المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وفاة الناصر لدين الله أمير المغرب والأندلس آخر الأمراء الأقوياء في الأندلس .



نائل سيد أحمد
06-12-2006, 22:51
الأربعاء 10 شعبان – 610 هـ
المكان/ مراكش - المغرب
الموضوع/ وفاة الناصر لدين الله أمير المغرب والأندلس آخر الأمراء الأقوياء في الأندلس .
يخطئ من يظن أن النجاح يأتي نتيجة مجهود شخص واحد مهما بلغت مجهوداته ويخطئ من يظن أن النصر يأتي عند لحظة معينة أو عند نقطة فاصلة ذلك لأن الأهداف العظيمة تحتاج إلى مجهودات على قدر عظمتها وجسامتها , والفكرة والغاية العظيمة لابد لها من توافر عدة أشخاص كلهم على قدر المسئولية ولديه القناعة والكفاءة لتحقيق هذه الغاية والوصول إليها كل واحد منهم يعمل حتى يوصل الراية لمن بعده ومن بعده يعمل حتى يوصلها لمن بعده وهكذا حتى تصبح الأمة مهيأة لتحقيق الغاية جديرة بإنزال النصر عندها يكون الحصاد , كما حدث عند فتح بيت المقدس تعاقب عدة رجال من أجل تحقيق هذه الغاية كلهم على مستوى الهدف والغاية أولهم الأمير مودود الذي كان أول من جاهد الصليبيين ثم عماد الدين زنكي من بعده ثم نور الدين محمود ثم صلاح الدين الأيوبي الذي جاء على يديه بعد قرابة التسعين سنة من العمل الجاد , وصفحتنا هذه صورة من هذا النوع ولكن مع الفارق أن سند تحقيق الغاية انقطع وأصبحت الغاية معضلة التحقيق ذلك لأن أحد رجال السند لم يكن على نفس درجة باقي الرجال , فانقطع السند وضعفت الغاية وانهارت كل المجهودات إيذاناً بانهيارات أخرى تتبعه حصادها أمر وأسوأ .
عندما استطاع المسلمون الانتصار على صليبي الأندلس في الزلاقة سنة 479هـ بدأت الأندلس تستعيد عافيتها وصبغتها الإسلامية وأفل نجم الصليب قليلاً وقوي شأن المسلمين وبدءوا يشنوا غارات لاستعادة ما أخذه الصليبيون من قبل واستمرت قبضة المسلمين بقيادة المرابطين حاكمة على معظم الأندلس ثم تلى ذلك الموحدون الذين أزالوا دولة المرابطين لما ضعفت ودخلها الترف وقام أول أمراء الموحدين عبد المؤمن بن علي بطرد الصليبيين من مدينة المهدية والعبور للأندلس والانتصار على الصليبيين في مواقع هائلة ثم خلفه بعده ابنه يوسف بن عبد المؤمن فواجه ثورات داخلية عديدة خاصة في منطقة جبال غمارة ولكن هذا لم يمنع المسلمون من مواصلة جهاد الصليبيين في الأندلس وضم أراضي جديدة لأملاكهم مما دفع ملوك الصليبيين في الأندلس يسارعون في عقد معاهدات الصلح مع المسلمين مثل ملك ليون وملك ناقارا وغيرهم وفي عصر هذا الأمير نشأت حركة جهادية جديدة بين المسلمين بتشجيع من الأمير يوسف بن عبد المؤمن الذي كان يباشر القتال والغزو بنفسه حتى أنه ختم حياته بالاستشهاد في معركة شنترين الهائلة سنة 580هـ , ثم تولى من بعده ولده الأكبر الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالمنصور ليمن رايته على الصليبيين في ميادين الجهاد ذلك رغم اندلاع الثورات الداخلية في المغرب والتي استنزفت الكثير من المجهودات والطاقات في قمعها , وفي عهد المنصور كانت معركة الأرك العظمى التي رفعت شأن الإسلام والمسلمين في الأندلس وخنس الصليبيون في أوكارهم وقنعوا بما في أيديهم وهم على وجل من غزو المسلمين لهم وكان المنصور من أعظم خلفاء المسلمين في المغرب والأندلس وبلغ الإسلام أيامه أوج قوته ولولا الثورات الداخلية في المغرب لانتهى شأن الصليبيين من الأندلس ولعادت مرة أخرى خالصة للمسلمين .
وصلت الراية آمنة سليمة لصاحبنا الذي نؤرخ له في صفحتنا هذه وهو محمد الناصر بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن والذي لم تكن خصاله ولا فعاله مثل أجداده وآبائه ولقد اشتعلت الثورات الداخلية في عصره بقوة خاصة من جانب رجل اسمه يحيى الميورقي الذي سيطر على مدينة المهدية ومعظم بلاد أفريقيا وصار شوكة في حلق الموحدين هذا بالإضافة لثورات بني غانية في الجزائر واضطر محمد الناصر لقضاء معظم خلافته في محاربة الثوار والمتمردين حتى استطاع القضاء على هذه الثورات والتي كانت السبب الرئيسي في تحرك أفاعي الصليبيين من جحورها بعد أن خنست أيام الخليفة المنصور ومعركة الأرك العظمى , فبدأ الفونسو الثامن الذي سبقت هزيمته في الأرك بالتحرك وأغار على بعض القلاع والحصون الإسلامية ولجأ الفونسو الثامن لتدويل حربه ضد المسلمين فعقد تحالف بين مملكة قشتاله ومملكة ليون بالمصاهرة ولكن تدبيرهم انلقب تدميرهم ووقع بينهما خلافات وحروب كثيرة , فغير الفونسو خطته واتجه بنظره إلى البابا 'إنوصان الثالث' وكان حرب صليبية على الإسلام فوافق البابا وأرسل له إمدادات كثيرة من فرنسا وإيطاليا .
قرر الأمير الناصر العبور للأندلس ومحاربة الفونسو الثامن وتحالفه الصليبي رغم معارضة كبار أمرائه ووزرائه لهذا العبور لاضطراب الأمور الداخلية ولكن الناصر رفض النصيحة وأصر على العبور حباً منه للجهاد فخرج سنة 607هـ بجيش هائل جرار اهتزت جميع بلاد الصليبيين لخروجه وخافوا جداً حتى أن بعض ملوكهم سارع وعقد صلحاً مع الناصر خوفاً منه ,وواصل الناصر سيره بجيشه الجرار حتى استولى على قلعة 'شلبطرة' الحصينة فأسرع الفونسو واستولى على قلعة رباح وكان سقوط قلعة شلبطرة الصليبية في يد المسلمين جرس خطر للصليبيين كلهم فانهالوا من كل مكان في الأندلس وأوروبا لنصرة الفونسو وكان مطران طليطلة 'ردريك' وعدة من أكابر الأحبار يجوبون أوروبا لاستنفار المتطوعين وكان طليطلة نقطة تجمع المتطوعين من الصليبيين وأمر البابا 'إنوصان الثالث' في روما بالصوم ثلاثة أيام التماساً لانتصار الصليب في أسبانيا وأقيمت الصلوات العامة وتأكدت الروح الصليبية الحاقدة لهذه المواجهة , وعلى الآخر قام الناصر بجهود مضادة فأعلن النفير العام بين المسلمين فجاءه المتطوعون من كل مكان وتضخمت جيوشه جداً حتى قيل أن تعدادها بلغ نصف مليون مقاتل وهذه الضخامة كانت سبب الهزيمة كما سنعرف .
إن الكثرة في أحيان كثيرة تكون وبالاً على الجيوش وذلك لصعوبة تمويلها وثقل حركتها وعدم سهولة تنظيمها ولكثرة مشاكلها الداخلية وفوق كل ذلك كله الغرور الذي يدخل قادة الجيوش وحتى جنده العاديين بسبب ضخامة الجيوش حتى أنهم على ثقة تامة بحتمية النصر لا بفضل الله ولكن بقوتهم وعددهم كما يظنون وهذا السب بالذات هو الفيصل في هزيمة الجيوش , وعلى الطرف الآخر فإن المشاورة في القرارات المصيرية من أهم أسباب وعوامل النجاح والانتصار , وللأسف الشديد في معركة العقاب سنة 609هـ الفاصلة اجتمع السبب الأول وغاب السبب الثاني فاغتر الناصر بقواته ولم يقبل مشاورة أحد وسار مزهوا بجيوشه الجرارة واثقاً من النصر لا محالة وهذا يتضح من مشاهد الليلة السابقة للمعركة حيث قضى الصليبيون ليلتهم في تلقى البركة والغفران البابوي على يد الأساقفة ورجال الدين والصلاة والدعاء في حين لم يفعل المسلمون شيئاً في هذه الليلة ولم يكن بها مناظر مؤثرة كالتي حدثت ليلة معركة الأرك العظمى وذلك لأن الجيش سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الجنود العاديين كانت تنتابهم حالة من الغرور والثقة الزائدة بالنفس والنصر فما كان لهم حاجة بظنهم للدعاء والصلاة طوال الليل؟‍ فماذا كانت النتيجة ؟ نكبة مروعة حلت بالمسلمين في معركة العقاب سنة 609هـ حتى كاد الأمير الناصر نفسه أن يقتل في المعركة وخسر المسلمون عشرات آلاف من القتلى ذلك لأن الفونسو الصليبي نادى أن لا أسر غلا القتل ومن أتى بأسير قتل هو وأسره فكثر القتل في المسلمين حتى قيل أن قتلاهم بلغت مائتي ألف ,و قرر الصليبيون اتخذا يوم النصر عيداً قومياً يحتفل به في الأندلس 'وفي أسبانيا حتى الآن' ويسمى عيد 'ظفر الصليب' .
بعد الهزيمة المدوية عاد الناصر إلى عاصمة ملكه مراكش وأصابه الغم والحزن من آثار نكبته في العقاب فأصيب بارتفاع في ضغط الدم أنتجت ورماً في دماغه أدى به إلى سكتة دماغية مات على أثرها في 10شعبان 609هـ ,وعلى الرغم من هزيمته في العقاب إلى أنه كان من الأمراء الأقوياء والوحيد الذي استطاع القضاء على الثورات الداخلية في المغرب وإعادة مدينة ميورقة للمسلمين واستطاع الناصر لدين الله تنظيم شئون البلاد ومطاردة المفسدين وإقصاء العمال الظلمة المرتشين وكان يميل لمشورة المشايخ والكبار في دولته وفقاً لوصية أبيه المنصور ولكن في آخر حياته أعرض عن ذلك فكان من أسباب نكبته يقول عنه أحد جلساءه 'كان الناصر كثير الإطراق شديد الصمت بعيد الغور بكير الهمة غليظ الحجاب لا تكاد تصله الأمور إلا بعد الجهد , مستبداً في أموره وتدبير مملكته بنفسه' وبموته خلت الأندلس من أمراء أقوياء يقفوا أمام الأطماع الصليبية المتنامية في الأندلس والتي زاد سعارها بعد موقعة العقاب ووفاة الأمير الناصر لدين الله آخر الأقوياء في الأندلس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
*- يتبع ما هو مناسب .

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
07-12-2006, 06:17
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

بشرك الله بالخير سيدي...!!

فقل لنا ما معركة شنترين وما معركة الأرك؟؟

نائل سيد أحمد
09-12-2006, 10:31
أشكرك على المرور وسأعود إن شاء الله .

نائل سيد أحمد
09-12-2006, 11:14
معركة العقاب.. ونهاية دولة الموحدين
(في ذكرى وقوعها: 15 من صفر 609هـ)
أحمد تمام
قامت دولة الموحدين في المغرب في القرن السادس الهجري على أساس دعوة دينية خالصة، تلتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتستهدف إقامة خلافة إسلامية تعود بالمسلمين إلى عهد الخلفاء الراشدين، وكان يقود هذه الدعوة الإصلاحية الشيخ "محمد بن تومرت"، وجمع حوله الأتباع إليه، ثم قام تلميذه "عبد المؤمن بن علي الكومي" بمتابعة دعوته، وتنظيم الأعوان، ودخل في صراع مع دولة المرابطين دام أكثر من خمسة عشر عامًا، إلى أن نجح في إحكام قبضته على المغرب الأقصى، ودخول مراكش عاصمة المرابطين في سنة (541هـ= 1146)، معلنًا شروق دولة جديدة، هي دولة الموحدين.
الموحدون بالأندلس
وبعد نجاح "عبد المؤمن بن علي" في إقامة دولته بالمغرب، وإرساء دعائمها، ووضع نظمها وقوانينها -اتجه إلى الأندلس لضمها إلى دولته، وتنظيم شئونها والدفاع عنها ضد هجمات النصارى، فنجح في ذلك، وأقام على قواعد الأندلس رجالاً من آل بيته.
وبعد وفاته سنة (558 هـ= 1163م) خلفه ابنه "يوسف" فاستكمل سياسة أبيه، ووطّد نفوذ دولته في الأندلس، وبعث إليها بالجيوش لتأمين ثغورها، وتقوية إماراتها. وفي إحدى غزواته فيها سنة (579 هـ= 1183م) أصيب بسهم عند أسوار "شنترين"، فرجع إلى مراكش مصابًا، وقضى نحبه بها سنة (580هـ=1184م).
بطل معركة الأرك
ولي "يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن" خلافة دولة الموحدين بعد أبيه، وتلقب بالمنصور، وكان قائدًا ماهرًا، وسياسيًا قديرًا، ورجل دولة من الطراز الأول، ويعد من أبطال المسلمين العظام في القرن السادس الهجري.
وقد أولى المنصور الموحدي عناية فائقة بالأندلس، وتأمينها ضد هجمات مملكتي قشتالة وليون المسيحيتين، واتخذ من عقد معاهدات الصلح معها سبيلاً إلى تحقيق الأمن في الأندلس، ثم اضطرته الأحداث إلى خوض المعارك ضدهما حين نقضا المعاهدات ونكثا بالعهود وهاجما أراضي المسلمين، وكانت معركة "الأرك" التي خلّدها التاريخ وكان هو بطلها الأول، ووقعت أحداثها في (التاسع من شعبان 591هـ= 18 من يوليو 1195م) عند حصن الأرك، وأسفرت عن نصر مؤزر للمسلمين، وانكسار حدة الهجمات النصرانية بعد أن خسرت القوات القشتالية نحو ثلاثين ألفا.
عناية بالأندلس
لم تقتصر عناية الموحدين بتوفير الأمن والحماية للأندلس وتقوية ثغورها وقواعدها، وإنما تعدى الاهتمام إلى الارتقاء بالأندلس والنهوض به، ورعاية مظاهر النهضة فيه، فأقام الخليفة "يوسف بن علي" بعض المشروعات في إشبيلية، لعل من أشهرها بناء القنطرة على نهر الوادي الكبير، وتأسيس جامع إشبيلية الأعظم سنة (567 هـ= 1172م)، ثم أتمّ ابنه المنصور مئذنته الكبيرة سنة (584هـ= 1188م)، ولا تزال هذه المئذنة قائمة حتى الآن، وتعرف باسم "لا خيرا لدا" ويبلغ ارتفاعها 96 مترًا.
ما قبل موقعة العقاب
بعد هزيمة "ألفونسو الثامن" ملك قشتالة وليون في معركة الأرك عقد هدنة بين المسلمين والنصارى سنة (594هـ= 1198م)، غير أن تلك الهزيمة كانت تقض مضجعه، وتثير في نفسه نوازع الانتقام؛ فانتهز فرصة الهدنة في تحصين قلاع بلاده الواقعة على الحدود، ونبذ الفُرقة والخصام مع خصومه من ملوك النصارى، حتى إذا وجد في نفسه القوة نقض المعاهدة، وأغار على بلاد المسلمين، فعاث فسادًا في أراضي جيان وبياسة وأجزاء من مرسية.
ولم يكن أمام سلطان الموحدين الناصر "محمد بن يعقوب" الذي خلف والده المنصور بد من التجهيز والإعداد، لأخذ ملك قشتالة على يده، فاستنفر المسلمين للغزو والجهاد، فجاءته الجيوش من سائر أقطار المغرب الإسلامي، وعبر البحر إلى الأندلس في (19 من ذي القعدة 607هـ= 4 من مايو 1211م) ووصل إلى إشبيلية، وأقام بها لإعداد جيشه وتنظيم قوته، ثم تحرك في مطلع سنة (608 هـ= 1211 م) صوب مملكة قشتالة، واستولى على قلعة "شلطبرة" إحدى قلاع مملكة قشتالة بعد حصار دام ثمانية أشهر، ثم عاد بجيشه إلى إشبيلية بعد دخول فصل الشتاء رغبة منه في إراحة جيشه.
المعسكر القشتالي
ترك ألفونسو الثامن قلعة شلطبرة تقع في قبضة المسلمين دون أن يتحرك لنجدتها وإنقاذها، وصرف همه إلى استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين في الأندلس، وبعث الأساقفة إلى البابا "أنوسنت الثالث" بروما يناشده إعلان الحرب الصليبية في أوروبا، وحث أهلها وشعوبها على السير إلى إسبانيا لقتال المسلمين، وعقد مؤتمرًا لتوحيد جهود الإمارات المسيحية في أسبانيا لقتال الموحدين، وأطلق صيحته المشهورة: "كلنا صليبيون"، فتوافدت على طليطلة جموع النصارى المتطوعين من كافة أنحاء المدن الأسبانية، يقودهم القساوسة والأساقفة.
وقد أثمرت جهود "ألفونسو الثامن" في استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين، حيث أنذرهم البابا بتوقيع عقوبة الحرمان الكنسي على كل ملك أو أمير يتأخر عن مساعدة ملك قشتالة، كما أعلن الحرب الصليبية، وتوافدت جحافل الصليبيين من كل أنحاء أوروبا استجابة لدعوة البابا، واجتمع منهم نحو سبعين ألف مقاتل، حتى إن طليطلة لم تتسع لهذه الجموع الجرارة، فأقام معظمهم خارج المدينة.
تحركت هذه الجيوش الجرارة التي تجاوزت مائة ألف مقاتل تحت قيادة "ألفونسو الثامن" من مدينة طليطلة في (17 من المحرم سنة 609هـ = 2 من يونيو 1212م)، فاخترقت حدود الأندلس، وضربت حصارًا حول قلعة رباح، وكانت حاميتها صغيرة نحو سبعين فارسًا، دافعوا عن موقعهم بكل شجاعة وبسالة، واستنجد قائد الحامية "أبو الحجاج يوسف بن فارس" بالخليفة الناصر الموحدي، لكن رسائله لم تكن تصل إلى الخليفة؛ فلما طال الحصار، ورأى "ابن قادس" استحالة المقاومة مع فناء الأقوات وقلة السلاح، ويئس من انتظار وصول المدد، صالح ألفونسو على تسليم الحصن له، على أن يخرج المسلمون آمنين على أنفسهم، واستمر زحف القوات الصليبية؛ فاستولت على حصن الأرك وبعض الحصون الأخرى.
الجبهة الإسلامية
ولما علم الناصر بخروج الجيوش المسيحية المجتمعة خرج للقائهم، واستنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت إليه جيوش كثيفة من القبائل المغربية والمتطوعة وجند الموحدين النظاميين، وجند الأندلس، وتألف من تلك الجموع الجرارة جيش عظيم بلغ نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، وكان ممن وفد عليه بإشبيلية "أبو الحجاج يوسف بن قادس" قائد حامية رباح، فأمر الناصر بقتله دون أن يسمع حجته أو يحاط علمًا بملابسات التسليم، وأثار قتله غضب الكتائب الأندلسية على الخليفة الناصر الموحدي.
استعد كل من الطرفين للقاء، والتقيا في أحد الوديان بين جبال سير مورينا، وهضبة لينارس، بالقرب من بلدة "تولوسا"، ويطلق الأسبان على هذه الوديان اسم "نافاس"؛ ولذا عرفت الموقعة عندهم باسم "لاس نافاس دي تولوسا"، ويسمي المؤرخون المسلمون هذا الموضع بـ"العقاب"، نسبة إلى حصن أموي قائم بالقرب من المكان الذي دارت فيه المعركة.
وفي (15 من صفر 609 هـ= 17 من يوليو 1212م) نشبت المعركة بين الفريقين، وأقبلت مقدمة جموع الصليبيين الضخمة، فاجتاحوا الجند المتطوعة وكانوا في مقدمة الجيش، فأبادوهم عن آخرهم، وتمكنوا من الوصول إلى قلب الجيش الموحدي واشتبكوا معه، لكن القلب صمد لهذا الهجوم الجامح، ولاح النصر للمسلمين.
فلما رأى ذلك ملك قشتالة اندفع بقواته وقوات مملكتي ليون والبرتغال وكانت تمثل قلب الجيش الصليبي، واندفع وراءه ملكا "أرغون" و"نبرة" بقواتهما وكانا يمثلان جناحي الجيش، فأطبقا على الجيش الموحدي من كل جانب، فاضطربت صفوف الجيش، ولاذ الجند بالفرار؛ مما أربك أوضاع الجيش الذي استسلم للهزيمة القاسية.
وفر الناصر من ساحة القتال مع مجموعة من رجاله، وخسر المسلمون الألوف من المجاهدين في الأندلس، وعددا كبيرا من خيرة العلماء والفقهاء والقضاء، واستولى النصارى على معسكر الموحدين بجميع محتوياته من العتاد والسلاح والخيام والبسط والأقمشة والدواب. ولا تزال بعض أعلام الموحدين وخيمهم في معركة العقاب محفوظة في إسبانيا.
وقد فجع الموحدون بهذه الهزيمة القاسية التي راح ضحيتها الألوف من زهرة جنود المسلمين؛ مما أضعف دولة الموحدين، وأفقدهم هيبتهم وقوتهم. وبعد وفاة الناصر سنة (610هـ = 1213م) بدأ الضعف يتسلل إلى الدولة، ويتطرق إليها الخلاف والفرقة؛ مما أضعف الأندلس، وشجع النصارى على تصفية ما بقي للمسلمين من أرض، واختزلت دولتهم في مملكة غرناطة في جنوب الأندلس.
أهم مراجع الدراسة:
أحمد بن خالد السلاوي: الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ـ دار الكتاب ـ الدار البيضاء ـ المغرب ـ 1954م.
محمد عبد الله عنان ـ دولة الإسلام في الأندلس ـ عصر المرابطين والموحدين ـ القاهرة ـ (1384هـ = 1964م).
السيد عبد العزيز سالم ـ المغرب الكبير (العصر الإسلامي) ـ الدار القومية للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ 1966م.
هشام أبو رميلة ـ علاقات الموحدين بالممالك النصرانية والدول الإسلامية في الأندلس ـ دار الفرقان ـ عمان ـ (1404هـ = 1984م)
عبد الله جمال الدين ـ تاريخ المسلمين في الأندلس ـ دار سفير ـ القاهرة ـ 1996 م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
* ) شرح البيان ، ما أقوم به لا يتجاوز النقل ، لست عالماً بأي علم ، أذكر أن مصدر النقل هنا (إسلام أون لاين ومصادر أخرى ) ، قد كان في المصدر صور : خرائط ، مساجد ، كنائس تحولت لمساجد بفضل عزة الإسلام في تلك الأيام .

نائل سيد أحمد
09-12-2006, 11:35
بلغ الخليفةَ أبا يعقوب أن الملكين: فرديناند ملك ليون، وألفونسو أنريكي ملك البرتغال المسيحيين، يوسّعان حدودهما على حساب أملاك المسلمين في الأندلس، فعزم الخليفة الموحدي على استتباب الأمن في الأندلس، والقضاء تمامًا على خطر ابن مردانيش الذي يلقى دعمًا من النصارى هناك.
خرج الخليفة الموحدي إلى الأندلس سنة (566هـ= 1171 م) ومعه جيوشه الجرارة، ونزل بإشبيلية عاصمة دولته في الأندلس، وأرسل جيوشه للقضاء على ابن مردانيش الذي كان يتحصن في "مرسية" فحاصرته جموع الموحدين، وتوفي وهو محاصَر في (رجب 567 هـ= مارس 1173)، وقام ابنه بالدخول في طاعة الموحدين، وسلّم لهم الحصون التي كانت تابعة لأبيه، مثل حصون بلنسية ومرسية وشاطبة ودانية ولورقة.
وظل أبو يعقوب في إشبيلية بالأندلس أربع سنوات، نظم خلالها عدة حملات ضد البرتغاليين والقشتاليين، ثم عاد إلى "مراكش" في سنة (571 هـ= 1177م)، غير أن الأحوال لم تلبث أن ساءت في الأندلس من جديد، وعاد الملكان المسيحيان إلى سيرتهما الأولى في التهام بلاد الأندلس.
وكان الملك البرتغالي قد اشتد خطره بعد أن تحالف مع ألفونسو الثامن الذي تولى عرش ليون وقشتالة خلفًا لفرناندو الثاني، ولم يكن أمام الخليفة الموحدي سوى العبور بجيش عظيم لإيقاف الخطر البرتغالي الداهم، والحفاظ على ما بقي من دولة الإسلام في الأندلس التي لم تزل تتناقص رقعتها سنة بعد أخرى أمام هجمات النصارى هناك.
سار الجيش الموحدي نحو "شنترين" كبرى قواعد غربي الأندلس، وكانت قد سقطت في أيدي البرتغاليين سنة (541 هـ= 1146م) وحاصرها حصارًا شديد، وكان ألفونسو أنريكي قد ترامت إليه أنباء هذه الحملة فزاد في تحصين شنترين، وشحنها بالمؤن وآلات الحرب، واستعد للحصار.
لم تفلح هجمات الموحدين في اقتحام المدينة الحصينة، ولم يترك أبو يعقوب وسيلة يضيق بها على المدينة إلا اتبعها من قطع المؤن والعتاد عن الوصول إليها، فما زاد ذلك أهلها إلا صمودًا واستبسالا في الدفاع، وجلدًا في تحمل مشاق الحصار.
وفي أثناء الحصار أصدر الخليفة أمرًا برفع الحصار عن المدينة المنهكَة في (1 من ربيع الأول= 2 من يوليو 1184م)، ويختلف المؤرخون في السبب الذي جعل الخليفة يصدر قراره المفاجئ، فيذهب بعضهم إلى خشية الموحدين من هجوم البرد؛ إذ كان الوقت آخر فصل الخريف، وخافوا أن يفيض النهر فلا يستطيعون عبوره، وتنقطع عنهم الإمدادات، فأشاروا على الخليفة الموحدي بفك الحصار والرجوع إلى إشبيلية.
وذهب بعضهم إلى أن الخليفة أمر بانتقال الجيش إلى موضع آخر، وكلف ابنه بالاستعداد للرحيل من تلك الليلة لغزو مدينة أشبونة، ففهم خطأ، وظن أنه أمره بالرحيل في جوف الليل إلى إشبيلية.
وتذهب رواية أخرى أن الخليفة الموحدي علم بسير ملك ليون وقشتالة بجنوده لنجدة المدينة المحاصرة، فخشي الخليفة أن يعمل القشتاليون على إعاقة عبوره النهر إلى الضفة اليسرى، فعجّل بالرحيل.
وأيًا ما كان السبب الذي حمل الخليفة على اتخاذ قراره المفاجئ، فإن عملية ارتداد الجيش الضخم كانت تتسم بالفوضى وتتم على عجل، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الارتباك.
ـــــــــــــــــــــ
(*)ـ أعتذر عن تكرار المشاركة ، أو التشابه القريب في المعلومات ، ولكن قد يكون ذلك مناسب لباحث يهمه الأمر .