المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملامتية في التصوف الإسلامي .. حقيقتهم، وأنواعهم، وصورتهم عند السلفيين الجدد



د. مصعب الخير الإدريسي
12-11-2006, 06:16
الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته، المتقدس في نعوت الجبروت عن النقص وسماته. والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد المؤيد بساطع حججه وواضح بيناته، وعلى آله عِتْرَةِ النبي وذُرِّيَاتِه، والرضا على أصحابه هُداةِ طريق الحقِّ وحُماتِه، وعلى سائر الصالحين التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فقد حضرتُ لبعض الشيوخ دروسا تُلقَى في حدود ضيقة، وكانوا مع سعة علمهم بفنون اللغة وعلوم الشريعة، وما يدركه القريبون منهم من حسن عبادتهم وإخباتهم لربهم، لا يَتعرَّضُون للخطابة العامة، ولا يشتغلون بالفتوى، ويسيرون في الناس سِيرَةَ العَوَامِّ لا يتميزون عنهم بسَمْتٍ مَخْصُوص.
وسمعتُ في أوَّلِ صباي عن أبي وأعمامي ـ رحمهم الله ـ أنَّ درويشا فقيرا كان يحضر إلى ديوان الأسرة في صعيد مصر، وكان إذا سمع القرآن يُتْلَى في مجلسٍ سارع إلى الهرب من المكان، وكان يعتذر عن ذلك إذا سئل بأنه لا يتحمل السماع؛ لأنه يسمع القرآن بكُلِّ جوارحه لا بأذنه فقط.
ورأيت شابًّا في إحدى القرى القريبة من قريتي تبدو عليه سِمَاتُ التخلُّفِ العقلي، والظاهر أنه ليس من أهل التكليف، ومع ذلك كان في الناس من يَعدُّه من أهل الولاية؛ فلما تَوفَّاه الله ـ تعالى ـ جعلوا قبره ضريحا، وأقاموا له مولدا كبيرا بزعم أنه من أهل الولاية الخَفِيَّةِ.
وكان يقال في هؤلاء وغيرهم: إنهم ملامتية. ولم أكن في ذلك الزمان البعيد أعرف حقيقة أهل الملامة بوضوح، ولا أدرك رتب أنواعهم المختلفة بصورة ظاهرة عند سالكي الطريق بالحق؛ غير أني حفظت من الحديث ما سمعته على ألسنة الشيوخ مما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ قال: «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ» . وما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً؛ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَأرْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلا تَعُدُّوهُ». قالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بالأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا؛ إِلاّ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» . وَمِنْ وُجُوهِ بَيَانِهِ أَنَّه يُشِيرُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِلَيْهِ بأَصَابِعِهِمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا فُلانٌ الْعَـابِدُ، أَوْ الْعَالِمُ. وَيُطْرُونَ فِي مَدْحِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بَلاءٌ وَمِحْنَةٌ لَهُ. وَمَنْ عَصَمَهُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ فقد حَفِظَهُ وجَعَلَ لَهُ مَلَكَةً يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى قَهْرِ نَفْسِهِ؛ بِحَيْثُ لا يَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ، وَلا يَسْتَنْفِرُهُ الشَّيْطَانُ بسَبَبِهِ ؛ لكن هذا لم يكن يعني عندي أنَّ كُلَّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ، ولا كل من ابْتَدَعَ في الدين أو ابْتُدِعَ له أو بسببه ـ يمكن أن يُعَدَّ في الملامتية والصوفية.
ولما انتقلت إلى القاهرة مع بدء الدراسة الجامعية؛ عرفت أقواما ينكرون التصوَّفَ جُمْلَةً بلا تمييز بين الحقِّ الظاهرِ والباطلِ البَيِّن، ولا تَوَقُّفٍ عند النظر فيما يشتبه من أحكام بعض المعاملات والعبارات، وسمعتُ من ذلك وقرأتُ ما لم أكنْ أتصوَّرُ من قبلُ أنه يُقالُ ويُكتَب. ثمَّ درستُ مادَّةَ التصوُّفِ في كُليَّةِ دار العلوم مع الأستاذ الدكتور محمد السيد الجليند في كتابه «قضايا التصوف في ضوء الكتاب والسنة»؛ فعرفتُ أنَّ في الساحةِ اتجاهًا ناقِدًا مُعتدلا يَقبلُ ما يَثبُتُ في رؤيته أنَّ له أصلا في الكتاب والسنَّةِ، ويَردُّ ما يَثبُتُ أنَّه مُخالفٌ لهما، أو مُعارِضٌ لما هو مَعروفٌ عنده من سيرة السلف الصالح. ولئن خَالفَهُ الصُّوفِيُّ أو المُتَصَوِّفُ في بعضِ آرائه وأحكامه؛ فهناك مِساحَةٌ رَحْبَةٌ للنِّقاشِ وَرَجْعِ النَّظَرِ ومُعارَضَةِ الدليل بالدليل؛ فليس من الصَّوابِ تركُ الحقِّ لتَسَتُّرِ بعض المُبطلين به، ولا حَمْلُ الباطل عليه لإشاعة قَبُولِه أو السكوتِ عنه بين الناس.
وليس من باب الاستطراد أن أُسَجِّلَ إعجابي بأستاذنا الدكتور الجليند حينما درَّسَ لنا في مرحلة تمهيدي الماجستير في مكتبه الخاص بعيدًا عن قاعات المُحَاضَراتِ العامَّة، فكلَّف طلابَه أن يُقدِّم كُلُّ واحدٍ منهم تقريرًا عن كتابٍ من مكتبة الفلسفة الإسلامية التي تضم مجال التصوف، فكتبتُ عن كتاب الحارث بن أسد المحاسبي «الرعاية لحقوق الله»، وكتب أحد زملائي عن كتاب لأبي المواهب عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني، وحينما شرع ذلك الزميل في تقديم تقريره أخذ في الثناء على الإمام الشعراني قُطْبِ زمانه الأوحد، ثمَّ عمد إلى استئذانه في عرض الكتاب وبيان ما فيه.
ولقد سمعتُ صدرَ خُطبةِ الزميل الذي كان مجلسه عن يميني، ثُمَّ أخذني وَهْمُ تَخيُّلِ الأستاذ يُلقي عليه مَكْتبَهُ، أو يَنفُضُ على رأسه ما بين يديه، وكدتُ أغادرُ مجلسي إلى جوارِ المُتَحَدِّثِ نَجَاةً بنفسي؛ لكنَّ الأستاذ كان يسمع في وَقَارِهِ المعهود، ولا يبدو عليه شَيْءٌ من سماتِ الدَّهْشَةِ والاستغراب. وحينما سَخِرَ أحدُ الزملاء الحاضرين مِمَّا يسمعُ عَنَّفَهُ الأستاذُ وتَهدَّدَهُ بالفَصْلِ والطَّرْدِ من مجلس الدراسة؛ حتى إذا انتهى المُتَحَدِّثُ من تقريره علَّقَ الأستاذُ عليه بما ينبغي في العلم من حيثُ المنهجُ والأفكارُ المطروحة، ثم أتاح لنا مُناقشته.
ولقد تابعتُ دراستي بعد ذلك تحت إشراف شيخي الأستاذ الدكتور حسن الشافعي الذي يَلْتَحِمُ في حياته السلوكُ بالعلم؛ فلا تعرف أهو صُوفِيٌّ مُتَكَلِّمٌ، أم مُتَكَلِّمٌ صُوفِيٌّ، ومعَ إدراكِكَ أنَّه العالمُ الفَذُّ المنشغلُ بالعلم جمعًا وعطاءً ونقدًا في مجال اختصاصه، وَمُتابَعَةً لِكُلِّ جديدٍ في العُلُومِ والآدابِ وأحوالِ النَّاس، تُوشِكُ أن تَزْعُمَ من حُسْنِ لقائه للخلق وسعيه في خدمة عباد الله ـ تعالى ـ ومشاركاته في المجامع العلمية أنه لا يفرغ من ذلك لشيء سواه!!
ولقد أسعدني أنَّ الشيخ الجليل ردَّني إلى ما كان يشغلُني في أوَّلِ صباي، حينما كلفني كتابة تعريف موجز بالملامتية في التصوف الإسلامي؛ ليكون من مادة التعريف بهم في موسوعةٍ علميَّةٍ يُزمِعُ إصدارَها المجلسُ الأعلى للشئون الإسلامية التابعُ لوزارة الأوقاف بمصر، ولئن اقتصرت مادة ذلك التعريف الموجز على كلام الصوفية أنفسهم، وبيان صورة الملامتية ورتبتهم في طريقهم؛ فإنني وجدت في ذلك فرصة طيبة لإنشاء بحث أوسع يتناول بيان حقيقة الملامتية، وأنواعهم، وأصول المتحققين منهم ومسالكهم في التربية وتزكية النفس من خلال التراث الصوفي، ثم يتعرض لبيان صورة الملامتية عند خصوم التصوف والصوفية من السلفيين الجدد، الذين لقيت من عَنَتِهِمْ عندَ أوِّلِ مَقْدِمِي للدراسة بالقاهرة ما لقيت.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ..

د. مصعب الخير الإدريسي
12-11-2006, 06:22
الموضوع ليس تكريرا لموضوع التعريف بالملامتية؛ لكنه توسعة له وإضافة عليه.
وأكرر رجائي للأخ المشرف الكريم أن يتفضل بحذف موضوعي السابق ((التعريف بالملامتية في التصوف الإسلامي)).
مع خالص الشكر والتقدير ..

عبدالعزيز الحسيني الهاشمي
30-09-2007, 23:43
جزاكم الله خيراً.

لم أستطع التحميل، فما السبب؟

الطاهر عمر الطاهر
02-10-2007, 13:31
جزاكم الله خيراً.

لم أستطع التحميل، فما السبب؟
وأنا كذلك
أرجو إصلاح المشكلة