المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح خطبة تفسير البيضاوي



نزار بن علي
04-01-2007, 21:53
خطبة تفسير البيضاوي


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، فتحدّى بأقصر سورةٍ من سوره مصاقع الخطباء من العرب العرباء فلم يجد به قديرًا، فأفحم من تصدّى لمعارضته من فصحاء عدنان وبلغاء قحطان حتى حسبوا أنهم سحّروا تسحيرا، ثم بيّن للناس ما نزّل إليهم حسبما عنّ لهم من مصالحهم ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب تذكيرا، فكشف لهم قناع الانغلاق عن آيات محكمات هن أمّ الكتاب وأخر متشابهات هن رموز الخطاب تأويلا وتفسيرا، وأبرز غوامض الحقائق ولطائف الدقائق ليتجلى لهم خفايا الملك والملكوت وخبايا قدس الجبروت ليتفكروا فيها تفكيرا، ومهد لهم قواعد الأحكام وأوضاعها من نصوص الآيات وألماعها ليذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا، فمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد فهو في الدارين حميد وسعيد، ومن لم يرفع إليه رأسه وأطفأ نبراسه يعش ذميما ويَصلَ سعيرا.
فيا واجب الوجود، ويا فائض الجود، ويا غاية كل مقصود، صلّ عليه صلاة توازي غناءه وتجازي عناءه، وعلى من أعانه وقرّر تبيانه تقريرا، وأفض علينا من بركاتهم واسلك بنا مسالك كراماتهم وسلّم علينا وعليهم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أعظم العلوم مقدارا، وأرفعها شرفا ومنارا، علم التفسير الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، لا يليق لتعاطيه والتصدي للتكلم فيه إلا من برع في العلوم الدينية كلها أصولها وفروعها، وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية بأنواعها.
ولطالما أحدّث نفسي بأن أصنف في هذا الفن كتابا يحتوي على صفوة ما بلغني من عظماء الصحابة وعلماء التابعين، ومن دونهم من السلف الصالحين، وينطوي على نكت بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين وأماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المعزوة إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القراء المعتبرين؛ إلا أنّ قصور بضاعتي يثبطني عن الإقدام، ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام، حتى سنح لي بعد الاستخارة ما صمّم به عزمي على الشروع في ما أردته والإتيان بما قصدته، ناويا أن أسمّيه بعد أن أتممه بـ"أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، فها أنا الآن أشرع، وبحسن توفيقه أقول، وهو الموفق لكل خير ومعطي كل مسؤول.



ترجمة الشيخ القلعي

هو أبو الحسن بن عمر بن علي القلعي التونسي. قرأ بالزيتونة ثم رحل إلى مصر سنة 1154 هـ. وكان في استعداد للعلوم وقابلية غريبة. وأتم دراسته على أساتذة الأزهر كالشيخ الجبرتي ـ والد المؤرخ ـ ومحمد البليدي التونسي. وتزوج هناك من إحدى البيوتات المشهورة ولحق بخدمة محمد راغب باشا والي مصر، وكان كثير الاختصاص به، وقد لحقه إلى استنبول لمّا تولى الصدارة فأكرم نزله. ثم عاد إلى مصر وتولى مشيخة رواق المغاربة ثلاث مرات وسار فيها بصرامة وشهامة. وكان وافر الحركة نافذ الكلمة، مترفها في ملبسه ومأكله، تعلوه جلالة ووقار. وتوفي في ربيع الأول سنة 1199هـ.
من مصنفاته:
ـ شرح على رسالة محمد راغب باشا المتقدم في علم العروض.
ـ شرح على ديباجة شرح العقيدة المسماة "أم البراهين".
ـ حاشية على شرح الأخضري على متن السلم.
ـ حاشية على رسالة محمد الكرماني في علم الكلام. قال الجبرتي: دلت هذه الحاشية على رسوخه في علم المنطق والجدل.
ـ ذيل الفوائد وفوائد الزوائد على كتاب: "الفوائد والصلات والعوائد" في خواص الآيات المجربات.
ـ خواص سورة "يس".
ـ شرح على خطبة تفسير البيضاوي.
ـ بلوغ القصد بتحقيق مباحث الحمد، وهو شرح على "الحمد لله".
ـ ختم على رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
ـ نبذة فاخرة تتعلق بأحوال الآخرة.
مصدر الترجمة: "كتاب العمر" لحسن حسني عبد الوهاب. (2/436)


بسم الله الرحمان الرحيم
[CENTER]
الحمد لله الذي نزّل الفرقان مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمتقين، قرآنا عربيا غير ذي عوج موعظة وذكرى للمؤمنين، والصلاة والسلام على من أنزل عليه الكتاب، منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات، وعلى آله وأصحابه اللذين أوتوا العلم درجات.
وبعد، فيقول العبد الفقير، المقر بالعجز والتقصير، أبو الحسن بن عمر بن علي، القلعي بلدا، التونسي وطنا، الأزهري:
لمّا كانت ديباجة التفسير المسمّى بأنوار التنزيل المنسوب للإمام الهمام، قدوة علماء الإسلام، سلطان المحققين، وبرهان المدققين: أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد بن على أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاوي، قدس الله سره العزيز؛ جيدة المباني غزيرة المعاني، ولم أطلع على شرح يكشف مقاصدها ويبسط فوائدها، حداني ذلك أن أشرحها شرحا وافيا يحل المعاقد، كافيا في تحقيق المقاصد، لخصته من كلام المحققين وجهابذة المدققين.
ولمّا وُفقت بعون الله لإتمامه، وقوضت عند خيام اختتامه، قدمته تحفة للملك الأعظم الأعدل الأكرم، مدير مآرب الأماثل، ومحط رحال الأفاضل، حضرة من نشر لواء العدل على رؤوس الأمم، وجمع عزة العرب إلى عزة العجم، هو الذي أعز الدين وأحيى سنة سيد المرسلين، ظل الله على بريته وخليفته في رعيته، المنصور المظفر المؤيد أمير الأمراء أبي المحامد محمد؛ لا زالت قباب دولته ركينة الأوتاد، وسرادقات عظمته منصوبة إلى يوم التناد.
وقد حاولت بذلك التشبث بأذياله، والاستظلال بظلال رأفته وأفضاله، راجيا من الله القبول، وبلوغ المأمول، فهو الموفق للخير ومعطي كل سؤل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الحمد لله الذي نزّل الفرقان على عبده) ورتب استحقاق الحمد على تنزيله ـ بعد الإشارة إلى الاستحقاق الذاتي المستفاد من لفظ الجلالة ـ تنبيها على عظمته؛ إذ به ينتظم المعاش والمعاد، وهو الهادي إلى ما فيه كمال العباد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: "التنزيل: نقل الشيء من أعلى إلى أسفل. وهو إنما يلحق المعاني بواسطة لحوقه الذوات الحاملة لها". فما قيل إنه مجاز عقلي من قبيل الأسلوب الحكيم والكتاب الحكيم، أو مجاز في الظرف بأن يراد بالتنزيل إيجاده في النبي أو بالفرقان حامله، خروج عن مذاق المصنف.
ثم التنزيل والإنزال شيء واحد لا فرق بينها في اللغة، إلا أنه قد يراد من التنزيل الإنزال نجما نجما على حسب التدريج باعتبار حمل صيغة التفعيل على التكثير، وهو المراد هاهنا.
وكما أنّ التنزيل نعمة يجب الحمد عليها، كذلك كونه على التدريج؛ فإن تكرر الوحي ونزوله بحسب الوقائع أدخل في تكميل العباد وتثبتهم على الهدى. وكذلك تقيده بكونه على الرسول لكونه رحمة، والفرقان أيضا رحمة، وضمّ الرحمة إلى الرحمة رحمة تامة على العباد.
والفرقان: مصدر فرق، سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل باعتبار كونه ناطقا ببيّنات وحجج، عربيا غير ذي عوج، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مصدقا لما بين يديه من الكتب السماوية، معجزا قيام الدهور؛ أو لكونه مفصولا عن الاشتباه في معانيه، أو مفصولا بعضه من بعض فيناسب التنزيل؛ فإن الأعلام قد يلاحظ فيها المعاني الأصلية.
وإنما قدم الفرقان على العبد لكونه أهم، والعناية به أتم؛ إذ هو بصدد بيان معاني القرآن وتفسيره، ففيه رعاية لبراعة الاستهلال؛ بخلاف ما وقع في مفتتح سورة الكهف من تقديم العبد على الكتاب؛ فإنّ المقام مقام إثبات نبوّته ببيان الأمور الثلاثة التي سألتها اليهود من الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدا على نبوته.
وإضافة العبد إلى الله تعالى للتعظيم والتنبيه على أنه مختص به، منقاد لحكمه.
واختاره على نبيه ورسوله إشارة إلى أن النبوة مجرد تفضّل منه تعالى، وأن العبودية أكمل المقامات والأحوال، وغيرها من ثمراتها. وبما ذكرنا ظهر نكتة اختياره على مفتتح سورة الكهف .
(ليكون) أي العبد أو الفرقان. والإسناد حقيقي على الأوّل؛ يدل عليه قوله: (لتنذر قوما ما أنذر آباهم). ومجازي على الثاني؛ يشعر به قوله: (لتنذر به أمّ القرى). والمجاز وإن كان في مقابلة الحقيقة ضعيفا، إلا أنّ اقتضاء المقام ببيان صفات الفرقان يرجح إرجاع الضمير إليه ويخرجه عن الضعف. وعدم إرجاعه إلى الله تعالى لأنّ أسمائه تعالى توقيفية، ولم يرد في الشرع إطلاق النذير عليه تعالى، وقوله تعالى: (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) لا يصححه.
(للعالمين) أي من يعلم، إلا أنه أخرج منه الملك بقرينة قوله (نذيرا).
والنذير إمّا مصدر كالنكير وصفه به للمبالغة، أو بمعنى المنذر. واكتفى بالإنذار لعمومه، ولكونه أدخل في التكميل؛ فإن الإنسان في دفع المضار أسعى منه في جلب المصالح، ولذا أمر صلى الله عليه وسلم به أوّلا بقوله: (قم فأنذر) ، (وأنذر عشيرتك الأقربين).
وفائدة تعليق التنزيل بقوله "ليكون" إلى آخره الإشارةُ إلى عظم التنزيل باعتبار اشتماله على تكميل الثقلين.
(فتحدّى) أي نازع اللهُ، كما يقتضي مناسبة عطفه على نزّل وظاهر آية التحدي، أو عبده باعتبار أنّ التحدي من الله تعالى إنما هو على لسان نبيه كما قال الله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله).
ولمّا اعتبر إرجاع الضمير إلى العبد المضاف لم يلزم إخلاء المعطوف على الصلة من الضمير الرابط بالموصول، على أن الرضي ذكر أنه يكفي رابطة ضمير المعطوف عليه وإرجاع الضمير إلى الفرقان، فاعتبار اشتماله على آية التحدي تكلُّف يستلزم تفكيك ضمير "فلم يجد"، إذ لا وجه لإرجاعه إلى الفرقان.
والفاء في قوله فتحدى إن جعلت للسببية فظاهر، أو للتعقيب. فالمراد بالفرقان ما نقل إلى آخره أعني المفهوم الكلي لأنه المناسب لغرض المفسر لأنه يبحث عن أحوال السور من الآيات، ولا شك أنّ التحدي عقب تنزيله. وعدم استقامة إرجاع ضمير سوره إليه حينئذ من غير اعتبار الاستخدام ممنوع لأنها من جزئياته، كما أنها من أجزاء الكل. ولو أريد بالفرقان المجموع فيجوز أن تكون الفاء للترتيب في الرتبة، فإن رتبة التحدي بعد رتبة الإنزال. أو نقول: يكفي التعقيب بالنسبة إلى بعض أجزاء المعطوف عليه، كما يكفي في كلمة "ثم" التراخي كذلك، كما صرح به في المطول. وحمل الكلام على إرادة التنزيل ركيك.
(بأقصر سورةٍ) الأقصرية مأخوذة من تنوين سورةٍ في قوله تعالى: ( وإن كنتم في ريب ممّا نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ ).
(من سوره مصاقع الخطباء) من إضافة الصفة إلى الموصوف. وخطيب مصقع: أي بليغ. وجعل الخطيب بمعنى البليغ، والمصقع بمعنى العالي الصوت، أو من لا يرتج في كلامه – أي يقدر على التكلم – لا يناسب المقام؛ إذ لا فائدة هاهنا بوصف البليغ بذلك.
(من العرب العرباء) كالعرب العاربة الخلص منهم. أخذ من لفظه فأكد به كقولهم ليل أليل. أي نازع للغلبة بأقصر سورة من سوره الخطباء البلغاء (فلم يجد به قديرًا) أي بالتحدي، أو بأقصر سورة. والـ "باء" بمعنى على، أو للملابسة.
والقدير إن لم يجعل مأخوذا من القادر لم يكن من أبنية المبالغة كالكريم والظريف فلا شبهة في صحة نفيه، وإن جعل مأخوذا منه كان للمبالغة. إليه يشير قوله فيما سيجيء: "القدير: الفعال لما يشاء"، فالنفي هاهنا يعتبر مقدما على التعبير بصيغة المبالغة فيفيد المبالغة في النفي، لا نفي المبالغة كما قالوا في قوله تعالى: ( لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتّم ) أنه يعتبر الاستمرار بعد النفي، كأنه عبر أولا بصيغة الماضي مع "لو"، ثم غير ذلك الماضي إلى صيغة المضارع ليفيد استمرار الامتناع، لا امتناع الاستمرار. ولو أريد نفي المبالغة فلا يضرّ، إذ الآتي بمثل القرآن لا يكون إلا كامل القدرة. على أن توجه النفي إلى القيد أكثريّ.
وعدم تقييده بكونه من مصاقع الخطباء إشارة إلى أنه لم يجد عليه قادرًا أصلا، لا من المتحدّين ولا من غيرهم؛ أمّا منهم فظاهر، وأمّا من غيرهم فلأنّ المتحدين لمّا عجزوا مع كمالهم في تلك الصناعة وتهالكهم وتوفر دواعيهم، فغيرهم أولى. ولهذا كان معجزة كل نبي من جنس ما غلب أهل زمانه وتهالكوا فيه وتفاخروا به.
وعدم وجدانه تعالى ـ أو الرّسول ـ القادر عليه في مقام التحدي كناية عن عدم وجوده؛ إذ لو كان موجودا لتحدّى لتوفّر الدواعي، وليس فليس.
(فأفحم) عطف على تحدّى، قريب من عطف الخاص على العام إظهارا للشرافة. وضميره تابع لضميره. أي أسكت (من تصدّى) تعرّض (لمعارضته من فصحاء عدنان) جدٌّ أعلى لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم. (وبلغاء قحطان) أبو عرب اليمن، وعدنان أبو عرب الحجاز. والعرب كلهم منهما. وفي بعض النسخ "أفحم" بدون "واو"، بدل من تحدى، أو استئناف كأنّ سائلا سأله: كيف كان التحدّي وعجزهم؟ فأجاب بأنّه أفحم عند المعارضة رؤساءهم ومشاهيرهم في البلاغة بحيث لم يبق لهم مجال للطعن فيه، ولم يوردوا للقدح فيه مقالا مع تهالكهم عليه. فلزم عجز الكلّ.
(حتى حسبوا أنهم سحّروا) – بالتشديد للمبالغة – ( تسحيرا). أي أتى لهم بالسحر. وهو لغة: ما دقّ ولطف مأخذه، (فقالوا إن هذا إلا سحر يؤثر)، على ما هو دأب المحجوج والمبهوت، تعجبًا من فصاحته وحسن نظمه وبلاغته، واعترفوا بأنه ليس من جنس خطب الخطباء وشعر الشعراء، وأنّ له حلاوة وعليه طلاوة. فغاية الإفحام حسبانهم أنه سِحْر تعجبًا من بلاغته، وليس غايته حسبانهم أنفسهم أنهم سحروا كثيرا حتى غلب على عقولهم – على ما فسر به المصنف قوله تعالى  إنما أنت من المسحّرين .
(ثم) للتراخي في الزمان، فيكون إشارة إلى أنه يجوز التأخير في البيان عن وقت الحاجة، أو في الرتبة، فإن رتبة البيان أشرف وأكثر نفعا من التنزيل.
(بيّن) أي الله أو الرسول، ويؤيد الأوّل قوله تعالى:  ثمّ إنّ علينا بيانه  ويؤيّد الثاني قوله تعالى:  وأنزلنا عليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم.
والتبيين: الإيضاح سواء كان ابتداء أو بعد الخطاب، وهو أعمّ من أن ينص بالمقصود، أو يرشد إلى ما يدلّ عليه كالقياس ودليل العقل.
(للناس ما نزّل إليهم) أي بواسطة الرسول، أعمّ ممّا أمروا به أو نهوا عنه وما تشابه عليهم. كذا ذكره المصنف في سورة النحل في تفسير الآية المذكورة.
(حسبما عنّ لهم) أي قدر وعدد ما ظهر لهم (من مصالحهم) الدينية والدنيوية، وهو متعلّق بـ "نزّل" أو بـ "بيّن". والثاني أوجه ليدل على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وفيه إشارة إلى أنّه راعى ما هو الأصلح بالنسبة إلى الكلّ تفضّلاً.
(ليدبروا آياته) أي ليتفكروا فيها، فيعرفوا ما يريد بظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة.
(وليتذكر أولو الألباب)، أي ليتعظ به ذووا العقول السليمة، أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل؛ فإنّ الكتب الإلهية بيان لما لا يعرف إلا من الشرع، وإرشاد لما لا يستقل به العقل. ولعلّ التدبر للقسم الأوّل، والتفكر للقسم الثاني. كذا فسّر المصنف الآية في سورة ص.
وقوله: "ليدّبروا" إلى آخره اقتباس من قوله تعالى في سورة ص  كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب . وفي بيان المعنى بهذا الوجه إشارة إلى أنّ "ليدّبروا" مسند إلى ضمير "أولو الألباب" على التنازع وأعمل الثاني. ويحتمل أن يكون الواو في "ليدّبروا" ضمير "المتقين" و"الفاسقين" المذكورين سابقا في قوله:  أم نجعل المتقين كالفجار . وعبارة المصنف تحتمل الوجهين كما لا يخفى. وبالجملة، هذه الفقرة مأخوذة من مجموع هذه الآية والآية المذكورة سابقا.

نزار بن علي
04-01-2007, 21:54
(تذكيرا) مصدر من غير لفظه، كما في قوله تعالى:  وتبتل إليه تبتيلا ، أو مصدر فعل محذوف، أي: وليذّكروا تذكيرا. ففيه إشارة إلى أنّ الإعلام للغير مصلحة مطلوبة من أولي الألباب؛ كما يشير إليه قوله تعالى:  فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم .
(فكشف لهم) الفاء لتفصيل ما أجمله بقوله "ثم بيّن"، فضميره تابع لضميره ومعناه معناه.
(قناع الانغلاق) القناع أوسع من المقنعة، وهي ما تقنع به المرأة رأسها. والانغلاق: الإشكال. والإضافة فيه كإضافة لجين الماء، أي: الإشكال الشبيه بالقناع، بجامع الستر والإخفاء لما تحت كل. إلا أنّ هذا التشبيه يستتبع تشبيه الآيات بالعرائس المخدرة، فأضمر التشبيه في النفس وحذف المشبه به ودلّ عليه بشيء من لوازمه وهو القناع.
(عن آيات محكمات) أحكمت عباراتها وحفظت عن الاحتمال، نصًّا كانت الآيات أو ظاهرًا.
(هنّ أمّ الكتاب) أصله باعتبار أنّ غيرها يردّ إليها.
(وأخر متشابهات) محتملات لم يتضح المراد بها؛ لإجمالٍ أو مخالفة ظاهرٍ.
(هنّ رموز الخطاب) ما خوطب به باعتبار عدم التصريح بالمراد.
(تأويلا وتفسيرا) إما تمييز عن نسبة الكشف، أو مصدر. أي: كشف تأويل وتفسير.
والتأويل: صرف اللفظ إلى ما يحتمله. وهو ما يتعلق بالدراية.
والتفسير: البيان. وهو ما يتعلق بالرواية.
ثم المحكمات لما كانت خالية عن الإجمال واضحة المراد، لا يتصور كشف القناع عنها إلا بالتفسير.
والمتشابهات لمّا كانت إزالة خفاياها ببيان الشارع، لا يكون كشف القناع عنها إلا بالتأويل وبرأي العلماء الراسخين، أيضا يكون الكشف عنها بالتأويل وبالتفسير.
فتخصيص التفسير بالمحكمات، والتأويل بالمتشابهات، أو كلاهما بالمتشابهات فممّا لا وجه له.
(وأبرز) هو ومهّد، عطفٌ على كشف، والمجموع تفصيل لـ"بيّن"
(غوامض الحقائق) هي الأمور الثابتة في نفس الأمر.
(ولطائف الدقائق) لاحتياجها إلى غموض نظر ودقة فكر.
(ليتجلى لهم) متعلق بـ "أبرز" علة له. ولا يلزم كونه علة للإبراز ترتّبه بالنسبة إلى الكل، وهو المناسب لقوله: " فمن كان له قلب".
(خفايا الملك) أي عالم المحسوسات من السموات السبع والأرض وما بينهما.
(والملكوت) أي عالم الغيب من الملائكة والأرواح والجنة والنار. وخفاياهما هي الأسرار التي أودع الله فيهما بحيث يستدل بها على جلال ذاته وكمال صفاته، وتتضمنها الآيات التي بيّن فيها عجائب الأفلاك والنجوم والسحب والأمطار والنار والهواء والناء والأرض والحيوانات والإنسان وأحوال الجنة والنار والملائكة والأرواح وعجائب القلب وغيرها.
(وخبايا)، جمع خبيّة. والمراد بها الصفات الذاتية والسلبية التي في رداء أستار الأفعال؛ إذ بها يستدل عليها.
وتتضمن الآيات التي بيّن فيها صفاته الذاتية والسلبية والفعلية (قدس الجبروت)، مبالغة الجبر، وهو القهر والسلطنة. وإضافة القدس إليها بيانية، كأنها لتقدسها من شوائب النقص عين القدس. ففي إدراج لفظ القدس تنبيه على إزالة توهم شائبة النقصان من وقوع الشر في أفعاله.
(ليتفكروا فيها تفكيرا) علة للإبراز المعلل. والتفكر والتدبر بمعنىً واحد، أعني تحصيل المعرفتين لتحصيل معرفة ثالثة.
والحاصل أنه تعالى أبرز الحقائق والدقائق بالقرآن لتتجلى على عباده الأسرار التي أودعها الله تعالى في عالم الحس وعالم الغيب والأمور الخفية التي خبأها في أفعاله، فيتفكروا في تلك الخفايا والخبايا، ويرتقوا من مرتبة ذاته وصفاته وأفعاله إلى مرتبة أعلى؛ فإنّ ما عرفه علماء الظاهر منها بأفكارهم قليل بالنسبة إلى ما عرفه الأنبياء، وما عرفوه قليل بالنسبة إلى ما عرفه نبينا صلى الله عليه وسلم.
ففي هذه الفقرة تلميح إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في آلائه ولا تتفكروا في ذاته»، وقوله: « تفكروا في صفاته ولا تفكروا في ذاته » ؛ وذلك أنّ نسبة ذاته إلى البصيرة نسبة الشمس إلى البصر، يمكن مشاهدته في ستر الأفعال والصفات ولا يمكن بذاته، فإنه يورث الدهش والحيرة، كما يمكن رؤية الشمس في قصعة الماء ولا يمكن رؤيتها بلا واسطتها، فإنها توجب تفريق البصر، وإشارة إلى تكفل القرآن المجيد بتكميل الناس بالقوة النظرية. وللفضلاء مقالات في حل هذه الفقرة، ولكل وجهة هو موليها.
(ومهد لهم قواعد) جمع قاعدة، وهي الأساس.
(الأحكام) جمع حُكم: وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير.
(وأوضاعها) عطف على القواعد على ما هو الظاهر، والمراد بها العلل الموضوعة لإفادة الأحكام.
(من نصوص الآيات) بيان للقواعد باعتبار أنها أساس الأحكام، أو باعتبار تشبيهها بالقضايا الكلية في العموم، والاشتمال على الأحكام الكثيرة.
(وألماعها) جمع لمع، كضوء وأضواء لفظًا ومعنىً، بيان للأوضاع، فإن العلل تستفاد من دلالات النصوص وإشاراتها الواضحة. وإنما نسب التمهيد إلى الآيات والعلل نظرا إلى كون الأحكام مقصودة بالذات، أي: مهّد الآيات والعلل التي ترتبط بها الأحكام.
(ليذهب عنهم) باستعمالهم تلك الأحكام المستنبطة منها (الرجس) أي: رجس الذنوب والأخلاق الذميمة. (ويطهرهم) عنها (تطهيرا) كاملا.
وتحقيقُه أنّ الأحكام الشرعية العملية لا تكاد تقف عند حدّ لتعلقها بالحوادث التي لا تنحصر في عدّ، فامتنع حفظها لوقت الحاجة. ففي هذه القرينة إشارة إلى تضمن القرآن تكميلهم بالقوة العملية، وإلى أنّ الكمال الحاصل أقوى من حيث إنه أتى بصيغة المبالغة.
وإذا تمّ أمر الدعوة إلى الخلق بالقرآن بحيث لم يبق بعد ذلك حجة للخلق، (فمن كان له قلب) يتفكر في حقائقه ويتدبر دقائقه ويستخرج الأحكام من نصوصه (أو ألقى السمع) أي أصغى لاستماعه من صاحب القلب (وهو شهيد) حاضر بذهنه ليفهم معانيه، (فهو في الدارين حميد وسعيد) فالأول إشارة إلى المجتهد والثاني إلى المقلد. وفي هذا رمز إلى أن المقلد ناج كما عليه المحققون. وفي تنكير القلب إشعار بأنّ كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر.
(ومن لم يرفع إليه رأسه) كناية عن عدم الالتفات إليه لعناده وجهله، (وأطفأ نبراسه) كناية عن إضاعة الفطرة السليمة المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: « كل مولود يولد على فطرة الإسلام » الحديث، أعني الاستعداد الذاتي للنظر الصحيح للتفكر في الدلائل، وإضاعتها بتعطيلها أو بتحصيل الجهل.
(يعش ذميما) أي مذموما في الدنيا على لسان الشارع، (ويصلَ سعيرا) أي يدخل جهنّم في الآخرة. وفي بعض النسخ "وسيصلى" بالرفع مع عطفه على المجزوم بتقدير المبتدأ، وتغيير الأسلوب لكونه أدخل في التهديد.
(فيا واجب الوجود)، لمّا ميّز ذاته باعتبار ما أجرى عليها من الصفات العظيمة، صار كأنّه مشاهد، خاطبه وناداه. واختار من حروف النداء "يا" للدلالة على علوّ درجة المنادى، أو لبعد الداعي عن عزّ الحضور. ووجوب الوجود من صفاته تعالى لكونه معدن كل كمال، ومبعد كل نقصان.
(ويا فائض الجود) من مصدر فاض يفيض فيضا، أي شاع. ومنه قولهم خبر مستفيض. أو من فاض الماء: كثر. إمّا على تشبيه كثرة العطايا بكثرة الماء، فيكون استعارة تبعية، أو على تشبيه الجود بالماء الكثير، فيكون استعارة مكنية، وإثبات الفيض الذي هو صفة المشبه به للمشبه تخييل.
وأمّا الفيض، بمعنى فعل فاعل يفعل دائما لا لعوض ولا لغرض، فمع كونه من مصطلحات الفلاسفة اسم جامد لا يصح اشتقاق الفائض منه. وفيضان الجود إشارة إلى أنّ حمده تعالى باعتبار أوصافه الكاملة وإنعاماته إجمالا. وفيه اعتراف بالعجز عن حمده تعالى كما يليق به.
ثم لمّا شاهد أنّ مرجع الكل ذاته تعالى وتقدس، استغرق في بحر التوحيد وناداه بقوله: (ويا غاية كل مقصود) أي ما يراد ويقصد.
(صلّ عليه صلاة) دعاء للرسول لكونه وسيلة لنزول القرآن ونيل جميع الكمالات، وامتثالا لأمر الشارع.
(توازي) أي تساوي (غناه) بفتح المعجمة والمدّ: النفع الذي حصل بسبه.
(وتجازي عناه) بفتح المهملة والمدّ: تعبه في تبليغ الأحكام، وإظهار شعائر الإسلام.
(وعلى من أعانه وقرر تبيانه تقريرا) أعمّ من أن يكون بالقول أو العمل. وهذا دعاء لجميع المهاجرين والأنصار، والتابعين طريقته إلى دار القرار.
(وأفض علينا من بركاتهم واسلك بنا مسالك كراماتهم وسلّم علينا وعليهم تسليما كثيرا) التسليم أن يقال: سلام عليكم. والمراد به: التعظيم والتبجيل.
(وبعد) لا إشكال في عطف هذا الكلام على جملتي الحمد والصلاة مع أنهما جملتان إنشائيتان لأنّ هذه الجمل أيضا تحتمل الإنشاء بأن يكون الغرض منها مدح العلم، أو لأنّ الكلام مبني على عطف القصة على القصة. وقيل الواو عوض عن أمّا، لا عاطفة. والواسطة بين أما والفاء من متعلقات الجزاء مطلقا، أو من معمولات أمّا.
(فإنّ أعظم العلوم) الأظهر أنّ الفاء لإجراء الظرف مجرى الشرط كما في قوله تعالى  وإذا لم يهتدوا به فسيقولون .
(مقدارا) أي رتبة.
(وأرفعها شرفا) مكانا عليّا.
(ومنارا): هو علَم يبنى على الطريق ليهتدى به، فعطفه على الشرف قريب من التفسير. ورفعة مناره إمّا مجاز عن عظمة شأن ما يهتدى به إليه، أو كناية عن تأليفه من أمور كثيرة. فإنّ رفعة المنار لازمة لتأليفه من أحجار كثيرة.
(علم التفسير) وهو علم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز.
(الذي هو رئيس العلوم الدينية ورأسها) وصف علم التفسير بكونه رئيس العلوم الدينية إشارة إلى وجه كونه أعظم رتبة. وإنما كان رئيسها لأن جميع العلوم الدينية لكونها مأخوذة من الكتاب تحتاج من حيث الثبوت أو من حيث الاعتداد إلى علم التفسير.
وهذا لا ينافي كون علم الكلام رئيس العلوم الدينية أيضا لأنّ علم التفسير لتوقفه على ثبوت كونه تعالى متكلما يحتاج إلى علم الكلام، والكلام لتوقف جميع مسائله من حيث الاعتداد، وبعضها من حيث الثبوت على الكتاب، يتوقف على التفسير، فيكون كل منهما رئيسا للآخر من وجه.
(ومبنى قواعد الشرع وأساسها) قواعد الشرع وأساسها: الأدلة الأربعة. وكلها محتاجة إلى علم التفسير. أمّا الكتاب فلأنه ما لم يفهم معناه لا يمكن استنباط الأحكام منه. وأمّا ما سواه فلأنّ حجيته ثابتة بآيات الكتاب المبينة في هذا العلم.
(لا يليق تعاطيه) أي تعلمه وتعليمه، صلة بعد صلة، وترك العطف تنبيها على استقلال كل منهما بكونه صفة مدح. وهذا وما بعده دليل على كونه أرفع شرفا ومنارا؛ فإنه إذا كان لا يصح تعاطيه إلا لمن برع في العلوم الدينية والفنون الأدبية، كان ما يهتدي به إليه جميع تلك العلوم والصناعات، فيكون مناره أرفع.
(والتصدي): التعرض (للتكلم فيه إلا من برع) فاق (في العلوم الدينية) المنسوبة إلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، صوابا كانت أو خطأ، (كلها أصولها) هي الكلام وأصول الفقه والحديث، (وفروعها) الفقه والأخلاق.
(وفاق في الصناعات العربية) جمع صناعة بكسر الصاد، وهي العلم الحاصل من التمرن على العمل.
(والفنون الأدبية) وعطف الفنون الأدبية – أي الفنون التي بها يحصل الأدب في المحاورات – من قبيل عطف بعض الصفات على بعض؛ فإن تلك العلوم من حيث إنه يحترز بها عن الخلل في كلام العرب تسمّى بالفنون العربية.
(بأنواعها) الكاملة المعتبرة، أعني اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان مع ما يتبعها، وما عداها ـ وهو العروض والقافية والخط وقرض الشعر والإنشاءات والمحاضرات ومنه التواريخ ـ فلا تعلق له بعلم التفسير. وأمّا القراءات فداخل في علم التفسير لأنه علم يعرف به ما في كلام الله تعالى رواية ودراية، ووجوه قراءاته المتواترة والشاذة بحسب الطاقة البشرية. وإليه تشير عبارة المصنف حيث قال: أصنف في هذا الفن كتابا يحتوي على كذا، ويعرب عن وجوه القراءات إلخ.
(ولطالما) اللام توطئة للقسم، أو للتأكيد. و"ما" كافة عن عمل الفعل في الفاعل، وكذا قلما. وقيل: "ما" مصدرية، أي "لطال تحدثني". وفي الإيضاح "ما" في "طالما" و"قلما" كافة بدليل عدم اقتضائها الفاعل، وتهيؤهما لوقوع الفعل بعدهما؛ إذ تكتب موصولة كما في "ربما" و"إنما" للمعنى الجامع بينهما. وقال ابن درستويه: " لا يجوز أن يوصل بـ"ما" شيء من الأفعال سوى نعم وبئس" والقول هو الأول.
(أحدث نفسي بأن أصنف في هذا الفن كتابا يحتوي على صفوة) بالحركات الثلاث في الصاد بمعنى الخالص، وإذا سقطت التاء قيل: صفو بفتح الصاد فقط.
(ما بلغني من عظماء الصحابة) كعلي وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وعمرو ابن العاص وزيد ابن ثابت وأبيّ ابن كعب وغيرهم رضوان الله عليهم.
(وعلماء التابعين) جمع تابع وهو من صحب الصحابي. وأراد بهم: الحسن البصري تلميذ ابن عباس، مجاهد، وسعيد ابن جبير، وعلقمة، وعكرمة، والضحاك وغيرهم.
(ومن دونهم من السلف الصالحين) كعبد الرزاق، وأبي علي الفارسي، والزجاج وغيرهم. ومن رؤوسهم محمد ابن جرير الطبري، والزجاج، حتى قيل: إنّ كل ما أخذه الزمخشري أخذه من الزجاج.
(وينطوي) أي يشتمل (على نكت) جمع نكتة بالمثناة: اللطيفة المستخرجة بقوة الفكر. من نكت الأرض، إذا أثر فيها بنحو قضيب. فنُكت الكلام: لطائفه ودقائقه المستخرجة بقوة التفكر والتأمل.
(بارعة ولطائف رائعة استنبطتها أنا ومن قبلي من أفاضل المتأخرين وأماثل المحققين) جمع محقق، وهو من يثبت المسألة بالدليل.
(ويعرب عن وجوه القراءات المشهورة المعزوة إلى الأئمة الثمانية المشهورين والشواذ المروية عن القراء المعتبرين) أراد بالقراء الثمانية: نافعا، وابن كثير، وأبا عمرو، وابن عامر، وعاصما، وحمزة، والكسائي، ويعقوب الحضرمي كان إماما كبيرا عالما صالحا، انتهت إليه الرئاسة في القراءة بعد أبي عمرو. وله راويان: روح، ورويس. وقد ثبت شيخان آخران أبو جعفر ابن يزيد المخزومي المكي، وخلف ابن هشام. وأحكام القرآن من جواز الصلاة وغيرها جارية في الثلاثة الأخيرة كالسبعة. وأمّا ما وراءها فالأصح أنّ ما ثبت فيه صحة سنده وموافقته لواحد من المصاحف العثمانية – ولو احتمالا– واستقامة وجهه في العربية بوجه تجوز الصلاة به. وأمّا غيره فلا خلاف في عدم صحة جوازها به، وإنما الخلاف في إفسادها.
(إلا أنّ قصور بضاعتي يثبطني) أي يشغلني (عن الإقدام ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام حتى سنح لي بعد الاستخارة) الواردة في السنة ودعاؤها مشهور، وهو من الكنوز التي أظهرها الله تعالى على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنّما استخار فيه – وإن كان خيرا عظيما – لما يعرض له غالبا من الرياء ووقوع العظمة في النفس، أو استخاره بأن طلب منه التيسير في تحصيل غرضه من التأليف لأن الاستخارة طلب الخير.
( ما صمم به عزمي) أي مضى به عزمي. (على الشروع فيما أردته والإتيان بما قصدته) بمعنى خلوصه عن التردد فيه.
(ناويا) منصوب على الحال (أن أوسمه) من الوسم وهو العلامة (بعد أن أتممه) فيه إشارة إلى أنّ الخطبة قبل التأليف. (بـ"أنوار التنزيل وأسرار التأويل") متعلق بـ "أوسّمه" (فها أنا الآن أشرع) إدخال "ها" للتنبيه على ضمير الرفع، والخبر ليس اسم إشارة شاذ. والأولى: فها أنا ذا، لأن اسم الإشارة مبهم فيحتاج إلى التنبيه عليه.
(وبحسن توفيقه أقول) من قبيل جرد قطيفة.
(وهو الموفق) لا غيره (لكل خير ومعطي كل سؤل).
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
اعتنى به

[/center]