المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج القاضي أبي بكر ابن العربي في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض



محمد عوض عبد الله
22-12-2006, 15:15
منهج القاضي أبي بكر ابن العربي في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

تمهيد

وبعد؛ فإن القاضي أبا بكر ابن العربي المعافري الإشبيلي (ت543) يعد من نبغاء المذهب المالكي، ومن الفقهاء الذين بلغوا درجة مجتهد المذهب، وكان لهم القدح المعلى في الانتصار لمسائله، والترجيح والرد طبقا لموافقة الدليل وعدمه، حتى اشتهر عنه قوله: "إن قالها مالك فلسنا له بممالك".
كما أنه من العلماء المتميزين الذين جمعوا – إضافة إلى الفقه والتفسير – علوم الحديث، ومعرفة الصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح، مع إعماله لقواعد الأصول على مسائل الخلاف عند الاستنباط.
ولذلك عُدت مدرسة القاضي أبي بكر ابن العربي في الفقه المالكي من المدارس المهمة الحرية بالبحث فيها والدراسة، وقد أفردت ببحوث قديمة وحديثة صبّت في ترجمة القاضي ومنهجه سواء في الفقه وفي الحديث وفي الاستنباط، وكذلك في الدراسات التاريخية..
فمن أجل ذلك أحببت في هذا البحث المختصر تسليط الضوء على أهم مميزات القاضي ابن العربي في الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، معتمدا في ذلك على ما يتيسر لدي من المصادر التي غطت البحث من الناحية العلمية والتاريخية. وغير ذلك من المصادر المعتمدة قديما وحديثا.
خطة البحث:
ونظرا لاشتراط أي بحث أن يقوم على خطة متجانسة البناء، محكمة الصياغة، فقد آثرت أن تكون خطتي كالتالي:
- المقدمة: أستعرض فيها ترجمة القاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله.
- الفصل الأول: منهج القاصي ابن العربي في الاستنباط الفقهي.
- الفصل الثاني: مذهب القاضي ابن العربي في الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.
- الخاتمة في خلاصة الموضوع.
- فهرس المصادر.
- الفهرس العام.
وأسأل الله تعالى أن يوفقني فيما رمت إليه، ويجعل لي سبيلا إلى الصواب والسداد، فما كان من التوفيق فهو من الله وحده، وما كان من غيره فهو مني ومن الشيطان. وصلى الله وسلم على نبينا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
المقدمة
ترجمة القاضي أبي بكر ابن العربي(1)

اسمه وكنيته:
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المَعافري، الإشبيلي نشأة، الفاسي مدفنا، المَعافري نسبا.
مولده وطلبه العلم:
ولد بإشبيلية سنة 467 هجرية، في أسرة جمعت بين علوم الدين والمناصب الدنيوية والسياسية. فأبوه كان عالما فقيها، شاعرا ماهرا، خطيبا مفوها، تقلب في عدة مناصب سياسية.
بدأ المترجم طلب العلم في سن مبكرة، فأخذ بإشبيلية القرآن والقراءات، والحديث واللغة، والفقه والحساب.
ومن شيوخه بإشبيلية: أبوه عبد الله، وخاله الوزير الحسين بن محمد الهوزَني، وأبو عبد الله ابن منظور، وأبو محمد ابن مزربع.
ثم رحل إلى قرطبة؛ فأخذ عن أعلامها؛ كأبي عبد الله ابن عتّاب، وأبي مروان ابن السراج وغيرهما. حتى حذق العلوم، وشُهد له بالتقدم فيها.
رحلته للمشرق:
لم يقنع ابن العربي بالعلم الذي ارتوى منه بالمغرب العربي حتى اشرأبت نفسه للرحلة للمشرق سنة 485 هـ، للدهق من أعلامه، وإضافة علوم وتجارب رجالاته إلى ما أخذه بالمغرب، ودامت رحلته في طلب العلم عدة سنين.
فقد تنقل في حواضر المشرق الإسلامي، والتقى بكبار العلماء والشيوخ على مختلف تخصصاتهم ومواقعهم، وضرب سهما وافرا في مختلف العلوم.

فأخذ بمصر عن جماعة، وبالشام عن أبي بكر الطرطوشي، وبالعراق التي دخلها مرتين صحب خلالهما الإمامين الكبيرين أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي. ولقي بالحجاز عبد الله ابن الحسين الطبري المكي.
ثم عاد المترجم إلى إشبيلية بعد غيبته الطويلة، ودوّن رحلته في كتاب: "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة".
توليه القضاء:
عاد ابن العربي من المشرق إلى إشبيلية بثروة علمية هائلة، وكانت حصيلته العلمية داخل الأندلس وخارجها، وقد جمع بين المعارف وتكلم في أنواعها، وحرص على أدائها ونشرها، وتمييز صحيحها من سقيمها بما تحصله من معرفة المذاهب الأربعة، والتبحر في العلوم الاثني عشر من علوم الشريعة، والعارضة الكبيرة التي امتلكها نتيجة معاشرته مختلف المذاهب وأربابها.
ثم استقضي بإشبيلية فقام بهذه المهمة أجمل قيام، وكان من أهل الصرامة في الحق والشدة والقوة على الظالمين، والرفق بالمساكين، ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم.
تآليفه:
ترك المترجم تآليف سارت بها الركبان، تميزت بوسع الاطلاع، وعمق التفكير، وقوة العارضة، ورجحان الحجة، والمناظرة والبحث، ومن أبرزها:

1- "أنوار الفجر" في التفسير، أتمه في ثمانين ألف ورقة.
2- "أحكام القرآن" في التفسير كذلك.
3- "الناسخ والمنسوخ".
4- "القبس شرح موطأ مالك بن أنس".
5- "عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي".
...وغير ذلك من المؤلفات الكثيرة والتي طبع العديد منها.
تلامذته:
أخذ عنه جمهور من أعلام الأندلس والمغرب، وأثنوا عليه وعلى علمه وكفاءته، منهم: ابنه القاضي محمد، والقاضي عياض بن موسى اليحصبي، وأبو زيد السهيلي، وأحمد ابن خلف الطلاعي، وعبد الرحمن بن ربيع الأشعري، والقاضي أبو الحسن الخلعي...وغيرهم.

وفاته:
توفي – رحمه الله تعالى - في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة منصرفه من مراكش، وحمل إلى فاس حيث دفن فيها.
الفصل الأول:
منهج القاضي ابن العربي في الاستنباط الفقهي

يعتبر القاضي أبو بكر ابن العربي – رحمه الله – السنة هي المصدر الثاني من مصادر الإسلام، كما جميع علماء الأصول، والسنة والقرآن وحيين، إلا أن السنة وحي غير متلو والقرآن وحي متلو، وقد أكد هذا في مواضع كثيرة من تفسيره(2).

وتمسك ابن العربي بالصحيح المتواتر والمشهور من السنة النبوية، والتزمه أصلا من أصول الأحكام والمسائل الشرعية، ودليلا من أدلتها.

ويأخذ ابن العربي بخبر الواحد إذا كان راويه عدلا، وخبر الواحد هو: الذي لم يتواتر ولم يشتهر عند التابعين ولا تابعيهم، ثم يعده أصلا من

محمد عوض عبد الله
22-12-2006, 15:16
أصول الأحكام يلزم العمل به. قال رحمه الله: "وخبر الواحد عند المبتدعة باطل. قلنا: خبر الواحد أصل عظيم لا ينكره إلا زائغ، وقد أجمعت الصحابة على الرجوع إليه، وقد جمعناه في جزء"(3).

وهو – رحمه الله – يقرر الحديث، ويذكر رتبته، ثم يتحدث عن فقهه معللا وباحثا في الخلاف. فيحرر خلاف الصحابة أو التابعين، ثم دليل كل فريق، ثم يرجح الحكم النهائي في المسألة.

ومثال ذلك في تفسيره لآية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. [البقرة/ 185]، قال:

"وفي "الصحيح" عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيته؟. فقلت: ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟. قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فقلت له: أوَلا تكتفي برؤية معاوية؟. قال: لا؛ هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال ابن العربي: "واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا، فقيل: رده لأنه خبر واحد. وقيل: رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع، وهو الصحيح، لأن كُريبا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بشهادة، ولا خلاف في أن الحكم الثابت بالشهادة يجزي فيه خبر الواحد"(4)...

كما أن ابن العربي بحكم مالكيته، يلتزم في الاستنباط أصول المالكية؛ كالقرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس، والاستحسان، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وعمل أهل المدينة، وفتوى الصحابة، والعرف والعادة، واعتبار شرع من قبلنا.

فهذه الأصول شكلت في جملتها مصادر وأدلة الأحكام عنده، بحيث أقام عليها فروعه ومسائله الفقهية المختلفة.
وقد اتضح من واقع مؤلفاته ومناقشاته في كتبه صدق التزامه بهذه الأصول في الدلالة على الأحكام والقضايا الفقهية، بحيث جاءت وافية مؤدية الغرض المقصود. وبذلك كان ابن العربي – رحمه الله تعالى – مالكيا حقيقة في أصوله وفروعه، وإن كان يعد من مجتهدي المذهب(5).

وابن العربي في أصوله له اختيارات خاصة، وأمور ركز عليها حين استعراضه للأدلة المتخالفة، والأحكام المختلف بعضها مع بعض، فهو يرى أن: "الأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون، لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال؛ أضيف الأمر والنهي والحكم إليها، وعلق بها مجازا بديعا على معنى الكتابة بالمحل عن الفعل الذي يحل به من باب قسم التسبب في المجاز"(6).

كما يرى أن الرخصة في الشريعة الإسلامية: تشريع مستثنى بني على أعذار شرعية معتبرة، رفقا بالعباد ورحمة بهم، ورفعا للحرج وتحقيقا لليسر والتوسعة. بيد أنه لا يجوز الاسترسال والتمادي في الأخذ بالرخص لئلا يفضي ذلك إلى التلاعب أو التلهي أو خروج الأمر عن مقتضياته ومقاصده".

كما يرى أن الحيل الشرعية هي: "التوصل إلى مباح واستخراج الحقوق بالطرق الخفية". وقد أخذ بها ابن العربي مشروطة بعدم المخالفة للنصوص الشرعية وأصولها، فإن خالفت الأصول وقلبت الحق باطلا والباطل حقا، وأحلت ما حرم الله وحرمت ما أحل الله؛ فهي محرمة شرعا ولا يؤخذ بها(7).

كما يتعرض لدلالات الألفاظ، ويذكر منها العام والخاص، في أمثلة كثيرة من كتبه، كما فرق بين التخصيص والنسخ، ويرى بأنهما أمران

قال رحمه الله: "والدم؛ اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى هاهنا مطلقا، وعينه في سورة الأنعام مقيدا بالمسفوح، وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعا". وذلك في تفسيره لآية: {إنما حرم عليكم الميتة والدم}. [البقرة/ 173].

ويرى تقييد القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، وتفصيل المجمل وتوضيح المشكل، كما يعتبر القواعد الأصولية؛ كالضرورات تبيح المحظورات، ويزال الضرر الأشد بالضرر الأخف، والمؤمنون عند شروطهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ورفع المؤاخذة على ما في النفوس، ورفع الضي والإصر على غير المستطيع(8).
----------------------------------------------------------
(1) مصادر الترجمة: "الغنية" للقاضي عياض (ص66ح، "الصلة" لابن بشكوال (ص82)، "تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 1294)، "سير أعلام النبلاء" للذهبي (20/ 197)، "نفح الطيب" للمقري (2/ 25)، "سلوة الأنفاس" للكتاني (3/ 245).
(2) انظر على سبيل المثال "أحكام القرآن (2/ 531)..
(3) "احكام القرآن" (2/ 586)..
(4) "أحكام القرآن"
84)..
(5) "شجرة النور الزكية" (1/ 82)..
(6) "أحكام القرآن" (1/
371)..
(7) "ابن العربي المالكي الإشبيلي وتفسيره أحكام القرآن" (ص288)..
(8) "ابن العربي المالكي الإشبيلي وتفسيره أحكام القرآن" (ص290-292)..


الفصل الثاني:
مذهب القاضي أبي بكر ابن العربي في الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض

التعارض والترجيح:
لا يخفى أن التعارض والترجيح علم يقف على زبدة علوم القرآن والسنة، وفي الفقه مرتبة خاصة اسمها "مرتبة الفقيه المرجح". ويلجأ إلى الترجيح حين كون أحد الدليلين يقتضي حكما خلاف الآخر، كأن يقتضي أحدهما الحل والآخر الحرمة، وحيث إن صحيح النقل موافق لصريح العقل كما لا يخفى، والعقل لا يقبل صحة متعارضين، فإن العلماء لجؤوا إلى طرق عدة لفك التعارض.
والتعارض يكون في حالات معينة، هي:
1- اتحاد محل النصين المتعارضين.
2- اتحاد زمان ورود النصين مع اتحاد المحل.
3- تضاد الحكمين الثابتين بنصين متعارضين.
4- مساواة الدليلين المتعارضين قوة وضعفا.
ويدفع التعارض أولا: بالتوفيق بين النصين المتعارضين، وإلا فينظر أيهما المتقدم على الآخر زمانا، فيكون الآخر ناسخا للأول، فإن تعذر العلم بالنسخ رجح أحدهما، فإن لم يوجد ما يحقق الترجيح جمع بينهما إن أمكن، فإن لم يمكن الجمع بينهما؛ تساقطا وعدل إلى ما دونهما مرتبة.
أما قواعد الترجيح، فتكون من طريق السند والمتن.
أما السند: فالمتواتر يقدم على غيره، فيقدم الكتاب على السنة غير المتواترة، والسنة المشهورة على خبر الآحاد، ويقدم فقه الراوي وضبطه وورعه على غيره، ويرجح خبر الراوي الذي لا يروي إلا عن ثقة على غيره...إلخ.

أما المتن: فيرجح من هو أقوى في الدلالة: فالمحكم على المفسَّر، والمفسر على النص، والنص على الظاهر والخفي على المشكل، والحقيقة على المجاز، والصريح على الكناية، والعبارة على الإشارة، والإشارة على الدلالة، ومفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة(1).

ومن هذه الفدلكة وما سيأتي بعد ذلك من الأمثلة؛ سيظهر لنا مدى التزام القاضي أبي بكر ابن العربي بقواعد الأصول، وقواعد الترجيح والتوفيق عند تعارض النصوص، وسأسوق في هذا الفصل مثالين من ذلك بإذنه تعالى.
المثال الأول:
قال القاضي ابن العربي: "قال النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر من حديث ابن عباس إلى قوله فيها: طهرة لصيامكم من اللغو والرفث. خرجه أبو داود"(2).
"وخرّج النسائي عن عبد الله أو ثعلبة بن صُعَير وذكر صدقة الفطر في حديثه المشهور إلى أن قال: "أما غنيكم فيزكيه الله بها، وأما فقيركم فيرد الله عليه أفضل مما أعطى"(3)0
"وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن ربيعة وصاحبه حين جاءاه يسألانه ولاية الصدقة، فقالا: نصيب يا رسول الله ما يصيب الناس، ونؤدي ما يؤدون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"(4).
"فإن قيل: هذه أحاديث متعارضة، رويتم في حديث: إن الصدقة طهرة وزكاة. ورويتم في حديث آخر: إنها أوساخ الناس، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم القيء لها مثلا، فقال: العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه(5). ثم رويتم من طريق آخر: إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل، وكف الرحمن يتقدس عن القيء والوسخ؟".
"قلنا: هذا مهم من التعارض، وهو ميدان فات علماؤنا الاستباق به، والجواب عنه بديع: وذلك أن الباري تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق بأفصح الكلام، فضرب الأمثال وصرف الأقوال، وسلك في كل شعب من المعاني قدرة على القول، واستلطافا للقلوب في جانبي الرغبة والرهبة اللتين انتظم بهما التكليف وارتبط بهما الثواب والعقاب، وبين الأحكام الشرعية التي بُعث لإيضاحها، فإن المعاني العقلية معلومة لا تفتقر إلى بيانه، ولا تعرض هو أيضا لها".
"وليست الأوصاف الشرعية من حسن أو قبح أو حلال أو حرام أو طاعة أو معصية بصفات لأعيان قائمة بها، كالصفات الحسية من الألوان والأكوان، وإنما هي عبارة عن تعلق خطاب الشرع بالعين على وجه المدح أو في سبيل الذم، فتختلف التسميات على هذه المسميات بحسب اختلاف تعلق خطاب الشارع، وقد مهدنا لذلك في كتاب "الأصول".
"فإذا ثبت هذا؛ فليس يمتنع وصف الشيء الواحد بضدين من أحكام الشرع، فقد تكون عين واحدة حلالا حراما في حالة واحدة في حق شخصين، أو في حالين في حق شخص واحد، فالصدقة طهرة للمال في حق صاحب المال، وقيء إن رجعت إليه، ورزقٌ حسن في يد

محمد عوض عبد الله
22-12-2006, 15:17
المستحق إذا حصلت في يديه. ولو بقيت في المال لغيرته وأخبثته. فإذا خرجت عنه خرجت طاهرة في ذاتها فطهرته، أي: منعته من أن يخبث ببقائها فيه، فلا تقع في كف الرحمن إلا وهي طاهرة مطهرة، ولا تبقى عند الغني إلا وتكون خبيثة مخبثة".
"وضرب النبي صلى الله عليه وسلم كف السائل مثلا بكف الرحمن ترغيبا في العطاء وحثا على الصدقة. ولذلك قال بعض علمائنا: إن اليد العليا هي يد السائل، واليد السفلى هي يد المعطي. والتفسير الذي وقع في الحديث من: أن اليد العليا هي المنفقة. فذلك من كلام الراوي وصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم"(6).
فتجد أن القاضي رحمه الله سلك مهيعا فريدا في الجمع بين تلك النصوص المتعارضة الظاهر وذلك عن طريق:
1- فلسفة اللغة، بذكر رجوع معنى القبح والحسن لأي مصدريه.
2- القبح والحسن العقلي والشرعي، ولمن يعودان. وهذا مبحث أصولي وكلامي شهير.
3- إقامة معاني الشرع على الصفة بتغير مصدريها، فالقبح للصدقة غير المدفوعة، والطهارة للصدقة المدفوعة. فنفس المتغيران مقامان على ثابت واحد.
4- إعماله للصنعة الحديثية من حيث حكمه الإدراج على زيادة تعريف اليد العليا واليد السفلى في الصدقة.
المثال الثاني:
وهذا المثال في جمعه لما يظهر من التناقض في أحاديث قبلة الصائم زوجه.
إذ روى الإمام مالك رحمه الله في "الموطأ" عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجدا شديدا. فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك. فدخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك لها. فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرا، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الله يحل لرسول الله ما شاء.
ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لهذه المرأة؟", فأخبرته أم سلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟". فقالت: "قد أخبرتها". فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا، وقال: "لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الله يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء". فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده"(7).
وروى في "الموطأ" كذلك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها: قالت: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم". ثم ضحكت(8).
وروى الإمام مالك في "الموطأ" كذلك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن عبد الله ابن عباس سئل عن القبلة للصائم؟. فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب(9).
وفيه عن نافع أن ابن عمر كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم(10).
قال القاضي رحمه الله: "ذكر حديث أم سلمة رضي الله عنها وهو مثل الذي قبله في الاقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإحالة الصحابة في قصد البيان عليه، كما كان هو يحيل عليه صلى الله عليه وسلم عليه. وقول السائل: الله يحل لرسوله ما شاء. يعني أنه: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يختص بأشياء ظن أن هذا منها، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأصل الاسترسال على الاستدلال بجميع أفعاله حتى يقوم الدليل على تخصيصه بها".
"وقوله: إني لأتقاكم لله. ذكر قوله: أخشاكم. مقرونا بالرجاء، وذكر قوله: أتقاكم. على القطع، ورجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع، لأنه لم يخب ظنه بربه، وقطعه قطع؛ لأنه خبر عن حقيقة حاله، أعلمهم بذلك على سبيل الاعتقاد والإعلام بالدين، لا على سبيل الفخر على المسلمين".
"فقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، وكانت تقول: وأيكم يملك نفسه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك نفسه؟. فلذلك شدد فيه ابن القاسم عن مالك في كل صوم؛ لأنها تدعو إلى خير، ورخص فيها في التطوع من رواية ابن وهب، وذكره ابن حبيب".
"والصحيح عندي: ما في الحديث من قولها: وأيكم يملك إربه؟. فلا ينبغي لأحد أن يتعرضها إلا أن يكون شيخا منكسر الشهوة، ولعل هذا السائل كان كذلك؛ لأن في تعاطيها تغريرا بالعبادة، وتعريضا لها لأسباب الفساد، وذلك مكروه باتفاق من الأمة حيث يُتوقع. وهذا مثله"(11).

وقد جمع القاضي أبو بكر ابن العربي – رحمه الله تعالى – بين هذه النصوص بأن حمل نهي الصحابيين الجليلين على الكراهة، وأن تجويز النبي صلى الله عليه وسلم لذلك لا يدل على إطلاقه إلا لمن يملك نفسه، فجمع بين النصوص، واستأنس برأي الإمام وتلاميذه، ولم يهمل أيا منها.
الخاتمة في خلاصة الموضوع


اتضح لنا من هذا البحث المجمل أن القاضي أبا بكر ابن العربي رحمه الله تعالى كان إماما من الأئمة الكبار، عالما موسوعيا، استثمر ما اكتسبه من بيئته الراقية، ورحلته الواسعة، ووظائفه العالية من التجارب، وبوتقها في قالب فقهي متين، اغتنم فيه القواعد الأصولية، وأعملها على ما حباه الله به من الاطلاع الواسع على الكتاب والسنة، وفقه السلف الصالح، ليمثل بذلك الفقيه المتضلع، الذي لا يهمل النصوص أو يغفلها، كما لا يتعسف في قلب المعاني وخلق الاستنباطات الشاذة.
فهو فقيه مالكي بالدرجة الأولى، مجتهد ناقد، حر الرأي والضمير، قوي العارضة، متمكن من أصول الفقه ووسائل الترجيح، يصدق فيه ما وصفه به ابن بشكوال بقوله:
"كان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق وحسن المعاشرة، وكثرة الاهتمام وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود"(12).
وإلى هنا تم ما رمت جمعه، وأسأل الله تعالى التوفيق والسداد، وصلى وسلم على نبيه ورسوله خير العباد، وآله وصحبه وكل مهدي هاد.

الشريف محمد حمزة بن علي الكتاني غفر الله له
------------------------------------------------------------
(1) "ابن العربي المالكي الإشبيلي وتفسيره أحكام القرآن" (ص295)..
(2) أخرجه أبو داود في سننه (ؤقم: 1609)، وابن ماجه في سننه (رقم 1827) عن ابن عباس رضي الله عنهما)..
(3) أخرجه أبو داود في سننه (رقم: 1619)، والحاكم في "المستدرك" (3/ 314)..
(4) أخرجه مسلم في صحيحه (رقم: 1072) عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه.
(5) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 282)، والبخاري في "الصحيح" (رقم: 1490-فتح)، ومسلم في صحيحه: (رقم: 1620)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(6) "القبس" (2/ 71).
(7) "الموطأ" (2/ 132 – قبس)..
(8) أخرجه البخاري في صحيحه (رقم: 1928-فتح الباري)، ومسلم في صحيحه (رقم: 1106)..
(9) "الموطأ" (2/ 133- القبس)..
(10) "الموطأ" (2/ 133 – القبس)..
(11) "القبس" (2/ 133)..
(12) "ابن العربي المالكي الإشبيلي وتفسيره أحكام القرآن" (ص389).
منقول بتصرف من بحث لمحمد حمزة الكتاني