المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحاكميه لله



عبد الحميد فهمي الجعبه
11-12-2006, 21:06
إن الحاكمية لا تكون إلا لله ، و هي من أولى خصائص الألوهية التي انفرد بها سبحانه و تعالى ، و ليس لأحد من البشر أن يدعيها ، فالمشرع هو الله و الملك هو الله و المُحرّم هو الله و هو وحده المستحق للعبادة .

و معلوم أن مصطلح العبادة يعني الاستسلام و الخضوع و الانقياد لأوامر الله في جميع نواحي الحياة ، و أن هذه الأوامر و النواهي قد وردت لنا في كتاب الله و سنة رسوله ، قال تعالى : " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " (النحل 89) ، و قال تعالى : " وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " (الحشر 7) .
و قوله تعالى : " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ " (النساء 59) ، و غيرها من الآيات التي دلت بشكل قاطع على جعل الكتاب و السنة أصلاً و مرجعاً للأحكام الشرعية .

ثم إن الله سبحانه و تعالى قد ذم الأخذ بالرأي و الهوى في الأحكام الشرعية ، قال تعالى : "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ " (يونس 59) ، و قال تعالى : "وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ " (القصص 50) .

و جاء في السنة ذمّ من يقول في دين الله بالعقل و الهوى ما رواه أبو داود و الترمذي عن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -
" من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ " .

و روى الترمذي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار " ، وقال حديث حسن صحيح .

و روى الطبراني في الكبير و البزار بإسنادِ رجاله رجال الصحيح ، عن عـوف بـن مالك عنه - صلى الله عليه و سلم - قـال : " تفترق أمتي على بضع و سبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قـوم يقيسون الأمـور برأيهم فيحلّون الحرام و يحرمون الحلال "
.
وفي صحيـح البخاري عن عبد الله بن عمرو سمعت النبي – صلى الله عليه و سلم – يقول : " إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً ، و لكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال ، يستفتون فيفتون برأيهم ، فيُضلون و يُضِلًّون " .

و من أقوال الصحابة رضي الله عنهم و التابعين لهم في ذم القول في دين الله بالعقل و الرأي :
* ما رواه ابن جرير و ابن عبد البـرعن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه –
أنه قال : " أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم " .

* روى ابن عبد البر و البيهقي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه قال: " اتقوا الرأي في دينكم " .

* روى البخاري في صحيحه عن سهل بن حنيف - رضي الله عنه -قال : " يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم "

)* و في موطأ مالك عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال : " من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - و يخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرض أنت بها " .

* ما رواه عبد الرزاق عن الشعبي قال : " ما حدّثوك عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فخذ به ، و ما قالوا برأيهم فبُل عليه " .

* و في شرح العقيدة الطحاوية : قال البخاري – رحمه الله – سمعت الحميدي يقول : " كنا عند الشافعي رحمه الله فأتاه رجل فسأله عن مسألة ، فقال : قضى فيها رسول الله - صلى الله عليه و سلم - كذا و كذا ، فقال الرجل للشافعي : ما تقول أنت فقال: سبحان الله ، تراني في كنيسة ، تراني في بيعة ، تراني على وسطي زنار؟ أقول لك قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنت تقول : ما تقول أنت ؟ رحمك الله يا شافعي فإنه لا رأي فوق رأي جاءنا من رسول الله - صلى الله عليه و سلم - .

و نخلص مما تقدم من الأدلة إلى أن الحكـم يجب أن يكون لله وحده ، أما العقل و الرأي المجرد عن الدليل في الأحكام الشرعية فباطل ، و لا أساس لـه و لا يجـوزاعتماده أصلاً و مرجعاً للفقه و الأحكام ، و فوق ذلك فإن القول في دين الله بالعقل المجرد و جعله مرجعاً إنما هو اتهام للشريعة بالنقص ، و الله تعالى يقول : " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " (المائده 3) ، و قوله : " تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ " (النحل 89) .

و القول في الدين بمحض العقل تبديل لأحكـام الله ، قال تعالى :
" قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ " (يونس 15) . إن فكرة مخالفة أوامر الله أو تبديلها و تحريفها بحجة المصلحة هي فكرة شيطانية ، أتى بها الشيطان حين وسوس لآدم و حواء أن يأكلا من الشجرة و يعصيا أمر الله بحجة مصلحتهما ، قال تعالى : "وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ " (الاعراف 9-21) .

إنه لمن الغريب أن توجد هذه الفكرة – أي الأخذ بالرأي المجرد – عند من يدّعون العلم و هم يقتفون أثر الشيطان و يهتـدون بغير هدى الله ، ألا يدرك هؤلاء أن إباحتهم ما حرم الله أو تبديـل أحكام الله هو ضلال و العياذ بالله و هو اعتداء على حاكمية الله ؟ لأن إعطاء العقـل المرجعية للأحكام أو التدخل فيها ، يعني إلغاء أن تكون الحاكمية لله ، و معنى ذلك أن يقبل العقل ما يراه مناسباً و يرد عكسه ، و هذا أيضاً ترده النصوص القطعية بوجوب التقيد بالأحكام الشرعية كما أرادها الله و رسوله ، قال سبحانـه : " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ " (الاحزاب 36) .

سليم اسحق الحشيم
11-12-2006, 21:52
السلام عليكم
أخي الفاضل عبد الحميد فهمي الجعبة بارك الله فيك على هذا الطرح المميز في تبيان أن الحاكمية لله عزوجل...وأستغل هذه الفرصة لأرحب بك ,أستاذ من أساتذة القدس الحبيب.

محمد عوض عبد الله
31-12-2006, 13:46
اخي عبد الحميد الجعبة الذي قال لك الاخ سليم الحشيم من القدس ... فاهلا وسهلا بك .. وهل انت فلسطيني ...؟ واقول انا من غزة بفلسطين .... فحياك الله بيننا في الاصلين ...
كلامك جميل ولا خلاف فيه في موضوع الحاكمية لله ... فهذه قضية مفروغ منها ، والايات التي وردت هي كثيرة جدا .. تتحدث عن الحاكمية انها لله فما من قضية الا مرجعها للحكم الشرعي ، فالحكم لله ، هذه قضية تجدها في كتب الاصلين الدين والفقه ...
ولا اظن ان احد يخالفنا فيها ... وعندما نقول مرجعية الامور لله واحكامه الشرعية ...فهو ما جعل الائمة يقولون لا تحسين الا ما حسنه الشرع ولا تقبيح الا ما قبحه الشرع .. وليس للعقل تدخل في مرجعية الاحكام ...
ونقول فاليحذر المسلم اي مسلم ان يجعل مرجعيته ليست من الاسلام ..فالله سبحانه يقول فان اختلفتم في شئ فردوه الى الله والرسول .."
ولا يمكن لاي شخص ان يغير او يبدل شرع الله ، لا احكامه .. فهذا كفر ومن يتحاكم الى شرع غيره وهو يعلم انه مخالف لشرع الله ، ورفض الشرع فقد كفر...
وهذا الشئ يحتاج من العلماء الى كلام كثير ووقت ليس بهين حتى تشيع احكام الله في ارضه وتكون الثقافة السائدة في المجتمعات الاسلامية هي الثقافة الاسلامية ..
وان نعمل على نشر الفكر الاسلامي في كل مناحي الحياة غير مفرقين بين ايات الربا وايات وايات الجهاد وايات الوضوء .
فكلها شرع لا بد ان تطبق ...
اما بالنسبة الى المصلحة ، فالشريعة اصلا جاءت لتحقق مصلحة البشر فاي مصلحة لل بد ان تكون من الشرع ..
والمصلحة نوعان نوع قائم على الشرع ونوع قائم على الهوا ..
وهذه تسمى في الشرع المصالح المرسلة ، او الاستحسان ...اما الهوا والتي ليس لها مرجع واصل ولا توافق الشرع فهذا هو الهوا بعينه ..
اما العقل فمن من المسلمين يرد به شرع جاء به الله والرسول ...لكن العقل جاء لفهم الشرع الاسلامي ..
فمثلا العقيدة علم والعلم لابد له من قواعد حتى يكون الانسان على بينة من امره فهو المكلف باعتقد امور ونفي امور ، فاذا امنت بالله كفرت بالشيطان والاهواء كلها ..واذا امنت بالتوحيد نفيت التثليث والشريك لله سبحانه ..
فهذا العقل وجد للتفكر في ايات الله والعلمل على فهما لا راد لها ...
والله المستعان