المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملخص كتاب المضاربة من المحيط البرهاني



لؤي الخليلي الحنفي
06-01-2007, 09:57
تلخيص
كتاب المضاربة من المحيط البرهاني لمسائل المبسوط
والجامعين والسير والزيادات والنوادر والفتاوى والواقعات مدللة بدلائل المتقدمين رحمهم الله.
للإمام بهان الدين أبي المعالي محمود بن صدر الشريعة ابن مازة البخاري
رحمه الله 551هـ/616هـ






يقع كتاب المضاربة في المجلد 18 من طبعة
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية/باكستان
الطبعة الأولى 1424 هـ
ويقع ما بين الصفحات 117- 344



اشتمل كتاب المضاربة في المحيط البرهاني على ثلاثين فصلا، سنتطرق على أهمها من حيث مساس الحاجة إليه .
* الفصل الأول: بيان شرائط المضاربة، وحكمها.
شرائط المضاربة خمس:
الأول: أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد أن يكون راس المال دراهم، أو دنانير، أو فلوساً رائجة.
الثاني : أن يكون رأس المال معلوم المقدار .
الثالث : أن يكون رأس المال عيناً لا ديناً، فالمضاربة بالديون لا تصح؛ لان سبيل مال المضاربة أن يكون امانة؛ لأنه أمين في حق رأس المال، ولا يتصور أن يكون المضارب أميناً فيما عليه من الدين، لا قبل قبضه من نفسه ولا بعد قبضه من نفسه.
الرابع: أن يكون رأس مال المضاربة مسلماً إلى المضارب وذلك لوجوه:
·أحدهما: أن في المضاربة معنى الإجارة من حيث أنه شرط للمضارب بدلاً بإزاء عمله وهو الربح فيجب العمل فيها بمعنى الإجارة؛ لان تسليم العمل في الإجارة شرط جوازها
·. الثاني: ان جواز المضاربة بخلاف القياس بالنص فإنما تجوز إذا استجمعت المضاربة جميع شرائطها التي ورد بها النص
· الثالث: أن المضاربة انعقدت على رأس المال من كل جانب، والعمل من الجانب الآخر، فيجب أن يخلص اليد للمضارب على المال.
الخامس: أن يكون نصيب المضارب من الربح معلوماً على وجه لا تنقطع به الشركة في الربح؛ لان المضاربة جوزت بخلاف القياس بالنص بطريق الشركة في الربح، فإذا شرط للمضارب ما يقطع الشركة لم يكن مقتضى ما ورد به النص، فيرد إلى ما يقتضيه القياس..

حكمها:
حكم المضاربة شرعاً صيرورة المضارب وكيلاً بعد تسليم رأس المال إليه؛ لأنه أمره بالشراء، ويكون رأس المال في يده أمانة؛ لأنه قبضه بإذن مالكه، وكان بمنزلة المودع، فإذا ظهر الربح يصير شريكاً؛ لأنه يستحق بعض الربح. لهذا قال مشايخنا: أن المضاربة في ابتدائها إيداع، وعند الشروع في العمل وكالة، وإذا ظهر الربح في الانتهاء يصير شركة، وإذا خالف المضارب يصير غصباً، وإذا فسدت صارت إجارة فاسدة.(2)

* الفصل الثاني: فيما يكون مضاربة بغير لفظها.
دفع إلى غيره ألف درهم مقارضة بالنصف فذلك جائز، وهي مضاربة ؛ لأن المقارضة لفظان ينبئان عن معنى واحد، ألا أن المضاربة لغة أهل العراق، والمقارضة لغة أهل الحجاز ، فصار ذكر المضاربة والمقارضة سواء، كمن قال لآخر: هذا المال لك هبة، أو عطية كانا سواء؛ لأنهما ينبئان عن معنى واحد.
وإنما سميت المضاربة مقارضة؛ لان فيها معنى القرض؛ لان المضارب أخذ من رب المال رأس ماله؛ لينتفع به ثم يرد عليه مثله وهذا هو معنى القرض.
وكذا لو قال خذ هذه الألف معاملة بالنصف يكون مضاربة؛ لأنه جاز أن يسمى هذا العقد مضاربة لما فيها من الضرب في الأرض للتقلب والتصرف جاز أن يسمى معاملة لما فيها من العمل، وهو البيع والشراء، بل أولى لأن المضاربة لا تنفك عن البيع والشراء، وتنفك عن الضرب في الأرض؛ لأنه قد يتحقق البيع والشراء بدون السفر.
وكذا لو قال: خذ هذه الألف، واعمل بها على أن ما رزق الله من شيء فهو بيننا نصفان؛ لانه ذكر جميع معنى المضاربة، فإن معناها أن يشتري ويبيع، واسم العمل يتناول البيع والشراء.
ولو قال :خذ هذه الألف واعمل بها بالنصف، أو بالثلث، أو بالعشر فالقياس أن تكون المضاربة فاسدة وجازت استحساناً، وجه القياس أنه لم يذكر المضاربة لفظاً ولا جميع معانيها، والعقد يثبت باللفظ أو ذكر جميع معانيه. وهذا بخلاف ما لو قال: خذها مضاربة بالنصف جازت قياسا واستحسانا، وإن لم يذكر النصف من الربح؛ لأنه ذكر لفظة المضاربة فصار النصف من الربح مذكورا مقتضى المضاربة فجازت قياسا واستحسانا لاستجماعها شرائط الجواز.

* الفصل الثالث: بيان ما يجوز من المضاربة من غير تسمية الربح فيها نصاً ولا يجوز.- من دفع إلى غيره ألف درهم مضاربة على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما، ولم يزد على هذا شيئا، فإنه يكون مضاربة جائزة ؛ لأن كلمة "بين" في اللغة كلمة التنصيف.
* الفصل الرابع: في بيان ما لا يكون مضاربة مع لفظها.-
من دفع إلى إلى غيره ألف درهم مضاربة على أن ما رزق الله تعالى من شيء في ذلك، فذلك كله للمضارب، فقبض المضارب المال على هذا الشرط وربح أو وضع أو هلك المال بعد ما قبضه المضارب قبل أن يعمل به كان الربح للمضارب، والوضيعة والهلاك عليه؛ لأن هذان العقدان كان مضاربة لفظاً، وهو قرض معنى؛ لأن رب المال شرط جميع الربح للمضارب، ولن يصير جميع الربح للمضارب إلا بعد أن يكون رأس المال للمضارب خاصة. وهذا هو قول محمد رحمه الله .
فإن قيل هذا العقد إن كان قرضا معنى، فهو مضاربة لفظاً، فلم كان اعتبار المعنى أولى من اعتبار اللفظ.
قلنا: نحن نعتبر اللفظ والمعنى جميعا، فنعتبره مضاربة ابتداء قرضا انتهاء، إذ القرض يرد على المضاربة، فإن من دفع إلى رجل دراهم مضاربة وسلمها إليه، ثم رب المال قرض تلك الدراهم من المضارب جاز، وتصير الدراهم قرضا، فعملنا باللفظ والمعنى، فقلنا: إن هذا العقد ينعقد مضاربة في الابتداء، ثم يصير قرضا بعد ما قبضه المضارب، فهذا من باب العمل بالمعنى واللفظ، لا من باب الترجيح للمعنى على اللفظ.

الفصل الخامس: في المضاربة يشترط فيها الربح لأحدهما ويسكت عن الآخر.* -
إذا دفع الرجل إلى غيره ألف درهم مضاربة على أن للمضارب نصف الربح، أو قال ثلثه، ولم يتعرض لجانب رب المال فالمضاربة جائزة وللمضارب ما شرط له، والباقي لرب المال؛ لأن البيان والشرط إنما يعتبران في جانب المضارب لا في جانب رب المال.
- لو قال: على أن لربّ المال نصفه أو قال ثلثه، ولم يبين للمضارب شيئاً فالقياس أن تفسد المضاربة، وفي الاستحسان يجوز، ويكون للمضارب الباقي بعد نصف ربّ المال. ووجه ذلك أن تخصيص رب المال نفسه بالنصف أو الثلث، فيجب أن يكون لهذا التخصيص فائدة. فلمالم يصر بياناً للمضارب فكان لغواً، ولا يلغى كلام العاقل ما أمكن.
- وكذا من قال لغيره خذ هذه الألف مضاربة بالنصف أو ما أشبه فالمضاربة جائزة ؛ لأن نصيب المضارب مشروط دلالة، والثابت دلالة والثابت نصاً سواء. ووجه الدلالة أنه قرن النصف بحرف الباء وهو إنما يصحب الأبدال، فيكون مشروطا لمن يستحقه بطريق البدل.
* الفصل السادس:في شرائط الربح لثالث.
* إذا شرط بعض الربح لغير المضارب ورب المال فهو على وجوه:
- إذا شرط ذلك لأجنبي، وفي هذا الوجه إن شرط عمل الأجنبي فالمضاربة جائزة، ويصير رب المال دافعا المال مضاربة إلى رجلين، وإن لم يشترط عمل الأجنبي، فالمضاربة جائزة والشرط باطل، ويجعل المشروط للأجنبي كالمسكوت عنه، فيكون لرب المال. وهذا لأنه لا يمكن تصحيح هذا الشرط للأجنبي إذا لم يشترط عمله؛ لأن الربح إنما يستحق إما برأس المال أو بالعمل، ولم يوجد من ذلك في حق الأجنبي فيجعل كالمسكوت عنه.
- إذا شرط بعض الربح لبعض من لا تقبل شهادة المضارب له، أو شهادة رب المال له نحو الابن والمرأة والمكاتب ومن أشبههم. فالجواب فيه كالجواب فيما إذا شرط الربح لأجنبي.
- إذا شرط بعض الربح لقضاء دين المضارب، أو لقضاء دين رب المال فهو جائز ويكون المشروط له؛ لأن منفعته تعود إليه.
* الفصل السابع: في الرجل يدفع المال بعضه مضاربة وبعضه لا.-
إذا دفع الرجل إلى غيره ألف درهم وقال: نصفها عليك قرض، ونصفها معك مضاربة بالنصف، فأخذه على ذلك، فهو جائز على ما سمّى؛ لأنه جمع بين العقدين على المشاع، ولو أفرد كل واحد منهما على المشاع يجوز. وهذه المسألة نص على أن قرض المشاع جائز.
-إذا قال: خذ هذه الألف على أن نصفها قرض عليك، وعلى أن تعمل بالنصف الآخر والربح كله لي. يجوز مع الكراهة لأنه قرض جرّ نفعاً.

* الفصل الثامن: في بيان مايملك المضارب على ربّ المال في التصرفات وما لا يملك.-
إذا وقع مالاً مضاربة بالنصف، ولم يزد على هذا فهذه مضاربة مطلقة، وله أن يشتري بها ما بدا له من سائر التجارات، ويعمل ما هو من عادات التجار كالإبضاع والإيداع واستئجار الأجر للعمل في المال...، هذا هو لفظ القدوري. وما لم يكن من صنيع التجار، أو هو تجارة بوجه دون وجه فلا يملكه المضارب على رب المال. لذا قلنا لا يملك تزويج غلام المضاربة.
-لو استدان المضارب لم يجزعلى رب المال؛ لأن العقد انعقد على مال مقدرة، ومتى نفذت الاستدانة عليه ازدا المحل على ما يتناوله العقد وهذ لا يجوز. ولو كان رب المال أذن له في الاستدانة كان الدين عليهما نصفين.
-إن باع شيئا من مال المضاربة وأخر الثمن جاز على رب المال، ولا يضمن المضارب شيئا؛ لأن تأخر الثمن إن لم يك تجارة فإنه من صنع التجار.
-ولو دفع إلى رجلين ملاً مضاربة وقال: العملا فيه برأيكما، أولم يقل ذلك، فليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه.
-لو اشترى المضارب بمال المضاربة خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو دماً وهو يعلم أو لا يعلم فهو ضامن للدراهم التي دفع. ولو اشترى بيعاً فاسداً مما يملك إذا قبض فليس بمخالف؛ لأن الأمر بالتصرف عامّ فدخل فيه الصحيح والفاسد.

* الفصل التاسع: فيما يشترط على المضارب من الشروط؟ -
قال محمد: فيمن دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة، وهما بالكوفة، ولم يشترط على المضارب أن يعمل بالكوفة، فله أن يسافر بالمال، وإن اشترط عليه أن يعمل بها في الكوفة فليس له أن يعمل بها في غيره. والأصل أن رب المال متى شرط على المضارب شرطاً في المضاربة، إن كان شركاً لرب المال فيه فائدة، فإنه يصح الشرط؛ لأن فيه صيانة ماله من الخطر، وصيانة للمال عما يتوهم من الخيانة في جانب المضارب. ويجب على المضارب مراعاته والوفاء به، وإذا لم يف به صار مخالفا وعاملاً بغير أمر فيضمن، وإن كان شرطاً لا فائدة فيه لرب المال، فإنه لا يصح ويجعل كالمسكوت عنه؛ لما عرف أنه يراعي من الشروط ما يفيد ولا يراعي ما لا يفيد.
-ويحتاج إلى معرفة ما يصير شرطاً في المضاربة من الألفاظ، وما يكون مشورة لا شرطاً. والأصل في معرفة الشرط من المشورة أن يقول رب المال: إذا ذكر عقيب لفظة المضاربة لفظاً لو اعتبر ابتداء لا يستقيم البداية به، ومتىاعتبر متعلقا بما تقدمه يستقيم، فإنه يعتبر متعلقا بما تقدم، ولا يعتبر ابتداء كي لا يلغو. فما يعتبر شرطا كقوله: دفعت إليك الألف مضاربة بالنصف على أن تعمل بها بالكوفة، أو ليعمل بها بالكوفة، أو تعمل بها بالكوفة بالجزم، أو تعمل بها بالكوفة بالرفع، أو فاعمل بها بالكوفة، أو بالكوفة.
-وما يكون مشورة لا شرطاً لفظان: أحدهما: أن يقول دفعت إليك الألف مضاربة بالنصف اعمل بها بالكوفة، والثاني: واعمل بها بكوفة.
-كل ما يعتبر شرطاً في تخصيص المصر يعتبر شرطاً في تخصيص المشترى، وكل ما اعتبر مشورة ثمة، يعتبر مشورة هنا.
-ومن دفع إلى غيره ألف درهم مضاربة على أن يشتري بالنقد، ويبيع فليس له أن يشتري أو يبيع إلا بالنقد . وبعض مشايخنا فال بأن الشرط في المشترى نسيئة لا يفيد؛ لأن في البيع نقدا صيانة للمال أما في الشراء فله المنفعة في ذلك فكان الشرط غير مفيد.

* الفصل العاشر: في المضارب يدفع المال إلى غيره مضاربة.-
الأصل في هذه المسائل أن المضارب لا يدفع المال مضاربة إلا إذا أذن له رب المال في ذلك نصاً أو دلالة كأن يقول له: اعمل فيه برأيك.
-الفرق بين المضارب والشريك شركة مفاوضة أو عنان، أنهما يملكان دفع المال إلى غيرهما مضاربة؛ لأندفع المال مضاربة داخل تحت الشركة لأنه تجارة والمضاربة دون الشركة؛ لأن الشركة لاثبات الاشتراك في الفرع والأصل جميعا، والمضاربة لإثبات الشركة في الفرع دون الأصل.
-وفي القدوري من رواية الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا ضمانعلى الأول حتى يعمل به الثاني ويربح، فإن عمل ولم يربح فلا ضمان. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا عمل الثاني ضمن، ربح أو لم يربح. وقال زفر: يضمن بالدفع إليه، عمل أو لم يعمل، وهو رواية عن أبي يوسف.
-ومن دفع إلى غيره ألف درهم مضاربة وقال له: اعمل فيه برأيك فما ربحت من شيء فبيني وبينك جميعا نصفان، فدفع المضارب إلى آخر مضاربة يعني بالنصف وربح الآخر، فللمضارب الثاني نصف الربح، والنصف الآخر بين رب المال والمضارب الأول نصفان.
* الفصل الحادي عشر: في نهي رب المال المضارب عن العمل وفي انعزاله.
-من دفع إلى غيره ألف درهم مضاربة بالنصف ثم نهاه بعد ذلك أن يبيع ويشتري، عمل بنهيه إذا كان رأس المال دراهم على حالها، فإذا اشترى المضارب شيئا بعدها صار مخالفاً، ومتى صار المال عرضاً لا يعمل بنهيه للحال بل يقف إلى أن يصير مال المضاربة ناضاً، حتى لو باع العرض بالدراهم أو بعرض آخر جاز بيعه، إلا إذا باعه بما ليس من جنس رأس المال لا يعمل النهي، ولو باعه بما هو من جنس رأس المال يصير النهي عاملاً.
-وإذا عزل رب المال المضارب عن التصرف فهو الجواب إذا مات رب المال، ففي كل موضع انعزل بعزل رب المال انعزل بموته، وكل موضع لا ينعزل بعزله لا ينعزل بموته.
* الفصل الثاني عشر: في نفقة المضارب.
-قال محمد: المضارب يتصرف بمال المضاربة في مصره: فنفقته في مال نفسه، وإن سافر بمال المضاربة، فالقياس أن تكون نفقته أيضاً في مال نفسه، وفي الاستحسان: النفقة في مال المضاربة.
-وجه القياس أن المضارب إما أن يعتبر أجيراً أو شريكاً؛ لأن في المضاربة معنى الإجارة ومعنى الشركة، أو مستبضعاً من حيث إنه شرط له بدل على خطر الوجود وهو الربح، وما كان على خطر الوجود فكأنه غير مشروط من وجه، فكان بمنزلة المستبضع من هذا الوجه، وأياً ما اعتبرنا كانت نفقته في ماله لا مال المضاربة. ووجه الاستحسان: أن القياس كما قلتم إلا أنّا تركناه بالعرف، فإن عرف التجار أن المضارب ينفق على نفسه من مال المضاربة حالة السفر، ومن ماله حالة الحضر، ومتى استحق المضارب نفقته متى سافر بالعرف فإنه يستحق الملبوس والمطعوم وما يحتاج إليه في غسل ثيابه وفي أجرة الحلاق والحمام. وما أنفق على نفسه في دواءه وحجامته ونحو ذلك مما يتداوى به فإنه يكون في مال المضارب لا المضاربة؛ لأنه مما يحتاج إليه في عامة الأوقات، وإنما يحتاج إليه للمرض، وقد يمرض وقد لا يمرض، فلا يكون من جملة النفقة. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الدواء فيمال المضاربة؛ لأنه لإصلاح بدنه وتمكنه من العمل، فكان من جملة النفقة.
- وكذا لو كان معه غلمان له يعملون في المال، كانت نفقتهم في سفرهم وفي المصر الذي يأتونه من طعامهم وكسوتهم وغسل ثيابهم وما لا بدّ لهم منه على المضاربة.
- وإذا كان للمضارب أهل بالكوفة، وأهل بالبصرة، ووطنه فيهما جميعاً، والمضارب مع رب المال بالكوفة، فخرج من الكوفة يريد البصرة، فإن نفقته في الطريق في مال المضاربة، فإذا بلغ البصرة فإن نفقته من ماله. أما نفقته في الطريق في مال المضاربة؛ فلأنه خرج من مصره لعمل المضاربة فكانت نفقته في مال المضاربة بالعرف، ونفقته بالبصرة في مال المضارب؛ لأنه لما أتى البصرة، فقد حصل في مصره ووطنه. ذكره محمد في الأصل.
- ولو نوى المضارب الإقامة في مصر خمسة عشر يوماً، فله النفقة في مال المضاربة، ولا تبطل نفقته إلا بإقامته في مصره، أو مصر يتخذه داراً؛ لأن الإقامة إذا كانت للتصرف، فهو يحتبس بمال المضاربة.
- وما أطلق للمضارب من النفقة، فذلك على ما هو المتعارف بين التجار، فإن تجاوز ذلك ضمن الفضل؛ لأن الإطلاق كان باعتبار العادة.
-ولو سافر المضارب بماله ومال المضاربة، أو بمالين لرجلين، فنفقته في المالين بالحصص؛ لأن السفر وجد لأجلهما.
-وإذا رجع المسافر إلى مصره، ردّ ما فضل عنده من ثياب الكسوة والطعام إلى المضاربة؛ لأن السفر قد انقطع، فانقطعت نفقته.

لؤي الخليلي الحنفي
06-01-2007, 10:02
* الفصل الثالث عشر: في بيع مال المضاربة مرابحة.
الأصل في جنس هذه المسائل: أن كل مؤنة ونفقة تعارف التجار إلحاقها برأس المال، كان للمضارب أن يضم ذلك إلى رأس المال ويبيعه مرابحة بالكل من غير بيان. وكلّ مؤنة ونفقة لم يتعارف التجار إلحاقها برأس المال، فليس للمضارب أن يضمها إلى رأس المال، ويبيعه مرابحة على الكل من غير بيان.( ألا ترى أن يضمّ أجرة السمسار ونحوها إلى رأس المال لما جرى المتعارف به. قلنا: وقد تعارفوا إلحاق ما أنفق المضارب على المتاع برأس المال، وما تعارفوا إلحاق ما أنفق على نفسه برأس المال، فلا يلحق به).
والأصل الفقهي في ذلك: أن كل ما يوجب زيادة في العين حقيقة أو حكماً فهو بمعنى رأس المال، وكل ما لا يوجب زيادة في العين حقيقة أو حكماً، فهو ليس في معنى رأس المال، فلا يضم إليه.
* الفصل الرابع عشر: في المضارب يشهد أن يشتري لنفسه وكان ذلك بعد الشراء، أو وقت الشراء.
-من دفع إلى آخر مالاً مضاربة، فاشترى بالمال جارية، ثم أشهد بعد ذلك أنه اشتراها لنفسه شراءً مستقلاً بمثل ذلك المال، أو بربح أو بوضيعة، وقد كان رب المال أذن له أن يفعل ذلك أو لم يأذن، فإن شراءه لنفسه باطل، ويكون على المضاربة، فلا يحل له وطء الجارية بعد الشراء لنفسه.
-وإن كان حين اشترى الجارية بمال المضاربة أشهد أنه يشتريها نفسه، هل يصير مشترياً لنفسه؟ قال: إن كان رب المال أذن له بذلك فإنه يصير مشترياً لنفسه، لا للمضاربة فيحل الوطء، ويضمن ما نقد لرب المال من مال المضاربة، وإن لم يأذن له رب المال بذلك فإنه يصير مشترياً للمضاربة، وإن أشهد أنه يشتريها لنفسه.
* الفصل الخامس عشر: في دفع المالين مضاربة على الترادف.
قال محمد رحمه الله: ومن دفع إلى غيره ألف درهم مضاربة بالنصف، ثم دفع إليه ألف درهم آخر مضاربة بالنصف أيضاً، فخلط المضارب الألف الأولى بالثانية، فالأصل في جنس هذه المسائل: أن المضارب متى خلط مال رب المال بمال رب المال لا يضمن، ومتى خلط مال المضاربة بمال نفسه أو بمال غيره ضمن.
* الفصل السادس عشر: في هلاك مال المضاربة قبل الشراء أو بعده.
-إذا هلك مال المضاربة قبل التصرف فيه بطلت المضاربة؛ لأنها انعقدت على المال المعين، فإذا هلك المال قبل التصرف فقد فات محل العقد، فبطل العقد ضرورة، والقول في الهلاك قول المضارب مع يمينه؛ لأنه بمنزلة المودع.
-وإن هلك بعد الشراء قبل النقد حتى ضاعت: فإنه يدفع إليه رب المال غيرها؛ لأن المضارب فيما اشترى للمضاربة كان عاملاً لرب المال؛ لأنه كان وكيلاً عنه، فإذا لحقه بسبب ما عمل لرب المال عهدة وضمان، كان قرار ذلك على رب المال، واعتبر بالوكيل الخاص بالشراء إذا كان الثمن مدفوعاً إليه، فاشترى وهلك ما عنده قبل النقد، فإنه يرجع على الموكل بغيرها؛ لأنه لزمه ضمان بسبب ما عمل للموكل، وكان قرار ذلك عليه، وما كان قبضه قبل الشراء هلك، فهلك أمانة، وإن هلك المال بعد الشراء، وجب له الدين على موكله؛ لأنه قبل الشراء كان أمانة في يده، وبعد الشراء وجب له دين على موكله بالشراء.
* الفصل السابع عشر: في جحود المضارب مال المضاربة.
-عن أبي يوسف رحمه الله في المضارب إذا قال لرب المال: لم تدفع إليّ شيئاً، ثم قال: قد دفعت إليّ ألفاً مضاربة، فهو ضامن للمال؛ لأنه أمين جحد الأمانة، والأمانة تضمن بالجحود. قال: وإن اشترى بها مع الجحود، فهو مشترٍ لنفسه؛ لأنه ضامن للمال، فانتفى حكم المضاربة باعتبار الضمان.
-وإن اشترى بعد الإقرار، فالقياس أن يكون مشترياً لنفسه؛ لأنه ضامن للمال، وفي الاستحسان يكون على المضاربة، ويبرأ من الضمان؛ لأن الأمر بالشراء قائم بعد الجحود، فإن الضمان لا ينافي الأمر، وإن كان المحل مضموناً عليه، فإذا اشتراه بموجب الأمر، وقع الإئتمار، ومن ضرورة وقوعه انتفاء الضمان، كما في الغاصب إذا باع بإذن المالك وسلّم يبرأ من الضمان.
-ولو دفع ألفاً إلى غيره مضاربة بالنصف، فذكر المضارب أنه قد ربح فيها ألف درهم، وجاء بألفين، ثم إنه حجد فقال: لم أربح إلا خمسمائة درهم، ثم هلك الألفان في يد المضارب قبل أن يقبض منه رب المال شيئا، وقد قامت البينة على إقرار المضارب بما قال من الربح، فإن المضارب يضمن الخمسمائة التي أقر بها ثم أنكرها، فيأخذها رب المال من رأس المال، ولا ضمان على المضارب فيما بقي من المال؛ لأن المضارب أقر أول مرة أن عنده ألفي درهم أمانة؛ لأن رأس المال مع الربح أمانة عند المضارب، ثم جحد خمسمائة منها، ولو جحد الكل بعد ما أقر بها ضمن الكل.
* الفصل الثامن عشر: في قسمة الربح.
-قال محمد رحمه الله: إذا عمل المضارب بمال المضاربة، فربح ألفاً، فاقتسما الربح، ومال المضاربة في يد المضارب على حاله، فأخذ رب المال من الربح خمسمائة، ثم ضاع ما أعدّ لرأس المال في يد المضارب قبل العمل أو بعده، فإن قسمتهما باطلة، والخمسمائة التي أخذها رب المال تحسب من رأس ماله، ويؤدي المضارب الخمسمائة التي أخذها لنفسه من الربح إلى رب المال إن كانت قائمة بعينها، وإن هلكت في يده ردّ مثلها على رب المال حتى يتمّ لرب المال رأس ماله، والألف التي هلكت في يد المضارب هي الربح، وذلك لأن قسمتهما الربح قبل قبض رب المال ماله موقوفة؛ لأن حال المقسوم قبل قبض رب المال موقوفة إن بقي ما أعدّ لرأس المال في يد المضارب حتى قبضه رب المال، كان المقسوم ربحاً كما اقتسما، وكانت القسمة جائزة، وإن هلك ما أعدّ لرأس المال في يد المضارب كانت القسمة باطلة، وتبين أن المقسوم لم يكن ربحاً، وكان رأس المال؛ لأن الأصل في المضاربة أن بعض المال متى هلك في يد المضارب، فإنه يصرف الهلاك إلى الربح، وإذا كان الهلاك ربحاً ظهر أن المقسوم كان رأس المال، ولم يكن ربحاً، فكانت قسمة الربح باطلة، وأخذ رب المال الخمسمائة رأس مال لا ربحاً، وكذا المضارب فصار ضامناً، لأنه قبض خمسمائة من رأس المال بغير إذن رب المال؛ لأنه أذن له بملكها بشرط أن يكون الموجود ربحاً، فلما ظهر أنه رأس مال لم يكن راضياً بالتمليك، فكان المضارب قابضاً لها لنفسه بغير إذن رب المال فصار ضامناً كالغاصب، فعليه ردها، أو مثلها إن هلكت، والألف التي أعدت لرأس المال تهلك أمانة؛ لأنه ظهر أنها كانت ربحا لا رأس مال، ولم يكن المضارب قبضها لنفسه، حتى يصير ضامنا لها، فبقي فيها أمينا.
-إذا دفع لآخر ألفا مضاربة بالنصف، فربح ألفي درهم، ثم اقتسما، فدفع المضارب إلى رب المال رأس ماله ألف درهم، وبقي ألفا درهم، فأخذ المضارب حصته ألفا، وبقيت حصة رب المال حتى ضاعت في يد المضارب، فالألف التي ضاعت في يد المضارب ضاعت بينهما جميعاً، وما بقي بيد المضارب يبقى بينهما، فيرجع عليه رب المال بنصفها؛ لأن نصيب رب المال من الربح لما هلك قبل القبض، انتقضت القسمة في الربح فصار الحال كالحال قبلها، وقبل القسمة لو ضاعت من الربح ألف درهم في يد المضارب فإنها تكون عليهما، وما بقي يبقى بينهما. وإنما قلنا بنقض القسمة متى هلك حصة رب المال قبل القبض؛ لأن الأصل عندهم أن المكيل أو الموزون متى كان بين اثنين فاقتسما قبل قبض أحدهما حتى هلك نصيب الآخر فإن القسمة تنتقض ويكون ما هلك هالكا على الشركة، وما قبضه أحدهما يكون باقياً على الشركة؛ لأن ما يكال ويوزن كما هو إفراز لعين الحق حقيقة وحكما من وجه، فهي مبادلة حقيقة وحكما من وجه. لذا قالوا: بأن القسمة فيما يكال ويوزن ينتقض متى هلك أحد النصيبين قبل القبض كما يبطل البيع.
-وإذا ضاعت حصة المضارب بعد ما قبضها المضارب لنفسه، فإن القسمة لا تنتقض، ويكون ما هلك حصة المضارب، وما بقي حصة رب المال، وذلك إنما هلك المقبوض بعد القسمة، ولم يهلك غير المقبوض، وهلاك المقبوض لا يوجب انتقاض القسمة إذا بقي غير المقبوض؛ لأنها إفراز لعين الحق حكما من وجه ومبادلة من وجه، وأي الأمرين ما اعتبرنا لا ينتقض بهلاك المقبوض إذا بقي غير المقبوض.
* الفصل التاسع عشر: في موت المضارب.
-إذا مات المضارب والمضاربة دراهم في يد المضارب، وهي معروفة أنها مضاربة، وعلى المضارب دين، فإن رب المال يأخذ رأس ماله قبل الغرماء، وإن كان الربح ظاهراً ووصل إلى المضارب كان لرب المال أن يأخذ نصف الربح قبل الغرماء، وما بقي من حصة المضارب من الربح يكون بين غرماءه؛ لأن ذلك إذا كان معروفاً فهو بمنزلة وديعة معروفة لغيره، فكان لصاحب الوديعة أن يأخذها قبل الغرماء؛ لأن حق غرماء المريض إنما يتعلق بماله لا مال غيره.
-وإذا أنكر غرماء المضاربة وورثته فقالوا: إن الدّين على المضاربة لا المضارب، وأنكر رب المال، فالقول قول رب المال مع يمينه، وعلى الغرماء والورثة البينة؛ لأن رب المال يتمسك بما هو الأصل وهو فراغ ماله عن شغل الغير وهو الثابت في الأصيل والشغل عارض، فإن أقاموا بينة على دعواهم كان دينهم في مال المضاربة؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة، وإن لم تقم لهم بينة استحلف رب المال، فإن حلف برىء عن الدعوى.
-ولو أن المضارب قال في مرضه: قد ربحت في المضاربة ألفاً ووصلت إلي وضاع المال كله، وكذبه رب المال، فالقول قول المضارب مع يمينه لأن رب المال يدعي على المضارب ضمانا وهو ينكر، وإن مات قبل الاستحلاف فإنه يستحلف الورثة على العلم؛ لأن رب المال يدعي ديناً على مورثهم بسبب الجحود.
* الفصل العشرون: في العيب وخيار الرؤية.
-من دفع إلى غيره ألفا مضاربة، واشترى بها ثم طعن المضارب بعيب، كان الخصم هو المضارب دون رب المال، فإذا أقام البينة أن العيب كان عند البائع فإنه يرده عليه؛ لأن المضارب في حقوق العقد بمنزلة المالك.
-وإذا باع المضارب عيناً من المضاربة، وطعن فيه المشتري بعيب بعد ما قبضه، والعيب يحدث مثله، فأقرّ المضارب أه كان عنده، فرده القاضي عليه بإقراره، أو قبله بنفسه من غير قضاء، أو استقال المشتري، فأقاله فذلك جائز على رب المال؛ لأن أكثر ما فيه أن هذه التصرفات بيع جديد في حق ثالث، ورب المال ثالث.
* الفصل الحادي والعشرون: في دفع مال الصغير مضاربة، وفي أخذ مال المضاربة للصغير.
- قال محمد في الأصل: إذا دفع رجل إلى آخر مالاً مضاربة لابنه وهو صغير في عياله على أن يعمل الأب معه بالمال، فما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فللمضارب ثلثه، وللأب ثلثه، ولابنه ثلثه، فالمضاربة جائزة على هذا الشرط، ومراد محمد صبي يعقل ويقدر على العمل، أما إن كان لا يقدر على العمل فلا تجوز المضاربة للصبي.
- وإذا دفع الأب مال ابنه الصغير مضاربة إلى نفسه فهو جائز، وكذلك إذا أخذ الوصي مالاً مضاربة على الصغير الذي في عياله على أنيعمل معه على أن يكون للوصي الثلث، وللصغير الثلث، ولرب المال الثلث، فهذه المضاربة جائزة.
وإذا دفع الوصي مال الصغير إلى نفسه مضاربة فهو جائز؛ لأن للصغير نفعاً ظاهراً، والوصي يملك هذا التصرف في مال الصغير مع نفسه.
* الفصل الثاني والعشرون:في الاختلاف الواقع بين المضارب ورب المال.
ويشتمل هذا الفصل على سبعة أنواع:
الأول: فيما إذا اخلفا في مشترى المضارب، هل هو للمضاربة؟ وفيها وجوه كثيرة من أراد الإستزادة فليراجع الأصل الذي اختصرناه.
الثاني: فيما إذا اختلفا في العموم والخصوص في المضاربة. فقال المضارب دفعت إلى مال المضاربة بالنصف، ولم يسم شيئاً، وقال رب المال: إنما أذنت لك في الشراء، وقال في الطعام. إن كان قبل التصرف فالقول لرب المال، ولا يكون للمضارب التصرف في العموم، وإذا كان الاختلاف بعد التصرف، فالقول قول المضارب مع يمينه استحساناً، وعلى رب المال البينة وهو قول علمائنا الثلاثة، والقياس أن يكون القول قول رب المال مع يمينه وبه قال زفر.
الثالث: اختلافهما في مقدار الربح المشروط للمضارب وفي اختلافهما في جهة قبض المال.
إذا دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة، وربح فيها ألفاً، ثم اختلفا فقال المضارب: شرطت لي النصف، وقال رب المال بل الثلث، فالقول قول رب المال؛ لأنهما اتفقا على المضاربة فالمضارب ادعى زيادة ورب المال ينكرها، فيكون القول قوله.
ولو قال رب المال دفعت إليك المال ولم أشترط لك شيئا من الربح، ولك أجر مثل عملك، وقال المضارب بل شرطت لي نصف الربح فالقول قول رب المال مع يمينه.
الرابع: في اختلافهما في وصول المال إلى رب المال قبل اقتسامهما الربح: قال محمد رحمه الله: ومن دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة بالنصف، فربح فيها ألفاً، فقال لرب المال: قد دفعت إليك رأس المال ألف درهم، وبقيت هذه الألف درهم ربحاً ، وقال رب المال: لم أقبض منك شيئاً، فالقول قول رب المال مع يمينه؛ لأن المضارب يدعي لنفسه الشركة في الألف القائمة في يده، فإنه يقول الألف الباقية ربح، وإنه على الشركة، ورب المال أنكر، فيكون القول قول رب المال مع يمينه، فإذا حلف أخذ الألف الباقية.
الخامس: في اختلافهما في وصول رأس المال بعد اقتسامهما الربح: وإذا اقتسم المضارب ورب المال، وأقرا بها، وأخذ كل واحد منهما حصته، ثم اختلفا، فقال المضارب: قد كنت دفعت رأس المال إلى رب المال وهو ينكره، فالقول قول رب المال، ولا يكون إقراره بقسمة الربح إقرار بقبض رأس المال.
وإذا اختلفا قبل قسمة الربح، فقال المضارب: دفعت إليك رأس المال، وهذه الألف التي في يدي ربح. وقال رب المال: لم أقبض منك شيئاً، فإنه يُحلف رب المال؛ لأن المضارب يدعي لنفسه شركة في الألف القائمة لما ادعى أنها ربح، ورب المال ينكر، فيكون القول فيه قول رب المال مع يمينه.
السادس: في اختلافهما في مقدار رأس المال والربح: في القدوري: إذا اختلف رب المال والمضارب في رأس المال وفي الربح، فقال رب المال: رأس المال ألفان، وشرطت لك ثلث الربح، وقال المضارب: رأس المال ألف وشرطت لي نصف الربح، فالقول قول المضارب في قدر رأس المال، والقول قول رب المال فيما شرط له من الربح، وكان أبو حنيفة رحمه الله أولاً يقول: القول فيهما لرب المال وهو قول زفر؛ لأنهما اتفقا على أن جميع المال مضاربة، فالمضارب يدعي استحقاقاً ورب المال ينكر، فكان القول قوله.
وجه قوله الآخر وهو قولهما: إن الاختلاف وقع في قدر المقبوض أولاً، والمضارب ينكر زيادة القبض، فيكون القول قوله كما لو أنكر القبض أصلا، فأما في مقدار ما شرط من الربح فالقول قول رب المال؛ لأن الربح يستفاد بشرط، وهو منكر للشرط في الزيادة.
السابع: في المتفرقات: ونكتفي بذكر مثال: من كان في يديه ألف درهم يتجر بها، فربح خمسمائة، فقال لآخر: هذه ألفك التي أقرضتنيها، وقال رب المال: دفعتها إليك مضاربة وهذه ربحها، فاختصما في ذلك، وقد ضاعت الألف، ضمن الذي كان المال في يديه ألف درهم وحصة رب المال من ربح الألف؛ لأنه لما جحده أن يكون مضاربة كان بمنزلة الغاصب.
* الفصل الثالث والعشرون: في المتفرقات:
في نوادر بشر عن أبي يوسف: رجل عنده ألف درهم مضاربة، فقال لرب المال أقرضها ففعل وهي قائمة بعينها، ثم اشترى بها، قال: إذا قبضها المضارب بيده من بيته أو صندوقه أوكيسه أو صرفها في حوائج نفسه، فهي قرض عليه.
وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا تصرف المضارب في المضاربة، وربح مثل رأس المال، فقال له رب المال: ادفع إليّ رأس المال وما بقي فهو لك، فهذا لا يجوز إذا كان المال قائم بعينه؛ لأنه هبة مجهولة، وإن كان مستهلكاً، فإنه جائز؛ لأنه إن كان مستهلكاً كان إبراءً مما عليه، وإنه جائز.
قال محمد: فيمن دفع إلى آخر مالاً مضاربة، وشرط عليه إن اشترى به الحنطة فله النصف، وإن اشترى به الدقيق فله ثلث الربح، فهذا جائز؛ لأن التخيير وقع بين عملين مختلفين، فصار كخياط الرومي والفارسي.

* الفصول التي تجاوزناها في التلخيص:·
* في المضاربة بالشيء يكون على غير ما أمر به يجوز أو لا يجوز.
·في المضارب يمنع عن التقاضي وعن البيع حتى يجد ربحا.
·في دفع المضارب مال المضاربة بضاعة إلى رب المال، وفي بيع أحدهما مال المضاربة من الآخر.
·في عتق عبد المضاربة وفي كتابته ودعواه نسب ولد جارية المضاربة.
·في تصرفات المضارب مع من لا يقبل شهادته له.
·في تغيير النقد في المضاربة وشراء المضارب بنقد آخر ينوي عن المضاربة.
·في جناية عبد المضاربة.


انتهى بحمد الله وفضله، فإن وفقت فمن الله ، وإن أسأت فمني
والشيطان، وأعوذ بالله من شر نفسي وشره.