المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فاعل الكبيرة



جمال حسني الشرباتي
09-03-2004, 15:30
ما هو موقف الاشاعرة من فاعل الكبيرة وكيف تردون على كتاب الحق الدامغ للعالم الخليل الاباضي ؟
اريد الجواب من السيد سعيد فودة أو بلال النجار لو سمحتم

سعيد فودة
09-03-2004, 23:05
الأخ الفاضل: جوابا على هذا السؤال، أرى أن أفضل ما أكتبه إليك هو ما كتبته في شرحي الكبير على متن وعقيدة الإمام الطحاوي. راجيا أن يكون ذلك كافيا.

قال الطحاوي: وأهل الكبائر من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النار لا يخلّدون إذا ماتوا وهم موحدون ـ وإنْ لم يكونوا تائبين ـ بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين.
هذه الفقرة تشتمل على أمرين، الأول بيان مفهوم الكبيرة، والفرق بينها وبين الصغيرة، والثاني بيان حكم فاعل الكبيرة، والخلاف فيها بين الناس.

مفهوم الكبيرة وتعريفها:

أول ما نبدأ به شرحَ هذه الفقرة هو بيان ما قيل في تعريف الكبيرة، والفرق بينها وبين الصغيرة، لأن معرفة حكم فاعل الكبيرة وتصور حقيقة الخلاف بين الناس لا يتم إلا بمعرفة مفهوم الكبيرة والمراد منها.
روى البخاري في صحيحه صحيح البخاري برقم[5631] عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يقولها حتى قلت لا يسكتُ.
وعن عبيد الله بن أبي بكر [5632]، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه قال:ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال إلا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور.
وفي صحيح ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة(1/163)برقم[315]عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلس على المنبر ثم قال والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم يسكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق ثم تلا (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم).
وقد ورد في بعض الأحديث أن عددها تسع، وورد ذكر بعض الكبائر مفردة في أحاديث مثل أن يسب الرجل أباه، وغير ذلك وهو مشهور، فليرجع إليه، وإنما أردنا ذكر أطراف الأمر لتقريب الفهم لما يتعلق به من أصول اعتقادية. وأولها أن المعاصي في حكم الدين منها صغائر ومنها كبائر، وأنها تتفاوت بينها، وليس كل الكبائر على نفس الرتبة، ولا كل الصغائر كذلك في نفس الدرجة.وحكم الكبيرة غير حكم الصغيرة.
روى مسلم عن أبي هريرة (1/209)برقم[233]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن مالم تغش الكبائر.
وجواز تكفير الصغائر بأداء الواجبات واجتناب الكبائر وارد ثابت في الشريعة، وهو منطوق الآية.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم): "واختلف في الكبائر؛ والأقرب أن الكبير: كل ذنب رتب الشارع عليه حدا أو صرح بالوعيد فيه، وقيل: ما علم حرمته بقاطع وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبع الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع.
وقيل أراد ههنا أنواع الشرك لقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وقيل صِغَرُ الذنوب وكِبَرُها بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران، فمن عَنَّ له أمران منها ودعت نفسه إليها بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرها كفر عنه ما ارتكبه لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر، ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في كثير من خطواته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلا عن أن يؤاخذه عليها."اهـ
وقال الإمام القرطبي في تفسيره (5/158) عند كلامه على هذه الآية:"فيه مسألتان؛
الأولى: لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر وعد على إجتنابها التخفيف من الصغائر ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء وأن اللمسة والنظرة تكفر بإجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق لا أنه يجب عليه ذلك ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى إنما التوبة على الله فالله تعالى يغفر الصغائر بإجتناب الكبائر لكن بضميمة أخرى إلى الإجتناب وهي إقامة الفرائض.
روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
وروى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق ثم تلا (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم).
فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه وبينت السنة أن المراد بـ(تجتنبوا) ليس كل الإجتناب لجميع الكبائر والله أعلم.
وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر بإجتناب الكبائر وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجا والمشيئة ثابتة ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه وذلك نقض لعرى الشريعة ولا صغيرة عندنا قال القشيري عبدالرحيم: والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعا من بعض والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي.
قلت: وأيضا فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر وعلى هذا النحو يخرج كلام القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني وأبي المعالي وأبي نصر عبدالرحيم القشيري وغيرهم، قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى ولاذنب عندنا يغفر بإجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واحتجوا بقراءة من قرأ إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه على التوحيد وكبير الإثم الشرك، قالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى(ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
واحتجوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق أمرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل يارسول الله وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان قضيبا من أراك فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير."اهـ
ثم شرع الإمام القرطبي في بيان عدد الكبائر والأقوال فيها، فقال:
" قول إبن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أوعذاب.
وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية وتصديقه قوله تعالى(إن تجتنبوا كبائر) ما تنهون عنه.
وقال طاوس: قيل لإبن عباس الكبائر سبع قال هي إلى السبعين أقرب.
وقال سعيد بن جبير: قال رجل لإبن عباس الكبائر سبع قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع إستغفار ولا صغيرة مع إصرار.
وروى عن إبن مسعود أنه قال: الكبائر أربعة؛ اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله والشرك بالله دل عليها القرآن.
وروى عن إبن عمر: هي تسع قتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم ورمي المحصنة وشهادة الزور وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر والإلحاد في البيت الحرام.
ومن الكبائر عند العلماء القمار والسرقة وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق وإتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه بأن يسب رجلا فيسب ذلك الرجل أبويه والسعي في الأرض فسادا إلى غير ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن وفي أحاديث خرجها الأئمة وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملة وافرة.
وقد اختلف الناس في تعدادها وحصرها لإختلاف الآثار فيها، والذي أقول: إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره فالشرك أكبر ذلك كله وهو الذي لا يغفر لنص الله تعالى على ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله لأن فيه تكذيب القرآن إذ يقول وقوله الحق(ورحمتي وسعت كل شئ) وهو يقول لا يغفر له فقد حجر واسعا هذا إذا كان معتقدا لذلك ولذلك قال الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وبعده القنوط قال الله تعالى(ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)، وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل قال الله تعالى(أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)، وقال تعالى(وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين)، وبعده القتل لأن فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود، واللواط فيه قطع النسل، والزنى فيه إختلاط الأنساب بالمياه، والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وترك الصلاة والأذان فيه ترك إظهار شعائر الإسلام، وشهادة الزور فيها إستباحة الدماء والفروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بين الضرر فكل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه والله أعلم."اهـ

حكم فاعل الكبيرة:

هذه هي المسألة المشهورة: فاعل الكبيرة هو خالد في النار، أم يُعذّب ثم يخرج ؟

أهل السنة على القول بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، بل يعذبون، ولا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
الكذب، السرقة، الزنى: من فعل هذا وهو مؤمن لا يخرج عن أصل الإيمان؛ لأن حقيقة التصديق تبقى موجودة ثابتة في قلوبهم، ولكن غاية ما يحصل أنها تنقص، وإذا فعل الإنسان الخير يزيد إيمانه.
هذا خلاف بين أهل السنة وعدة فرق إسلامية. الخوارج يقولون: العاصي مطلقاً كافر، فالمعصية تخرجه من الإيمان إلى الكفر، وهو خالد في النار. أما المعتزلة فقالوا: فاعل الكبيرة لا يقال عنه مؤمن ولا كافر، وإنْ بقي مصرّاً على كبيرته ففي الآخرة يخلّد في النار، فحكمه حكم الكافر. اتفقوا مع الخوارج في الحكم واختلفوا في الاسم. أمّا أهل السنة فيقولون: هو مؤمن ولكنه فاسق.
ما قاله المعتزلة من أضعف الأصول عندهم، فلا يوجد لديهم عليه أي دليل معتبر وهو أحد الأصول الخمسة المشهورة عندهم: المنزلة بين المنزلتين (الإيمان والكفر).
ومن أقوى الأدلة عند أهل السنة على أن فاعل الكبيرة يخرج من النار الأحاديثُ الكثيرة الواردة في شفاعة الرسول: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، والشفاعة دعاء إلى الله بتخليصهم من العذاب، إذن يستحيل أن يكون أهل الكبائر من الكفار؛ لأن الشفاعة لا تكون لهم، بل هم محجوبون عن هذا، ولا أمل لهم في الجنة، فالشفاعة تكون لمن انتسب إلى أهل الإيمان، ولكن افترق عنهم بمعصية أو كبيرة.
روى ابن حبان في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. ورواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) فقال صلى الله عليه وسلم إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وهو في سنن أبي داود وفي الترمذي عن أنس بن مالك. ورواه غيرهم.
وفي مسند أبي يعلى عن يزيد الرقاشي عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي قال فقال تصديق هذا في القرآن قال فقرأ علينا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما فهؤلاء الذين يجتنبون الكبائر وهؤلاء الذين واقعوا الكبائر بقيت لهم شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قال فقال يزيد لأنس صدقت.
وفي شرح الإمام النووي على صحيح مسلم (1/217): ( باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا هذا الباب فيه أحاديث كثيرة وتنتهى إلى حديث العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا.
واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فان كان سالما من المعاصى كالصغير والمجنون والذى اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصى اذا لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذى لم يبتل بمعصية أصلا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلا لكنهم يردونها على الخلاف المعروف فى الورود والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو فى مشيئة الله تعالى فان شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولا وجعله كالقسم الاول وان شاء عذبه القدر الذى يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة فلا يخلد فى النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصى ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق فى هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة واجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعى فاذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فاذا ورد حديث فى ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع وسنذكر من تأويل بعضها ما يعرف به تأويل الباقى ان شاء الله تعالى."اهـ
قال الطحاوي: وهم في مشيئته وحكمه إنْ شاء غفر لهم، وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجلّ في كتابه: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

والآية الدالة على أن فاعل الكبيرة ليس بكافر هي قوله تعالى في سورة النساء {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً}(48).
وقال في نفس السورة أيضا: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً}(116)
فهاتان الآيتان تدلان على أن فاعل الكبيرة ليس بكافر لمجرد فعله الكبيرة، لأنه أخرج من الكفر والشرك. حيث علق الله تعالى مغفرة ذنب ما دون الشرك من المعاصي على المشيئة، فيفهم من ذلك أن فعل الكبيرة لا يدخل المرء في الكفر. ولا نقطع بعقوبة أهل الكبائر ولا بثوابهم بل حكمهم أنهم إذا ماتوا قبل التوبة فهم في مشيئة الله، إن شاء عفا عنهم بفضله ورحمته أو بشفاعةٍ، وإن شاء عذبهم بقدر جنايتهم ثم أدخلهم الجنة. وهذا خلافا لمذهب الخوارج والمعتزلة الذين قطعوا بأن عذيبهم قطعي ولا يجوزالعفو عنهم، وردٌّ لمذهب المرجئة الذين يزعمون أن المؤمن لا يدخل النار أصلاً وإن أتى بجميع المعاصي ومات قبل التوبة.
لاحظ في هذه الآية نفى أن يغفر لمن أشرك به، أي لمن مات مشركاً: (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) إذن ما دون الكفر والإشراك يمكن أن يغفره الله، إما بتفضُّلٍ منه بلا شفاعة، أو بشفاعة الشافعين من الأنبياء والمؤمنين.

سعيد فودة
09-03-2004, 23:28
قال الطحاوي: وإنْ شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته. وذلك بأن الله تعالى تولّى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نُكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته.
في نسخة الغنيمي:"ذلك بأن الله مولى أهل معرفته.." أي ناصرهم.

هذه المسألة عليها أدلة قوية، منها هذه الآية، وقد دلت الأحاديث الصحيحة الكثيرة على وقوع تعذيب أصحاب الكبائر إلا من يشفع فيهم النبي أو غيره، والقرآن دلَّ على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليسوا كالذين عصَوا(أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار)ص:28.
والأحاديث الصحيحة قاصمة للمخالف، منها حديث البيعة: رواه الإمام البخاري ومسلم وكثير من أصحاب السنن وحفّاظ الحديث
روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا وقرأ هذه الآية كلها فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
ومنها ما رواه أبو داود في سننه عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. ورواه أيضا الإمام البيهقي في سننه الكبرى، وفي مسند الإمام أحمد
هذا الحديث يوضح فيه الرسول عليه السلام أموراً معينة إن فعلوها أُدخلوا الجنة وإنْ قصّروا بشيء منها: فإن عوقبوا في الدنيا سقطت عنهم في الآخرة، ومن فعل من ذلك شيئاً ولم يُقم عليه الحدّ في الدنيا فسُتر، إنْ شاء غفر له وإنْ شاء عذبه، ويكون هذا في يوم القيامة.
لا يوجد خلاف بين أهل السنة في هذه المسألة، ولكن حصل الخلاف بين الفقهاء من باب آخر، فروي عن الإمام أحمد أنه يقول بكفر تارك الصلاة، ولكنه لم يقل بذلك من أجل أن فاعل كل معصية فهو كافر، ولذلك خلافه ليس خلافاً أصلياً بل فرعياً، فخصص تارك الصلاة، ووجه دليلهم: "الحدّ الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر". أخذوا بظاهر هذا الحديث. وقول الحنابلة أيضاً ضعيف، وحصلت مناظرة بين الإمام الشافعي وأحمد في هذه المسألة: سأل الإمامُ الشافعي الإمامَ أحمد: ما تقول في تارك الصلاة؟ قال: هو كافر. وذكر الحديث دليلاً على قوله، فقال له الشافعي: وكيف يدخل في الإيمان ؟ قال أحمد: يقول (لا إله إلا الله)، فقال الشافعي: هو يقولها. فسكت أحمد.
الفقهاء عارضوا الحنابلة، فقالوا لهم إنْ احتججتم بهذا الحديث، فقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم لفظ الكفر على من يغش المسلمين، وعلى أمور كثيرة، فهل تقولون بأن هؤلاء كفروا . . . بالطبع لا يمكنهم القول بكفر جميع هؤلاء، فيكونون قد تناقضوا حيث أجروا الحديث في كفر تارك الصلاة على ظاهره، ومنعوا الظاهر هنا.
هذا يسمى نقضا للدليل، وهذا كافٍ عند الأصوليين لصرف معنى ظاهر الحديث إلى معنى آخر. فيصبح المعنى: أن هذا الفعل يشبه فعل الكفار.
فإطلاق لفظ الكفر لزيادة شناعة الفعل، ويحمل ظاهر الحديث على هذا. وجمهور أهل السنة على أن تارك الصلاة فاسق وليس بكافر، ومن قال منهم إنه يُقتل، فقد قال بقتله حدّاً ولم يقل بقتله كفراً.
ولا يسوي الله تعالى في يوم الدين بين أهل معرفته وبين من أنكره ولم يؤمن به.
روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية قال وهيب حدثنا عمرو الحياة وقال خردل من خير.
وروى البخاري في الصحيح عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه انها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول أتسخر مني أو تضحك مني وأنت الملك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه وكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة.
وفي حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري عن أنس بن مالك، بعد أن يحمد النبي عليه الصلاة والسلام ربه بمحامد ويخرج أناسا من النار، يقول صلى الله عليه وسلم:" فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة".

وقد اعتمد المخالفون في قولهم بخلود أهل الكبائر في النار على أفهام سقيمة لبعض آيات من القرآن الكريم، وأهملوا كثيرا من الأحاديث النبوية المصرحة بخروج بعض أهل النار منها، غير ملتفتين إليها وأنكروها مدعين أنهم لا يأخذون بهذه الأحاديث في هذا المقام، وهذا إنكار منهم ومخالفة لأمر الله تعالى أهمها بالأخذ بقول الرسول. ويا ليتهم اعتمدوا على نصوص صريحة من القرآن، فكنا نقول بعد ذلك : قدموا صريح القرآن على آحاد السنة، ولكنهم اعتمدوا على أفهام منحرفة لبعض آيات القرآن وتمسكوا بدلالات لا تقوى على الثبوت أمام النظر الصحيح.
وقد يقول قائل: فما بالنا نشغل أنفسنا بمناقشة هذه الآراء التي أفناها الزمان ومات أصحابها، ولم يبق منهم باقٍ.
فنقول: إننا ننظر في الشبهة من حيث هي سواء كان صاحبها حيا أو ميتا، لأن الشبهة التي عرضت لبعض المتقدمين ربما تعرض نفسها للمعاصرين، فيجب التنبيه على بطلانها والمبالغة في الرد عليها. وهذا هو أصل وأساس علم التوحيد، لا سيما مع قرب ورود هذه الشبهة.
ثم نقول لهذا القائل: ومن أدراك أن أصحاب هذه الشبهة ماتوا واندثروا، بل لايزالون موجودين، حتى هذا الزمان، ولا تعدم أن تجد أحدا منهم إما مرتديا ثوب الاعتزال، أو الإباضية، أو الخوارج، وربما تجد بعض العلمانين المنحرفين عن أصل الدين يهتمون بتحريف آيات القرآن ليسوِّغوا لأنفسهم الابتعاد عن أصول الدين، موهمين الجهلة من العوام، أن قولهم موافق للقرآن.

وممن قال بذلك في هذا الزمان، الشيخ أحمد الخليلي صاحب كتاب (الحق الدامغ)، فقد صرح بقوله في ص191 فقال:"وعقيدتنا معشر الإباضية أن كل من دخل النار من عصاة الموحدين والمشركين مخلدون فيها إلى غير أمد، كما أن من دخل الجنة من عباد الله الأبرار لا يخرجون منها ، إذ الداران دار خلود، ووافَقَنا على ذلك المعتزلة والخوارج على اختلاف طوائفهم."اهـ
ومما اعتمد عليه في تبيين قوله والاحتجاج له من القرآن، قوله تعالى (وقالوا لن تمسَّنا النار إلا أياما معدودة، قل أتَّخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده، أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النا هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)البقرة:80-82. ولم يذكر الخليلي الآية الثالثة من هذه الآيات!
واستأنس الشيخ الخليلي برأي محمد رشيد رضا صاحب محمد عبده في تفسيره للقرآن، ولم يعرف أن هذا عندنا لا يُركَنُ إلى قوله مقابل آراء العلماء إذ لم يكن منهم، ولا التزم بقواعدهم، وأن له كثيرا من الأقوال الباطلة هو وشيخه، ولعله استأنس بقوله لأن المشهور أنه من المنتسبين لأهل السنة، ولكن هيهات، كيف يكون منهم من يخالفهم في أصول وفروع، وكيف يسلم لمن انتسب إليهم وهو مناقض لهم في كثير من الأقوال. وعلى كل حال فليس مرادنا الرد على رشيد رضا، ولا شيخه هنا، بل مرادنا بيان ضعف احتجاج من احتج بهذه الآية ونحوها.
قال الخليلي في توجيه استدلاله في ص202:"ودلالته عليه من وجوه:
أولها: أن هذه العقيدة يهودية المنبت كما هو ظاهر من هذا النص، وقد ذكرت في مساق التنديد بهم والتشهير بضلالهم.
ثانيها: ما فيه من الاستنكار لهذا القول الوارد مورد الاستفهام المقصود به التحدي، والتقرير بأنهم لم يستندوا في مقالتهم هذه إلى عهد من الله، وإنما هي من ضمن ما يتقولونه عليه تعالى بغير علم، وناهيك بذلك ردعاً عن التأسي بهم فيما يقولون، والخوض معهم فيما يخوضون.
ثالثها: ما فيه من البيان الصريح بأن مصير كل من ارتكب سيئة وأحاطت به خطيئته لعدم تخلصه منها بالتوبة النصوح أنه خالد في النار مع الخالدين، وهو رد على هذه الدعوى يستأصل أطماع الطامعين في النجاة مع الإصرار على الإثم. "اهـ

هذا هو حاصل ما اعتمد عليه في تقرير قوله.
وسوف نبين فيما يلي بطلان جميع ما استدل به واعتمد عليه مع أنه يكفي في بطلانه أنه لم يجد له نصيراً في هذا الزمان إلا محمد عبده ومحمد رشيد رضا:
فأما الرد على ما قاله أولاً:فلا نملك إلا أن نقول له، كيف سوَّلت لك نفسك أن تجعل من قال بأن أهل الكبائر ليسوا بخالدين في النار، مساوين لليهود، ومستمدين منهم ومتبعين لهم، ألا تعلم أيها الحاذق أن هذا القول هو قول جماهير علماء المسلمين، وقد أجمع على هذا علماء أهل السنة، فهل ترى أن علماء أهل السنة أخذوا هذا الأصل من اليهود، ولم يكن لهم مرجع من نبيهم، ألِهذا الحد بلغ بك التعصب واللجاجة في الخصومة لنصرة مثل هذا الرأي الضعيف. ثم كيف تقول إنهم مثل اليهود، واليهود قد كفروا بالله العظيم وذلك بعدم إيمانهم بسيدنا محمد وبعنادهم لله تعالى وعدم خضوعهم لأمره جل شأنه، فهل أهل السنة يساوون هؤلاء الخبثاء في هذا الأمر أيضاً.
ثم نقول له: هل تعتقد أيضا أن الأحاديث التي رواها أهل السنة عن النبي عليه السلام وذلك في الصحاح من الكتب، في خروج أهل الكبائر من النار بعد دخولهم فيها، هي أحاديث دسَّها اليهود أيضاً على علماء أهل السنة، إنك إن رأيت ذلك، فقد بالغت والله في جهلك وتعصبك.
وما قوله بأن هذا الرأي مأخوذ من اليهود، إلا مجرد كذب لا يليق بالعلماء الباحثين عن الحق والمجتهدين الصادقين، الذين يستحقون الأخذ عنهم والاعتداد بقولهم.
وأما ما قاله ثانيا: فلا وجه له، لأن الذي قال بعدم خلود أهل الكبائر في النار، إنما التجأ في هذا القول إلى كلام الله تعالى ورسوله، كما قلنا. وهؤلاء لم يخصصوا أنفسهم كما ادعى اليهود ذلك لأنفسهم خاصة دون سائر الناس، فأي وجه شبه بين هؤلاء وهؤلاء. وأما علماء أهل الحق، فإنما أخذوا هذا القول مما فهموه من آيات القرآن، ومما بلغهم من أحاديث النبي العظيم الواضحة في ذلك، ومنها كما أخبرناك سابقاً شفاعته التي ادخرها لأهل الكبائر من أمته. وإخراج من ليس في قلبه إلا مقدار حبة من خرد من إيمان. وغير ذلك مما نبهناك عليه. فكيف يجيز هذا الرجل لنفسه أن يقول إن علماء أهل السنة في قولهم هذا يتأسون باليهود؟ أليس في ذلك الادعاء كذب محض، ومجرد اتهام يدفعه إليه الهوى.
وأما ثالثا: فإن الله تعالى يحكم بالخلود في النار على من فعل أمرين، الأول: من اكتسب سيئة، والثاني أحاطت به خطيئته، فمن تحقق فيه أمران فهؤلاء الذين ورد التوعد لهم بالنار والخلود فيها. ومن الواضح أن المراد بالسيئة غير المراد بالإحاطة هنا، ولذلك فقد وجب أن نفسر السيئة بسيئة خاصة وهي الكفر، والإحاطة بإحاطة الذنوب واستغراقه فيها بعد كفره. وهذا هو الموافق لمقتضى الآية الكريمة. وليس الذي ادعاه هذا من أن السيئة هي مطلق الكبيرة، حتى يدخل فيها الكفر وأي كبيرة أخرى. وهذا التفسير الذي ذكرناه للآية موافق لموضوعها، حيث إنها وردت في حق اليهود، ومعلوم أن هؤلاء كفار أصلا، وهم مبالغون في التلبس بالذنوب، حتى صارت محيطة بهم. وأيضا موافق للآية التي بعدها،أعني قوله تعالى(والذين آمنوا وعملوا...الخ) والتي لم يذكرها الخليلي في كتابه، فهي تقارن بين حال اليهود الذين كفروا وعملوا الأعمال الباطلة والمعاصي الكثيرة، فيحكم عليهم بالخلود في النار، ويقابل حالهم بحال الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، فيحكم عليهم بالخلود في الجنة أيضا. ولم يشترط إحاطة الأعمال الصالحة بهؤلاء بل أطلق القول فيها، حتى يصدق عليهم القول وإن فعلوا بعض المعاصي. فالإيمان مقابل للسيئة التي هي الكفر، والأعمال مقابل للخطيئة.
ثم إن الله تعالى علَّق الحكم بالخلود في النار على إحاطة الخطيئة به، وليس على مجرد الخطيئة، فلا بد أن يكون لإحاطة الخطيئة معنى زائد على مجرد الخطيئة، وهذا المعنى هو الذي ذكرناه في قولنا بأنه الكفر وتكاثر المعاصي حتى لا يبقى له عمل صالح، لأن الكافر لا عمل يقبل منه. ولا ينطبق هذا المعنى-أعني إحاطة الخطيئة- على المؤمن، لأن أصل الإيمان معه، ولا يتصور مؤمن يصدق عليه أنه أحاطت به خطيئته، لأنه ما دام يشهد ويؤمن بالله تعالى وبرسوله الكريم، فلا إحاطة للخطيئة، فلا يتحقق مفهوم الآية وشرط اندراجه في الحكم بالخلود في النار. وفرق بين أن يقال، بلى من كسب سيئة وأخطأ فهو خالد في النار، وبين أن يقال: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فهو خالد في النار. والمذكور في الآية الكريمة، هو النمط الثاني، وإذا ثبت هذا، وهو كذلك، فلا يتحقق قولهم بأن فاعل كبيرة واحدة فقط، يكفر، لأن مفهوم الإحاطة لا يتحقق بكبيرة واحدة، لوجود الفرق بين التعبيرين، ما لا يُنكَرُ ممن يفهم اللغة العربية، فيلزمهم أن يقولوا إن الواحد لا يكفر إلا إن فعل عدة كبائر، وإن قالوا ذلك أفسدوا مذهبهم، لأن تحديد عدد معين دون غيره، مجرد تحكم منهم، وعدم الإقرار بالفرق معاندة للغة. ومن وقع بين هذا وذاك فمذهبه باطل بلا ريب.
وقد يقول قائل: إذا كان الكفر وحده يترتب عليه الخلود في النار، فما فائدة ذكر إحاطة الخطيئة به بعد ذلك، فلا أثر لها مع الكفر.
نقول لهذا القائل: نعم إن الكفر وحده كافٍ في ترتب الخلود في النار للكافر، ولكن ماذا يكون الحال إذا انضم لهذا الكفر أيضاً فعل معاصٍ وخطاايا كثيرة تحيط بالفاعل، ألا يزيد هذا من عذابه. ولم تقول إنه لا أثر للخطايا بوجود الكفر، بل لها أثر، ألا تعلم أن مراتب تعذيب الكفار يختلف، وذلك بحسب عنادهم ومصادمتهم للأوامر الإلهية، فللنار دركات كما للجنة درجات. ثم إن المقام مقام وعيد وتهديد لليهود ومن اتبعهم في سيرتهم، وهذا يناسبه التهديد على كل ما فعلوه، وليس على بعضه، وما فعلوه ليس هو مجرد الكفر، بل أضاوف إلى الكفر الخطيايا العديدة والمعاصي العديدة. فناسب هنا أن يضاف في سبب خلودهم في النار معاصيهم، ليروا أن سيئاتهم ومعاصيهم وذنوبهم تزيد في تعذيبهم. وفرق عظيم بين أن تقول هذا كفر بالله ولكن كانت سيرته حسنة بين الناس ولم يعادِ أنبياء الله تعالى ولم يؤذ الناس، ولم يحرف قول الله تعالى، وبين من أضاف إلى كفره ذلك كله، هل يستويان في العذاب الأخروي، لا بل شتان ما بينهما مع خلودهما في النار.
وإذا عرفنا أن في الآية الكريمة كلمتين اثنتين، الأولى قوله تعالى(سيئة)، والثانية قوله (وأحاطت به خطيئته)، وأن معنى هذه غير معنى تلك، وليس ذكرهما مجرد تكرار بل لكل واحد فائدة مستقلة، فنقول: إن المفتي الخليلي الإباضي ليدلل على قوله وهو أن فاعل الكبيرة خالد في النار، ذكر فقط تفسير بعض السلف لكلمة خطيئة، وأهمل ذكر تفسير السيئة، وهذا الفعل منه غير يدل على طريقة غير سليمة في التفسير، أو على عدم انتباه لما ذكرناه.
وبيان ما نقوله، أن السلف فسروا كلمة سيئة، ثم أضافوا إلى ذلك تفسيرهم لكلمة خيئته، وذلك مع عدم إهمال مفهوم الإحاطة الذي ذكرناه. والاحتمالات تدور على ما يلي،
إما أن يكون المراد بالسيئة كل السيئات، أو سيئة خاصة. والأصل هنا الخصوص لأنه نكرة في سياق الإثبات، فلا يعم، فالمراد سيئة خاصة إذن، وما دام كذلك، فإما أن يراد بها أي سيئة بحيث يدخل فيها الكبيرة مطلقا، أو يراد بها عين الكفر والشرك. فهنا احتمالان فقط، أن تكون السيئة إما الكفر والشرك أو مطلق الكبيرة.
وأما الخطيئة فتحتمل عين الاحتمالين أيضاً، إما الكفر والشرك وإما مطلق المعصية والكبيرة.
والآن، من فسر السيئة بالكفر، فإما أن يقول إن الخطيئة المعصية والذنوب الكبيرة أو أن يقول بها هي آثار الكفر التي تحيط بقلب الإنسان.
ومن فسر السيئة بمطلق المعصير لا يمكن أن يهمل مفهوم إحاطة الخطيئة ويصب فكره على مجرد الخطيئة، بل إنه يلتفت إلى مفهوم الإحاطة قطعا.

والذي نريد قوله هنا، أن الخليلي لم يلتفت مطلقا إلى أن لكل واحدة من الكلمتين معنى مستقل، وصب اهتمامه على جلب بعض الآراء لمفهوم الخطيئة فقط، وأهمل مفهوم إحاطة الخطيئة بالفاعل، مع أنه هو المذكور في الآية، وليس مجرد الخطيئة. وجعل الخلاف بين العلماء في مفهوم مطلق الخطيئة دليلا له على أن مطلق المعصية تستلزم الخلود في الكفر.
وهذا الأسلوب من التفسير أسلوب اتقائي بلا ريب، ولا يلائم الباحث عن الحق.
وقد استحضر الخليلي عدة نصوص عن السلف يريد بها أن يؤيد قوله، بأن المراد بالخطيئة إنما هو مطلق الكبيرة.
وسوف نورد أقوال السلف من هذه الأمة، ونحللها ونبين حقيقة القول في هذه الآية، ونعلق عليها
قال الإمام السيوطي في تفسيره الدر المنثور (1/209):
"أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله (بلى من كسب) قال: الشرك.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة:مثله.
وأخرج ابن ابي حاتم عن أبي هريرة في قوله (وأحاطت به خطيئته) قال: أحاط به شركه.
وأخرج ابن اسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله بلى من كسب سيئة أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي من آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: (وأحاطت به خطيئته) قال: هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار.
وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله: وأحاطت به خطيئته ما الخطيئة قال اقرؤوا القرآن فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله وأحاطت به خطيئته قال: الذنوب تحيط بالقلوب فكلما عمل ذنبا ارتفعت حتى تغشى القلب حتى يكون هكذا وقبض كفه ثم قال والخطيئة كل ذنب وعد الله عليه النار.
وأخرج ابن ابي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن خيثم في قوله وأحاطت به خطيئته قال هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.
وأخرج وكيع وابن جرير عن الأعمش في قوله (وأحاطت به خطيئته) قال: مات بذنبه."اهـ
وقال ابن جرير الطبري في تفسيره(1/384) في المراد من السيئة:
"عن ابن عباس قال وأما السيئة التي ذكر الله في هذا المكان فإنها الشرك بالله.
كما حدثنا محمد بن بشار قال ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني عاصم عن أبي وائل بلى من كسب سيئة قال الشرك بالله.
حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلى من كسب سيئة شركا.
حدثني المثنى قال ثنا أبو حذيفة قال ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.
حدثنا بشر بن معاذ قال ثنا يزيد بن زريع قال ثنا سعيد عن قتادة قوله بلى من كسب سيئة قال أما السيئة فالشرك.
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة مثله.
حدثني موسى قال ثنا عمرو قال ثنا أسباط عن السدي بلى من كسب سيئة أما السيئة فهي الذنوب التي وعد عليها النار.
حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قلت لعطاء بلى من كسب سيئة قال الشرك.
قال ابن جريج قال قال مجاهد سيئة شركا.
حدثت عن عمار بن الحسن قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قوله بلى من كسب سيئة يعني الشرك."اهـ
ثم أورد الطبري الأقوال التي وردت في قوله تعالى(وأحاطت به خطيئته) فقال(1/286-287):
حدثنا أبو كريب قال ثنا ابن يمان عن سفيان عن الأعمش عن أبي روق عن الضحاك: وأحاطت به خطيئته قال مات بذنبه.
حدثنا أبو كريب قال ثنا جرير بن نوح قال ثنا الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خثيم وأحاطت به خطيئته قال مات عليها.
حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة قال أخبرني ابن إسحاق قال حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس وأحاطت به خطيئته قال يحيط كفره بما له من حسنة.
حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال حدثني عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأحاطت به خطيئته قال ما أوجب الله فيه النار.
حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة وأحاطت به خطيئته قال أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة.
حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن قتادة وأحاطت به خطيئته قال الخطيئة الكبائر.
حدثني المثنى قال ثنا إسحاق قال ثنا وكيع ويحيى بن آدم عن سلام بن مسكين قال سأل رجل الحسن عن قوله وأحاطت به خطيئته فقال ما تدري ما الخطيئة يا بني اتل القرآن فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال ثنا أبو أحمد الزبيري قال ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته قال كل ذنب محيط فهو ما وعد الله عليه النار.
حدثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أبو أحمد الزبيري قال ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي رزين وأحاطت به خطيئته قال مات بخطيئته.
حدثني المثنى قال ثنا أبو نعيم قال ثنا الأعمش قال ثنا مسعود أبو رزين عن الربيع بن خثيم في قوله وأحاطت به خطيئته قال هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.
حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال قال وكيع سمعت الأعمش يقول في قوله وأحاطت به خطيئته مات بذنوبه.
حدثت عن عمار قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع وأحاطت به خطيئته الكبيرة الموجبة.
حدثني موسى قال ثنا عمرو بن حماد قال ثنا أسباط عن السدي أحاطت به خطيئته فمات ولم يتب.
حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال حدثني حسان عن ابن جريج قال قلت لعطاء وأحاطت به خطيئته قال الشرك ثم تلا ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار."اهـ
وسوف نلخص لك أقوالهم في هاتين الكلمتين أعني (السيئة)و(أحاطت به خطيئته أو الخطيئة) بجدول يلخص لك ويريك مقدار الخطأ الذي وقع فيه الخليلي عندما اقتصر على ذكر تفسيرهم لكلمة الخطيئة، وأهمل تفسيرهم لكلمة السيئة مع أنها هي الأصل. لتعلم بعد ذلك أنه قصد ذلك.

سعيد فودة
09-03-2004, 23:31
ملاحظة : لقد عملت جدولا يبين ما ذكرته آنفا ولكني لم أستطع نشره هنا على شكله الأصلي، فإنه يتداخل بعضه ببعض. ففضلت حذفه.

فنلاحظ من هذا أن هناك إجماعا على تفسير السيئة بالشرك من جميع المفسرين، إلا السدي، فإنه عبر عن ذلك بعباة تحتمله، فقال هي الذنوب التي وعد عليها النار، وعبارته عامة، ومحتملة للشرك ولغيره.على أن السدي في التفسير لا يرقى إلى غيره من المفسرين، ويكفي عنهم ابن عباس.
والخليلي لما اقتصر على إيراد تفسير ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وأبي رزين والربيع والأعمش والسدي لكلمة (وأحاطت به خطيئته) مهملا تفسير كلمة (سيئة)، رآهم جميعهم يقولون إن تفسيرها هو الذنوب، إلا ابن عباس الذي فسره بما ذكرناه، أول الخليلي تفسير ابن عباس أيضاً فقال في ص204 من كتابه تعليقا على قول ابن عباس:"والكفر يعم الكبائر كلها لأنها من كفران النعم"اهـ، فبالغ في الغلط على هؤلاء الأئمة حتى لم يُطِق أن يجري قول ابن عباس على ظاهره، فأوله بناءً على مذهب الإباضية لا بناء على مذهب أهل السنة، فحمل الكفر في قول ابن عباس على كفر النعمة، مع أن الظاهر من قول ابن عباس أنه لا يريد إلا الكفر الحقيقي وهو الكفر بالله.
ومن هذا العرض المختصر المستعجل لتفسير هذه الآية، يتبين لنا أن ما يتمسك به المخالفون لأهل السنة في أقوالهم هو مجرد شبهات وتحريفات وأوهام فاسدة لا قيام لها أمام النظر الصحيح. ولو أردنا تتبع بقية استدلالاته على هذا المطلب، لطال المقام، ولكنا اكتفينا بأول وأعظم دليل عنده، وبيَّنا ما في استدلاله من ضعف وتحكم، وباقي أدلته ضعيفة متهاوية. والله الموفق.

جمال حسني الشرباتي
10-03-2004, 05:32
الاخ سعيد المحترم
مفهوم ما تفضلت به حول فاعل الكبيرة ولكن---
هل يمكن ان تتعمق اكثر؟
ان الادلة التي ساقها العالم الخليلي قوية ليس فيها ضعف وخصوصا اية0000بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون0000
اضع امامك رابط كتابه
http://alnadwa.net/alkhalili/hagdamg3.htm

جمال حسني الشرباتي
10-03-2004, 05:37
مشاركتي السابقة كانت قبل اتمامي ما كتبت يا اخ سعيد
ارجو عدم اعتبارها
السلام

موسى البلوشي
23-09-2010, 22:17
جزاك الله خيرا سيدي سعيد ..

عبدالعزيز عبد الرحمن علي
24-09-2010, 06:40
جزاكم الله خيرا شيخنا سعيد