوبة إلى السماء، ولا عبرة بمنافع ‏الآخرين إذا كانت مخالفة لمنفعة الرأسمالي. ولذلك لا ضرر في أن ينشئوا بعض الحروب التي ‏تعود عليهم بالفائدة المادية، ولا ضرر من قتل بضعة ملايين من البشر، فلا قيمة لهؤلاء، ما ‏دام قتلهم أو موتهم يعود بالمنفعة المادية للرأسمالي. ‏
وأما السوق الحرة غير المقيدة بأخلاق ولا بأحكام شرعية، فحاشا أن تكون متوافقة مع ‏الأحكام الدينية، أو الأحكام الإسلامية، بل إنها مخالفة لها أشد المخالفة، فلا عبرة بالعمل ‏في الإسلام إذا كانت عناصره محرمة، أو في مفسدة، أو قائما على الغش أو غير ذلك. ‏
فما يزعمه الرأسمالي من الحرية التي يدعو إليها، لا يجوز للمسلم أن ينادي بالرأسمالية ‏لأجلها، لأن الحرية التي ينادي بها، مبني على أساس أن لا قيمة ولا حق في واقع الأمر إلا ‏لما يجر منفعة لهؤلاء، والأديان في نظرهم لا يجيزون بقاءها، إلا إذا كانت في منفعتهم، ولا ‏يفرقون بين دين وآخر، فكل الأديان وضعية أو سماوية في كفة واحدة عندهم، لا قيمة لها ‏في نفس الأمر، ولكنهم يعنون أكثر في ظاهر ما يبدو للمغترين بهم بالأديان السماوية، ‏وعلة ذلك في نظرنا أن أكثر الأديان انتشارا في البلاد التي سادت فيها الرأسمالية هي ‏الأديان السماوية، فعلة اهتمامهم زيادة اهتمام بها، ليس لقولهم بحقية الدين المسيحي أو ‏صحة الدين الإسلامي، بل ليس ذلك إلا لوجود أنصار لهذه الأديان يستعدون لأن يضحوا ‏في سبيلها!‏
فالمذهب الذي بني على أساس القول أن الحق معياره المنفعة، لا يمكن أن يكون موافقا ‏للدين الإسلامي. ‏
ولا يصح بأي وجه من الوجوه أن يقال إن الدين الإسلامي عبارة عن تجميع لمجموعة من ‏الأحكام التي أخذها من هذا المبدأ أو ذاك. ‏
إن من يقول ذلك، إما هو معادٍ للدين، أو جاهل بآثار هذه الأقوال الفاسدة وما تؤدي ‏إليه من نتائج. ‏


وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

يونس حديبي العامري
31-07-2007, 10:38
بارك الله فيك شيخنا هل من الممكن ان تكمل إن كان لديك الوقت بارك الله فيك

يونس حديبي العامري
04-10-2007, 11:25
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيد الشيخ بالنسبة للسؤال السادس
6- إدراكنا للأشياء يتوقف على فاعلية الذات هل هذا صحيح؟؟
أي هل الإدراك يكون العقل أصلا والحس فرعا أم ان الحس أصلا والعقل فرعا أي لولا وجود الحواس لما كان تعقلا أي ان أصل التعقل هو الحواس ولا يخفى أن هذا هو المذهب الغربي الحسي وهو عينه قول ابن تيمية في استدلاله لإثبت ما يعتقده ويراه صحيحا في نفسه والنظريات الغربية هي في الحقيقة واسعة في هذا المجال المذهب العقلي الديكارتي ومذب الجاشطالت وغيرهم نرجو التوسيع فهو موضوع مهم جدا.

يونس حديبي العامري
26-02-2008, 10:14
يرفع للتذكير....!!

عبد الله عبد الله
28-02-2008, 19:57
السؤال الثاني
الاشتراكية والرأسمالية ‏
والإسلام


وقد ورد في السؤال الرغبة في معرفة هل يمكن أن يكون الإسلام تركيباً ودمجاً من مبادئ ‏الاشتراكية والرأسمالية؟ ‏
وقبل أن نتكلم في ذلك، علينا أن نعرف ما الاشتراكية وما الرأسمالية، وما الإسلام، لكي ‏نعرف بعد ذلك هل الإسلام تركيب ودمج منهما أم لا؟؟
وقد يبدو السؤال غريبا مستشنعاً عند من استغرق في القراءات الدينية، ولم يختلط بالأفكار ‏الأخرى، ولم يهتم بدرايتها، أو عند من لم يخالط هؤلاء، ولم يتصدَّ بنفسه للدعوة إلى ‏الإسلام، وقد يبدو السؤال سهلا مستسهلا عند من لم يعرف الإسلام وعرف فقط تلك ‏المبادئ والأفكار الأخرى، وبغض النظر عن موقف أي واحد –على اختلاف اتجاهاته-، ‏فدعنا نشرع أولا في معرفة التصورات، لأن التصور يسبق التصديق كما هو معلوم، لا ‏سيما عند السؤال بـ[هل] المركبة، لا بـ[هل] البسيطة، وسؤالك من هذا الباب.‏
ما هي الاشتراكية ؟
جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعتها لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، وترجمها ‏سمير كرم، وراجعها د. صادق جلال العظم (الشيوعي حتى النخاع)، وجورج طرابيشي ‏‏(صاحب الاتجاه اليساري المعروف)، فكل من ألف وترجم وراجع هذه الموسوعة ‏يساريون، والمصطلحات التي جاءت فيها لا تخدم شروحاتهم لها إلا الفلسفة الشيوعية، ‏على كل حال فقال قالت هذه الموسوعة الفلسفية في التعريف بالاشتراكية ‏Socialism‏:"نظام اجتماعي قائم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، والاشتراكية ‏تظهر إلى حيز الوجود نتيجة إلغاء النمط الرأسمالي للإنتاج وإقامة دكتاتورية الملكية: ملكية ‏الدولة (العامة) والملكية التعاونية والجماعية. ‏
وتقتضي الملكية العامة انعدام وجود الطبقات المستغلة واستغلال الإنسان للإنسان، ‏وتقتضي وجود المشتركين في الإنتاج. ‏
وفي ظل الاشتراكية لا يوجد اضطهاد اجتماعي وعدم مساواة بين القوميات كما لا يوجد ‏أي تناقض بين المدينة والريف، بين العمل الذهني والبدني برغم وجود تمايزات بين المدينة ‏والريف، وبين العمل الذهني والبدني."اهـ
وقالوا أيضا:"وأيضا فإن الحياة الاجتماعية في الاشتراكية تتأسس على ديمقراطية تتضمن ‏جذب الشعب العامل كله إلى الإدارة الفعالة للدولة. وقوى الإنتاج لا تكون قد تطورت ‏بما فيه الكفاية في المرحلة الاشتراكية لضمان فائض من المنتجات، ولا يكون العمل قد ‏أصبح بعد ضرورة حيوية أولية لجميع أعضاء المجتمع، ولهذا السبب تتوزع الثروة المادية ‏وفق مبدأ " من كلٍّ حسب قدرته، ولكل حسب عمله". ‏
والثمرة الطبيعية لتطور الاشتراكية هي الشيوعية."اهـ
فالاشتراكية إذن مرحلة مُعِدَّةٌ لظهور المرحلة الشيوعية، فهي إذن عمل مقصود للوصول ‏إلى هدف، وغاية، هي الشيوعية، وليست مجرد اشتراك في الثروات على أي مبدأ كان!‏
إذن توجد مرحلتان لتشكيل النظام الاجتماعي – الاقتصادي، وهما الاشتراكية ‏والشيوعية، والاشتراكية هي مرحلته الأولى الأدنى، والشيوعية هي مرحلته الأعلى، وهما ‏تختلفان في درجة النضج الاقتصادي. ‏
وفي الاشتراكية لا توجد أي ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، ولا تقوم علاقاتها الاقتصادية ‏على التسلط والخضوع بل على التعاون القائم على الزمالة الاقتصادية والمساعدة المتبادلة ‏بين الناس المتحريين من الاستغلال. وفي هذا المضمار لا يوجد اختلاف بين الاشتراكية ‏والشيوعية. ‏
وفي الاشتراكية يوجد شكلان من الملكية هما ملكية الدولة، وشكل ملكية المزرعة الجماعية ‏والملكية التعاونية. ‏
وأما المرحلة الثانية من التطور في نظرة الشيوعيين والاشتراكيين، فإنا نكتفي بنقل خلاصة ‏مهمة من برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي، وذلك حسبما ورد في الموسوعة الفلسفية التي ‏عرفنا بها.‏
ورد في بيان الحزب الشيوعي:"الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي، له شكل واحد ‏للملكية العامة لوسائل الإنتاج والمساواة الاجتماعية الكاملة بين جميع أفراد المجتمع، وفي ‏ظله سيصاحب التطور الشامل للناس نمو قوى الإنتاج عن طريق التقدم المستخدم في العلم ‏والتكنولوجيا، وسوف تتدفق ينابيع جميع الثروة التعاونية بشكل أكثر غزارة، وسيتم تنفيذ ‏المبدأ العظي:[من كلٍّ حسب مقدرته، ولكل حسب احتياجاته]. إن الشيوعية هي مجتمع ‏منظم بشكل سام للشعب العامل الحر الواعي اجتماعيا، والذي تتأسس فيه الإدراة الذاتية ‏العامة، إنه مجتمع يصبح فيه العمل من أجل خير المجتمع المطلب الحيوي الأولي لكل فرد، ‏وهي ضرورة يدركها الجميع وكل فرد. وسيتم استغلال مقدرة كل شخص بأكبر فائدة ‏من أجل الشعب."اهـ
وبعد فهذا بعض ما يهمنا معرفته في هذا المقام، قبل الإقدام على الحكم واتخاذ موقف من ‏هذا السؤال. ‏
ونزيد فنقول، لقد عرف المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة للدكتور عبد المنعم الحفني ‏الاشتراكيةَ بكلام نختار منه ما يأتي: "فالاشتراكية هي الذهب الذي يقول بأن العمل هو ‏أساس التملك، وأن الملكية وظيفة اجتماعية، ويدعو لذلك إلى ملكية المجتمع لوسائل ‏الإنتاج وإشراف الدولة على النشاط الاقتصادي، وتوجيهه بما يكفل رفع التناقضات ‏الاجتماعية، ويحقق فرص العمل لكل مواطن وعدالة التوزيع والتقريب بين الدخول ‏والمساواة أمام القانون...وحرية الفرد لا تتحقق فعلا إلا في النظام الذي يقوم على ‏الجماعية.‏
وتنهض فلسفتها التاريخية على ما تسميه بحتمية الحل الاشتراكي، بمعنى أن الاشتراكية ‏مرحلة تفرضها قوانين التاريخ والتطور الاجتماعي."اهـ
إذن فإن للاشتراكية أساسا عقائديا وأسسا اقتصادية. ‏
فالتملك المسموح به إنما هو تملك جماعي لوسائل الإنتاج، فالفرد لا يصح له أن يتملك ‏وسيلة من وسائل الإنتاج.‏
وأسباب التملك تنحصر في العمل، فالميراث باطل لا يصح أن يكون سببا للتملك. ‏
وهي تقوم على خلفية عقائدية تاريخية تعتقد بحتمية التغير التاريخي أو حتمية الحركة ‏التاريخية، ومن المعلوم أن هذه العقيدة قائمة على ما يطلق عليه بالديالكتيك المادي ‏والديالكتيك التاريخي.‏
وكل فرد من الأفراد يأخذ بحسب عمله، في الاشتراكية، ولكن هذا لا يدون، بل يمنع بعد ‏ذلك من أن يأخذ بحسب عمله، بل بحسب حاجته في المرحلة الشيوعية. ‏
ومن المعلوم أن أساس الفلسفة الديالكتيكية قائم على قدم العالم، وضرورة القوانين المادية، ‏وأن الوعي تابع للمادة، ونفي وجود الإله الصانع، وهو قائم أيضا على مناقضة الأديان، ‏وإن حاول العديد من أتباع الاشتراكية من العرب ادعاء أن الشيوعية ليست ضد ‏الأديان!! وهذه الدعوى لا أعتبرها إلا محاولة لتزييف الواقع تزلفا لنشر أفكارهم بين ‏جماهير المسلمين. ‏
فلو نظرنا في هذه اللوازم والأسس التي تقوم عليها الاشتراكية، لعرفنا عن قرب أنها بعيدة ‏جدا عن الإسلام، وأن الإسلام لا يقول بأسسها الكبرى الاقتصادية ولا الاعتقادية، فكيف ‏يصح أن يقال بعد ذلك إنه الإسلام اشتراكي، أو إنه عبارة عن دمج بين الاشتراكية ‏والرأسمالية!؟ ‏
أنا أعلم أن بعض اللامعين في الفكر الإسلامي في القرن الماضي قد قالوا بأن الإسلام ‏اشتراكية، أو باشتراكية الإسلام؟!! وقد كنت أتعجب كثيرا من إطلاقهم لمثل هذه ‏الدعاوي المتناقضة؟ ‏
ولكنهم كانوا يتصورون أنهم ربما يستجرون أقدام بعض المنبهرين بالاشتراكية حيث كان ‏لها بريق قاتل في ذلك الزمان، ويقربونهم إلى الإسلام، وأنا لا أرى في مثل هذا الأسلوب ‏إلا عبارة عن نوع من السفسطة، والخلط الذي لا يعود في النهاية على الإسلام بالخير ‏والفائدة، بل ربما يستفيد من إطلاق هذه الدعاوي الاشتراكيون أنفسهم والشيوعيون ‏يقلبونه لمصلحتهم. ‏
والطريقة الصحيحة للدعوى إلى الإسلام، هي التمييز بين ما هو إسلامي وبين غيره، وعدم ‏الخلط في المفاهيم، وذلك ليبقى الإسلام واضحا نقياً في أعين أتباعه والمخالفين له، وبهذا ‏نحافظ على نصوع صورته في أنفسنا وأمام أعدائنا، ولا مصدر لقوة الإسلام إلا من حقيته ‏في نفسه، فلو توسلنا لزيادة قوته باستعارة بعض المفاهيم من غيره فإن ذلك يكون سببا في ‏الإضلال لا الهداية. ‏
ولا شك أن هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا يقصدون من قولهم إن الإسلام اشتراكي أو أنه ‏يقول ببعض المبادئ الاشتراكية، إلا أنه ما يزعمه هؤلاء الاشتراكيون من سعيهم للعدالة ‏الاجتماعية، والتساوي بين الناس..الخ ما أطلقوا من غايات لهم، لا يخالف فيه الإسلام، ‏أي إن الإسلام لا يخالف العدالة كمفهوم عام، ولا يخالف التسوية بين الانس، ...الخ، ‏ولكنهم غفلوا عن أن مفهوم العدالة مثلا ليس إلا مفهوما كليا عاما، لا يمكن أن يتحقق ‏إلا إذا تشخص بتقييدات، وهذه التقييدات لا بد أن تنبني على أسس فلسفية أو فكرية أو ‏مبادئ دينية عامة، فالعدالة في نظر الاشتراكيين المنع من الملكية الخاصة وإعطاء الواحد ‏بحسب عمله مع عدم تملكه شيئا، وفي مرحلة الشيوعية، المنع من الملكية الخاصة وإعطاء ‏الواحد بحسب حاجته لا عمله مع عدم تملكه شيئا، فهذه الصورة الجزئية هي التي تريدها ‏الاشتراكية من قولهم إننا نسعى إلى العدالة، فالعدالة في نظرهم هي هذا الحكم الخاص ‏المقيد بعينه، وليس حكما آخر. ‏
ونحن نعلم أن الإسلام يرى العدل في كيفيات حكمية غير هذه التي يراها هؤلاء! ‏
فيبدو أن الإسلاميين الذين أطلقوا على الإسلام أنه اشتراكي أو شيوعي ربطوا المفهوم ‏الكلي للعدالة بهذين المبدأين، ثم جعلوهما علامة على العدالة، ثم أطلقوا اسم الاشتراكية ‏على الإسلام!! وفي هذا ما فيه من خلط ظهر بما قلناه.‏

ما هي الرأسمالية ‏Capitalism؟
الرأسمالية في نظري هي عبارة عن مظهر من مظاهر تجليات الفكر البراغماتي، وهي ‏الأساس الذي يعبر عنه، وتقوم فلسفة النظام الرأسمالي على الملكية الخاصة، والسوق الحرة ‏والحرية الضرورية. ‏
وأما رأس المال الذي تنسب إليه الرأسمالية فهو ما يملكه الرأسمالي ويستثمره في الإنتاج. ‏
فالرأسمالي هو عينه البراغماتي متجليا بالعمل الخارجي الفعلي الممارس لتلك الفلسفة بكل ‏ما تعنيه. ‏
وفي الموسوعة الفلسفية لمجموعة من علماء السوفيت:"الرأسمالية هي التشكيل الاجتماعي ‏الذي حلَّ محل الإقطاع. وتقوم الرأسمالية على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج واستغلال ‏العمل المأجور، واستخلاص فائض القيمة هو القانون الأساسي للإنتاج الرأسمالي، وفوضى ‏الإنتاج والأزمات الدورية والبطالة المزمنة وفقر الجماهير والمنافسة والحروب هي الملامح ‏المميزة للرأسمالية...الخ"اهـ
فإذا عرفنا أن الرأسمالية تقوم أصلا على المذهب البراغماتي، الذي ينكر في الحقيقة القيم في ‏واقع الأمر، ولا يؤمن إلا بما يؤدي إلى المنفعة، ولا حقيقة إلا لما له نتيجة عملية، والأحكام ‏عندهم لا ينبع إلا من رؤوس البشر، ولا عبرة بأحكام منسوبة إلى السماء، ولا عبرة بمنافع ‏الآخرين إذا كانت مخالفة لمنفعة الرأسمالي. ولذلك لا ضرر في أن ينشئوا بعض الحروب التي ‏تعود عليهم بالفائدة المادية، ولا ضرر من قتل بضعة ملايين من البشر، فلا قيمة لهؤلاء، ما ‏دام قتلهم أو موتهم يعود بالمنفعة المادية للرأسمالي. ‏
وأما السوق الحرة غير المقيدة بأخلاق ولا بأحكام شرعية، فحاشا أن تكون متوافقة مع ‏الأحكام الدينية، أو الأحكام الإسلامية، بل إنها مخالفة لها أشد المخالفة، فلا عبرة بالعمل ‏في الإسلام إذا كانت عناصره محرمة، أو في مفسدة، أو قائما على الغش أو غير ذلك. ‏
فما يزعمه الرأسمالي من الحرية التي يدعو إليها، لا يجوز للمسلم أن ينادي بالرأسمالية ‏لأجلها، لأن الحرية التي ينادي بها، مبني على أساس أن لا قيمة ولا حق في واقع الأمر إلا ‏لما يجر منفعة لهؤلاء، والأديان في نظرهم لا يجيزون بقاءها، إلا إذا كانت في منفعتهم، ولا ‏يفرقون بين دين وآخر، فكل الأديان وضعية أو سماوية في كفة واحدة عندهم، لا قيمة لها ‏في نفس الأمر، ولكنهم يعنون أكثر في ظاهر ما يبدو للمغترين بهم بالأديان السماوية، ‏وعلة ذلك في نظرنا أن أكثر الأديان انتشارا في البلاد التي سادت فيها الرأسمالية هي ‏الأديان السماوية، فعلة اهتمامهم زيادة اهتمام بها، ليس لقولهم بحقية الدين المسيحي أو ‏صحة الدين الإسلامي، بل ليس ذلك إلا لوجود أنصار لهذه الأديان يستعدون لأن يضحوا ‏في سبيلها!‏
فالمذهب الذي بني على أساس القول أن الحق معياره المنفعة، لا يمكن أن يكون موافقا ‏للدين الإسلامي. ‏
ولا يصح بأي وجه من الوجوه أن يقال إن الدين الإسلامي عبارة عن تجميع لمجموعة من ‏الأحكام التي أخذها من هذا المبدأ أو ذاك. ‏
إن من يقول ذلك، إما هو معادٍ للدين، أو جاهل بآثار هذه الأقوال الفاسدة وما تؤدي ‏إليه من نتائج. ‏


وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
السلام عليكم و رحمة الله
ألم تظهر الرأسمالية قبل ظهور الفكرة البراجماتية فالفكرة البراجماتية ظهرت في امريكا و هذا الأمر كان قبل ظهور الرأسمالية نرجوا التوضيح شيخ سعيد ؟

سعيد فودة
02-08-2008, 13:05
السؤال الثالث
الحسن والتقبيح العقليان
ووجه غلط المعتزلة ومن وافقهم

ورد في السؤال الرغبة في معرفة وجه خطا المعتزلة في هذه المسألة.
فنقول: لكي يتضح موقف المعتزلة وأهل السنة وغيرهم من هذه المسألة، لا بد أولاً من ذكر تعريف الحسن والقبح العقليين، وبعد ذلك يمكن معرفة من الذي جانب الصواب، وما علة الحكم عليه بأنه قد وقع في ذلك.
تعريف الحسن والقبح
ذكر العلامة الشريف الجرجاني في التعريفات أن "الـحُسْنَ هو كون الشيء ملائماً للطبع، كالفرح، وكونُ الشيء صِفَةَ كمالٍ، كالعِلْمِ، وكَوْنُ الشَّيءِ مُتَعَلَّقَ المدْحِ والذَّمِّ، كالعبادات."
واشتمل كلامه هذا على بيان أن الحسن يطلق على ثلاثة معانٍ، الملاءمة للطبع، وصفة الكمال، وكونه متعلقا المدح والثواب.
أما كون الشيء ملائما للغرض: فالغرض هو الهدفُ المقصود من الفعل، واسم يطلق على كل غاية يُتَحَرَّى إدراكها، كذا وضحه صاحب المفردات، ولم يزِد السمين الحلبي في عمدة الحفاظ على ما قاله الأصفهاني، وكذا الطريحي في مجمع البحرين مع أنه زعم أنه سيأتي في هذا الكتاب بما لا يوجد في كتب القوم!
وقال العلامة الكفوي في الكليات:"الغرض هو الفائدة المقصودة العائدة إلى الفاعل التي لا يمكن تحصيلها إلا بذلك الفعل. وقيل الغرض هو الذي يتصور قبل الشروع في إيجاد المعلول، والغاية هي التي تكون بعد الشروع.
والغاية هي ما يؤدي إليه الشيء ويترتب هو عليه. وقد تسمى غرضا من حيث إنه يطلب بالفعل ومنفعة إن كان مما يتشوفه الكل طبعاً.
وقال بعضهم: الفعل إذا ترتب عليه أمر ترتباً ذاتياً يسمى غاية له من حيث إنه طرف الفعل، ونهاية وفائدة من حيث ترتبه عليه، فيختلفان اعتباراً، ويَعُمَّانِ الأفعال الاختيارية وغيرها، فإن كان له مدخل في إقدام الفاعل على الفعل يسمى غرضا بالقياس إليه، وعلة غائية وحكمةً ومصلحة بالقياس إلى الغير.
وقد يخالف الغرض فائدة الفعل كما إذا أخطأ في اعتقادها، وهو إذا كان مما يتشوفه الكل طبعا يسمى منفعة."اهـ
وكلامه هذا مفيد ودقيق وفيه فوائد عزيزة. وقد لخصه د. عبد المنعم الحفني وأودعه في المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة.
فالفعل الحسن إذن تكون منفعته عائدة إلى الفاعل، والفاعل يُطْلِقُ على الفعل أنه حسن لأجل ملاءمته له ونفعه. فالذي لا نفع له يرتجيه من غيره، لا يجوز أن يقال إن له غرضا من أفعاله، لأنه لا يدفعه إلى تلك الأفعال منفعة يكتسبها من فعله.
ولا يخفى أن من يقصد بفعله منفعة له، فإنه في ذاته ناقص، وأن من يفعل الفعل على سبيل الوجوب لأجل منفعة مطلقا سواء كانت عائدة عليه أم كانت عائدة على غيره، فإنه غير مختار فيما يفعل، لأنه لا يمكن إلا أن يفعل هذا الفعل الموصوف بالحسن، وعدم فعله للحسن أمرٌ قبيح، والكامل على زعم من يقول بالحسن والقبح العقليين لا يفعل القبيح، ولا يترك الحسن.
وأما المعنى الثاني وهو صفة الكمال، كالعلم فإما أن تكون هذه الصفة واجبة أو ممكنة الوجود، فإن كانت واجبة فلا فاعل لها، وإن كانت ممكنة فلها فاعل، فلا يخلو إما أن يكون مختارا في فعله وإيجاده لها، أو مضطراً، وعلى سبيل الإجمال نقول: إن الله تعالى لا يفعل الأشياء الحسنة في ذاتها بهذا المعنى إلا على سبيل الاختيار، فإيجاد المخلوقات أو إيجاد الصفات الحسنة لهم، هي من أفعال الله تعالى الاختيارية، وإن كان نفس المفعول حسنا بهذا المعنى.
ولا ضرر من أن نقول إنها حسنة بهذا المعنى، لأن الوجود خير من العدم، والعلم خير من الجهل، والوجود في ذاته كمال للموجود بهذا المعنى، كما أن العلم في ذاته كمال للموجود بهذا المعنى.
وأما كون الفعل متعلقاً للمدح والثواب :
فها هنا أمران، الأمر الأول: الفعل، والثاني: كونه متعلَّقا للمدح والثواب.
ولا ريب أن لله تعالى أفعالا، فهل يمكن أن تكون متعلقة للمدح والثواب، وللذم والعقاب، أي الحسن والقبح بالمعنى الثالث.
وفي هذا القسم وقع الخلاف بين المعتزلة ومن وافقهم وبين أهل السنة ومن مشى معهم، فالمعتزلة قالوا أفعال الله تعالى يطلق عليها الحسن والقبح بهذا المعنى، وأهل السنة قالوا: لا.
فالمدح معنى والثواب معنى آخر.
والمدح هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدا. فإن كان هذا هو المدح مطلقا، فيجوز الثناء على الله تعالى من أجل صدور الأفعال الاختيارية عنه جل وعلا، وهذا تعلق للمدح بالمعنى المصدري للفعل.
وأما الحمد لله تعالى من أجل ملاحظة المعنى الاسمي من الفعل، لا المصدري، والمعنى الاسمي هو عين المفعول، ففي عمومه في كل الحالات نظر! فتأمل.
هذا بمراعاة قانون أهل السنة.
فلا بدَّ من مراعاة البحث هنا في جهتين، الأولى: جهة صدور الفعل، والثانية الفعل نفسه.
وقد تضاف جهة أخرى إلى النظر، وهي كون الله تعالى متصفا بصفة (القدرة) وهي منشأ الأفعال (بالإرادة)، وهذا المحلُّ لا شكَّ في كون الله تعالى ممدوحاً به أزلا، بخلاف المعنى المصدري والاسمي بالضرورة، لكون أفعال الله تعالى حادثة، لاستلزام القدم الاستغناء.
وأما الثواب والعقاب، فلا يتعلقان بالله تعالى قطعا، لا عندنا ولا عند المعتزلة، فلا أحد يجيز ذلك.
فما هي جهة الاختلاف بين الفريقين إذن؟
إن المعتزلة قالوا بأن الفعل في نفسه أي بالنظر لماهيته وحقيقته أو بالنظر لاعتبارات لاحقة له، يكون إما حسنا أو قبيحا، وبناء على حسن الفعل وقبح، فالله يفعل الحسن ويترك القبيح.
فحسن الفعل إذن هو العلة في فعل الله تعالى إياه.
فتكون أفعال الله تعالى معلَّلَةً عندهم، ولذلك قال لهم أهل السنة يلزمكم أن يكون الله تعالى مجبورا لا فاعلا مختاراً.
إذن بالنظر في هذه الجهة، فيمكن عند المعتزلة أن يتوجه المدح والقبح إلى أفعال الله تعالى، ومرجعهم في ذلك أن هناك أفعالا واجبة في نفسها، إنْ فَعَلَها الله تعالى مُدِحَ، وإلا قَبُح ذلك منه، تعالى الله عن ذلك.
وهذا كما ترى متوقف على اعتقاد المعتزلة أن للأشياء ثبوتا في ذاتها (كما في أحوال أبي هاشم)، أو أن الأحكام ثابة في نفسها بالضرورة لا بوضع واضع ولا تتوقف على إرادة مريد (كما عند جمهورهم)، وهذا معناه أن الله تعالى إن أراد أن يفعل فلا بدَّ أن يتمَّ مراعاة الحسن والقبح الثابتين في الأشياء في نفسها ولذاتها أو لأمور اعتبارية أو لصفات قائمة فيها على اختلاف بينهم مشهورٍ.
ولذلك فأنت ترى الأشاعرة يلزمون المعتزلة بالإيجاب على الله تعالى، وهذا الملْحَظُ كان أحد أسباب نفي صفة الإردة عند المعتزلة، وإرجاعها إمَّا إلى العلم أو إلى الأمر، كما عند الكعبي، أو إلى قول غيره بأنها حادث لا في محلٍّ!! ولا يخفى ضعف هذه الأقوال كلها.
إذن المرجع في أصل النزاع يدور حول هذا المعنى، ولا شكَّ في خطورته، وتأثيره في العديد من المسائل والأصول.
ولهذا المعنى نسب بعض أهل السنة إلى المعتزلة تأثرهم بالفلاسفة في الإيجاب على الله تعالى، مع ملاحظة أن الفلاسفة قد نفوا صفة الإرادة عنه تعالى، فاشتركوا مع المعتزلة في ذلك، ووافقهم في ذلك الشيعة وغيرهم.

سعيد فودة
04-08-2008, 04:12
السؤال الرابع: هل اللغة سابقة أو الفكر
بحَثَ العديدُ من المتكلمين والأصوليين والفلاسفة واللغويين في هذا المبحث، وأودعوا بحوثهم تلك في كتبهم المعروفة، ونحن هنا سنذكر لك خلاصة قد يكون فيها مقنع.
إن كانت اللغة –محلُّ الكلام- هي تلك المؤلفة من ألفاظ وأصوات أو إشاراة ورموز مرتكبة حادثة دالة _إما بالوضع أو بالذات أو بغير ذلك- على معانٍ هي موجودة في النفس، فلا يمكن تعقل لغة إلا بتعقل المعنى المذكور، وإلا فلا معنى للغة. فإن صحَّ ذلك فلا يصح أسبقية اللغة على المعنى، ولكن يبقى احتمالا إما أن يكون المعنى سابقاً، أو أنهما متساوقان في الوجود، بحيث يكون : كلما وجد المعنى وجدت اللغة، وبالعكس كلما وجدت اللغة وجد المعنى.
ولو نظرنا في الاحتمال الثالث وهو التساوق، لعرفنا أنه خلاف ما نحس به من وجود معانٍ معينة في نفوسنا ثم يتم اختراع ألفاظ لها لتدلَّ عليها. ثم يبطل هذا الاحتمال من أصله إن لوحظ في اللغات أنها موضوعة للدلالة على المعاني، فكونها موضوعة لذلك يستلزمة قطعاً أنها مسبوقة بالمعاني، لا مصاحبة لها.
فالاحتمال الراجح عندنا أن اللغة –بالمعنى المذكور- لا يمكن أن تكون قبل المعاني، وبالتالي لا يمكن أن تكون قبل الفكر.
أما البحث بعد ذلك في أن اللغة هل هي ضرورية للفكر أو لا، ففيه إجمال، فإن قصد أنه يستحيل أن يوجد نظر وفكر في نفس إنسان إلا بتوسط لغة من اللغات، فهو مردود بما سبق، ولما نحسه من أنفسنا بالنظر في معانٍ بلا توسط ألفاظ ولا حاجة لها أصلا ولو في بعض الأحيان. وإن قصد أن اللغة تفيد في تقوية قدرة الإنسان على النظر والفكر باستحضار المعاني وترتيبها ونحو ذلك، فلا شك في هذا ولا ريب، وذلك لعجز الإنسان عن استحضار المعاني العديدة وبمراتب كثيرة من درجات الفكر والنظر دفعة واحدة، فلذلك يستعين على ذلك باستحضار ذلك إما في خياله باستحضار صور ألفاظ دالة على المعاني، أو باستحضارها مكتوبة أو نحو ذلك.

بلال النجار
04-08-2008, 12:45
بارك الله فيكم يا مولانا وأمتع بكم. فيما يتعلق بالتفكير بواسطة الألفاظ المتخيلة وبحسب قراءاتي فغاية ما وجدت العلماء يتكلمون فيه هو ما أشرتم إليه من صعوبة عدم اقتران الفكر بالألفاظ المتخيلة. وقد وقفت عليه في بعض الحواشي. وأما أن الفكر لا يكون إلا بالألفاظ الموضوعة المتخيلة بحيث تكون اللغة وعاء للفكر تقيده، فهو قول واه منقوض بالتأمل. وأذكر أن الفلسفة الماركسية لها كلام في ذلك إذ يرسمون دائرة على محيطها ثلاث كلمات اللغة والفكر والعمل. فإن كانوا يقصدون بذلك أن الفكر يكون في حدود اللغة والعمل ترجمة للفكر ثم العمل باعث على توسيع اللغة في سياقات الحاجة فيعود ذلك على الفكر بالتوسع فهو قول لا يصح بهذا الإطلاق. فلعمري كيف تتوسع اللغة وتزداد مفرداتها لولا سبق ملاحظة العقل لمعان لم يسبق أن وضع لها من الألفاظ ما يدل عليها. فبان أنه لا زيادة في الوضع قبل الفكر.

سعيد فودة
04-08-2008, 13:56
نعم يا أخي العزيز بلال،
يوجد بعض مذاهب المتفلسفة في هذا الزمان من ينادي بأن لا فكر وراء اللغة، بل يجعلون الفكر هو اللغة...
وبهذا يتميز مذهبنا عنهم...
والماركسية نعم ما عزوته إليهم مسألة مشهورة بينهم كانت عنوانا يبتدئون به كلامهم مع الناس ....

سعيد فودة
04-08-2008, 14:06
السؤال الخامس: الشعور واللاشعور
القول بأن كلَّ ما يعيه الإنسان ويؤثر في أفعاله الظاهرة صادر عن وعي تام واستحضار دائم لعلله الكاملة، فيه مبالغة يصعب تصديقه بالنظر إلى وجود العادات وغيرها التي تصدر لا عن علم ووعي تفصيلي بمآخذ العادات، ولا بغاياتها، ولأن الإنسان يتأثر في بعض تعلقات إرادته بما هو انفعال له بأمور إما خارجية عن ذاته أو قابعة في وهمه وخياله، فيسارع إلى الاختيار أو الفعل بلا وعيٍّ حقيقي بعللم فعله التامة وتفصيلاتها.
وفي الوقت نفسه فإن إرجاع جميع تصرفات الإنسان إلى أمر يسميه البعض باللاوعي يكون هو المؤثر الحقيقي في أفعال الإنسان الظاهرة سواء عرفها الإنسان ولاحظها أو لا، أمر لا يمكن قبوله، للعلم الضروريِّ بأن الكثير من أفعال البشر يمكن تعليلها بعلل ظاهرة وبناء على وعيٍّ لهم بما يقولونه وإرادة تامة. فضلا عما يلزم ذلك الرأي من جعل الإنسان كالمسيَّر لما لا يشعر به، فإن زعم أن ذلك في جميع أفعاله، فهو باطل بالضرورة، وإلا فقد يقبل هذا الرأي مع النظر في الأسباب التي يرجعون إليها ما يسمونه باللاوعي، فلا نسلم أنها كلها راجعة إلى نوع من العقد الجنسية أو غيرها، بل قد يكون أصلُ ما اختزنه في لاوعيِه عبارة عن نتيجة متراكمة من الخبرة أو التلقين والتعليم أو علمه المراد المقصود.
ويقولون إن العمليات الشعورية تتبع قوانين منطقية على عكس العمليات في اللاشعور، وقد لا يمكن تفسير كل عمليات اللاشعور تفسيرا منطقيا، ولذلك فإنه يرجعونها إلى نحو كبتٍ نفسي أو عقليٍّ، وقد يكون منشأ ما في اللاشعور شعوريا كبعض الأحلام، ولم يكن فرويد أول من قال باللاشعور وتأثيره، إلا أن أثر فرويد ظهر كثيرا في المجال الإكلينيكي والعلاجي، وقال إن الجزء غير المشعور به يكون سببا للأمراض النفسية، وبعض ما في اللاشعور مكبوت وبعضها يحاول الرجوع إلى الشعور، ولذلك يطلق ما يُسمَّى (بعودة المكبوت) وقد يستعير بعض الكتاب في الفكر الإسلامي ونقده هذا المصطلح ليحلل بعض المظاهر الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية، وأحالوا على ذلك بعض ردود الفعل الغريبة أو غير السوية، وبناء على ذلك فقد قسَّم فرويد الأنا إلى عدة أقسام واعتمد على هذه النظرية في تفسير الأحلام، وعلى هفوات اللسان وزلاته، وراعى ذلك في تحليل الشخصيات...الخ، ولا تستطيع ردَّ جميع كلامه، ولا قبوله على تفصيله.
وكما تعلم فإنَّ الكلام على اللاشعور بالاستعانة بالشعور ينبغي أن يكون ناقصاً.ولكن المقطوع به أن إحالة جميع عمليات الوعي على اللاشعور هو نفي للوعي أصلاً.

سعيد فودة
04-08-2008, 14:07
السؤال السادس: استمرار تغيير العادات هل هو أفضل عادة
إنَّ العادات هي في حاصل الأمر استعدادات مكتسبة للسلوك على نمط معين. وقد يكون منشأها الدافع الداخلي أو الخارجي، وتكرار الفعل، وهو العامل الأهم، والتكرار يؤدي إلى إزالة الحركات التي لا داعي لها، ومن هنا تكون الأعمال المعتاد عليها الإنسان أدقًّ وأسهل وأسرع، ولا شك في أن العادة تمر بمراحل قبل أن ترسخ في الإنسان، ولأنها راسخة فقد تنقلب إلى ضدها إذا كانت فائدتها ليست عامة ولا دائمة، لأن الذي يعتاد أمراً، فإنه قد تنشأ حاجة نفسية إليه عنده، فإن كان هذا الأمر ليس مفيدا دائما، فتنقلب العادة إلى أمر قبيح، ومن هنا ينشأ الدعوة إلى التخلص عن بعض العادات.
لا ريب في أن العادات مفيدة أحيانا كثيرا، وذلك لتسهيل العمل، لأنها تصير قريبة إلى الآلية بحيث لا يلزم الإنسان أن يستحضر كل فعل جزئيٍّ يقوم به فيقدره وينظر في مرجحاته لكي يفعله، يعني إن العادة محمودة في هذا الحال. وخاصة إذا كان أصل ما اعتاده منظوراً فيه بالأدلة المرعية، ولم يكن أخذه له مجرد تقليد عن غير خبير، أو أخذ من جاهل، أو عرف شائع غير مؤصَّل، وإلا فلا مانع منها.
وقد تكون العادات غير مفيدة، ولذلك يلجأ الناس إلى تغييرها، وقد يكون ما ينتقلون إليه عادة أخرى غيرها، إما دائما أو إلى زمان معين محدود.
ولذلك الملحظ فقد تمَّ اعتبار العادات في بعض أحكام الشريعة، يعني إن لم تكن مخالفة لأحكامها، واعتادها الناس فلا بأس بها، ولكن ذلك لا يرفعها إلى مرتبة الوجوب كما تعلم، فهي محل للحكم كما هو محقَّق في علم الأصول لا منشأ له، فالعادة ليست حاكمة بل محكوم عليها.
أما القول بأن خير العادات هو عدم التقيد بعادة، ففيه ما فيه، مما يدلُّ عليه ما بيناه، فضلا عن أن كل إنسان لا يخلو من عادة سليمة أو سقيمة، ولا وجه لتقبيح العادة السليمة الصحيحة لمجرد أنها عادة، فأصل التغيير ليس مقصوداً لذاته، كما يتوهم البعض، ولا الاستمرار على نمط واحد مقود لذاته أيضا، ولكنك لا تستطيع أن يمنع إنسانا من أن يختار نمطا معينا على سواء ويلتزمة وقتا ما طال أو قصر. نعم التجربة والتغيير قد تكون مفيدة، ولكن الاستفادة من التغيير ليست ضرورة عقلية، بل قد يكون التغيير من عادة إلى سواها ضاراً.
ومثل هذه الأقوال المسؤول عنها قد يكون المقصود منها أمراً شعريا لقصد التأثير في النفس فقط لا قولاً تحقيقيا مبنيا على نظر صحيح.
ثم إن الإنسان لا يسع عمره أن يظل مغيرا عاداته لا لغاية ولا هدف، بل قد لا يطيق الإنسان ذلك لما يستلزمه من مشقة.
وقد يقال له: ما هو المرجِّح لتركك هذا الفعل الذي اعتدته إلى غيره؟ وقد يستطيع تسويغ انتقاله لبعض العادات، أما أن يبقى كذلك في انتقال مستمرٍّ من عادة إلى عادة بحيث لا يلتزم عادة مطلقا، فهذا لا يستطيع أحد أن يأتي له بمسوِّغ مستقيم. نعم القول الذي يرتكن إليه قد يكون إجماليا ينخدع به البعض، فقد يقول إن التغيير مهم، وإنه يفيد الإنسان ملكات عديدة بالخبرة التي يكتسبها من تجريب الأمور العديدة، إلى آخره مما يمكن أن يعتمدوا عليه في نحو هذا القول، ولكن يبقى التساؤل: هل كل إنسان قابل لأن يكتسب ما لا نهاية له من الملكات، أو أن يكتسب ملكات عديدة بعدد أوقاته أو أيامه أو بعدد ما يقدر عليه من تغيير عاداته! إن الناظر في هذا الاحتمال، يصل عن قربٍ إلى أن التغيير المستمر يكون ضاراً أكثر مما يكون نافعا لبعض الناس على الأقل، أما سواهم ففي إفادته لهم شكٌّ قويٍّ.

أنفال سعد سليمان
04-08-2008, 18:51
رحمةُ الله و بركاتُه عليكم مولاي الشيخ ، و سلامٌ عليكم ...... ندعو الله العلي العظيم أن يقويكم و يعينكم .. و لا عُدمنا شربة من معينكم .

يونس حديبي العامري
08-08-2008, 07:27
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم
السلام عليكم
بارك الله فيك شيخنا الفاضل سعيد فودة على ما تفضلتم به وكذا بيان للترجيحات الصحيحة التي يعاني منها الكثير من الناظرين في هذا العلم!!
والأسئلة المتبقية هــي:
*الذكاء هل هو فطري أم مكتسب؟؟
*المنطق لقد تحدثت في بحثك الرائع "تدعيم المنطق" على علاقة المنطق ببعض العلوم كالأصول وعلم الكلام ونقلت في المقدمة عن البعض علاقة المنطق بالرياضيات ولكنك لم تفصّل في هذه المسألة المبحوث في ها هنا نظرا لعدم علاقة الموضوع ببحثك فنرجو توضيح علاقة المنطق بالرياضيات .
*إدراكنا للأشياء تتوقف على فاعلية الذات هل هذا صحيح؟؟
*لقد طالعت في كتابك الكاشف الصغير وتقسيم ابن تيمية للخيال والحس والوهم والعقل فأرجو منك توضيح ذلك وماذا يريد ابن تيمية وراء هذا التقسيم هل هو الإلزام-أي الخصم-؟؟؟ ام التوضيح؟؟ مع أنه قد أوقع نفسه في الحفرة التي بناها بتقسيمه هذا إن كان يريد التوضيح.
*ما هي المعايير التي تكون أصلا لقياس الأخلاق وما هي الانتقادات التي توجه لواجب الأخلاقي الكانطي!

سعيد فودة
08-08-2008, 14:57
السؤال السابع
الإدراك يتوقف على فاعلية الذات
قد يكون هذا القول مدخلا إلى نظرية نسبية العلم المستلزم لنفي حقيقة العلم لكونه جهلاً، وهو قول السفسطائية والشكاك، واللاأدرية، وذلك لأنه إن أريد بتوقف الإدراك على فاعلية الذات، أن كل ذات لها فاعلية خاصة لها، متمايز في الحقيقة عن إدراك ذات أخرى، وذلك يستلزم أن إدراكها لما تدركه سيكون مغايراً ومخالفا لإدراك ذات غيرها، فهذا مؤدٍّ قطعا إلى السفسطة. وحلُّ الإشكال فيه أن التغاير في التشخص (التَّـعَـيُّن) لا يستلزم التغاير في الحقائق استلزاماً عقلياً، فنحن نُسَلِّمُ أنَّ تشخص الإدراك في كلِّ ذات مغاير لتخصه في ذات أخرى، ولكن ما المحيل عقلا لاشتراك حقيقتين مع تغايرهما في التعين والتشخص، والتشخص لا يؤثر في أصل الحقائق المستلزمة للأحكام المشتركة بين المشخَّصات العديدة المتكثرة خارجا. ولا يخفى أنه يوجد ردود أخرى عديدة على أهل السفسطة.
وقد لا يراد به ذلك الأمر، بل يقصد به أن آلات الإنسان التي يتوسل بها إلى اكتساب العلم والمعرفة، متوقفة على نوع قصد ناشيء منه إلى استعمالها، كما هو واضح في أسباب المعرفة من الحواس وغيرها. وهذا الأمر مجردا عما سبق لا إشكال فيه، ولكن لا يصحُّ أن يراد أن:"كل إدراك فهو متوقف على الفعل المتوقف على الإرادة"، لأن هذا يستلزم بالضرورة إبطال البديهيات التي لا تتوقف في حصولها الفعل المتوقف على الإرادة، فإن أطلق على التنبه إليها اسم الفعل، وسلمنا ذلك، فإمَّا أن نمنع توقفه على الإرادة في حال قولنا بدوام تنبه الإنسان إلى البديهية وعدم غيبتها عنه، أو نخصص قولنا السابق به، أو نخصصه بالفعل الخارجي لا النفسي.
ولا شك في أن الوعي حاصل للإنسان بدون أن تُلاحَظَ حواسه الخارجية الظاهرة، فلو تأمل في الإنسان نفسَه لعرف أنه يدرك بعض الأمور تصديقات معينة وتصورات معينة، بدون أن يتوقف إدراكها على الحواس الخارجية.
ولذلك فإن القول بأن العقل مسبَّب فقط الحواس الخارجية، قول باطل، لمناقضته ما ذكرناه، وهو معلوم بالضرورة بعد التجربة القريبة الحصول.
ولذلك فإن العلماء المحققين لا يطلقون القول بأن الحواس الخمس سبب التعقل، أو علته، بل يقولون هي شرط للتعقل، ولم يحصروا الشرطية فيها وحدها، ومعنى قولهم: إنها إن حصلت يترتب على ذلك حصول تعقلٍ في الإنسان، وإلا فلا يحصل ذلك التعقل. وهذا كما ترى لا يمنع حصول تعقل آخر بدون حصولها.
فالعقل ليس معلولا للحواس الخمس كما يقول بعض المتفلسفة، ولا هو مجرد تجميع للمحسوسات كما يقول الحسيون، بل إن أهل السنة يقولون إن التعقل مرتبة فوق الحسِّ، وليس عين الحسِّ، ولذلك فإنهم لا يحصرون الوجود في المحسوس، وذلك عقلا لا حساً، بخلاف غيرهم، من الحسيين والمجسمة الذي لما حصروا العقل في الحس، وجعلوه عينها أو مؤلفا منها، نفوا وجود وجود غير محسوس، فلزمهم القول بتجسيم الله تعالى، لأنهم يؤمنون أصلا بوجوده، فلما كان الوجود محصورا عندهم بالمحسوس، لزم بالضرورة عندهم أن يكون الصانع جسما محسوسا، أمَّا الحِسِّـيُّون فلمَّا حصروا العقل في الحسِّ، لزمهم نفي وجود الله تعالى؛ لأنهم لا يثبتون إلا ما هو في حيز الحسِّ، والحسُّ لم يدرك الله تعالى! فلزمهم نفيه. ويمكن أن يقول بعضهم بإمكان وجوده، ولكن بشرط كونه محسوساً، كما هو واضح، وذلك الإمكان بناء على قولهم!! بإمكان وجود ما لا يدركه الحسُّ بالفعل، ولا واسطة حسية لإثباته عندهم.
وبخصوص مذاهب المعرفة بين الفلاسفة الغربيين فقد كتبت رسالة موجزة في ذلك قد أنشرها في المنتدى، لخصت فيها أصول كل فيلسوف وما يتميز به عن غيره في هذا المجال،والأمر ليس بعيدا لمن بحث.
وهذا يمهد لجواب السؤال الأخير الذي سألته، وهو موقف ابن تيمية من الخيال والحس والعقل، كما وضحته في الكاشف الصغير، فكما تبين لي بعد الدراسة أن ابن تيمية لا يريد فقط إلزام الخصوم بما يقوله، كما يزعمه بعض الساذجين، بل إن ما يقرره في الرد على الخصوم، بعضه يقول به ويعتقد، وبعضه لا، والقرائن تكفي في التمييز بين هذا وذاك. ومما يقول به ابن تيمية ما وضحته من مفهوم الخيال والعقل والحس، واعتبار لقاعدة أن كل ما لا يمكن الإحساس به فهو غير موجود، القاطعة بأن الوجود محصور عنده في المحسوسات، والمحسوسات إما أجسام أو أمور قائمة باجسام، خلافا لما يزعمه العديد ممن يدافعون عنه، وهم لا يعلمون أنهم إذ ينفون ذلك عنه إنما ينفون حقيقة مذهبه. وهم يظنون أنهم بهذا ينزهون مذهبه عما يبدو لهم غير مرضيٍّ، والحقيقة أن ابن تيمية يرضاه لنفسه، ويقطع بحقيته، وهم لا يدركون ذلك، وما يزالون يحتاجون فترة من الوقت لمراجعة أفكار ابن تيمية وقواعده لكي يميزوا ما يقوله عمَّا يَرْفُضُ القولَ به!
ولا يخفى عليك أنَّ الأمر يمكن فيه مزيد كلام، وأرى أن ما ذكرناه كاف في المقام، فإن أردت مزيد استفصال عن مواضع خاصة فاسأل، ونسألُ الله تعالى أن يقدرنا على إجابتك.

سعيد فودة
08-08-2008, 14:59
*لقد طالعت في كتابك الكاشف الصغير وتقسيم ابن تيمية للخيال والحس والوهم والعقل فأرجو منك توضيح ذلك وماذا يريد ابن تيمية وراء هذا التقسيم هل هو الإلزام-أي الخصم-؟؟؟ ام التوضيح؟؟ مع أنه قد أوقع نفسه في الحفرة التي بناها بتقسيمه هذا إن كان يريد التوضيح.
أدرجت جواب هذ السؤال في الجواب عن السؤال السابع
وبقية الأجوبة ستتبع ذلك بإذنه تعالى

يونس حديبي العامري
04-10-2008, 10:22
بارك الله بكم ونفع بكم
الأجوبة على شكل ملف وارد وpdf
كما نسأل الله أن يعينه على إتمام الأسئلة للتكامل الأجوبة والله الموفق

سعيد فودة
20-12-2009, 20:30
بسم الله6
علاقة المنطق بعلم الرياضيات
لا يخفى على أحد التشابه الظاهر بين المنطق والرياضيات في أنَّ كلا منهما صوريٌّ، لا يبحث في المسائل المعينة، بل في صورة الفكر، فالمنطق يبحص في صورة الفكر في النفس، وكيف تنتقل من المقدمات إلى النتائج، وما هي العلاقات التي تضبط حركة النفس في ذلك، وأما الرياضيات فيبحث في قوانين صور الكميات، ولا يتقيد بكمٍّ دون آخر، ولا يهمه إن كان الكمُّ متصلا أو منفصلاً، فلذلك وجدت الرياضيات الباحثة في الأعداد ورياضيات التفاضل والتكامل ونحوها.
والاستنباط هو المنهج المتبع في المنطق والرياضيات، لا الاستقراء، فلا تعتمد نتائجهما على بحث في الواقع الخارجي، مع أن بعض الوقائه قد تنبه المنطقي والرياضي إلى بعض العلاقات، ولكن المسائل المنطقية تصاغ ثم ينظر في واقعاتها الخارجية.ولذلك فإن العلاقات التي تضبط طرق الاتنباط في العلمين هي علاقات آلية لا تعتمد على رغبة أو إرادة أو محبة أو شهوة، فالنتيجة في العلمين عقلية، لا إرادية وذلك بمجرد فرض الموضوع لهما، أو المقدمات، فإذا قلنا: [زيد إنسان]، و [كل إنسان ميت]، فاستنتاج النتيجة منهما، وهي [زيد ميت] لا يتوقف على رغبة ولا محبة ولا رهبة، وهي عقلية محضة، وهي صادقة مطلقا سواء تحقق ما صدق للموضوع أو لم يتحقق، فحاصل هذه القضية، أنه مهما وجد إنسان فهو ميت، ومهما ومهما كان زيد المشار إليه ذهنا أو خارجا، فهو إنسان، وعلى ذلك فينتج بالضرورة أنه مهما وجد زيد إنسانا، فهو ميت بالضرورة. وذلك بفرض صحة كل من المقدمتين اللتين بدأنا منهما.
وللتشابه الذي بين العلمين ذهب بعض العلماء أن المنطق جزء من الرياضيات وامتداد لقواعدها، وذهب بعضهم إلى العكس أي إلى أن المنطث هوا لأصل في الرياضيات وأن الرياضيات فرع عن المنطق.
وذهب بعض العلماء إلى أن كلا من المنطق والرياضيات يتفرعان من فروض ومسلمات عليا، لا يقال على هذه المسلمات والفروض أنها منطقية ولا رياضية بل هي أعلى منهما معا، وإليها يرجع العلمان، وهذه الفروض نقبلها قبولا ولا نبرهن عليها برهنة.
ومن الظاهر أنه عند التدقيق يجد الناظر فرقا واضحا بين الرياضيات وبين المنطق، فالمنطق يبحث في قواعد يستند إليها الفكر الإنساني في الاستنباط والانتقال من المقدمات إلى النتائج، بغض النظر عن مادة هذه المقدمات، فلا فرق عند المنطق بين ما إذا كانت مادة المقدمات كمية أو كيفية أو غير ذلك، فكل ما يمكن أن يعبر عنه بمقدمة منطقية، يمكن أن يكون بعد ذلك واسطة للانتقال مع غيره إلى نتيجة أخرى تكون هي بدورها مقدمة لنتيجة أخرى، وهكذا. وأما الرياضيات، فلا يبحث في مطلق المقدمة، بل يبحث في المقدمات التي تشتمل على مادة معينة كما قلنا.
وقد يكون منشأ الخلط بين العلمين أنه يبحث في الرياضيات خصوصاً الحديثة قضايا منطقية بحتة وإن كان هذا البحث في صورة معادلات وبأساليب رمزية، ولكن هذا الأمر لا يعدو أن يكون تصويرا للمنطق بصورة رمزية، ولا يصح أن يعتبر علما جديدا لمجرد أن التعبير عن المفاهيم والقواعد المنطقية حصل في صورة رموز أو معادلات.
ولذلك فالأظهر أنَّ الرياضيات ترجع إلى المنطق وتستمد منه، فهو من مبادئ علم الرياضيات، وليس فرعا لها، ولا جزءاً منها، ولا مسألة من مسائلها، وليست الرياضيات جزءا من المنطق كذلك، بل المنطق مبدأ للرياضيات، والمقصود بالمبدأ هنا معناه المستعمل فيه عند علمائنا القدماء الذين يفرقون بين المبدأ والمسألة والموضوع والمقدمة ونحو ذلك.

سعيد فودة
20-12-2009, 23:36
بسم الله6

معايير الأخلاق
والواجب الكانطي

السؤال: ما هي المعايير التي تكون أصلا لقياس الأخلاق وما هي الانتقادات التي توجه لواجب الأخلاقي الكانطي.
الجواب: هذا السؤال يتألف من شقين، الأول عن القيم والثاني عن مذهب أحد فلاسفة الأخلاق وهو إيمانويل كانط.
أما الشقُّ الأول من السؤال فموضوعه ما يسمَّى في الفلسفة المعاصرة بفلسفة القيم، وهي الأمور التي تبنى عليها الأخلاق والسلوك. والمراد بذلك ما هي الأسس التي يعتمدها الإنسان واعيا بها أو غير واعٍ ويبني عليها أحكامه التي توجهه في سلوكه الواعي.
ولا يخلو الأمر في هذه القيم والمبادئ أو الأسس من أحد أمور:
الأول: إما أن تكون ذاتية ثابتة في نفسها بغض النظر عن وضع واضع أو إرادة مريد، ولا مهرب للإنسان إلا بأن يلتزم بها أو يهرب عنها ويناقضها. وبالتالي يكون كل ما يقال عليه إنه قيمة، فسلبه قيمة أخرى أو أساس آخر يمكن أن يبنى عليه سلوك آخر. وإذا وصفنا أحدهما بالخير فهذا الوصف راجع لذاته، لا لأنا أردنا أن نعتبره خيرا، أو أننا تعلمنا من المجتمع أنه خير، أو غير ذلك، وكذلك يجب أن يكون سلبه أو نقيضه أو ما يضاده متصفا بنقيض الخيري اتصافا ذاتيا أيضا، لا إرادة فيه.
ويمكن أن يقول قائل إن هذه القيمة الذاتية مطلقة عن الزمان والمكان ويمكن أو يقول إنها مقيدة بهما، فإن تمّ تقييد القيمة الذاتية بأحدهما أو بغير هذين القيدين كالعرف والمجتمع أو شرع أو قانون، صارت القيمة نسبية مطلقا، وبطل القول بذاتيتها، إلا إن قيل إن القيود إن كانت راجعة إلى الإرادة بنحو من الأنحاء فالقيم وضعية (كالمجتمع، أو القانون الوضعي) وإن لم تكن راجعة إلى ذلك فهي ذاتية ولا يضر في ذاتيتها كون هذا القيد متغيرا في ذاته، كالزمان والمكان، فمجرد كونه غير معتمد على الإرادة والوضع يجعل القيمة ذاتية،وعلى ذلك يمكن أن يقال أن بعض القيم ذاتية متغيرة، وبعض القيم ذاتية غير متغيرة، وبعض القيم غير ذاتية بل وضعية، وهذا الوضع إما أن يكون عرفا أو شرعا بشريا أو غير بشريٍّ،وهكذا.
والواضع مهما كان، إما أن يعتبر في وضعه لتلك القيم مصلحة ذاتية لا تتغير أو يعتبر مصلحة وضعية، أي يعتبرها هو مصلحة ويبني عليها أفعاله ويعتبر أن هذه الأفعال بالصورة التي يريدها والتي اختارها هي المصلحة المقصودة. فإن كانت المصلحة ذاتية، فيرجع الأمر إلى أن القيمة راجعة إلى مصلحة ذاتية، ويكون منشأ القيمة هو عين تلك المصلحة التي يزعم كونها ذاتية.
وإن كانت المصلحة اعتبارية فيرجع الأمر إلى أن القيمة اعتبارية أيضا.
وتكون المصلحة قيدا للقيمة عندئذ، فمهما كانت المصلحة، فالقيمة ثابتة، ومهما عدمت المصلحة انعدمت القيمة، وترتب عليها أحكامها السلوكية في الحالتين.
وعلى ذلك فإن الاختلاف يرجع من تحديد مفهوم القيمة مثلا إلى تحديد مفهوم المصلحة والمنفعة، ومقابلها، فما هو المعيار في كون هذا مصلحة يكون منشئا للقيمة. وهذا النحو من التفكير كما لا يخفى إنما هو نقل من موضع إلى آخر! نقل للمنشئية من القيمة إلى المصلحة.
ولما ذكرناه، يعرف المتأمل لم قال بعض الفلاسفة والباحثين في القيم إن القيم الأخلاقية ذاتية، أي راجعة إلى الوجود في نفسه، وأنها عقلية محضة، وبعضهم قال إنها ليست كذلك.
ومن قال منهم إن الوجود أمر واجب، عقليٌّ لا يمكن إلا أن يكون على الصورة التي هو عليها، فإنه قائل بلا محالة بذاتية القيم، وعدم تغيرها، فإنه لو قال بتغيرها أو وضعيتها، أو أجاز ذلك أبطل أصوله الوجودية.
وقد يفرق بعضهم بين الوجود الواجب والوجود الجائز، فيقول إنَّ مدار البحث في القيم إنما هو الوجود الجائز لا مطلق الوجود الشامل للواجب أيضا، وعلى ذلك فلا معنى للقول بأن هنا قيمة ذاتية إلا بملاحظة تحقق موضوعها، أي الوجود الجائز، ولكن هذا الوجود الجائز على هذه الصورة دون غيرها، إما أن يكون واجبا عقلا، أو يكون بوضع واضح، واختيار مختار، فمن قال بالأول رتب عليه القول في القيم، وهكذا من قال قال بالثاني، إلا أنه يتصور على الثاني أن يقال: إن القيم واجبة أو ذاتية أو عقلية بشرط وجود (لا وجوب) الموضوع المتوقف وجوده على اختيار المختار، فيكون واجبا لا مطلقا بل بشرط الوجود.
والبحث له جهات متعددة، فهل القيمة في نفسها أمر ذاتي أو أمر نسبيٌّ، أي هل مفهوم القيمة نسبيٌ أو لا؟ ولا نقصد بالنسبية هنا الأمر المتغير، بل نقصد الأمر الذي لا يفهم إلا بملاحظة أمر آخر.
فإن كانت القيمة نسبية، فالمعتبر في الحكم عليها إذن هو طرفاها، فينظر فيهما هل هما ذاتيان، وهل ترتب النسبة على وجودهما، أمر لازم لذاتيهما، أو يمكن أين يتخلف عنهما.
وبناء على ذلك، قال من قال إن الأخلاق مبنية على انفعالات معينة، لا على، أو إنها تبنى على أوامر ونواهي معينة، وهذه الأوامر والنواهي إما مطلقة أو لا، ومن الواضح أن مفهوم الأمر في نفسه لا يستلزم الإطلاق، بخلاف مفهوم الوجود مثلاً، فإنه يحتمل الإطلاق، ومعنى أن الأمر ليس مطلقا ولا يمكن أن يكون مطلقا، هو أننا يمكننا أن نتصور مقابل كل أمر أمرا آخر بإزائه، فالأمر بالرحمة، قد يواجهه أمر بالقسوة مثلاً، ومن أصدر الأمر بالرحمة يمكن أن يصدر عنه الأمر بالقسوة مثلا، بخلاف من أرجع القيم إلى الوجود مثلا، فإن الوجود لا يقبل إلا العدم، والقيمة لا تستنبط من العدم، فلا مقابل للوجود، ولأن الوجود قد يقبل الإطلاق بهذا المعنى، فالقيمة تكون قابلة للإطلاق أيضا تبعا للوجود الذي هو منشأ لها.
وعلى ذلك فكل من قال إن منشأ القيم هي الأوامر والنواهي، لزمه أن يبين أي أمر ونهي هو بالتحديد الذي يقصده مصدرا للقيمة الخلقية! لاحتمال الأمر كما قلنا مقابلا له.
وقد يحاول بعض الفلاسفة إرجاع الأمر إلى قيمة وجودية، أي قيمة خبرية ثابتة في ذاتها، وهذا بلا شكٍّ تكلف، ومشقة بلا فائدة، لأن لمفهوم الأمر والنهي من حيث هما كذلك تخالفا مع مفهوم الخبر من حيث هو كذلك. وكل من حاول إرجاع الأمر إلى الخبر، لا يصح له أن يقول إن منشأ الأخلاق والقيم هي الأوامر والنواهي، بل عليه أن يقول إن منشأهما هو مفهوم الخبر نفسه، ما دام يرجع الأمر إليه.
أما أن يعتبر الأمر من حيث هو أمرٌ ثابتا لذاته، فهذا محالٌ.
وهذا ما قد يحاوله بعضهم في إرجاع القيم الأخلاقية إلى مفهوم الإرادة، وحاول أن يَرْجع بالإرادة إلى مفهوم (الإرادة الكلية) التي هي مجموع إرادات البشر، زاعما بذلك أنه يرجع الأمر الذي هو مصدر الفعل الواجب إلى معيار مؤتمن، والحقيقة أن ما قاله مجرد مخادعة نظرية، فإرادة كل واحد من بني البشر تابعة إما تابعة لشيء ثابت في نفسه، أو هي في نفسها كذلك، وبذلك ينعدم كونها إرادة، وينمحي ذكرها كذلك، أو لا تكون، فإن لم تكن تابعة لأمر ثابت في نفسه، فهي حتما متغيرة، وسبب تغيرها إما محض إرادة، أو هوى أو انفعال أو غير ذلك كعرف أو قانون وهما يرجعان إلى إرادة قبلية مستترة، كما هو التحقيق في علم الأصول الفقه.
وهكذا إذا قلنا: إن الإرادة الكلية (أي مجموع إرادات البشر) إذا أريد بها كل البشر، فإن إرادة كل واحد من البشر جزء لهذه الإرادة، وكل جزء يصح أن يتغير، لأنه ليس ثابتا لذاته، وليس واجبا، وكل ما كان كذلك يتغير، فإن جاز أن تتغير إرادة كل واحد من البشر، فههنا احتمالات في الواقع:
إما أن يمكن اجتماع البشر أن تجتمع إرادتهم على مراد واحد. أو لا يمكن.
فإن أمكن، فإما أن يمكن أن تجتمع تلك الإرادات في جميع الأزمنة والأمكنة أو لا يمكن. وهكذا في كل مراد مرادٍ على حدة.
وهذا القائل الذي يرتب الواجب على حصول الإرادة الكلية، إن قصد بها كلية في جميع الأوقات والأفراد والأمكنة، فهذا لا يقول بخلق أبداً، لأن اجتماع الإرادات على أمر واحد في الأزمان كلها الأمكنة كلها، إن لم يكن محالا فهو قريب من المحال.
وعلى ذلك فلا يملك هذا القائل إلا أن يفرض لاشتقاق الواجب إرادة أفراد معينين، ومحصورين أو تحديد أمة من الأمم على حدةٍ، دون غيرها، وهكذا يرجع الأمر عنده إلى نسبية الواجب، ونسبية الأخلاق، لنسبية المرجع الذي لزمه فعليا اعتباره.
ولا معنى لقول من قال إن الواجب مأخوذ من الأمر في نفسه، بملاحظة مطلق الوجود الصادق على الواجب والممكن، إلا أن الواجب الوجوب (وهو الإله) يلزمه أن يفعل أفعالا معينة، وأن لا يفعل أفعالا أخرى، وهذا هو التحسين والتقبيح العقليين، وهو في نفسه يرجع إلى نفي الإرادة الإلهية إما مطلقا أو نسبيا، أي إما نفيا مطلقا أو نفياً مقيدا، وهذا معناه نفي الاختيار عن الإله إما مطلقا في مبدأ الأمر ومنتهاه، أو منتهاه فقط دون مبدئه، ولا معنى للقول بتقييد الإرادة في المبدأ فقط دون المنتهى، لأن هذا ناقض لمفهوم الواجب كما لا يخفى.
وكلا هذين المذهبين ناقض لكمال الإله كما لا يخفى، فالمسلك العدل الوحيد اللائق بكون الإله إلهاً هو أن لا يقيد فعله لا من حيث المبدأ ولا من حيث المنتهى –ونريد بالفعل من حيث المبدأ: أي من حيث البدء بإيجاده بعد أن لم يكن، ونريد بقولنا من حيث منتهاه: أي ما يلزم على هذا الفعل بعد تحققه في الوجود أو ما يترتب عليه من أمور أو أفعال أخرى، ولا نريد أن الفعل لا مبدأ له بمعنى أنه لا يكون له مبدأ في الوجود بحيث يكون قديماً كما زعم بعضهم!! فإن ذلك مخالف لكونه فعلاً، فلا تغترَّ بهذا القيل-، هذا بالنظر إلى نفس الفعل، لا إلى إرادة الإله نفسه، لأن تقييده بإرادة الإله معناه عدم تقييده بغيرها، وتقييده بإرادة الإله هو المحقق للإرادة كما هو واضح.
ولذلك فإن المسلك العدل هو القول بعدم ثبوت الواجب على الله تعالى لا في المبدأ ولا في المنتهى، ولا شك في أن ذلك يبقي مجالا للخلاف ثبوت الواجب على الإنسان لا على الله تعالى للفرق بين الوجود الواجب والوجود الجائز، فقد يقول قائل بالإضافة إلى إطلاق إرادة الله تعالى في أفعاله بوجوب تقييد إرادة المخلوقات بالنظر إلى وجودها الذي تحققت هي به، مع ملاحظة أن هذا الوجود في نفسه مختار للواجب الوجود بلا شك. وعلى هذا فقد يجتمع القول بالاختيار المطلق للإله، وبالوجوب على الإنسان بقيد وجود المتحقق، وهذا الذي أشرنا إليه سابقا بعبارة الوجوب بقيد الوجود.
أهم الأسس التي تبنى عليها فلسفة الأخلاف
هناك اتجاهات ثلاثة مشهورة في فلسفة الأخلاق، وكل اتجاه بنى على أساس معين نظرتَه في علم الأخلاق:
الأساس الأول: أن الأخلاق لها أساس وجودي وما صدق يمكن للعقل أن يعرفه، فما يطابقه يكون صادقا، وما يخالفه يكون كاذباً.
الأساس الثاني: أن الأخلاق ينبني على أساس الأمر والنهي، فهي قواعد وضوابط إنشائية، والإنشاء لا يتصف بالصدق والكذب.
الأساس الثالث: أن الأخلاق يتنبعث من انفعالات توجد في الإنسان أو الكائن الحيِّ، فبحسب هذه الانفعالات تنضبط الأخلاق التي يبنى عليها السلوك.
ويمكن أن ينشأ الخلاف في النظر في علم الأخلاق بناء على طريقتين: الطريقة الأولى: تفترض أنَّ للأخلاق وجوداً في نفسها وأنه يمكن معرفته، وأن الأخلاق والقيم التي تبنى عليها ثابتة في الواقع، ثم يختلفون بعد ذلك في تحديدها، ووجود هذه الأسس الأخلاقية إما أن يقال إنه ثابت في الكون، فيشتقون الخلق من قوانين ثابتة في الكون أو العالم، أو يشتقونها من طبيعة الإنسان نفسه أو أمور لازمة، أو طبيعة الحيوان وهكذا.
والطريقة الثانية: تفترض أن الأخلاق تابعة لنتائج الأفعال والسلوك، فيجعلون منشأ الأخلاق ليس أمرا قبليا، بل بعديا، فينظرون إلى أساس الأخلاق بحسب ما يترتب عليها، وغالبا ما يضبطون هذا الأمر بالمنفعة أو المصلحة، ولأن المصلحة مفهوم اعتباري، فما يصدق عليه هذا المفهوم قد يكون نسبيا وقد يكون متغيراً في نفسه تبعا للاصطلاحات والأعراف والقيود، فلا بدَّ أن تنشأ عند هؤلاء ضوابط متغيرة للمصالح، فلا تكون في أغلب الأحيان أمرا ثابتا، وهو ما يتعارض مع أصحاب الطريقة الأولى غالبا.
الأخلاق مبنية على مفهوم الواجب
يوجد اتجاه يحاول إقامة الأخلاق على مفهوم الواجب، ولكنهم اختلفوا من أين يستمدُّ الوجوب نفسه، فمفهوم الواجب يدلُّ على شيءٍ غير موجود بالفعل يطلب منا أن وجده أو أن نحققه، فعندما يقال لك : افعل كذا، فهذا الامر الكذائيُّ ليس موجودا بالفعل، وإلا استحال الأمر به، لأن تحصيل الحاصل محال، ومفهوم الأمر يتضمن حثَّ الإنسان (أو المأمور) ودفعه إلى تحقيق شيء معين هو (المأمور به)، وهذه الطريقة تابعة لمن يعتقد أن منشا الأخلاق قبليُّ وليس بعدياً، كما ترى، وقد نشأت عدة محاولات لتأسيس هذا الوجوب عند الفلاسفة والمفكرين، فاقترحوا اقتراحات عدة:
الاقتراح الأول: الدين هو منشأ الوجوب، وما دمنا نتكلم عن الدين، فإنّ الكلام يعود بالضرورة إلى الإله، لأن الإله هو واضع الدين، فيكون الحاصل أن الإله مصدر الوجوب، وطريقة معرفة هذا الوجوب بمعرفة أمره ونهيه. فما أمر به واجب وما نهى عنه ممنوع.
ويمكن أن تنشأ إشكالية هنا حاصلها: هل الإله أمر بالشيء لأنه الأمر في نفسه واجب، أو أنه أمر به ولذلك صار واجبا، أي هل الوجوب ناشيء عن الأمر الإلهي غير المقيد بقيد وغير المشروط بشرط، أو أن الأمر الإلهي تابع لعلم الإله بصفة الوجوب الثابتة للشيء المأمور به.
وهذا راجع كما ترى إلى أن الحسن والقبح ذاتي للشيء أو عارض عليه موضوع له بإرادة واضع.
وأيضا، فإن الأديان كثيرة، فما يكون واجبا في دين قد لا يكون واجبا في دين آخر، فإما أن تكون الأديان كلها حقا، فيختلف الواجب، وهذا قول بعدم وجود مرجعية واحدة للواجبات، فيعود الأمر إلى الخلط والتخابط، فما يكون واجب التحقيق عند البعض يكون واجب المنع عند غيرهم، وتنشأ ههنا الاختلافات بين الناس بشتى صورها.
وإما أن يكون الدين الحق واحداً فقط، لا متكثراً، في نفس الأمر، فيلزم تعميم نظرة هذا الدين على الناس جميعا، بطريقة أو أخرى، ولوجود أديان أخرى عند الناس فلا بدَّ أن تحصل تنازعات بينهم أثناء محاولة التعميم.
وأيضا هناك بعض البشر لا أديان عندهم، ولكن لديهم مفهوم الواجب، فكيف يقال إن منشأه الدين؟ وكيف لنا أن نعمم مفهوم الواجب عليهم وهم لا دين لهم؟
ومن الواضح أنه لا يقدح في كون الدين الحق واحدا تعدث الأديان، ولا عدم وجود دين عند بعض البشر، ولا يستلزم ذلك المنع من محاولة نشر هذا الدين على الناس جميعاً، ولا يضر حصول تنازعات بين البشر في أثناء محاولة التعميم، لأنا لو فرضنا أن هذا الدين هو الدين الحق، فمنشأ حجية الواجب والممنوع هو الحق نفسه، وهذا لا يعارضه الباطل.
والاقتراح الثاني: أن الضمير الإنساني هو منشأ الأخلاق وليس الدين، ولا هو مجرد الافتراض والتواطؤ، ولا شكَّ أن عزو الأخلاق إلى الضمير أو الحدس أو الفطرة أو غير ذلك من مدلولات الأسماء التي مرجعها واحد، ليس كفيلا بحلِّ المشكلة، فإن التساؤل يرجع مرة أخرى إلى منشأ هذا الحدس، ما هو، وما مدى مصداقيته، وهل الناس جميعا يشتركون في هذا الحدس، وهل هو مضبوط بحيث ينتج نتائج واحدة مطردة وهو تدفع التعارض بين البشر تبطل التنازع بينهم؟
لا شكّ أن هذا الحلَّ غير كافٍ في هذا المقام، وقد يتوهم أنه يحلُّ مشكلة ما نشأت في اقتراح كون الدين هو المنشأ، وهي تعدد الأديان، أو عدم وجود دين لبعض البشر مما يستلزم تكثر المعايير الأخلاقية وتعارضها، أو عدم وجود المعايير أصلاً، ولكن هذا الحلّ المتوهم قد ينفع في قدر معين ضئيل عند بعض الناس في بعض الاوقات، كمن رأى إنسانا يقتل إنسانا آخر ويشنع في قتله ويتفنن في ذلك، فإن العاطفة الإنسانية تدفعه إلى الحزن والشفقة على المقتول، وقد تدفعه إلى استنكار ما يقوم به القاتل، ولكن قد يكون عند القاتل من الدوافع ما يكفيه لتسويغ أفعاله تلك، بحيث لو وضحها للمستنكر والمستبشع فقد يؤيده أو يتوقف عن الاستنكار عليه.
وأيضا، فإن الحدوس الإنسانية قد تفيد في بعض المواضع كما قلنا، ولكن الأفعال الإنسانية التي يلزم تقييدها بالأخلاق ليست فقط تلك المواضع القليلة المحدودة بل أكثر من ذلك بكثير، فيلزم من ذلك عدم كفاية هذا الضابط لحل مشكلة الأخلاق.
والضمير الإنساني قد لا يكون عبارة مقنعة للمخالف عندما تواجهه بها إنكارا لفعل من أفعاله. فقد يكتفي بهز رأسه استخفافا والمضي قدما في أفعاله التي تستنكرها عليه.
والاقتراح الثالث في إقامة الواجب كانت من نصيب كانط الفيلسوف النقدي الشهير، فقد حاول أن يقيم مفهوم الواجب على أساس عقلي، وحاصل طريقته أن الواجب يضبط بالضابط الآتي: أن كلَّ فعل تقوم به إذا أمكنك أن تصحح إرادة فعله منك ومن غيره في سائر الأوقات والأزمان، فهو فعل أخلاقيٌّ، وإذا قلت إن ما أقوم به لا يجوز لي أن أفعله بصورة مطردة، ولا يجوز لغيري أن يقوم به كذلك، بل إن قيامي به تابع لظرف خاصٍّ، فهذا الفعل غير أخلاقيٍّ.
فالأمر عند كانط منوط إذن بإمكان تعميم الفعل، وإمكان تعميم إرادة البشر الحرة لهذا الفعل في الحالة العادية غير المنوطة بالإكراه أو الظروف الخاصة، فإن صحَّ إمكان التعميم وقبلناه، فهذا الفعل أخلاقي، وإلا فلا.ولذلك قد يطلق على هذا المفهوم اسم (الأمر المطلق) أي غير مقيَّد بقيد ولا تابع لظرف معين. والإرادة عند كانط –كما عند غيره- يمكن أن تتعلق بالفعلعلى وفاق قانون الأخلاق، كما يمكن أن تتعلق به مخالفة له ومضاده لما يوجبه.
وقد ناقش المفكرون هذه الطريقة من عدة جهات:
الجهة الأولى: أنَّ هذا الضابط صوريٌّ محض، أي إنه يخبرنا عن القانوان العام لشرط صيرورة افعل أخلاقيا، لكنه لا يخبرنا بالضبط ما هي الأخلاق بالفعل، أي لا يعدد لنا الأخلاق عدّاً، ويحصيها لنا ويبينها.
وقد يجاب عن ذلك بأنَّ العدّ موكول إلى الظرف المعين للبشر الذين يعرضون الأمر على أنفسهم، ولذلك فالأخلاق قد تكون متغيرة، فقد يكون فعل ما في ظرف معين يقبل التعميم، ولا يقبله في ظرف آخر أو في زمان آخر.
ثم إن هذا الإنسان الذي يحكم على الفعل المعين بأنه أخلاقي، إذا سألناه: لم حكمت عليه بذلك، وكيف عرفت أنّ غيرك من البشر لا يمنعون ما أجزته أنت؟ ما هو الذي يمنعهم من أن لا يريدوا ما أردته أنت، وظننت أنهم يريدونه في حالتهم العادية الحرة كما زعمتَ.
فلا يملك إلا أن يرجع إلى حجة أن البشر في أنفسهم متماثلون، وأن هذا الأمر عقليٌّ ثابت الحسن لذاته، والعقل كاشف عن ذلك، وما دام عقلي كشف عنه، فالآخرون يكشفون عن ذلك أيضا.
ولكن من الظاهر أن هذا مجرد زعم لا دليل عليه.
والحاصل من ذلك أن القائل بهذا الضابط الكانطي يلزمه أن يعتبر مجموعة معينة من البشر في زمان معين، فالواجبات عنده يمكن تغيرها إذا حكم العقل على إمكان إرادة ذلك الفعل منهم في زمان ما، وقد يحكم العقل أيضا على عدم إمكان ذلك في زمان آخر.
والجهة الثانية: أن تعميم القاعدة عند كانط تلزمه أن يعتبر فعلا ما واجبا في جميع الظروف، إذا لم يتقيد بمجموعة من البشر معينين، أو أمة محصورة، وهذا يستلزم أن يحكم على ذلك الفعل أنه واجب أو ممنوع دائما بلا قيد ولا شرط، ذلك منقوض بأن بعض الأفعال التي هي أشهر الأفعال المحكوم عليها بالحسن كالصدق أو بالقبح كالكذب، قد لا يحكم عليها بعض العقلاء بأنها دائما حسنة أو قبيحة، فقد يقبحون الصدق في بعض المواضع، وقد يحسنون الكذب في بعضها، وهذا ما يقدح في قاعدة كانط بإمكان التعميم، فهي تفضي إلى عدم إمكان التعميم في أمر ما، وهذا ناقض لأصل الأخلاق كلها، أو آيلٌ إلى القول بنسبيتها بالضرورة العملية.

سعيد فودة
20-12-2009, 23:38
مسألة الحسن القبح وعلاقتها بالأخلاق

لا يخفى مدى تعلق مسألة الحسن والقبح المبحوثة في علم أصول الفقه بأسس الأخلاق، ولذلك سنوجز الكلام هنا مكتفين بالإشارة الكافية.
الحسن والقبح عند علماء أصول الفقه يطلقان على أمور ثلاثة:
الأمر الاول: هو معنى الكمال والنقص، كالوجود كمال والعدم نقص، والعلم كمال والجهل نقص، وهذا الوصف بالكمال والنقص بالنظر لذات مفهوم الوجود والعلم، لا بالنظر لما يترتب عليه بالنسبة للفاعل. والعاقل يبحث عن الكمال لذات الكمال، فالإنسان يندفع من حيث كونه عاقلا فاهما لاكتساب ما يعتقد أنه كمال، فإذا اعتقد ان العلم كمال، بحث عنه، وإذا اعتقد أنه نقص تجنب العلم.
ولا يترتب على ذلك أنه يلزم أن يعاقَب من تجنب الكمال، أو أنه يلزم أن يثاب من اكتسبه، فالقائل بالحسن والقبح بهذا المعنى ليس بالضرورة أنه يقول باستلزامهما للثواب والعقاب، ولكنه يقول إن العقل الإنساني كافٍ في معرفة الحسن والقبح بهذا المعنى. أما ترتيب الثواب على الحسن والعقاب على القبيح، فمسألة أخرى.
الأمر الثاني: ما يلائم الطبع وما ينافره، كملاءمة الحلو للطبع، ومنافرة المرّ له، فلا شك أن الإنسان بحسب ما له من جهات إدراك يعرف ما يلائمه وما لا يلائمه بهذا المعنى، ولا يتوقف معرفته لذلك على تعريف غيره له بذلك.
وهذا المعنى يمكن إدراكه بالعقل بلا توقف على الشرع والنقل كما لا يخفى، ولكن لا يترتب على إدراكه ترتيب عقاب ولا ثواب على حالة الفعل والترك على مذهب أهل السنة، أما على مذهب غيرهم فقد يترتب.
والأمر الثالث: ترتب العقاب والثواب على الفعل، وهذا عند الأشاعرة لا يكون إلا بالنقل، ولا يكون أبدا بالعقل، فيقال إن الفعل الفلاني حسن بمعنى إنه يترتب الثواب على فعله، أو إنه مأمور به، ويقال إن الفعل الفلاني قبيح بمعنى إن العقاب يترتب على فعله، أو إنه منهي عنه، والآمر الناهي هو الله تعالى وهو خالق الخلق جميعاً، وقد أجمع أهل السنة أن لا أحد يصح له أن يرتب الثواب والعقاب على فعل إلا الله تعالى، لأنه هو المتصرف بالخلق جميعا، ولا يصح لغيره أن يقوم بذلك، لأنه إن قام بهذا الأمر يضع نفسه موضع الإله، وهذا نوع إشراك في الإلهية أو في أحد خصائصها وهو الحاكمية، فلا حكم إلا من الله تعالى، ولا حكم إلا لله تعالى. فلا يحلُّ لفرد أو جماعة أن يحكم في غيره بهذا المعنى إلا بتحكيم الله تعالى له.
وعند المعتزلة هذا المعنى يدرك بالعقل أيضا، ولا يتوقف إثباته ولا ثبوته على الشارع، فهو غير موضوع بالإرادة، بل هو ذاتي للأشياء إما لصفات أو اعتبارات، وعلى مذهب المعتزلة فإن الله تعالى لا يحكم بخلاف العقل أبداً، ولذلك فكما أن العقل كاشف عن الحكم، فالشرع كاشف أيضاً، لا مثبت، وهناك تطابق بين الحكم العقلي والنقلي في هذا الباب.
فمذهب المعتزلة يرجع إذن إلى نوع من القول بأن للأحكام والقيم نوعا من الموضوعية الذاتية، وهذه الموضوعية لا تستند إلى وضع واضع، ولا إلى إرادة مريد.
ويرد عليهم ما يرد على أصحاب هذا المذهب، والكلام في مذهبهم مشهور معروف في كتب أصول الفقه، وفي فلسفة القيم أو الأخلاق.
قال الإمام الآمدي في كتابه الإحكام في أصول الفقه:"مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الافعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح عندهم باعتبارات ثلاثة، إضافية غير حقيقية.
أولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه.
وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الاغراض، بخلاف اتصاف المحل بالسواد والبياض.
وثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل فيه أفعال الله تعالى، والواجبات والمندوبات، دون المباحات.
وإطلاق اسم القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام، دون المكروه والمباح، وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الافعال.
وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به، والقدرة عليه أن
يفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله.
وهو أعم من الاعتبار الاول لدخول المباح فيه.
والقبيح في مقابلته، ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف الاحوال، فلا يكون ذاتيا.
وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الاول والثالث، وبعده بالاعتبارات الثلاثة.
وذهب المعتزلة، والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وغيرهم إلى أن الافعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل، كحسن الايمان، وقبح الكفران، أو بنظره كحسن الصدق المضرة، وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا:
فزعمت الاوائل من المعتزلة أن الحسن، والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه وقبحه، ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون الحسن.
ونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى للحسن والقبيح، أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام"اهـ.
وهكذا نرى أن البحث في القيم وأساسها ليس مخصوصا في فلسفةا لقيم أو الأخلاق، كما يتوهم بعض الناس الذين لم يطلعوا على بحوث علماء الأصول، بل إن كثيرا من مذاهب الفلاسفة المحدثين ترجع بنحو أو آخر إلى رأي من آراء المتكلمين على اختلاف فرقهم.
وليس قولنا هذا من باب المسارعة إلى دعوى:"أننا اكتشفنا هذا قبلهم!" كما ربما يتصور بعض الغافلين، بل إن هذا هو الواقع والمتحقق الذي بنيت عليه مذاهب المتقدمين من المتكلمين، وقامت عليها مذاهب فقهية أيضا وأخلاقية، وتمَّ تأصيلها على مذاهب عقائدية كما هو معلوم، وكون بعض المنتسبين إلى أهل الإسلام جاهلين بذلك كله لا يستلزم منا نفيه من الوجود.
ولا شكَّ أن ما ذكرناه هنا مجرد إشارات من هذا المبحث العظيم القدر، العميم الفائدة في العقيدة والفقه وفي السلوك، خلافا لمن توهم أنه لا فائدة منه في أصول الفقه، مع معرفته أن العلماء المحققين ذكروه في مبادئ فن الأصول، ولا يذكرونه كذلك إلا مع علمهم بما له من فائدة في بناء هذا العلم، ولا ينكر أحد فائدة علم الأصول لعلم الفقه، فهو قواعده التي يبنى عليها، وما كان مفيدا في الأصول فهو مفيد أيضاً في الفقه، كما هو واضح، مع ذلك كله نرى بعض المعاصرين يبادرون إلى القول بضرورة حذف مسألة أو بعض المسائل من مبادئ الأصول من علم أصول الفقه بدعوى أنها مما زيد منه وليس منه، ويا ليت هؤلاء يبحثون هذه المسائل في علم آخر، بل إنهم تركوا البحث فيها من أساسها، فلم يدرسوها في أصول الفقه، ولا هم يدرسون بل لا يعرفون علم الكلام، فصارت المسألة منقطعة مقطوعة في ثقافتنا المعاصرة، لا نرى أحدا يذكرها، إلا من تشرب ببعض مذاهب فلاسفة الغربي المعاصرين والمحدثين الذين علموا أهميتها، فلم يهملوها! ثم صرنا نرى بعض أهل الإسلام يستوردون هذه المسألة مرة أخرى من الغربيين بحجة ضرورة الاطلاع على إبداعاتهم في فلسفة القيم والأخلاق! فيا للعجب ويا للدهشة!
وأسأل الله تعالى أن يكون ما ذكرته هنا مشتملا على فائدة تستوجب الدعاء لي بالخير والستر في الدنيا والآخرة والمغفرة والتوفيق.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين.
كتبه
سعيد فودة

يونس حديبي العامري
29-12-2009, 10:35
بسم الله الرّحمن الرحيم
نسأل العظيم ربّ العرش العظيم أن يرضيك في أهلك ومالك وبارك الله فيكم وبكم شيخنا الأستاذ الفاضل على تفضلكم....

مصطفى حامد بن سميط
30-03-2010, 08:41
ادامكم سيدي سعيد ذخرا لنا

موسى البلوشي
02-05-2010, 22:41
بارك الله فيكم ونفع بكم



..

موسى البلوشي
03-05-2010, 19:43
نعم يا أخي العزيز بلال،
يوجد بعض مذاهب المتفلسفة في هذا الزمان من ينادي بأن لا فكر وراء اللغة، بل يجعلون الفكر هو اللغة...
وبهذا يتميز مذهبنا عنهم...
والماركسية نعم ما عزوته إليهم مسألة مشهورة بينهم كانت عنوانا يبتدئون به كلامهم مع الناس ....

نعم صدقت يا سيدي .. جزاكم الله خيرا .