المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى شيخنا سعيد -أسعد الله مهجته- استفسارات.



أحمد محمود علي
07-03-2004, 22:58
الحمد لله الذي امتن على بعض عباده بشرف العلم ، وكرمهم على سائر مخلوقاته بدقيق الفهم ، وصلى الله على سيدنا محمد صاحب الأخلاق والأنوار والكرم والحلم ، وعلى آله وصحبه الأبرار ، ما أشرقت شمس التوحيد ، وتلألأ للمسلمين في سماء المجد نجم، وسلم تسليما كثيرا .
وبعد ... فإني والله يا شيخنا عاجز عن شكركم كما ينبغي ، على ما أسديتم لنا (أي الطلاب) من دقائق المسائل ، التي ما كان مثلي يحلم بأن تطرق يوما أذنه على هذا القدر من التحقيق الدقيق، فالحمد لله أولا وآخرا ، وأكثر في علماء الأمة من أمثالكم ، فمثلكم والله معرفته غنم ، ومجافاته غرم ، نفعنا الله بكم في الدارين، آمين.

شيخنا !! ثم بعض الاستفسارات التي أدعو الله تعالى أن يوفقكم ويبارك لكم في الأوقات حتى تجيبوا عليها ، وأرجو أن لا أزعجكم بذلك .....

1- ما الفرق بين قول ابن تيمية بدليل الكمال وبنائه مذهبه عليه ( ككون جهة الفوق أكمل وهكذا ) ، وبين استدلال بعض متقدمي السادة الأشاعرة -أعلى الله منارهم ، ورفع في الورى مقدارهم- بهذا الدليل في إثبات صفة السمع والبصر ؟

2- قال بعض الدكاترة الأفاضل أن قياس الغائب على الشاهد لا ينفك عنه مذهب من المذاهب ، ولابد منه في الاستدلال على وجود الباري جل وعلا ، فهل هذا صحيح ؟؟

3- أشرتم في كتابكم الماتع (تدعيم المنطق) إلى الفرق بين قول من قال من الأشاعرة بقياس الغائب على الشاهد على سبيل الشرط والعلة فقط ، وبين قول ابن تيمية بذلك القياس ، فأرجو إيضاح هذا الأمر بصورة مفصلة شيئا ما ؟؟

وأخيرا أسأل الله تعالى أن ينفعكم وينفع بكم ، وأن يغفر لكم ويضاعف لكم الأجر ،وأن يجعلكم ممن يمسّكون بالكتاب والدين، وينصر بكم الإسلام نصرا عزيزا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا.
تلميذكم ومحبكم / محب الدين الأزهري

سعيد فودة
14-03-2004, 20:13
الجواب:
الحمد لله رب العالمي والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد
لقد رأيت أسئلتك أيها الفاضل النجيب، وهي إنما تدل على دقة في الفهم لديك، حرية أن تزيد العناية بالجواب عليها، وأما تأخرنا في ذلك فلعوارض خارجة عن نفس الأسئلة، لما يتلبسنا في هذه الأيام من عظيم المشاغل الجسام.
أما السؤال الأول فقد قلتَ
1- ما الفرق بين قول ابن تيمية بدليل الكمال وبنائه مذهبه عليه ( ككون جهة الفوق أكمل وهكذا ) ، وبين استدلال بعض متقدمي السادة الأشاعرة -أعلى الله منارهم ، ورفع في الورى مقدارهم- بهذا الدليل في إثبات صفة السمع والبصر ؟
الجواب: إن ابن تيمية عندما يستدل بدليل الكمال، فإنه ينتقل مما يشاهده أولا، فيعتبره كمالا، ولا يعتني بإقامة الأدلة على اختصاه بالكمال، فإذا أتم ادعاء كونه كمالا، فإنه يقول وكل كمال فهو واجب لله تعالى.
هذا هو خلاصة استدلال ابن تيمية. فيقول مثلا: الإنسان موجود في جهة، وكل ما نشاهده من موجودات فهي في جهة من غيرها، فالجهة كمال للموجودات، وما دام الكمال واجبا لله فالله تعالى يجب كونه في جهة.
ومعلوم أن هذه الطريقة ليست تامة، ولا وافية ولا كافية.
وما يعتمد عليه من القول بأن ما ليس في جهة من غيره فهو حال فيه، والحال في الشيء أدنى كمالا من غير الحال. فلا يفيده هنا، أعني في مقام الاستدلال على صفات الله تعالى وكمالاته، لأنا لو سلمنا أن هذا كمال في هذا الموجود المشاهد، فما الدليل على أنه كمال في حال الموجود الواجب؟ وهو محل الكلام.
فالانتقال من الشاهد إلى الغائب في أي درجة من الدرجات، محتوٍ على مصادرة على المطلوب ظاهرة للعيان. لأن الأصل هو أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وهذا الاستدلال الذي يقول به ابن تيمية لا يقوم على التسليم بهذه الآية، بل إنما يتم بنفي مدلولها، ولذلك ترى أنه يعتبر هذه الآية من المتشابهات لا من المحكمات، وتراه يدعي أنها دالة فقط على نفي المماثلة، لا على نفي المشابهة، كما يقول أهل الحق.
وأما استدلال أهل السنة على السمع والبصر وحاصله أن ضد السمع والبصر نقص والله تعالى منزه عن النقص، فهو يجب اتصافه بهما، فهو غير تام كما بينوه رحمهم الله تعالى في كتبهم الكلامية، ولذلك فقد اعتمدوا في إثبات هاتين الصفتين على النقل لا على العقل. وجهة انتقاد هذه الدلالة قريبة مما ذكرناه سابقا.
ولقد ألفت رسالة قبل أكثر من عشر سنوات في بيان ما قال أهل السنة في هذه المسألة أعني الاستدلال على السمع والبصر بما ذكرتَ.

وأما السؤال الثاني:
2- قال بعض الدكاترة الأفاضل أن قياس الغائب على الشاهد لا ينفك عنه مذهب من المذاهب ، ولابد منه في الاستدلال على وجود الباري جل وعلا ، فهل هذا صحيح ؟؟
فالجواب:
فاعلم أن قياس الغائب على الشاهد، الجائز إنما هو ما كان من باب العقليات، ولذلك خصوه في نحو الشرط العقلي والعلة العقلية ونحوهما، وما كان كذلك فلا إشكال فيه. ولكن ابن تيمية يستعمل هذا القياس فيما هو أكثر من ذلك فيستعمله في الحقائق الثابتة مشاهدة، فإثبات الجهة لله تعالى بحجة ثبوتها للمشاهدات، هو عبارة عن نقل حكم ثبت لما هو مشاهد لما هو غائب قياسا، وهو القياس المسمى بقياس الغائب على الشاهد. وهو هنا باطل لا شك. فما كان من هذا الباب، فهو باطل.
أما قولنا إن ما كان من باب العلة العقلية فلا إشكال فيه، فذلك نحو قولنا، الحادث محتاج إلى محدث، فهذا ثابت شاهدا وغائبا، وكقولنا الحادث دليل النقص، وهذا ثابت شاهدا وغائبا. فلدلالة الحادث على الاحتياج والنقص، أبطلنا إثباته لله تعالى الواجب الوجود.
فإن كان قصد هذا الدكتور الفاضل ما ذكرناه من الذاتيات أو الحقائق الثابتة بالمشاهدة، كالحيز والجهة والامتداد وغيرها، فالجواب: إننا نمنع وقوع جميع المذاهب في نحو ذلك القياس. وإن قصد ما ذكرناه فلا إشكال. مع أن قياس الغائب على الشاهد الذي هو محل المنع إنما هو الأول لا الثاني.

وأما السؤال الثالث:
3- أشرتم في كتابكم الماتع (تدعيم المنطق) إلى الفرق بين قول من قال من الأشاعرة بقياس الغائب على الشاهد على سبيل الشرط والعلة فقط ، وبين قول ابن تيمية بذلك القياس ، فأرجو إيضاح هذا الأمر بصورة مفصلة شيئا ما ؟؟
فالجواب قد تبين مما مضى.
أدعو الله أن يكون الجواب واضحا ، وأن ينفعك بفهم التحقيق، وعدم الجري وراء الخيالات اللفظية، ومن معك.

والله الموفق

أحمد محمود علي
14-03-2004, 21:17
الحمد لله واهب المواهب ، على أن هدانا لمثلكم في تلك الغياهب ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق ، ومجلى أنوار الحق ، سيدنا محمد إمام المرسلين ويتيم أبي طالب ، وعلى آله الطاهرين ، وصحبه الطيبين، ما أمطرت لؤلؤاً عين ساجد ،وزقزقت بحمد ربها عصافير المساجد، وشمر عن ساعديه محبٌ عابد ، وقال إني إلى ربي ذاهب.
وبعد ..
شيخنا الحبيب والله ما أجد كلمات أو عبارات تسعفني في التعبير عن كل ما في قلبي لكم، ولا أظن أن هناك حروفا ورقوما تطيق تحمل معان يهتز لها القلب أيما اهتزاز، وإني أسأل الله تعالى أن يوصلها إليكم دون واسطة، وإنها حقا لأفراح الروح !!
وإني استغفر الله مما وصفتني به من الفضل والنجب ، فأقسم بالله غير حانث أني لست أهلا مطلقا لذلك، والله يعلم ما هنالك ، فاللهم اغفر لي ما لا يعلمون ، واجعلني خيرا مما يظنون، واحفظ لنا يا رب هذا الشيخ المبارك ،وأعظم له الأجر ،وانفع به أمة حبيبك، وأحيي به سنة نبيك ، وانصر به دينك ، وأكثر في المسلمين من مثله ، يا رب ،، واجزه عنا خير ما جزيت عالما عن أمة رسولك، يا رب ، نشهدك على أننا أحببناه فيك، فاجمعنا به في الجنة في رحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وارزقنا الفردوس الأعلى ،
يا حي يا قيـــــــــــــوم، يا واحد يا أحد ،يا فرد يا صمد ،نتوسل بك إليك ، أن ترزقنا الحضور دوما بين يديك، ونعوذ بك من الأهواء والشهوات ، والأوزار والسيئات ، ونعوذ بك من الالتفات ، يا قهــــــار.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تلميذكم ومحبكم / محب الدين الأزهري -سامحه الله-

بلال النجار
16-03-2004, 15:05
بسم الله الرحمن الرّحيم

قولك: (ما الفرق بين قول ابن تيمية بدليل الكمال وبنائه مذهبه عليه (ككون جهة الفوق أكمل وهكذا)، وبين استدلال بعض متقدمي السادة الأشاعرة بهذا الدليل في إثبات صفة السمع والبصر؟)

أقول: أما ابن تيميّة فإنه يتوسّل بقياس الغائب على الشاهد لإثبات المعاني الجسمانيّة لله تعالى، ولا يرى في ذلك ضيراً، لأن مذهبه إنما ينبني على هذا الأصل الكبير، وهو أن كلّ ما هو موجود فإنه إما جسم أو قائم بالجسم، وعليه فالله تعالى عنده كسائر الموجودات يشترك معها في خصائص معيّنة، ويندرج الكلّ تحت جنس واحد. وهو الجسميّة بمعناها الذي يصدق على الجميع، ويستلزم اتصاف الجميع باللوازم التي لا ينفك عنها الجسم.
ولذا تجده يقول إن جهة الفوق أكمل من جهة التحت، وما دامت كمالاً فيجب اتصاف الخالق بها. وهو غلط فاحش. لأن ما ينسبه الأشعريّة إلى الله تعالى ليس هو مطلق الكمال، بل الكمال المطلق. وفرق كبير بين المعنيين.
أما الكمال الإضافيّ أو النسبيّ الذي يثبته ابن تيمية لله تعالى فلا نثبته إلا أن يدلّ أيضاً على كمال مطلق، لأن الأوّل إنما يكون بالإضافة إلى مخلوق معلوم، فيجب أن يكون من جنسه. وليس شيء مما يتصف به المولى سبحانه من جنس ما اتصف به المخلوق.
فتأمل مثلاً قوله إن ما يتحرك أكمل مما لا يتحرّك، فهو ههنا يفاضل بين حادثين، يحكم على الأول بأنه أكمل بالنسبة إلى الثاني من جهة اتصافه بصفة كمال هي كذلك في الحوادث على تسليم أن الحركة أكمل من السكون في الحادث. وما دام المحكوم به كمالاً فهو يجوّز لنفسه أن يثبته لله تعالى لمجرّد اندراجه تحت هذا العنوان. ولكن هذا المعنى إن سلّم كونه كمالاً، فإنه كمال نسبيّ، وهو أيضاً مختص بالمتحيّز، والله تعالى لما استحال عليه التحيّز اللازم للأجسام استحال وصفه بالحركة، فلا يجوز أن يثبت هذا المعنى في حق الله تعالى. وكلّ كمال من هذا الباب يكون بالمقايسة بين المحسوسات والمخلوقات دون أن يدلّ على الكمال المطلق فلا يجوز نسبته إلى المولى سبحانه، لأنه لا نسبة بينه تعالى وبين خلقه البتة.
وأما العلم مثلاً، فإن العقل يحكم عليه بأنّه كمال مطلق، فالعالم أكمل من الجاهل مطلقاً لا بقيد الحدوث ولا بقيد القدم، وهذه القضية كما تصدق في حقّ المخلوق فإنها تصدق في حق الخالق، وليس ذلك بمناف لما قلناه أولاً، لأنه أولاً فرق كبير بين الكمال المطلق والكمال النسبيّ، ولأن علم الله ليس كعلم المخلوق، ولأن ثمة فرقاً كبيراً بين قياس الغائب على الشاهد في الوصف بالحركة والذي يثبت به لله -تعالى عن ذلك- نفس المعنى الذي ثبت للمخلوق، وبين الحكم الكليّ المجرّد الصادق على القديم والحادث. أي أن الحكم العقليّ الكليّ القاضي بأن العلم بمعنى الانكشاف التام كمال مطلق، يصدق في حق الخالق على معنى العلم القديم، ويصدق في حق المخلوق على معنى العلم الحادث. مع أنه لا نسبة مطلقاً بين الخالق والمخلوق، كما لا نسبة مطلقاً بين العلم القديم والعلم الحادث. فالثابت بهذه القاعدة الكليّة في حقّ الخالق معنى مغاير تماماً للثابت في حق المخلوق بنفس القاعدة، مع أنه يصدق عليهما كونهما علماً، والله تعالى أعلم.

قولك: (قال بعض الدكاترة الأفاضل إن قياس الغائب على الشاهد لا ينفك عنه مذهب من المذاهب، ولابد منه في الاستدلال على وجود الباري جل وعلا، فهل هذا صحيح؟)

أقول: لا أرى هذا الكلام صحيحاً على إطلاقه، وبالأخصّ في مسألة إثبات وجود الباري تعالى. فإن مقدمات دليل الحدوث مثلاً أو دليل الإمكان، والقياس المرتب من هذه المقدمات، ليست من باب قياس الغائب على الشاهد في شيء. نعم الأشاعرة استعملوا قياس الغائب على الشاهد في الإلهيّات، ولكن بصورة محدودة للغاية وهي صورة لا تستلزم التشبيه مطلقاً. ثمّ نعم الحس شرط العقل، والنظر في العالم يفضي إلى إثبات الصانع وبعض صفاته، ولكن العقل يجرّد من المحسوسات معانٍ كليّة يفكر فيها، ويركب من هذه الكليّات قضايا قياساته، فلا يعود القياس العقليّ صادقاً على العالم الماديّ المشاهد وحده بل هو أعمّ من ذلك، والواقع المشاهد يكون أحد مصاديقه.

واعلم أن الإدراك إما إحساس أو تخييل أو توهّم أو تعقلّ. ولا يثبت بالوهم وما دونه من الملكات حكم في الإلهيّات، لأن المعاني التي يتصرف فيها الوهم والخيال إنما هي معاني غير متجرّدة عن اللواحق الماديّة، بخلاف التفكير العقليّ، فإن مادّته هي الكليّات التي جرّدها العقل عن كلّ ما يلحقها من الغواشي واللواحق الماديّة التي تكتنفها. وعليه فيجوز أن يحكم العقل في الإلهيّات ويكون حكمه صادقاً، فإذا كانت مقدّماته صحيحة كان قياسه صحيحاً، وأما الوهم فلا حكم له أصلاً فيها لأن كلّ حكم له على الإله سيقيّده بقيود جسمانيّة. بخلاف العقل الذي يمكنه أن يتصوّر الإله ذاتاً متجرّدة عن المادّة ويقيّدها بقيود كليّة لا تمتّ البتّة بصلة إلى الجسم والجسمانيّ.
وعليه فليس بالضرورة أن يكون كلّ قياس يجريه العقل ليثبت به حكماً أن يكون هذا القياس من باب قياس الغائب على الشاهد كما هي طريقة المجسّمة.
فإذا تأملت قولنا: العالم متغيّر، وكلّ متغير حادث، فالعالم حادث. وكلّ حادث لا بدّ له من محدث. فالعالم له محدِث. والمدّعى أن محدث العالم هو من نسميه الله سبحانه وتعالى.
فأين قياس الغائب على الشاهد في هذا الكلام.
إن الشاهد دل العقل على أن العالم متغيّر، والتغيّر معنى كليّ عقليّ أعمّ من أن يكون مشاهداً محسوساً، ثمّ التغيّر مستلزم للحدوث، وهو الوجود بعد العدم أي كون الشيء بعد أن لم يكن، وهو أعمّ من أن يكون مشاهداً محسوساً، ثمّ ما لم يكن ثم كان لا يتصوّر العقل كونه بنفسه، بل لا بدّ من مكوّن له، فهذا الحكم كلي عقليّ صرف، صادق على كلّ غائب وشاهد. فأين قياس الغائب على الشاهد فيه؟
ويبدو أن توهّم من قال إن الأحكام في الإلهيات لا تنفكّ عن قياس الغائب على الشاهد آت من أن الحسّ شرط العقل، فيردّ بأننا قد نبدأ من الشاهد، ولكن المتأمل يلاحظ أننا حين ننتقل إلى الغائب لا ننتقل إليه بإثبات نفس المعنى الثابت في الشاهد، بل نجرّد من الشاهد معانٍ كليّة يصحّ أن تصدق على الغائب المخالف في ذاته وصفاته للشاهد. وهذه المعاني وإن صدقت على الشاهد فلا يكون صدقها عليه مستلزماً لتجانس المحكوم عليه في الشاهد والغائب أو مشاكلته أو مشابهته له إلخ، كما لا يستلزم تساوي المحكوم به على الشاهد والمحكوم به على الغائب.
ولنقرب ذلك بمثال آخر، وهو حكمنا بأن الخالق لا بدّ أن يكون عالماً بتفاصيل ما يخلق، أننا إذا بدأنا من ملاحظة أن كلّ صانع فلا يتأتى له أن يصنع ويشكّل شيئاً إلا أن يكون عالماً بكيفيّة صنعه وبخصائص المادة التي يصنع منها، وبصورة المصنوع إلخ من العلوم الواجب توفّرها له، ثمّ حين نلاحظ استحالة أن تصدر الصنعة المحكمة عن غير العالم بها ونحكم بأن كلّ صانع فلا بدّ أن يكون عالماً بصنعته فنحن لا نعود نتكلّم عن المشاهد فقط، بل يكون كلامنا أعمّ منه، بحيث لا يقبل العقل صدور الصنعة المحكمة عن غير القادر عليها العالم بها. فنحكم على الإله بما أنه صانع هذا العالم على هذه الصورة المحكمة أنه قادر على صنعه عالم تمام العلم بمصنوعه، دون أن نغلّف حكمنا هذا بأنه صنعه بيدين تمسان المصنوع أو بآلة إلى آخر ما نرى في الشاهد، ودون أن نحكم بأن علمه كعلمنا ولا قدرته كقدرتنا، مطلقاً هذه اللواحق التي منشأها الوهم لا تخطر بالبال في مستوى الإدراك العقليّ. بل التفكير لا يكون مقيّداً بقيود الشاهد مطلقاً ههنا، والحكم على الله تعالى بالقدرة أو العلم ههنا لا يشترط له التصوّر التامّ للمحكوم به من علم وقدرة، بل يكفي للحكم بهما على الغائب تصورهما من وجه من الوجوه وهي ههنا بعض لوازم العلم والقدرة. والبحث دقيق، ولكن أرجو الله أن أكون قد وفّقت في إيصال الفكرة التي أريدها.

قولك: (أشرتم في كتابكم الماتع (تدعيم المنطق) إلى الفرق بين قول من قال من الأشاعرة بقياس الغائب على الشاهد على سبيل الشرط والعلة فقط، وبين قول ابن تيمية بذلك القياس، فأرجو إيضاح هذا الأمر بصورة مفصلة شيئاً ما)

أقول: قولك فقط مناف لقول الشيخ ونحوهما إشارة إلى وجود غيرهما. وأرجو أن تلاحظ تقييده للشرط والعلّة بالعقليين أنه يريد تجريدهما عن اللواحق الماديّة ليتم القياس عقليّاً مجرّداً صادقاً على الماديّ وغير الماديّ، أي صادقاً على المعنى المتعقّل بلا قيد كونه مشاهداً أو محسوساً.
أما على سبيل الشرط، فكقولهم بأن الحياة شرط لصحة الاتصاف بالعلم والقدرة، فالعالم والقادر لا بدّ وأن يكون حيّاً. والحياة هي المعنى المعقول الذي إن وجد في شيء صحح العقل اتصاف ذلك الشيء بصفات المعاني، وأصل هذا القول مأخوذ من استقراء الواقع المشاهد، فعند وصف الإله بالحياة من طريق هذا الدليل يكون قياساً للغائب على الشاهد على سبيل الشرط، ولا يلزم منه كما ترى وصف الإله بالمعنى الذي اتصف به المخلوق، فالعلم والحياة في حق المخلوق أمران مغايران تماماً للعلم والحياة في حق الخالق، ولكن مفهوم الشرط أعمّ من أن يكون فهمه مقيّداً بالشاهد والغائب، كما يقال شرط وقوع كلّ فعل أن يكون مراداً من فاعله، فيصدق هذا المعنى في حق الخالق وفي حق المخلوق، دون أن يلزم منه التشابه بين الفعلين ولا بين الصفتين، ولا بين الفاعلين.

واعلم أن مستند الأشعرية في إثبات السمع والبصر، ليس هو الدليل العقليّ، بل الدليل العقليّ فيها ظنيّ كما لا يخفى. وفيه ضعف نصّ عليه العلماء في كتبهم، فدليل إثبات السمع والبصر مستند أصلاً على ثبوت صفة الحياة، فمقدماته هي أن كلّ حيّ يصح اتصافه بالسمع والبصر، وكلّ من صحّ اتصافه بصفة وجب أن يكون متصفاً بها أو بضدّها، وضدّ السمع والبصر الصمم والعمى، فثبت أنه إما أن يكون موصوفاً بالسمع والبصر أو بالصمم والعمى، والأخيرتان صفتان من باب النقائص والآفات، والنقص والآفة على الله محال، فلمّا امتنع اتصافه بما يدلّ على النقص والآفة وعلم أنه يجب اتصافه بهما أو بضديهما، وجب اتصافه بضديهما وهما السمع والبصر، وهو المطلوب.
ولكن في هذا الدليل مقدّمات ليست بقطعية، وهي أن كلّ حيّ يصح اتصافه بالسمع والبصر، فيرد عليه أنه لا يلزم من كونه حيّاً أن يصحّ عليه ما يصحّ على سائر الأحياء. والمقدمة الثانية وهي قولهم كلّ ما يصح اتصافه بصفة وجب اتصافه بها أو بضدها، قد لا يسلّم الخصم أن التقابل بين السمع والصمم وكذا بين البصر والعمى هو من تقابل الضدين المستلزم لكون كلّ من هذه المعاني وجوديّاً. فإذا صار الكلام إلى أن تقابلها من تقابل النقيضين، فله أن يقول لم منعتم اتصافه بنقيضيهما، فإن هذا هو عين المتنازع فيه، ولا يجوز جعله مقدمة في إثبات المتنازع فيه. ثمّ المقدمة الثالثة: وهي أنه على تقدير أن يكون التقابل بين الصفة ومقابلها تقابل الضدين، فللخصم أن يقول: لم قلتم إن كلّ ذات فإنه يصح اتصافها بأحدهما، فالضدان قد تخلو كلّ ذات يصح اتصافها بهما عنهما.
وهذه الإيرادات وأمثالها هي ما كان أشار إليه الشيخ بقوله: (وأما استدلال أهل السنة على السمع والبصر وحاصله أن ضد السمع والبصر نقص والله تعالى منزه عن النقص، فهو يجب اتصافه بهما، فهو غير تام كما بينوه رحمهم الله تعالى في كتبهم الكلامية، ولذلك فقد اعتمدوا في إثبات هاتين الصفتين على النقل لا على العقل. وجهة انتقاد هذه الدلالة قريبة مما ذكرناه سابقا)

وقوله (جهة انتقاد هذه الدلالة) إشارة إلى مقدّمتهم (وكلّ حيّ فيصح اتصافه بالسمع والبصر) وقوله (قريبة مما ذكرناه سابقاً) أي أنه ليس تماماً قياس غائب على شاهد، وإلا لو كان كذلك لأثبتنا للإله تعالى عن ذلك سمعاً كسمعنا وبصراً كبصرنا، ونحن لم نفعل ذلك، وإنما جهة القرب هي أننا حين قلنا كل حيّ يصح اتصافه بالسمع والبصر، نظرنا إلى هذا الحيّ المشاهد، فنقلنا الحكم بصحة اتصافه بالسمع والبصر إلى الغائب الذي ثبت كونه حيّاً، وهذا النقل ليس قطعياً لما قلناه من أن ما يصح اتصاف حيّ به قد لا يصح أن يتّصف به سائر الأحياء، فاستقراؤنا ههنا ناقص، وليس السمع والبصر بلازمين للحيّ لكونه حيّاً، ولا صحة اتصافه بهما بلازمة له لكونه حيّاً. ولو سلمت لنا إحدى هذه المقدّمات لكان استدلالنا أقوى.
وإن كون الحياة شرطاً لصحة الاتصاف بصفات المعاني إذا سلّمها الخصم، فإننا لا يمكننا أن نأتي بدليل قاطع على أن كلّ حيّ فيصحّ اتصافه بالسمع وبالبصر، لأن الشرط لا يلزم من تحققه تحقّق المشروط وهو هنا صحّة الاتصاف. فلذا كان مستندنا في ذلك هو الدليل السمعيّ القطعيّ على أنّ الله تعالى هو السميع البصير. فهذا ما تيسّر لي كتابته الآن، وأرجو الله تعالى أن أكون موفّقاً مصيباً فيما قلته. والحمد لله رب العالمين.

أحمد محمود علي
17-03-2004, 12:45
أشكرك يا أستاذ بلال على ما بذلته من جهد مشهود له بالبراعة،
وأقول حقا ما أشبه التلميذ بأستاذه -حفظهما الله تعالى- وصراحة كل ما تكتبه يا أستاذ بلال معلقا أو محشّيا على الشيخ ؛ هو عندي أنفس من الدر والياقوت، أكرر الشكر وأتمنى ألا تحرمنا (أي الطلاب) دائما من فوائدك القيمة ؛ فإن لها أهمية عندي قصوى، وذلك لأنك ممن نال شرف طول التلقي من الشيخ -حفظه الله- ومن كان كذلك فإنه أعلم بكلام الشيخ من غيره ممن حرم ذلك الشرف ، أكرمك الله ورفع قدرك بالعلم والحلم.
هذا وإنني سوف أكرر قراءة ما كتب مرات عديدة لما فيه من نفائس -وهو شأن كل تكتبون- فإن وجدت ما يحتاج لاستفسار ، فأرجو أن تسمحوا لي بالسؤال دون أن أزعجكم به.

والسلام عليكم ورحمة الله.

محمد ولد محمدي
17-03-2004, 22:02
جزاكم الله خيرا أجمعين و نفع بعلمكم .......أمين