المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقل وتفسير المنار



محمد ال عمر التمر
17-01-2007, 16:50
للدكتور أحمد الشرباصي هذا المقال حول تفسير المنار المشهور لرشيد رضا نشر عام 1970 م في مجلة الوعي الإسلامي.

العقل في تفسير المنار:

الاحتكام إلى العقل ظاهرة واضحة في تفسير المنار وفي القدر المشترك بين محمد عبده ورشيد رضا على وجه التخصيص.
ورشيد رضا يرى أن أصول الدين في العقائد وحكمة التشريع مبنية على إدراك العقل لها، واستبانته لما فيها من الحق والعدل ومصالح العباد وسد ذرائع الفساد
ومن أمثلة الجنوح إلى العقل في تفسير المنار القول بأن جنة آدم وحواء التي كانا فيها ثم اخرجا منها هي بستان من البساتين كان آدم وزوجه منعّمين فيها. وأنه ليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها.
ويعتمد التفسير هنا على أن الجنة كما يفهمها أهل اللغة هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه.
وكذلك من أمثلة الجنوح إلى العقل في تفسير المنار أن يقرر أنه ليس هناك نص على أن حواء خُلقت ن ضلع آدم وأن قوله تعالى: {وخلق منها زوجها ليس نصا في ذلك، لأن المعنى خلق من جنسها مثل قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} وأما الحديث الذي يقول: فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج فهو على حد قوله تعالى خلق الإنسان من عجل} ومن أمثلة ذلك أيضا ما ذكره في تفسير المنار في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} حيث قال: الكلمات جمع كلمة وتُطلق على اللفظ المفرد وعلى الجمل المفيدة من الكلام، والمراد منها هنا مضمونها من أمر ونهي ثم جاء فيه بعد ذلك ولم يذكر الكلمات ما هي، ولا الإتمام كيف كان لأن العرب تفهم المراد بهذا الإبهام والإجمال وأن المقام مقام إثبات أن الله تعالى عامل إبراهيم معاملة المبتلى أي المختبر له لتظهر حقيقة حاله ويترتب عليها ما هو أثر لها، فظهر بهذا الابتلاء والاختبار فضله بإتمامه ما كلفه الله تعالى إياه وإتيانه به على وجه الكمال} هذا هو المتبادر ولكن المفسرين لم يألوا في تفسير الكلمات والخبط في تعيينها.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره في تفسيره عن قوله تعالى:{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} حيث اختار التفسير أن المصلى هنا موضع الصلاة بمعناها اللغوي العام وهو الدعاء والتوجه إلى الله تعالى وعبادته مطلقا وقال رشيد أن حمل الصلاة على معناها اللغوي أظهر.
ومن اللمحات العقلية اللغوية البلاغية الرائعة ما جاء في تفسير المنار عن قوله تعالى:{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} حيث قال بعض المفسرين أن لفظ (مثل) هنا زائد ولكن صاحب تفسير المنار يعلق على ذلك بقوله: واستنكر الأستاذ الإمام أي الشيخ محمد عبده) ذلك واستكبره كعادته فإنه يخطئ كل من يقول أن في القرآن كلمة زائدة أو حرفا زائدا وقال: إن المثل هنا معنى لطيفا ونكتة دقيقة.
وذلك أن أهل الكتاب يؤمنون بالله وبما أنزل على الأنبياء ولكن طرأت على أيمانهم بالله نزغات الوثنية وأضاعوا لباب ما أنزل على الأنبياء وهو الإخلاص والتوحيد وتزكية النفس والتأليف بين الناس، وتمسكوا بالقشور وهي رسوم العبادات الظاهرة ونقصوا منها وزادوا عليها ما يبعد كلا منهم عن الآخر ويزيد في عداوته وبغضائه له، ففسقوا عن مقصد الدين من حيث يدّعون العمل بالدين.
فلما بين الله لنا حقيقة دين الأنبياء وأنه واحد لا خلاف فيه ولا تفريق، وأن هؤلاء الذين يدّعون إتّباع الأنبياء قد ضلوا عنه فوقعوا في الخلاف والشقاق، أمرنا سبحانه تعالى أن ندعوهم إلى الإيمان الصحيح بالله وبما أنزل على النبيين والمرسلين بأن يؤمنوا بمثل ما نؤمن نحن به لا بما هم عليه من ادعاء حلول الله في بعض البشر وكون رسولهم إلها أو ابن الله ومن التفرق والشقاق لأجل الخلاف في بعض الرسوم والتقاليد.
فالذين يؤمنون به في الله ليس مثل الذي نؤمن به، فنحن نؤمن بالتنزيه وهو يؤمنون بالتشبيه، وعلى ذلك القياس.
فلو قال: {فإن آمنوا بالله وبما أنزل على أولئك النبيين وما أوتوه، فقد اهتدوا، لكان لهم أن يجادلوا بقولهم: إننا نحن المؤمنون بذلك دونكم، ولفظ (مثل) هو الذي يقطع عرق الجدل.

على أن المساواة في الإيمان بين شخصين، بحيث يكون إيمان أحدهما كإيمان الآخر، في صفته وقوته وانطباقه على المؤمن به، وما يكون في نفس كل منهما من متعلق الإيمان يكاد يكون محالا، فكيف يتساوى إيمان أمم وشعوب كثيرة، مع الخلاف العظيم في طرق التعليم والتربية والفهم الإدراك.
ولو كانت القراءة: (فإن آمنوا بما آمنتم به) كما روي عن ابن عباس في الشواذ، كان الأولى أن يقدّر (المثل ) فكيف نقول – وقد ورد لفظ (مثل) متواترا: أنه زائد ؟
ومن أمثلة استخدام العقل في تفسير المنار ما جاء فيه بشأن الحجر الأسود حيث قرر أنه لا مزية له في ذاته فهو كسائر الحجارة وإنما استلامه أمر تعبدي في معنى استقبال الكعبة وجعل التوجه إليها توجها إلى الله الذي لا يحدده مكان ولا تحصره جهة من الجهات.
وكذلك ما جاء في تفسير المنار عن صخرة بيت المقدس، حيث ذكر أنها ليست بأفضل من سائر الصخور في مادتها وجوهرها وليس لها منافع أو خواص لا توجد في غيرها ولا هيكل سليمان نفسه من حيث هو حجر وطين أفضل من سائر الأبنية وكذلك يُقال في الكعبة والبيت الحرام.
ولا شك أن تفسير النص القرآني في ضوء العقل وفقه اللغة العربية التي نزل بها القرآن، يعطي الإسلام قوة وصلابة عند الذين يعتزّون بالعقل والعلم المادي ولذلك يروي السيد رشيد رضا أن أحد النوابغ من رجال القضاء الأذكياء قال الأستاذ الإمام (يقصد الشيخ محمد عبده): " إنك بتفسيرك القرآن بالبيان الذي يقبله العقل ولا يأباه العلم، قد قطعت الظن على الذين يظنون أنه قد اقترب الوقت الذي يهدمون فيه الدين ويستريحون من قيوده، وجهل رجاله وجمودهم"
ويعلق السيد رشيد على هذا بأنه اتبع طريقة العقل من بعض المنكرين لوجود الله تعالى، فلم يستطيعوا لها دحضا.
ولكن مدرسة تفسير المنار التي جعلت من أهدافها التوفيق بين الدين والعقل أصابها طائف من المبالغة، حيث أسرفت أحيانا في الخضوع للعقل، وهو أمام الغيب قاصر مهما كانت قوته وأسرفت أحيانا في الحذر والاحتراس من تقبّل الغيبيات والتسليم بها، وأذا كان الناس قد حمدوا لها تحديد نطاق الخوارق والغيبيات في تفسير القرآن الكريم والتوفيق بين كلام الله وسنته الكونية المألوفة ومقاومتها طوفان الخرافات والاسرائيليات والأساطير التي تسربت إلى رحاب التفسير، واستعانتها بمقررات العلم الحديث في اقناع أهله بالدين وتعاليمه.
إذا كان الناس قد حمدوا لها ذلك كله فإنهم قد فزعوا حين رأوا الأمر قد زاد عن حدّه، فكاد ينقلب إلى ضده، ومن أمثلة المبالغة في تحكيم العقل في تفسير المنار ذكره أن الملائكة هي القوى والأفكار الموجودة في النفوس ,ان المراد بسجود الملائكة لآدم هو تسخير القوى للإنسان في هذه الحياة، وأن قصة آدم بما فيها من محاورة الملائكة، وتعليمه الأسماء وسجود الملائكة له إلخ، هي من باب التمثيل لا أنها وقعت بالفعل... الخ
والعجيب إن السيد محمد رشيد رضا قد أشار إلى خطأ من يقول أن الدليل العقلي هو الأصل، فيرد إليه الدليل السمعي، ويجب تأويله لأجل موافقته له مطلقا، ويعلق رشيد على هذا بقوله:
" والحق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أن كلا من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا، حتى نرجح أحدهما على الآخر، وإذا تعارض ظني مع قطعي، وجب ترجيح القطعي مطلقا، وإذا تعارض طني مع طني من كل منهما رجحنا المنقول على المعقول لأن ما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جدا"

ليت ما في تفسير المنار كله خضع لهذه القاعدة المعتدلة المستقيمة.

والعجيب أيضا أن الدكتور طه حسين قال لي عن إخضاع التفسير للعقل: "لي على الشيخ محمد عبده اعتراض، فإن تأويله لنصوص القرآن، وحرصه على أن يكون نص القرآن ملائما كل الملائمة للعلم الحديث، مما أخالفه فيه، فهو مثلا يقول عن الحجارة الموصوفة في سورة الفيل بأنها من سجيل أنها جراثيم وهذا توسيع في تحكيم العقل، والمسلمون الأوائل وهم صحابة الرسول لم يفهموا هذا.
والله يفعل ما يشاء ولكن الإنسان يفعل ما يستطيع، والإنسان الآن قد وصل إلى القنبلة الذرية والهيدروجينية والغازات السامة، مما لم يكن العرب يعرفونه في ذلك الوقت فالله يخبرنا بأنه أرسل حجارة من سجيل ولا بد أن آخذ القرآن بلا تأويل وأن أقبل النص القرآني كما هو والعلم لم يحط بكل شيء والله وحده هو الذي يعلم كل شيء"
ثم أضاف د. طه حسين قوله" إن بعض المستشرقين يذهب مع هذا المذهب فيقول إن الفيل لم يكن فيلا بل كان قائدا من قواد الروم جاء مع أبرهة واسمه افيلاس وقد سمعت هذا من المسيو جاستون فييت الذي كان مديرا لدار الآثار العربية.

إشارات اجتماعية وسياسية :

من الأمور التي لاحظتها في تفسير المنار أن رشيدا كان ينتهز فرص التفسير ليضع في كلامه إشارات اجتماعية أو سياسية، تتعلق بالوطن العربي، أو العالم الإسلامي ومن أمثلة ذلك أنه في الجزء الأول يشير إلى النزعة الفرعونية التي بدت من بعض المصريين، ودفعتهم إلى بغض إخوانهم في اللغة والدين ممن هاجروا إلى مصر وقال رشيد هذا سنة 1320 هـ (1902م).
ولما جاءت سنة 1346 هـ (1927م) أضاف إلى قوله السابق أن تلك النزعة الفرعونية قد قويت عند القبط وزنادقة المسلمين ورشيد قد لقي متاعب من هؤلاء.
ومن أمثلة ذلك أيضا أنه تعرض في سورة الأعراف لتفسير قوله تعالى: {قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} وفي نهاية تفسيره للآية قال " اللهم تب على أمتنا وارفع عنها رجس الأجانب الطامعين، وأعوانهم المنافقين"

وهو قد قال هذا سنة 1338هـ (1919م) والاحتلال البريطاني جاثم على البلاد والثورة المصرية تجاهد لزحزحته وبعض الخونة يسير في ركاب الإنجليز.
ومن أمثلة ذلك أيضا أنه في تفسيره لسورة الأعراف يتحدث عن إباحة الحكومة المصرية للزنا وسكوت علماء الدين على ذلك ويقول إن هذا بإغواء الإفرنج كما يتحدث عن دعوة بعض المصريين إلى أن تكون حكومة مصر غير دينية، وأن تُلغى المحاكم الشرعية اقتداءا بالحكومة التركية وأن مصطفى كمال اتاتورك في الوقت نفسه استدل على جواز إقامة التماثيل شرعا بوجودها منصوبة في مصر.

وعندما يفسر السيد رشيد قوال الله تعالى في سورة هود {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} يعرّض بالملوك الجبارين في الأرض قبل انقراضهم
وعندي أن هذه الإشارات السياسية والاجتماعية لها قيمتها الكبيرة فهي تعطينا ملامح للعصر الذي عاش فيه رشيد، وتعرّفنا بالتيارات والأحداث التي كانت خلاله كما أننا نفهم منها أن رشيدا لم يكن بمعزل عن مجتمعه بل كان يمتزج به ويتعرف إليه ويحكم عليه وكان أيضا يستخدم كتابته حتى في التفسير للحث على ما يؤمن به وللتنفير مما يراه ضارا أو سيئا.
ومن المفيد جدا أن يتتبع متتبع هذه الإشارات خلال التفسير، وخلال آثار رشيد الأخرى وبذلك التتبع تتكامل صورة واضحة المعالم لتأثر رشيد بعصره وتأثيره في عصره ولجوانب هذا العصر بما فيه من اتجاهات وتيارات.

محمد ال عمر التمر
17-01-2007, 16:52
ملاحظات على تفسير المنار

ألاحظ على تفسير المنار ما يلي:
اولا: الاستطرادات الطويلة التي تسبه البحوث المستقلة، والتي توجد فجوات واسعة، تحول دون متابعة التفسير ورشيد نفسه يشير إلى هذه الاستطرادات ويقول: "واستحسن للقارئ أن يقرأ الفصول الاستطرادية وحدها في غير الوقت الذي يقرآ فيه التفسير"
ثانيا: الأسلوب الخطابي الذي يبدو أحيانا في تفسير المنار ولعل رشيدا نفسه قد أحس بهذا اللون الخطابي الذي يفتح الباب للتطويل الاسهاب فعمد إلى اختصار تفسير المنار في أجزاء موجزة تحت عنوان: التفسير المختصر المفيد الذي يمكن أن يزداد علمنا بأمره عن الحديث عن كتب رشيد رضا.
ثالثا: عدم الاستقرار أحيانا في التفسير، ومن أمثلة ذلك أنه تكلم عن السبب في عدم نزول: " بسم الله الرحمن الرحيم" في أول سورة التوبة فقال:
" ولذلك لم تنزل البسملة في أول سورة التوبة التي فضحت آياتها المنافقين وبُدئت بنبذ عهود المشركين وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزل فيما قبلها من أحكامه "
فنفهم من هذا أن عدم ذكر البسملة هو أن السورة منذرة وليست موطنا داعيا إلى التحدث عن الرحمة التي ذُكرت كثيرا في القرآن، ولكن رشيدا يعود في الجزء العاشر من التفسير إلى الحديث في الموضوع فلا يجعل هذا القول هو المختار، بل يقول عن سورة التوبة: ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها لأنها لم تنزل معها كما نزلت معم غيرها من سور، هذا هو المعتمد المختار في تعليله وقيل: رعاية لمن كان يقول أنها مع الانفال سورة واحدة والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر.
ففي الموطن الأول يلوّح لنا أن رشيدا قد اختار الرأي القائل بأن سورة التوبة حُذفت منها البسملة لأنها إنذار وتشريع قتال، وفي الموطن الأخير يرى أن المعتمد المختار غير ذلك، وكلمة المشهور التي ذكرها لا تقطع بأن هذا هو المعتمد، فقد يكون هناك قول مشهور، ومع ذلك لا يكون هو المعتمد المختار.
ومن أمثلة ذلك أيضا أنه تحدث في الجزء الأول من التفسير عن اسم الله الأعظم فقرر أن إسمي الحي والقيوم هما مع اسم الجلالة الله: " ما يعبر عنه بالاسم الأعظم وهو القول الراجح عندنا."
لكنه حينما بلغ تفسير قوله تعالى : " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " في الجزء الثالث قال كلاما لا يفيد تأكيده لما سبق أن قرره. أنه قال " وهذا الذي قلناه في بيان معنى (الحي القيوم) يجلى لمن وعاه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا هو الاسم الأعظم، أو قال ( أعظم أسماء الحي القيوم)، وقد أخرج أحمد وأبو دواد والترمذي وابن ماجه، عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (اسم الله الأعظم) في هاتين الأيتين: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} وفاتحة آل عمران {ألم(*) الله لا إله إلا هو الحي القيوم }
فهو في الموطن الأول صرح بأن الاسم الأعظم يتكون من ثلاثة أسماء: " الله، الحي ، القيوم " ولكنه في الموطن الأخير لم يصرح بذلك، بل أفهمنا أن الاسم الأعظم يتكون من اسمين هما الحي القيوم وإن كنا نستطيع أن نستنبط من الشواهد التي ذكرها الأسماء الثلاثة التي يتكون منها الاسم الأعظم.
رابعا: العجلة أحيانا في كتابة التفسير وعدم التهيؤ الكامل لصياغته بإتقان وإحسان وكل لون من ألوان الكتابة قد تحتمل فيه العجلة إلا كتاب الله العلي الأعلى فإنه يلزمه التدبر والاستعداد والتفرغ عند كتابة تفسيره.
ورشيد كما يحدثنا كان يكتب التفسير أحيانا وهو على سفر وهو مثلا يقول في حديثه عن رحلته إلى الحجاز " وتأخرت عنهم لإتمام ما كنت بدأت من كتابة نبذة من التفسير للمنار، لإرسالها مع البريد من جدة مع كتابة ما لا بد من كتابته إلى مصر"
وأغرب صور العجلة وقلة الاستقرار في كتابة رشيد للتفسير هو ما فعله في الجزء الخامس من تفسير المنار مما ترشدنا إليه عبارة ختم بها هذا الجزء وفيها يقول: " تم الجزء الخامس من التفسير وقد نُشر في المجلد الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من المنار بدأت كتابة هذا الجزء وأنا في القسطنطينية سنة 1328هـ، ففاتني تصحيح ما طبع منه في أُثناء رحلتي تلك، وأتممته في أثناء رحلتي هذا العام 1330 هـ إلى الهند ومنه ما كتبته في مسقط والكويت والعراق، وقد أتممته في المحجر الصحي بين حلب وحماة، في أوائل شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف، ونشر آخره في جزء المنار الذي صدر في آخر رمضان، ولم أقف على تصحيح شيء مما كتبته في هذه الرحلة أيضا"
لعل رشيدا أراد بهذا أن يشير إلى اقتداره على الكتابة وهو مشغول أو غير مستقر، أو لعله أراد بذلك أن يلتمس لنفسه الأعذار فيما يحدث من تقصي أو من هفوات الطبع، ومهما يكن الدافع فتفسير كتاب الله ينبغي له التفرغ والاستقرار.
ولا يستطيع عارف بقدر كتاب الله تعالى أن يرتضي خطة رشيد في كتابته التفسير التي يقول عنها: " وإننا نكتب التفسير دائما في وقت ضيق وتعطي ما نكتبه للمطبعة من غير قراءة ولا مراجعة، ثم لا نراه إلا عند تصحيح ما يُجمع في المطبعة وكلما جُمع شيء يُطبع، وإن لم تتم كتابة ما يتعلق به"
خامسا: انتقال تفسير المنار من مختصر إلى متوسط إلى طويل، فرشيد يذكر في نهاية تفسير الفاتحة المنشور في الجزء الأول من تفسير المنار أن غرضه الأول من كتابة تفسير الفاتحة ونشره في مجلة المنار كان بيان ما يستفيده من دروس شيخه الأستاذ الإمام (محمد عبده) مع شيء مما يفتح الله به عليه في إيجاز.
فاختصر فيما كتبه أولا، ولما طبع تفسير الفاتحة على حدته زاد فيه بعض الزيادات وكان قد بدا له أن يجعل هذا التفسير مطولا مستوفى ولما بدأ طبع الجزء الأول من التفسير وانتهى من طبع الصفحات الخاصة منه بتفسير الفاتحة عززه بفوائد ألحقها بآخر تفسير هذه السورة.
ولقد صرح رشيد في مواطن أخرى بأنه يدل تنقيحا وإضافة على التفسير بعد نشره في المجلة مثل أن يقول : " وبعد أن طبع تفسير تلك الآية في المنار نقحناه، وزدنا فيه فوائد أثبتناها في نسخة التفسير التي تطبع على حدتها "
ولو أن رشيدا كان في هذه التغييرات يسير على نظام محدد واضح لهان الخطب ولكنه تارة يضع الإضافة في وسط الكلام، وتارة يضعها في الهامش وتارة يجعلها في آخر الموضوع وتارة يجعلها في نهاية الجزء مع استدراكات أخرى.... إلخ.
التفسير بعد رشيد:
انتهى رشيد رضا رحمه الله في التفسير إلى الآية الحادية بعد المئة من سورة يوسف وهي: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين}
ثم لحق رشيد بربه وكان من حوارييه وأصدقائه العالم السوري الشيخ بهجة البيطار فواصل البيطار تفسير سورة يوسف حتى نهايتها وقد نشر تفسير هذه السورة مستقلا في كتاب كتب مقدمته الشيخ البيطار كما نشر في الجزء الثاني من المجلد الخامس والثلاثين من مجلة المنار.
ثم طلب الأستاذ محي الدين رضا ابن أخي رشيد رضا من الأستاذ البيطار أن يواصل كتابة التفسير لنشره في مجلة المنار التي أريد لها أن تستمر فاستجاب البيطار لذلك وبين يدي رسالة منه إلى الاستاذ محي الدين رضا بتاريخ 20 ربيع الأنور سنة 1355 هـ ومنها قوله " أما تمام هذه التفسير الكبير تفسير المنار المنير المنقطع النظير فأي مانع يمنعني منه لولا الشعور بالضعف التقصير ؟على أنني اعتزمت بحول الله وتوفيقه المضي في هذه السبيل: سبيل اتمامه.." الخ
ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه فلم يستمر صدور المنار طويلا وبوقوفه عن الصدور انقطع التفسير ثم حاول الاستاذ حسن البنا أن يواصل التفسير فيبدأ من حيث انتهى السيد رشيد رضا رحمه الله والأستاذ البيطار وكتب فعلا تفسيرا لجانب من سورة الرعد نشر في الأعداد الستة التي أصدرها من المنار بعد وفاة السيد رشيد كما عرفنا ثم وقف المنار عن الصدور فانقطع بذلك التفسير.

لؤي الخليلي الحنفي
17-01-2007, 17:18
هناك كتاب مفيد لمواضع الخلل في المنار للشيخ يوسف الدجوي الحنفي رحمه الله اسمه: صواعق من نار على صاحب المنار.

سعيد فودة
18-01-2007, 16:26
محمد رشيد رضا،
في تفسيره وكتاباته إشكالات عديدة، واتجاهه الفكري يتوجه عليه انتقادات عديدة ملفتة للنظر، ومن الغريب أن يقرره بعض أساتذة التفسير في مختلف الجامعات العربية ومنها بعض الجامعات الأردنية! ويحضون الطلاب عليه، ويتعاملون معه حتى كأنه مواز لتفاسير العلماء الراسخين، ويتكلمون عن محمد رشيد رضا باسم (الإمام) غافلين عن الانتقادات العديدة التي توجهت عليه.
وربما نفرد موضعا خاصا لبيان ذلك.
وقد يقول قائل، إن العديد من الكتاب قد أظهروا لمحمد رشيد رضا حسنات وحسنات، فما الداعي لأن نبين الإشكالات الواردة عليه؟
فالجواب : واضح،
فوجود حسنات له ولغيره مما لا ينكر، إذا تم بيان بعض ما وقع فيه، فإن هذا لا يستلزم مطلقا ردَّ ما أتى به من إيجابيات، فلكل ميزان. ولكن معرفة الجانبين يمكنان طالب العلم من معرفة السيد محمد رشيد رضا أكثر، ويمكنه من اتخاذ موقف أقرب إلى الصواب والصحة من تفسيره وسائر كتبه.... بعيدا عن المبالغة في التضخيم والانبهار وعن الاستهانة والاستخفاف....

والله الموفق.

جمال حسني الشرباتي
18-01-2007, 18:01
السلام عليكم

ومن الذي قرر تفسير المنار على الطلاب لو سمحت يا أستاذ سعيد؟؟

سعيد فودة
19-01-2007, 21:37
لو أردت أن أكتب اسمه الآن لكتبته ولم أكتف بالإشارة، وربما أكتبه لاحقا .........

محمد محمود فرج
18-03-2007, 11:47
تفسير المنار كاملا و بصيغة PDF

http://www.archive.org/details/tfseer_manar

عمر شمس الدين الجعبري
10-02-2019, 12:41
بارك الله في ساداتنا المشايخ