المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سبب الاختلاف الواقع بين العلماء في المسائل الاجتهادية



محمد ال عمر التمر
12-01-2007, 13:03
للإمام محمد المناوي الشافعي ت (803) هـ فصل في كتابه فرائد الفوائد حول اسباب اختلاف العلماء نقلته هنا:

سبب الاختلاف الواقع بين العلماء في المسائل الاجتهادية:
وذلك من وجوه ننبه على جملة منها ليستدل الناظر على ما سواها:
الوجه الأول: الاختلاف في مدلول الكلمة لغة:
كاختلافهم في أن الأمر عند تجرّده عن القرائن للوجوب أو الندب أو لقدر مشترك أو لغير ذلك.
وكاختلافهم في حمل اللفظ على أحد مدلوليه: كالقرء المشترك بين الطهر والحيض فيحمله الشافعي ي قوله تعالى {ثلاثة قروء} على الأطهار، والحنفية على الحيض.
وكاختلافهم في "أو" في قوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتّلوا....ُ} الآية.
ذهب قوم على أنه للتخيير وبه قال مالك فقال: الإمام مخيّر يفعل بقاطع الطريق أيها شاء، وذهب آخرون إلى أن "أو" هنا للتفصيل والتبعيض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة كما هو موضّح في كتب الفقه.

الوجه الثاني: اختلافهم في الناسخ والمنسوخ عند حصول ما يتعيّن فيه النسخ فيرى بعض أهل العلم أحدهما ناسخا ويرى الآخرون ذلك منسوخا.
كاختلافهم في قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد}، وقوله تعالى { إنا أحللنا لك أزواجك}، فرأى الشافعي الآية الثانية ناسخة، وهي مما تقدّم في سواد المصحف والتلاوة الناسخ على المنسوخ، ورآها الحنفية هي المنسوخة.

الوجه الثالث: في تعديل الراوي وتجريحه.
فيرى بعض العلماء أحد الرواة عدلا معتمدا كإبراهيم بن أبي يحيى، فيأخذ بحديثه ويراه آخرون مجروحا فيلغ ما يرويه من حديث وأثر.

الوجه الرابع: اختلافهم في المرجّحات عند التعارض.
فيرى قوم أحد المعارضين أولى بالمصير إليه من الآخر، ويراه آخرون مفضولا، كما إذا تعارض عمل أهل المدينة وخبر الواحد فيقدم المالكية عمل أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ويعكسه آخرون، كتقديمنا خبر خيار المجلس على عمل أهل المدينة. وكتعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، ونحو ذلك.
ومادة الاختلاف العام: الاختلاف في الأدلة التي ينشأ عنها الأحكام، كالقول بالعموم وعدمه أو مفهوم المخالفة من صفة وشرط ونحو ذلك، وعود الاستثناء إذا اتفقت الجمل على الجميع أو الأخيرة ؟ وأن الاستثناء يجب أن يبقى بعده أكثر من المخرج، أو يجوز أن يبقى الأقل ؟
وكاختلافهم في أن علة الحكم في الأصل ماذا ؟ فيلحق كل فريق ما شارك الأصل فيما رآه العلة في الحكم المعلل.
وكاختلافهم في تغليب إحدى الشائبتين على الأخرى: كالعبد من حيث أنه مملوك يشبه البهيمة فلا يملك، ومن حيث أنه مكلّف متأهل لكثير من الأحكام يشبه الحر فيملك، لأن الملك نعمة، وهو منْعَم عليه بنعم لا تحصى.
وكاختلافهم في الحوالة يغلب فيها شائبة الاستيفاء أو المعاوضة، وإن اللقطة اكتساب أو أمانة وولاية.
وكالمبعّض فيه الرق والحرية، فيجري عليه تارة حكم الأرقاء، وتارة حكم الأحرار، بحسب خصوص المادة إن كانت ذات كمال يتوقف على الحرية امتنعت على المبعّض وإن لم تكن، ولم يكن الرق مانعا من ذلك لم يمتنع الحكم للمبعّض، وفي ذلك تفاريع منتشرة.
وكالمكاتب فيه شائبة الحرية لتمكنه من المعاملة مع سيده، وثبوت الملك له وشائبة الرق لأنه لا يُحكم له بحرية مادام عليه درهم وهو بسبيل من العجز أو التعجيز.
وكاختلافهم في مانع السبب من التأثير: كالدين على من ملك المال الزكوي، فيراه بعضهم مانعا، فإنه يذهب حقيقة اليسار، ومقتضاه عدم لزوم الزكاة، فإنها وجبت ليواسي الغني الفقير ببعض ما يستغني عنه. ويراه بعضهم ليس بمانع، فيوجب الزكاة لوجود ملك النصاب.
وكاختلافهم في الإجماع السكوتي بناء على أن الساكت لا يُنسب إليه قول، فلا يكون إجماعا، أو أنه يمتنع السكوت عند المخالفة مع توفر الدواعي على المخالفة، فيدل السكوت على الموافقة، حيث لا يكون الساكت في مهلة النظر.
وكما إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران متعارضان، وجهلنا التاريخ، وأحدهما أغلظ، العمل بالأشد أو بالأخف ؟
وكاختلافهم فيما يسوغ به تخصيص العموم، على القول بإثبات العموم.
وكاختلافهم فيما تعم به البلوى هل يعمل فيه بخبر الواحد أم لا ؟
وإذا تأمل الناظر في مأخذ الشريعة وأدلتها واختلاف المجتهدين، وما أبدوه حججا لهم، يتفتح له مسوغ اختلافهم، لأنه لما كانت الأدلة منحصرة في الكتاب والسنة بطريق الأصالة وما ألحق بهما من الإجماع والقياس يرجع إليهما، وكانت نتائج القياس عند استجماع شروطه معرفة أحكام جميع الحوادث، وأخذ الأحكام من أدلتها هو العلم المطلوب والأسباب المقتضية لإثبات الأحكام حصل فيها الاختلاف فيلزم الاختلاف في المسببات، فلا جرم أنه صار من العلماء الاختلاف، لأن الأحكام كما تُثبِت لزوم العمل بها عن الأدلة القطعية، يثبت أيضا عن الأمارات الظنية، والأمارات يحصل فيها الاضطراب والاختلاف، فيحصل بسبب ذلك في كثير من المسائل الخلاف.
فإن قلنا: المصيب في مسائل الاختلاف التي يجوز الاختلاف فيها واحد، فمن صادفه بعد استفراغ وسعه مع تهيئته للإدراك، فهو مأجور أجرين، ومن فاته فهو مأجور أجرا واحدا على طلبه الصواب أو على قصده إياه فيه اختلاف بين أصحابنا، وإن قلنا كل مجتهد مصيب، فإنما يحكم بالإصابة لمن سلك الطريق فلا إصابة لمن أقدم على غير بصيرة وكلب الحكم بغير دراية.
ومما يوقع الاختلاف أن يكون في الباب حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي القواعد ما يقتضي حكما مخالفا له لو لم يرد فيعمل بتلك القواعد من لم يبلغه الحديث وذهب إلى الحديث من وصل إليه الحديث لم يقل بما قال، وبعد ثبوت الحديث يظن بعض أتباع المجتهد المخالف لمقتضاه، أنه إنما علمه وعنده عذر في عدم المصير إليه، أو أنه لو بلغه لقال به فيختلف أصحاب المجتهد من أجل ذلك، وقد قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه بتوفيق الله له: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وكنت في مجلس وفيه بعض المخالفين، فذكر ما نُقل عن إمامنا الشافعي من هذه المقالة، فقال بعض المخالفين المتعصبين: لا اختصاص للشافعي بذلك، بل كل واحد من الأئمة يكون كذلك.
فقلت له: ليس الأمر كما قلتَ، بل هذه للشافعي خاصة، ومن أخذ بقوله ألا ترى أن بعض العلماء يُقدّم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح وبعضهم يقدّم القياس وعمل الرواي إذا خالف الحديث، وبعضهم يقدّم تفسير الراوي إذا خالف الحديث وإن كان مخالفا لظاهر اللفظ على ظاهر لفظ الحديث، وكل ذلك الشافعي برء منه، فلم يصح هذه المقالة لغيره، ولا قال بها أحد سواه ومن وافقه.
وقد ينشأ الاختلاف من رواية الحديث بالمعنى عند مجوّزه، ويحصل الاختلاف في فهم المعنى، فيروي كلٌّ حسب فهمه وقد يحل الاختلاف في معنى في الفروع يراه بعضهم فرقا يمتنع به الإلحاق ويلغيه آخرون فيحكمون بإلحاق الفرع بالأصل في الحكم الثابت.

وقد فهمت أيها الناظر أرشدني الله وإياك مسوغ الاختلاف وسببه، والمقصود طاعة للاه لموافقة أمره ليقوم المكلف بما عليه من فعل المأمورات، وترك المحظورات، وإيصال الحقوق لأهلها حيث جعلهم الشرع أهلها.

ثم ذكر المصنف مثالا للاختلاف:

مسألة بيع وشرط
وقد حكى عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فقلت لأبي حنيفة ما تقول في رجل بع بيعا وشرط شرطا.
فقال البيع باطل والشرط باطل.
ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز.
فقلت: سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة هذا الاختلاف؟

فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالاه، أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم" نهى عن بيع وشرط"، البيع باطل والشرط باطل.

ثم أتيت إلى ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشترى بريرة" وذكر الحديث المتضمن للإذن في شرائها، واشتراط الولاء لهم، ثم أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الشرط وأمضى البيع، فالبيع جائز والشرط باطل.
ثم أتيت ابن شُبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا، وروى حديث جابر " أنه باع النبي صلى الله عليه وسلم جَمَلَه وشرط ظهره إلى المدينة " قال: فالبيع جائز والشرط جائز.
فأخذ كل إمام بظاهر حديث وبهذا السبب وقع اختلاف عظيم بين الأئمة وقد توسط إمامنا الشافعي رضي الله عنه فلم يُجر شيئا من هذه الأحاديث على إطلاقه بل جمع بين الأحاديث وعمل بها، وفصّل تفصيلا حسنا وهو مبسوط في كتب الفقه. والله أعلم.