المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شروح مقدمة ابن الصلاح وحواشيها



محمد عوض عبد الله
13-12-2006, 17:14
شروح مقدمة ابن الصلاح وحواشيها

بسم الله والحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد.
ابن الصلاح هو الإمام الحافظ المحدث المؤرخ الفقيه الشافعي الشهير أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوري نزيل دمشق، توفي سنة (643هـ). له ترجمة في كتب كثيرة متداولة، فلأقتصر هنا على بعض ما أورده في حقه الحافظ الذهبي في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) (4/1430-1431)، قال:
« قال أبو حفص ابن الحاجب في معجمه: إمام ورع وافر العقل حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بارع في الطلب حتى صار يضرب به المثل، واجتهد في نفسه في الطاعة والعبادة.
قلت [القائل هو الذهبي]:وكان سلفياً حسن الإعتقاد، كافاً عن تأويل المتكلمين، مؤمناً بما ثبت من النصوص، غير خائض ولا معمق،(رحمه الله فقد كان زاهدا صوفيا على منهج اهل السنة والجماعة) وكان وافر الجلالة حسن البزة، كثير الهيبة موقراً عند السلطان والأمراء ». انتهى.
ألف ابن الصلاح كتاباً في علم المصطلح اشتهر جداً وكان سبباً في انتشار هذا العلم بعد انحساره، وفي قوته بعد ضعفه وفي إقبال الطلاب عليه بعد إهماله؛ وهو الذي يسمى (علوم الحديث) أو (معرفة علوم الحديث) واشتهر باسم (مقدمة ابن الصلاح)؛ وقد قال الشيخ الدكتور حاتم العوني في (المنهج المقترح لفهم المصطلح) في الفصل الرابع منه وهو العصر الذهبي للسنة:
)فقال ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث----).
ثم علق على هذه العبارة في الهامش ما نصه: (هذا هو الاسم الصحيح لكتاب ابن الصلاح، كما في ديباجة كتابه (ص6)، وكما في المخطوطات الموثقة له: انظر مقدمة تحقيق نور الدين عتر لكتاب (41 – 43)، ومقدمة تحقيق عائشة بنت عبد الرحمن له أيضاً (122 ـ 134)، وبنحو ذلك سماه ابن الصلاح أيضاً في كتابه (صيانة صحيح مسلم (75).
وعلى هذا فتسميته بـ(علوم الحديث)، أو بـ( مقدمة ابن الصلاح) ليست تسمية صحيحة!) انتهى.
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
قال ابن الصلاح في خطبة كتابه هذا: (هذا وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويُعنى به محققو العلماء وكَمَلَتُهم، ولا يكرهه من الناس إلا رذالتهم وسفلتهم؛ وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها؛ ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء.
وقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً، عظيمة جموع طلبته، رفيعة مقادير حفاظه وحملته؛ وكانت علومه بحياتهم حيةً، وأفنان فنونه ببقائهم غضةً، ومغانيه بأهله آهلةً؛ فلم يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العَدد ضعيفة العُدد، لا تُعنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غفلاً، ولا تعنى في تقييده بأكثر من كتابته عطلاً، مطَّرِحين علومه التي بها جَلَّ قدره، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره. فحين كاد الباحث عن مشكله لا يلفي له كاشفاً، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفاً، منَّ الله الكريم تبارك وتعالى عليَّ – وله الحمد – أن أجمع بكتابٍ معرفة أنواع علم الحديث، هذا الذي باح بأسراره الخفية، وكشف عن مشكلاته الأبية، وأحكم معاقده، وأقعد قواعده، وأنار معالمه، وبين أحكامه، وفصل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح قواعده وفصوله، وجمع شتات علومه وفوائده، وقنص شوارد نكته وفرائده --- ).
لخص ابن الصلاح في هذا الكتاب كتب الخطيب في هذا العلم، وزاد على ذلك الملخص فوائد وأشياء انتخبها من غير كتب الخطيب؛ ولذلك تكاثر إقبال العلماء والطلبة عليه منذ بداية ظهوره ودام ذلك كذلك حتى صار الكتاب كما وصفه الحافظ ابن حجر: (لا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر). انتهى
يمتاز كتاب ابن الصلاح بسهولة عبارته ورقتها، ووضوح إشارته ودقتها، واكتمال بلاغته وهُدُوِّها، وجمال صياغته وعُلُوِّها، فهو في غاية الإمتاع للمطالع فيه؛ وهذا من أكبر أسباب نجاحه وشهرته بين أهل العلم وطالبيه؛ وكذلك تفرده بموضوعه بين أهل زمانه؛ وأما السبب الأكبر في ذلك النجاح وتلك الشهرة، فلا أظنه سوى القبول من الله تبارك وتعالى (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)؛ ولا نزكي على الله أحدا.
هذا ومما قاله العلماء في كتاب ابن الصلاح: قول العلامة الحافظ ابن كثير في اختصاره له (ص21): (ثم إنه فرق بين متماثلات منها [يعني أنواع علوم الحديث] بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكر كل نوع إلى جانب ما يناسبه).
وقول الحافظ ابن حجر في أوائل (نزهة النظر): (أما بعد؛ فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت) للأئمة في القديم والحديث. فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه (المحدث الفاصل)، لكنه لم يستوعب؛ والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، لكنه لم يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، فعمل على كتابه مستخرجاً، وأبقى أشياء للمتعقب. ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، فصنف في قوانين الرواية كتاباً سماه (الكفاية)، وفي آدابها كتاباً سماه (الجامع لآداب الشيخ والسامع)؛ وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: (كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه)
. ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه (الإلماع)، وأبو حفص الميانجي جزءاً سماه ما لا يسع المحدث جهله. وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتَهَرَت، (وبسطت) ليتوفر علمها (واختصرت) ليتيسر فهمها؛ إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري نزيل دمشق، فجمع – لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية – كتابه المشهور، فهذب فنونه، وأملاه شيئاً بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر).

محمد عوض عبد الله
13-12-2006, 17:16
وقد بين الحافظ البقاعي تلميذ الحافظ ابن حجر عذر ابن الصلاح في الذي ذكره ابن كثير وابن حجر من عدم اكتمال ترتيب الكتاب بحسب تشابه الأنواع والأبواب بقوله في (النكت الوفية على شرح الألفية): (قيل: إن ابن الصلاح أملى كتابه إملاء، فكتبه في حال الإملاء جمع جمٌّ، فلم يقع مرتباً على ما في نفسه، وصار إذا ظهر له أنَّ غيْرَ ما وقع له أحسن ترتيباً، يراعي ما كُتب على النسخ، ويحفظ قلوب أصحابها، فلا يغيرها، وربما غاب بعضهم، فلو غيّر ترتيبه تخالفت النسخ، فتركها على أول حالها). نقله حاجي خليفة في (كشف الظنون) (2/1162).
أحسن طبعات الكتاب: طبعات محمد راغب الطباخ ونور الدين عتر وبنت الشاطئ؛ ولا أدري إن كان قد ظهر في هذه السنوات لهذا الكتاب طبعة أحسن من هذه الثلاث، أو لم يظهر.
وأما الكتب المتعلقة بهذا الكتاب تعلقاً شديداً مباشراً أو المتفرعة عنه تفرعاً بيناً ظاهراً، فكثيرة جداً؛ ولذلك رأيت أن أجعل ما عرفته منها في ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: مختصرات الكتاب ومهذباته.
والثاني: شروحه وحواشيه.
والثالث: منظوماته.
ثم إني لم أذكر في هذه الأنواع الثلاثة إلا ما ذكر مؤلفه أو غيره ما يُعلم به أنه منها، ولولا ذلك لطالت ذيول الكلام في ذلك المقام، فإن جل الكتب التي صنفت في المصطلح بعد (المقدمة) كانت في الجملة مكثرة عنها ومعتمدة عليها، ومستمدة منها وراجعة إليها، ومتعلقة بها ودائرة حواليها؛ فتلك الكتب بهذا الاعتبار لا يبعد أن تعدَّ تابعة لـ(مقدمة ابن الصلاح) أو داخلة في فروعها؛ ولكني مشيت على الشرط المذكور فليعلم ذلك.
هذا وقد سبق لي أن تكلمت على مختصرات المقدمة واليوم أتكلم عن شروحها؛ وأتكلم في وقت قادم إن شاء الله تعالى على منظوماتها؛ ومن الله وحده التوفيق.
**************

شروح المقدمة وحواشيها
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
لا شك أنه كُتب على كتاب ابن الصلاح - بسبب عظم شهرته وكثرة تداول المسلمين له - عشرات من الحواشي جمعها العلماء والمدرسون والطلاب على نسخهم من المقدمة، منهم من فعل ذلك لنفسه، ومنهم من صنعه لغيره، ولكن بقي بعضها ناقصاً أو من غير تبييض ولا تحرير، وبعضها لم ينشره أصحابه، وبعضها ضاع قبل أن يعرف، وبعضها كان شديد الاختصار فلم يلتفت إليه أحد؛ إلى غير ذلك من الأمور المانعة للشرح أو الحاشية من أن ينتشر أو أن يعرف.
وفيما يلي ما وقفت عليه أو على خبره من تلك الشروح والحواشي.
1ـ (إصلاح كتاب ابن الصلاح) لشمس الدين ابن اللبان. انظر الكلام الآتي بعد قليل على حاشية الزركشي، تحت رقم (6).
2- (إصلاح ابن الصلاح) للحافظ الحنفي مغلطاي (ت762)، وله فيه ـ كعادته في كتبه ـ أوهام أشار إلى كثرتها ابن حجر في (المجمع المؤسس) (2/301)، ويوجد في دار الكتب المصرية مخطوطاً، ولعله طبع.
3ـ الجواهر الصحاح في شرح علوم الحديث لابن الصلاح، لعز الدين بن بدر الدين بن جماعة (ت767). راجع مقدمة بنت الشاطئ على (مقدمة ابن الصلاح) (ص71).
4ـ (التقييد والإيضاح لما أغلق وأطلق من كتاب ابن الصلاح)، للحافظ الكبير الشهير زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت806). قال في خطبته:
(فإن أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الإصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح؛ جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعا؛ إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه؛ فأردت أن أجمع عليه نكتاً تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه؛ وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها وأبين تصويب كلام الشيخ وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم، وينفق من مُزْجَى البضاعات ما لا يصلح للسوم؛ وقد كان الشيخ الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي أوقفني على شيء جمعه عليه، سماه (إصلاح ابن الصلاح)، وقرأ من لفظه موضعاً منه، ولم أر كتابه المذكور بعد ذلك.
وأيضاً فقد اختصره [أي كتاب ابن الصلاح] جماعةٌ، وتعقبوه في مواضع منه، فحيث كان الإعتراض عليه غير صحيح ولا مقبول ذكرته بصيغة (أُعترض عليه)، على البناء للمفعول). انتهى نقلي عن العراقي.
ولعل هذا الكتاب أفضل ما وصلنا من تعاليق العلماء على المقدمة باستثناء ما كتب تلميذ العراقي وخريجه الحافظ ابن حجر.
طبع (التقييد والإيضاح) أكثر من طبعة، ومن أجود طبعاته طبعة الشيخ محمد راغب الطباخ.
5ـ شرح عز الدين بن محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن بدر الدين (ت819)؛ ذكره السخاوي في (الضوء اللامع) (7/172)؛ وفي متحف طوبقبو سراي بتركيا نسخة منه.
6ـ (النكت على ابن الصلاح)، لمحمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي صاحب (البحر المحيط) في أصول الفقه؛ (ت794).
قال مؤلفه في خطبته: (الحمد لله الذي أعلى منار الإسلام بالسنة ورفع بها عن القلوب الأكنة، وحرس سماها بجهابذة الحفاظ من الأمراد الجِنة؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الخلق وقائدهم إلى الجنة وعلى آله وصحبه الذين جعلهم الله أمنة للناس ومنة؛ أما بعد فلما كانت السنة الوحي الثاني بعد المتشابه المثاني وجب على كل ذي لب حفظها وذكرها وتعليمها ونشرها؛ ومن المعين على ذلك معرفة أوضاعٍ اصطلح عليها حملتها ورسومٍ بينها نقلتها؛ وقد انتدبتْ

محمد عوض عبد الله
13-12-2006, 17:17
لجمع ذلك جماعة؛ وأجمعهم له أبو عبد الله الحاكم النيسابوري وأبو بكر--- الخطيب البغدادي، وأبو محمد الرامهرمزي.
وجاء بعدهم الإمام أبو عمرو ابن الصلاح فجمع مفرقهم وحقق طرقهم وأجلب بكتابه بدائع العجب وأتى بالنكت والنخب حتى استوجب أن يكتب بذوب الذهب، والناس كالمجمعين على أنه لا يمكن وضع مثلِه، وقصارى أمرهم اختصاره من أصله.
وأخبرني شيخنا العلامة مغلطاي رحمه الله تعالى أن بعض طلبة العلم من المغاربة، كان يتردد إليه، ذكر له أن الشيخ شمس الدين ابن اللبان وضع عليه تأليفاً سماه (إصلاح كتاب ابن الصلاح) وأنه تطلب ذلك دهره فلم يجده؛ ثم شرع الشيخ علاء الدين في التنكيت وسماه بالاسم المذكور لكنه لا يشفي الغليل وإنما تكلم على القليل.
فاستخرت الله تعالى في تعليق عليه فائق الجمع شائق السمع يكون لمستغلقه كالفتح ولمستبهمه كالشرح؛ وهو يشتمل على أنواع:
الأول: بيان ما أشكل ضبطه فيه من الأسماء والأنساب واللغات.
الثاني: حل ما يعقد فهمه.
الثالث: بيان قيوده واحترازاته في الرسوم والضوابط.
الرابع: التعرض لتتمات أمور مهمة أغفلها.
الخامس: التنبيه على أوهام وقعت له في النقل.
السادس: اعتراضات وأسئلة لا بد منها.
السابع: ما هو الأصح في أمور أطلقها.
الثامن: أمور مستقلة هي بالذكر أهم مما ذكره).
انتهى كلام الزركشي؛ وهذه الأنواع التي بينها من نكته ما أجدرها أن يقتدي بها، أو ينسج على منوالها، المعلقون على الكتب في هذا العصر الذي كثر قراؤه وقل فقهاؤه؛ والله المستعان.
طبع هذا الكتاب بتحقيق الدكتور زين الدين بن محمد في الرياض عام1998.
7ـ نكت الحافظ العَلم ابن حجر على ابن الصلاح والعراقي، وهو غاية في بابه، لا ينازع في هذا منصف، ولكنه لم يتم منه إلا نحو نصفه ؛ وما أشد حسرة طلبة الحديث بعد ابن حجر على ما فاتهم من تعليقاته على أبواب الجرح والتعديل وما يليها في الكتاب؛ وهي لب علم المصطلح وزبدته، وفيها تظهر مرتبة العالم وتنكشف مهارته؛ وكم في المصطلح من أمر مستشكل، إذا تكلم عليه ابن حجر زال إشكاله وانحل؛ ولكن ليس لنا إلا أن نسترجع ونقول: قدر الله وما شاء فعل.
هذا؛ ويوجد إشكال يسير حول القدر الذي أتمه ابن حجر من الكتاب؛ وأنا أكتفي بهذه الإشارة إليه؛ ومن أراد أن يعرف ما هو ذلك الإشكال فليقارن مطبوع الكتاب بما ورد في (تهذيب التهذيب) لابن حجر – ترجمة الخليل بن أحمد (3/166)، وبما ورد في (فتح المغيث) للسخاوي (3/274).
*****
قال ابن حجر في خطبة كتابه هذا الذي نحن بصدد الترجمة له:
(فإن الاشتغال بالعلوم الدينية النافعة من أولى ما صرفت فيه فواضل الأوقات، وأحرى بأن يهجر لها الملاذ والشهوات، ولم آل جهداً منذ اشتغلت بطلب الحديث النبوي في تعرف صحيحه من معلوله، ومنقطعه من موصوله، ولم أَلْوِ [ضبطت في طبعة المدخلي هكذا (آلو)؛ وهو خطأ] عناناً عن الجري في ميدان نقلتهِ، والبحث عن أحوال حملتهِ، لأن ذلك هو المرقاة إلى معرفة سقيمه من صحيحه وتبيين راجحه من مرجوحه، ولكل مقام مقال، ولكل مجال رجال.
وكنت قد بحثت على شيخي العلامة حافظ الوقت أبي الفضل [ابن] الحسين، الفوائد التي جمعها على مصنف الشيخ الإمام الأوحد الأستاذ أبي عمرو ابن الصلاح، وكنت في أثناء ذلك وبعده إذا وقعت لي النكتة الغريبة والنادرة العجيبة، والاعتراض القوي طوراً، والضعيف مع الجواب عنه أخرى: ربما علقت بعض ذلك على هامش الأصل، وربما أغفلته؛ فرأيت الآن أن الصواب الاجتهاد في جمع ذلك، وضم ما يليق به ويلتحق بهذا الغرض، وهو تتمة التنكيت على كتاب ابن الصلاح، فجمعت ما وقع لي من ذلك في هذه الأوراق.
ورقَمت على أول كل مسألة إما (ص)، وإما (ع)؛ الأولى لابن الصلاح أو الأصل، والثانية للعراقي أو الفرع).
****
تنبيه حول اسم الكتاب:
اختلفت بعض مخطوطات الكتاب في بعض اسمه والذي يطمئن إليه القلب من الأسماء أكثر من غيره هو (النكت على ابن الصلاح)، فقد قال ناسخ إحدى مخطوطات الكتاب، وهي اليمنية: (هكذا مكتوب بخط المؤلف على أصله)؛ ويؤيده قول الحافظ في (نزهة النظر): (وقد أوضحت ذلك في النكت على ابن الصلاح)، وقوله في (فتح الباري) في أكثر من موضع: (فيما علقته على ابن الصلاح).
فإن قيل: ابن حجر له في هذا الكتاب نكت على تقييدات وإيضاحات العراقي أيضاً وليس على كلام ابن الصلاح فقط، فلمَ لم يشر إلى ذلك في تسمية الكتاب؛ فالجواب أنه نظر في التسمية إلى الأغلب، فإن أكثر تعقباته وتعليقاته إنما كانت على ابن الصلاح؛ ثم إن التنكيت على العراقي يدخل في جملة التنكيت على ابن الصلاح، لأنه بمثابة تكميل لنكت العراقي على ابن الصلاح، ولأن التنكيت على الفرع داخل في التنكيت على الأصل في الغالب.
وكلامي الأخير هذا يفسر لك معنى قول ابن حجر في (النكت الظراف على الأطراف) (1/389): (وقد ذكرت ذلك مبسوطاً في زوائد النكت على علوم الحديث لابن الصلاح).
إذا علمت هذا فربما استغربت بعده – وحُقَّ لك - ما فعله في هذا الشأن السيوطيُّ ثم الكتاني؛ فقد أسمى السيوطي كتاب ابن حجر هذا في (نظم العقيان) (ص47): (الإيضاح بنكت ابن الصلاح)، وأسماه الكتاني في (الرسالة المستطرفة) (ص174): (الإفصاح على نكت ابن الصلاح).
وقد حققها الدكتور ماهر الفحل ..........وصدرت عن دار الكتب العلمية