المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [ خبر الواحد والخبر المتواتر ]



بلال النجار
04-03-2004, 06:49
هاتان المشاركتان فصلاتا عن موضوع بين سني وحشوي:
http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&threadid=496
http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&threadid=496&perpage=15&pagenumber=4
كنواة لموضوع جديد وهو خبر الواحد والخبر المتواتر ويقتصر الكلام عليهما هنا فقط وأي موضع آخر يفتح له صفحة جديدة



بسم الله الرحمن الرحيم

على الرّغم من الأخطاء التي وقعت فيها في تفكريك في هذه المشاركة إلا أنها بحقّ أجود ما قرأته لك حتى الآن من حيث التنظيم وحسن التعبير عن المراد، ويسعدني أن أقرأك دائماً على هذا النحو.

وأريد أن ألفت النظر قبل الإجابة على ما وضعته ههنا إلى أمر مهمّ جدّاً يا أخ هيثم، واعتبره طلباً أخويّاً خالص النيّة أشهد الله تعالى عليه. وهو أنّ الحوار لا يمكن أن يأتي بنتيجة إذا لم نعرف عن ماذا نتحدّث، وعلى ماذا نختلف. وأراك مصّراً على أنّ خبر الواحد يفيد العلم، وهو أمر أخالفك فيه قولاً واحداً، ومحلّ كلامي هو الخبر الواحد غير المحتفّ بالقرائن كما بيّنته غير مرّة. وأقصد بالعلم الجزم واليقين والصدق التامّ فيما أفاده الخبر. فهل تنازعني في هذا الخبر بالذات أنه لا يفيد العلم. أم أنّ محلّ كلامك غير محلّ كلامي. هذه أوّل مسألة. وأما المسألة الثانية التي يجري فيها البحث الآن، وهي مسألة الكلام النفسيّ. فما هو الكلام النفسيّ كما تتصوّره أنت، فلعلّنا لا نتكلّم عن نفس الأمر؟

ثمّ ما الذي تريده بالضبط من هذا البحث؟ هل تريد أنه لا وجود لشيء اسمه الكلام النفسي؟ أم تريد أن لفظ الكلام النفسيّ لا يجوز إطلاقه على الله تعالى؟ أم أنّ معناه لا يجوز أن يطلق على الله تعالى؟ إلخ هذه الأمور. أريدك أن تحدد لي بالضبط جهة اعتراضك على الكلام النفسيّ بشكل واضح ومنضبط. حتّى أركّز كلامي على هذه المحلات وأبحثها معك بحثاً وافياً إن شاء الله تعالى. فالكلام إذا آل إلى الكثرة والتفرّع دون لمّ شتاته وتحديد محلات النزاع وتلخيص الدلائل من الجانبين، واقتصر على المشاغبة، فالأظهر أنه لا يراد به وجه الله تعالى والله أعلم. عافانا الله تعالى وإياك من ذلك. فأرجو أن تلخص لي بأقل ما يمكن من الجمل جهة اعتراضاتك على الكلام النفسيّ والخبر المتواتر. فإني والله شديد الانشغال، ولا أريد أن تضيع أوقاتي وأوقاتك في خلافات ليس لها ثمرة.

قولك: (أنت لم تثبت أن السلف يقولون إن خبر الواحد يفيد الظن، فكيف تقول: "إذا ثبت أن خبر الواحد يفيد الظن"؟)
أقول: ما أجبتك به ثمّ هو عن سؤالك: (وأين في كلامه اعتبار العقائد التي تثبت بالتواتر يقينية! وبالآحاد ظنية!)
فقلت لك إذا ثبت أن ما يفيده خبر الواحد هو الظنّ وما يفيده المتواتر هو القطع، فما استفيد من الأول كان ظنيّاً سواء كان في العقد أو العمل، وما ثبت بالثاني كان يقينياً سواء كان في العقد أو العمل. فأولاً الجواب مطابق للسؤال. وثانياً كأني أنبّهك على أنّ هذا السؤال فرع القول بظنيّة خبر الواحد في مقابل خبر التواتر. فلا حاجة إلى سؤاله.

قولك: (أمّا الإمام الشافعي فإنه لم يجعل ما يفيده خبر الواحد في مقابل ما يفيده خبر العامة)
أقول: بل جعل. وظاهر كلامه في الموضع الذي نقلته لك هو ما بيّنته. وسآتيك بنصوص أوضح في دلالتها على ذلك عمّا قليل وفي القابل إن شاء الله تعالى. ولكن الأصل فيك أن لا تقول هذا وفقط. بل عليك أن تبيّن كيف أنه لم يجعلهما متقابلين من جهة إفادة أحدهما الظنّ والآخر القطع بدليل، لا بمجرّد الادعاء. فتنبّه.

قولك: (ومجرّد تمييزه بينهما من حيث هما طريقتان لإثبات الأخبار لا يعني أنه يرى تبايناً فيما يفيدانه)
أقول: هذا حقّ لو عدّهما عدّاً أو نحو ذلك مما لا يفيد تمييزه بينهما من تلك الجهة. ومحلّ الاحتجاج سياق حادثة القبلة التي قدّر فيها كلاماً للرسول صلى الله عليه وسلّم يسألهم فيه عن سبب تركهم العمل بما ثبت لهم من سبب يقيني إلى العمل بما لم يثبت بنحوه من سماع من المعصوم أو خبر العامّة الذي سيأتيك الآن بنصّ الشافعيّ على إفادته اليقين، أو على أقلّ تقدير خبر غير واحد يعزز ذلك ويشهره. فلو كان الشافعيّ لا يرى تفاضلاً فيما تفيده هذه الأنواع من الأخبار ما عدّها في هذا المقام. ولم يكن لتقديره سؤال النبيّ صلى الله عليه وسلّم لهم عن مخالفته من وجه. وهذا ما أفهمه من كلام الإمام المطّلبيّ وعلى النافي أن يبيّن وجهاً أقوى من هذا الذي أتيتنا به والذي لا يفيد إلا مجرّد الاحتمال البعيد في هكذا سياق.

قولك: (وإلا فهات الدليل من كلامه على ما تزعم)
أقول: سيأتيك إن شاء الله تعالى.

قولك: (الزركشي والأنصاري ذكروا فهمهما لكلام الشافعي، وكتب الشافعي مطبوعة متوافرة، فالمطلوب هو نُقول من كتب الشافعي نفسه لأنه من السلف، وليس من فهم غيره لكلامه)

أقول: أنا أحتج عليك بفهم العلماء لكلامه، وسيرة العلماء لها وجه معتبر في الاحتجاج كما تقرر في الأصول، ولعمري كيف تقبلها إن كنت تنكر الإجماع. وعلى أيّ حال، قد بيّنت وجه احتجاجي بقولهما بما يكفي. وأزيد ههنا أنه من جنس ما احتججت أنت به من نحو كلام ابن أبي الدم، وابن الصلاح وغيرهما مما شرحناه لك، ولم نلق منك رداً على ما قلناه ثمّة. واذكر حين سألتني لم تصرّ على عدم اعتبار قول ابن أبي الدم وابن الصلاح، فهل لي أن أقول نحو مقالتك ههنا. وأنا معي عدد لا يحصى من العلماء الذين يعتبرون التواتر، ويقولون به، فإن لم نقل أجمعت الأمة على قبول التقسيم، فجماهير العلماء على ذلك، فأينا مع السواد الأعظم؟ وأينا أولى بأن تطمئن نفسه لما هو عليه من الرأي؟

ألا ترى أنك تقبل قول العلماء حين تريد وتردّه حين تريد؟ ونرى أهل طريقتكم يردّون الإجماع أحياناً أو لا يأخذون بقول واحد من السلف، ويتبعون أقوالاً في غاية الشذوذ لم يقل بها أحد لا من السلف ولا من الخلف، ونراكم في بعض المسائل تتمسكون بأقوال السلف. وتطلبون نصوصاً لا تحتمل غير معنى واحد في مسائل لم يشتهر كلامهم فيها هروباً من أن يوسموا بالابتداع. ألا ترى هذا أمراً غريباً في طريقتكم؟! وليكن هذا تعليقاً صغيراً على ما سيأتي من قولك: (إثبات سلفيّتها....) الذي أجده في غاية الغرابة في مسألة كمسألة الكلام. فأنت تريدني أن آتيك بأحد من السلف الصالح غير من صرّح بذلك من أمثال ابن كلاّب والأشعريّ وأبي حنيفة، يقول بأن كلام الله تعالى هو كلام نفسيّ قديم غير مخلوق ولا محدث وقائم بذاته لأنه صفته وليس بحرف ولا صوت... إلخ من التفاصيل حتّى تعتبر هذا القول صحيحاً؟ وهو أمر غريب ولعلّه يعسر فعلاً أن تجد واحداً من القدماء نصّ بالنصّ على هذا النحو على كلّ أمر من هذه الأمور، وبخاصّة عند معرفتنا أنهم كانوا يتحاشون التفصيل، وينفرون من أهل الأهواء والبدع، وأكثر المكلّمين كانوا من هؤلاء في تلك الحقبة، حتّى إنهم كانوا لا يرددون عباراتهم ومصطلحاتهم. فإن جئناك بواحد قال بذلك قلت هذا لا نصحح اعتقاده، فكأنك تطلب واحداً ليس من دأبه أن يفصل أن يفصّل فيعسر عليّ المجيء به، إلا أن أفهمه من عبارته فهماً لما أن كثيراً منهم لم يكن يعبّر بمصطلح الكلام. فإن شرحت لك قوله، فستقول حمّلته ما لم يحتمله.

فإذا كنت تطلب هذا، فهل لي بالمثل أن أطالبك بأن تأتي لي بواحد من السلف الصالح المتفق على إمامته ومنزلته يقول إن كلام الله تعالى صفة قائمة بذاته ومع ذلك هو محدث في ذاته وهو حرف وصوت، وأنه يتكلّم ويسكت...أنا أتحدّاك أن تأتيني بنص لعالم من العلماء يقول فيه إن كلام الله تعالى حادث في ذاته العليّ، أو أنه تحدث الحوادث في ذاته العليّ، سواء كانت أصواتاً وحروفاً أو إرادات أو غير ذلك من الانفاعلات. ووالله الذي لا إله إلا هو يا هيثم إنك لتعلم علم اليقين أنكم أتيتم بأشياء لا وردت في كتاب الله ولا في سنّة رسوله ولا في كلام أحد من السلف الصالح، والعجب أنني كلّما كلّمت سلفيّاً قال لي هات الدليل من كذا وكذا... إلخ، فأيّ سلف صالح يقول بأن الله تعالى في جهة ومكان ويستقر بمماسة ويماس خلقه ويتحرّك ويتكلّم بكلامه يحدثه في ذاته... إلخ، ألا ترى هذا كيلاً بمكيالين. ألا ترى أنكم تحرّمون على الناس ما تحلّونه لأنفسكم. وعلى الرغم من أن هذا الكلام خارج موضوعنا، ولا أريد أن أخوض فيه أكثر، إلا أن ذكري له لا يعدو كونه تذكرة للإخوة السلفيّة، لكي يراجعوا أنفسهم ويكون لديهم الشجاعة الأدبيّة ويقفوا من أنفسهم وقفة الناقد، فينصفوا أنفسهم والآخرين، ليس لنا، بل لوجه الله سبحانه وتعالى إن كان هو بحقّ مطلوبنا كما ندّعي، ونزايد.

وسأجيبك الآن باختصار شديد عن باقي أسئلتك، لأنّي أريد أن نركّز على موضوع واحد هو خبر الواحد والخبر المتواتر، ثمّ حين ننتهي منه نتكلّم في مسألة أخرى. وأرجو أن لا يتشعّب الحديث في غيرها حتّى تنتهي. وبعد ذلك آتيك ببعض كلام الإمام الشافعيّ رضي الله عنه في الرسالة، وأعلّق عليه، وأريد أن تقول لي رأيك في ما أقوله دائماً ولا تعرض عن ذلك.

قولك: (أنت تقول: مادام الله متصفاً بالكلام، ومادام كلامه لا يكون بحرف ولا صوت فلا بدّ وأن يكون كلامه نفسياً. وأنا أطلب منك أن تثبت أن هذا التسلسل في التفكير والاستنتاج كان عند السلف. وها هي كتبهم في العقيدة كثيرة فمَن منهم فكر بهذه الطريقة؟)
أقول: ليس هذا بالضبط ما قلته. ولكن على أي حال، هب أني قلت ذلك: فما هو الخطأ في هذا التفكير الذي وقعت فيه؟ أين الخطأ في التفكير الذي وقعت فيه؟ إن كلّ ما يعنيه بنظري قيد النفسيّ هو زيادة تفصيل للتحرّز عن توهّم حدوث كلامه تعالى أو مشابهته لكلام البشر. وإلا فقد قلت لك مائة مرّة إن من قال إن كلام الله تعالى صفته القديمة ويتنزه الله تعالى عن أن يشبه كلامه كلام المخلوقين فهذا هو اعتقاد الأشعريّة، ولم يخطر بباله أنه نفسيّ أو غير نفسيّ.
وعلى سبيل المعارضة لا أكثر، أقول الله تعالى يقول إنه استوى على العرش، وأنتم تقولون ما دام استوى إذاً جلس ومس العرش فالعرش حدّه... إلخ هذه الخزعبلات فكيف لزم عندكم ذلك. أثبت لي هذه الطريقة في التفكير عند السلف؟ ومثل ذلك مثايل في عقيدتكم. كقولكم ما دام ورد ينزل ويدنو فهو يتحرّك، فمن قال من السلف ذلك؟ وكقولكم ما دام يتكلم، إذا بحرف وصوت، وما دام متصفاً بالكلام إذا الحرف والصوت يقومان بذاته، ولكن الحرف والصوت حادثين، والحادث لا بدّ له من محدث، إذاً الله تعالى يحدث صفته التي هي الكلام في ذاته!!!! فقل لي من من السلف فكّر بهذه الطريقة.

قولك: (لقد سألتك سؤالاً لعله حُذف بالخطأ وهو: هل تصحّ نسبة (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة عندك؟ وهل ترى أن كل ما جاء فيه يمثل عقيدة الإمام أبي حنيفة؟ وإن كنت ترى أن فيه بعض الأمور التي لا تمثل عقيدته فما توجيهك لوجودها في الكتاب؟)
أقول: أسئلتك التي تطلب فيها رأيي هي خارج موضوع بحثنا وأخشى أن تبعدنا عنه. أما الفقه الأكبر فالمشهور عند الأحناف بحسب علمي قولهم بصحة النسبة. وقد شرحه بعض علمائهم الأفاضل. فإن كنت تحب أن تضيف شيئاً بشأن النسبة أو أردت التعليق على شيء مما تضمّنه فيمكنك أن تؤجل ذلك قليلاً إن أحببت، أو تعلّق باختصار على ذلك.

قولك: (في حدود علمي فإن أول من أثبت صفة الكلام لله دون أن يثبت له حرفاً ولا صوتاً هو ابن كلاب! وهو أول من قال بعقيدة (الحكاية). فهل توافقني على هذا الكلام؟ وإن كان ابن كلاب! هو أقدم مرجع لك في القول بهذين القولين فأرجو أن تصرّح بذلك)
أقول: الذي أعرفه أن من أثبت لله تعالى كلاماً بحرف وصوت هم المعتزلة على أنه فعله، ومن أثبت لله تعالى الكلام بحرف وصوت على أنه صفته هم الحشوية والمجسّمة. أما موضوع العبارة، وأن اللفظ العربيّ عبارة على كلام الله تعالى، فبعض علماء الأشعريّة يذكرون ذلك ويقصدون به أن الألفاظ مخلوقة، ولكن مدلولها وهو الصفة القائمة بالله تعالى هي قديمة. ولا يجوز عند أحد من الأشاعرة إطلاق القول بأن القرآن مخلوق. أو الإشارة إلى القرآن والقول بأن هذا ليس كلام الله أو نحو ذلك. ومن قال إنه من كلام البشر فقد كفر. كما نص على ذلك الإمام الطحاويّ. ولا ادري بالضبط ما الذي ترمي إليه، دعك من هذه الطريقة، قل لي ما الذي تريده منّي بالضّبط أن أقرره لك لأفعل.
قولك: (ليس المطلوب معارضة عقيدة الكلام النفسي ومحاولة نفيها، المطلوب هو إثبات سلفيتها. وأنت لم تأت من ذلك بشيء حتى الآن)
أقول: ألا ترى هذا الكلام غريباً يا هيثم؟ فما معنى إثبات سلفيّتها. ولقد تكلّمت في هذا المعنى قبل ولا أريد أن أعيد. ولكن ما قيمة هذه السلفيّة إذا كان معنى الكلام النفسيّ صحيحاً، فهل يكون الإشكال في الاسم. اعتقد ما نعتقده في كلام الله تعالى وعش بقية حياتك لا تقيد كلام الله تعالى بنفسيّ ولا غيره، فلن يضيرك شيء إذا نزهت الله تعالى عن أن تشبه صفاته صفات المخلوقين. والعجيب في ادعائك على ابن كلاّب أنك توهم أن كلّ من قال إن الله متكلّم قبل هذا العالم فكان يقول إن كلام الله تعالى بحرف وصوت. فاذكر لي واحداً من العلماء المجمع على إمامتهم وصحة اعتقادهم نصّ على أن كلام الله حرف وصوت؟

وأخيراً تأملّ كلام الشافعيّ هذا في الرسالة، باب العلم:
(قال الشافعي فقال لي قائل: ما العلم؟ وما يجب الناس في العلم؟
فقلت له: العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغاً مغلوب على عقله جهله.
قال: ومثل ماذا؟
قلت: مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر وما كان في معنى هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه.
وهذا الصنف كله من العلم موجوداً نصاً في كتاب الله وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.
وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلطُ من الخبرِ، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازع) اهـ

فأقول:

أولاً: إن وصفه للخبر محلّ الكلام (بقوله ينقله عوامهم عن عوامهم ... إلخ) هو عين وصفنا للخبر المتواتر بما لا يجادل فيه إلا عميّ القلب. فيثبت بذلك تصوّر الإمام رحمه الله تعالى لهذا النوع من الأخبار.

ثانياً: وقد نصّ على أنه يفيد العلم القاطع بحيث لا ينازع فيه أحد.

ثالثاً: رتّب على هذا النوع من الخبر أحكاماً خاصّة مثل عدم جواز مخالفته.

ثمّ ذكر بعد ذلك العلم الثاني الذي هو علم الخاصّة. وذكر أن أسبابه: أخبار الخاصّة إن كانت من الستّة لا أخبار العامّة، وما كان يحتمل التأويل ويستدرك قياساً، وما لم يذكر نصّاً في الكتاب. إلخ...
وما يهمّني هنا هو قوله: (وإن كانت في شيء منه سنّة فإنما هي أخبار الخاصّة لا أخبار العامّة)

فهذا القسم من الأخبار الذي أجاز في ما يفيده الاختلاف. هل يمكنك أن تقول لي لم أجاز فيه الخلف؟

واعلم أنه لا يهمّني ههنا قولك بأن خبر الواحد يفيد العلم، فلستَ أنت أول من قال بذلك، ولم يكن هذا ما دعاني للتدخل في الكلام والنقاش، وإذا أردت أن نقيم مناظرة منفصلة في أن خبر الواحد يفيد العلم أو لا يفيده فعلت، والمسألة عندي من الأمور البدهيّة وقد انتهى العلماء من بحثها من زمن بعيد، وأنا أستغرب أن أحداً اليوم يقول بأن خبر الواحد يفيد العلم؟
وعلى أي حال، أصل كلامنا هو في مفهوم الخبر المتواتر، هل كان معروفاً وواضحاً في أذهان علماء السلف أو لا، هل رتّبوا عليه أحكاماً أو لا؟ هل الذي أقرّه جماهير علماء الإسلام بلا نكير ونصوا عليه في كتبهم سواء كانوا من أهل الأصول أو الكلام أو الحديث أو الفقه أو المنطق أو غير ذلك من العلوم، هل هؤلاء جميعاً أقرّوا مفهوماً خاطئاً، ولا وجود له في الواقع، ولا فائدة في معرفته وتمييزه، ولا يترتّب على معرفته أحكام؟؟ إن من يقول ذلك لهو المبتدع لا هم يا أخ هيثم. ولا داعي لأن أنقل لك أقوال الشافعيّ الذي نحتكم الآن إلى كلامه في معنى الإجماع وعدم جواز مخالفته، واعتبار أقوال جمهور العلماء، والاعتداد بمقالاتهم ... لكي تقف مع نفسك وقفة طويلة جدّاً قبل أن تخالف جماهير العلماء. وهم أئمة الدين وحملة لوائه. وإن كنا ونحن على ما ترى من فساد الخلق، وقلة العمل، وقلة العلم، لنتصدّى لحماية الدين، وندّعي الحفاظ عليه من البدع، فكيف بهم هم، وهم من هم، أليسوا أحرى بتقوى الله تعالى منا. فلماذا تتجرأ على جماهيرهم وفيهم في كلّ طبقة وعصر أسماء يهتز الواحد حين يسمعها: فتقول إنهم مشوا على هذه البدعة؟ فبدل أن نجتهد في معرفة أصول كلامهم ونبحث عنه عند القدماء نسارع برميهم بالبدعة.
فهذا ما تيسّر في هذا الصباح المبارك إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

هيثم عبدالحميد حمدان
04-03-2004, 18:16
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. الله يجبر بخاطرك يا أخ بلال!

فكرة حسنة يا أخ بلال "أن نركّز على موضوع واحد هو خبر الواحد والخبر المتواتر، ثمّ حين ننتهي منه نتكلّم في مسألة أخرى". وعليه فسأنتقل مباشرة لمناقشة ما نقلته عن الإمام الشافعي لأنه من السلف وهو ما يعنينا هنا.

الشافعي فيما نقلته عنه يا أخ بلال لا يتكلم عن المتواتر الاصطلاحي بتاتاً. وبيان ذلك ما يلي:
* ما ذكره الشافعي من أمثلة على (خبر العامة) لم يبلغ مرتبة (خبر العامة) لتوفر شروط الحديث المتواتر اللفظي أو المعنوي التي وضعها متأخرو المحدثين، بل بلغ مرتبة (خبر العامة) لكونه "موجوداً نصاً في كتاب الله وموجوداً عاماً عند أهل الإسلام ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم"، كما صرح به الشافعي.

* ويظهر ذلك من الأمثلة التي مثّل بها (رحمه الله). فتحريم السرقة ليس فيه حديث توفرت فيه شروط المتواتر من كون رواته لا يقلون في كل طبقة عن 3 أو 12 أو 40، في حد علمي. لكن مفهوم تحريم السرقة اجتمع على إثباته القرآن الكريم والسنة المستفيضة وإجماع العلماء وقبول الأمة.

* وفي المقابل: فإن بعض الأخبار التي زعم بعض المتأخرين أنها من المتواتر الاصطلاحي لا يصح أن توصف بأنها مما "لا يسع بالغاً مغلوب على عقله جهله" أو أنها مما "ينقله عوامهم عن عوامهم". مثلاً: زعم بعضهم أن حديث "الخيل معقود في نواصيها الخير" متواتر اصطلاحي، وكذلك حديث "أفطر الحاجم والمحجوم"، فهل يصح أن يقال في هذين الحديثين ما سبق؟ بل إن الأولى أن نعتبر هذين الحديثين وغيرهما مما حكم عليه بالتواتر: (خبر الخاصة) لأنهما ليسا مما "ينقله عوامهم عن عوامهم".

* ولذلك فإن المتأخرين لم يستثنوا ما لا يرويه العوام عمن مضى من العوام أو ما يجوز فيه التأويل والغلط والتنازع في وجوبه = مما قد يبلغ حدّ التواتر إذا توفرت فيه الشروط. والحديثان السابقان خير مثال على ذلك، وغيرهما كثير.

* إذاً فالشافعي هنا لا يتكلم عن التواتر بمعناه الاصطلاحي -سواء اللفظي أو المعنوي- المعروف عند متأخري المحدثين، إنما يتكلم عن شيء آخر في رأيي وهو (المعلوم من الدين بالضرورة)، لا الحديث الذي لا بد من توفر 3 يروونه في كل طبقة لأن 3 هو أقل ما تصح به الجماعة، أو 12 لأنه عدد الأسباط، أو 70 لأنه عدد الذين أخذهم موسى (عليه السلام) لميقات ربه، إلى غير ذلك من ترّاهات متأخري المحدثين.

فأيهما المتواتر عندك يا أخ بلال؟ هل هو (المعلوم من الدين بالضرورة) أم الذي توفرت فيه شروط المتأخرين؟ ثم بعد أن تجيب نواصل مناقشة كلام الشافعي إن شاء الله.

هيثم عبدالحميد حمدان
05-03-2004, 15:44
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله.

أرجو من الإدارة إعادة النظر في هذا الصنيع. فإن فيه بعثرة وتشتيت للأفكار ونقاط النقاش. وهناك الآن 3 موضوعات في صفحة الواجهة كلها تناقش مسألة التواتر!!!
فالذي أراه هو أن يتم دمج الموضوعات الثلاثة في موضوع واحد: (بين سني وحشوي) مع موضوع (تعرف على أول من جاء بمبدأ التواتر) مع هذا الموضوع ... بعد أن يقوم المشرف بتنقيحها وتهذيبها ويضع لها عنواناً جديداً حسبما يراه. مع الاحتفاظ بأصل كل منها في خارج السرب أو أي مكان آخر.
أما بعثرة الأفكار وتشتيتها والإبقاء على 3 موضوعات في صفحة الواجهة كلها تناقش نفس الموضوع فليس بالحسن. والمناقش بحاجة إلى الرجوع إلى الكلام السابق في كثير من الأحيان. فكونه يضطر للقفز بين 3 روابط مختلفة أمر متعب. والله أعلم.

بلال النجار
05-03-2004, 16:03
بسم الله الرحمن الرحيم

الله يجبر بخواطرنا جميعاً يا هيثم، على أني أقول الحق إن شاء الله أن أسلوبك في الكتابة تحسّن في المرتين الأخيرتين وأرجو أن تبقى كتاباتك بهذا المستوى، وأنا صرت خبيراً كما تعلم في لغتك وطريقة كتابتك.

وسأعلق ههنا تعليقات تناسب المقام بلا تفصيل كبير، وأدعك تكمل ردّك على قلته لك في مشاركتي السابقة، ولا تترك شيئاً يتعلق بموضوع الخبر بدءاً من تحرير محلّ النزاع وتحديد المفاهيم التي نتكلّم فيها ولو باختصار شديد كما فعلت أنا حتّى أعرف وأنا أكلّمك ما هو تصوّرك عن الأشياء التي نحن بصدد الكلام فيها.

أولاً: أنا اقترحت أن نتكلّم ثمّة في موضوع واحد لا أن نفتح موضوعاً جديداً ههنا في نفس ما كنا نتكلّم فيه هناك وهو موضوع التواتر وهو أمر مشتت فعلاً للقراء، والذي اقترحته بشأن فتح موضوع جديد هو أن الآحاد هل يفيد العلم أو لا. لا أن مفهوم المتواتر كان معروفاً عند السلف أو لا. والكلام في موضوع واحد أمر وفتح موضوع جديد أمر آخر. وعلى أيّ حال لا يهمّ. فلنكمل ولا نتعلّق بهذه الأمور الصغيرة.

ثانياً: كان عليك أن تجيبني على ما سألتك عنه أولاً قبل أن تنتقل مباشرة لمناقشة ما نقلته عن الإمام الشافعي. مت تحرير مقصودك بالمصطلحات، وتحرير محلّ النزاع.

ثالثاً: بنيت ردّك لكلامي على أن الشافعيّ يتكلّم عن المعلوم من الدّين بالضرورة وليس عن المتواتر. والذي فاتك أن كلّ معلوم من الدين بالضرورة فقد نقل بالتواتر، وإلا لجاز فيه الخلاف، ولم يكن معلوماً من الدين بالضرورة إلا لأنه أولاً روي لنا من عدد يستحيل اتفاقهم على الكذب. وإن كان في المعلوم من الدين بالضرورة شيء زائد على المتواتر مما يجعله أخص منه، فالأخص أعمّ وزيادة، فإثباته إثباته.
رابعاً: قولك تحريم السرقة ليس فيه حديث ...إلخ، لم تلاحظ فيه أن المدعى أن القرآن منقول بالتواتر. ولو لم يكن ثمّة حديث واحد في الباب إلا نص الكتاب لكفى. وما ذكرته بعد لا عبرة به. كقولك الاستفاضة وقبول الأمة فقد أجبنا بأنه لم يكن الحكم ليتلقى من الأمة بهذا القبول الذي هو أخص من مطلق القبول، إذ هو قبول بلا منازع ولا مخالف فيه، لم يكن ليقبل على هذا النحو إلا لتواتره المفيد لقطعيّته.

قولك: (وفي المقابل: فإن بعض الأخبار التي زعم بعض المتأخرين أنها من المتواتر الاصطلاحي لا يصح أن توصف بأنها مما "لا يسع بالغاً مغلوب على عقله جهله" أو أنها مما "ينقله عوامهم عن عوامهم".... إلخ)
أقول: لا قائل بأن كلّ متواتر فهو معلوم بالفعل لكلّ أحد بل المدّعى انه مفيد للعلم الضروري لكلّ من اطلع عليه، فمن لم يعرفه لم يقف على كونه متواتراً، فإن وقف على طرقه وبحث فيه علم بالضرورة أنه صادق. وكلام الشافعيّ رحمه الله تعالى في الأخص منه وهو المعلوم من الدين بالضرورة، فالذي يثبت للأخص لا يثبت للأعم بالضرورة، فأنت ههنا تستدل عليّ بأنه لما كان بعض مصاديق المتواتر غير معلومة لكثير من الناس، وقد قيد الشافعي الأخبار محل الكلام بأنها مما يعلمه كلّ أحد من العوام فلا يكون كلام الشافعيّ في المتواتر.

والجواب عنه: أن كلام الشافعيّ عما هو متواتر وزيادة. وهذه الزيادة هي التي أفادت إشاعة الخبر عند كلّ واحد من العامّة. فلا يخرج خبر العامّة عن كونه متواتراً بحال. فاستدللت عليك بأنه إذا ثبت الأخص ثبت الأعم في ضمنه. أما أنت فتستدل على بالمقلوب، فتريد أنه إذا ثبت الأعم الذي هو المتواتر فيجب أن يثبت أنه معلوم لكلّ واحد من العوام، الذي هو خاص بالمعلوم من الدين بالضرورة. وهذا غير مستقيم. وأرجو أن تلاحظ أن مبنى كلامي منذ أن أتيتك بكلام الشافعيّ عن خبر العامّة هو صورة من صور التواتر، ومصداق من مصاديقه، إذا تأملت كلام الإمام فيه استفدت منه أن مفهوم التواتر واضح تماماً عنده. وهو نقل الجماعة عن الجماعة من حيث يستحيل تواطؤهم على الكذب، وامتناع التواطؤ هذا هو الذي لا يدعوه إلى البحث في عدالة الرواة أصلاً.

وأرجو أن تلاحظ أن للشافعيّ كلاماً واضحاً يحكي فيه نقل عامة أهل العلم يعرفونه عن عامّة أهل العلم. فهذا علم خاصة ليس بالضرورة أن تعرفه العوام، وحجيّته أقوى قطعاً من خبر الواحد عن الواحد. فلا ينبغي أن تتوهم من قوله نقل العامة عن العامة أنه يعني دائماً العوام. وربما أعرض لنقل ذلك من كلامه وتوجيهه في ردي القادم المفصّل.

خامساً: الذي يظهر لي يا أخ هيثم أن اعتراضك على التواتر من جهة الاعتراض على العدد، وهو ما تلمّح له من حين لآخر، أفلا تعلم أن الصحيح في التواتر أنه ليس محدداً بعدد معين، وإنما متى حصل اليقين من جهة استحالة الاتفاق عرف أن الخبر متواتر. والقول بأن الرواة بعدد الأسباط أو الحواريين أو شهداء الزنا وغير ذلك أقوال ضعيفة غير معتمدة. فلم تذكرها وتصفها بالترهات تعريضاً بنا وأنت تعلم أنا لا نقول بها.

وأخيراً: قولك: (هل هو (المعلوم من الدين بالضرورة) أم الذي توفرت فيه شروط المتأخرين؟)

أقول: لا أعرف ماذا تعني بشروط المتأخرين. فإن كنت تقصد تحديد العدد فهو ليس شرطاً في التواتر. وإن كنت تقصد شيئاً آخر، فاذكره أقل لك إن كان هذا شرطاُ في التواتر أو لا.
وأنا عرّفت لك الخبر المتواتر غير مرّة. والمعلوم من الدين بالضرورة متواتر قطعاً بهذا التعريف. ولكن المتواتر أعمّ منه.
فهذا ما تيسر الآن، وسآتيك بالمزيد إن شاء الله تعالى حين تتم ردّك كما وعدتّ. وفيه كلام ظاهر واضح للشافعيّ في الفرق بين حجيّة الأخبار، وأين يعتبر خبر الواحد وأين لا يعتبر...إلخ ما نحن بصدده وأرجو أن تجيب عما أذكره من جهات الاستدلال عليك بفهم العلماء لكلام الشافعي، وإجماعهم، وسيرتهم. ولا تجعل البحث مركّزاً في أنّ السلف هل ذكروا التواتر بالمعنى الاصطلاحيّ بقيوده وشروطه وتفصيله أو لا. فإن ذلك مما ليس بالوسع أن يوجد في كلامهم، ولا يجوز أن تسأل عنه على هذا النحو، فإن المدعى أن المفهوم واضح عندهم، والتفرقة حاصلة، والأحكام مترتبة عليه، فالبحث في كلامهم يكون عن أصل هذه الأقوال، وأما جمع الأقوال وتحريرها وتدقيقها وتلخيصها وبسط العبارة في شرحها واستنباط المعاني منها، فهذا ما فعله المتأخرون في كلام سلفهم. والحمد لله رب العالمين.

هيثم عبدالحميد حمدان
05-03-2004, 21:13
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله. سأجيب على أسئلتك بشكل عام يا أخ بلال بحسب ما أراه ضرورياً لمتابعة النقاش على نور، ثم بعد ذلك أناقش كلامك السابق.

* مصطلح التواتر لم يكن معروفاً عند السلف، وهو بحسب تعريف متأخري المحدثين: القرآن كله، ومن السنة: الخبر الذي رواه جمع كثير من كل طبقة من طبقات السند يستحيل تواطؤهم على الكذب؛ عن مثلهم إلى نهاية السند، وهو معنوي ولفظي. وأنا أزعم أنه لا يوجد في السنة نص بالإمكان إثبات استحالة الكذب على نقلته في كل طبقة. والأهم من ذلك -فيما يتعلق بموضوع نقاشنا- أنه لم يثبت عن المحدثين القدامى اهتمامهم بإثبات استحالة تواطؤ الرواة على الكذب. وبناء عليه فإنني أفهم أن السنة النبوية وحدها لا يمكن أن تفيد العلم عند من يقول بعدم إفادة خبر الواحد للعلم. فهل فهمي هذا صحيح في نظرك؟

عودة إلى كلامك السابق:
1) الشافعي يا أخ بلال جعل (علم الخاصة) في مقابل (علم العامة)، والمتأخرون لا يمنعون من أن يثبت بعض (علم الخاصة) بالتواتر، ولا يمنعون من تأويل المتواتر والاستدراك عليه. فيكون وجه الاختلاف بين (علم العامة) و (علم الخاصة) ليس في طريقة الثبوت، هل هي بالتواتر أم بأخبار الآحاد، وإنما في القدر الزائد الذي تكلّمت عنه. ويصبح التواتر عاملاً محايداً في تفريق الشافعي بين العلمين.

2) وكذلك فإنهم لا يجيزون الخلاف في بعض ما هو ليس بمتواتر. مثلاً: تحريم جر الثوب خيلاء ثبت بأخبار آحاد، لكنه -بحسب علمي- لا خلاف فيه، وهو مُجمع عليه. فقولك "وإلا لجاز فيه الخلاف" هو من خصائص الحديث المتواتر التي لا أسلم لك بها.

3) ثم إنني لا أتفق معك على أن من أسباب كون الشيء معلوماً من الدين بالضرورة هو ورود الخبر الدال عليه بالتواتر واستحالة التواطؤ على كذب نقلته. وسؤءجل توضيح هذه النقطة حتى تجيبني عما سبق.

ولذلك فإنني يا أخ بلال لا أرى أي علاقة بين ما نقلته من كلام الشافعي وموضوعنا الذي هو إثبات سلفية مفهوم التواتر وما يفيده. والله أعلم.

هيثم عبدالحميد حمدان
05-03-2004, 21:30
أرجو ألا يفهم هذا مني على أنه تهديد معاذ الله: ولكنني لن أستمر في النقاش ما لم يُعد المدير النظر في صنيعه بالمشاركات. ======

بلال النجار
06-03-2004, 13:04
بسم الله الرحمن الرحيم

قولك: (مصطلح التواتر لم يكن معروفاً عند السلف)
أقول: سلّمنا أن المتقدّمين لم يكونوا يستخدمون مصطلح التواتر بالمعنى الذي يستخدمه به المتأخرون حصراً. فهل ترى في استخدام المتأخرين لمصطلح لم يستخدمه المتقدمون مشكلة؟

قولك: (وهو بحسب تعريف متأخري المحدثين: القرآن كله، ومن السنة: الخبر الذي رواه جمع كثير من كل طبقة من طبقات السند يستحيل تواطؤهم على الكذب؛ عن مثلهم إلى نهاية السند، وهو معنوي ولفظي)
أقول: حتى ندقق فيما نقول يا أخ هيثم، فإنه لم يعرّف أحد من المتأخرين المتواتر بأنه القرآن كلّه. بل القرآن كلّه من ماصدقات الخبر المتواتر. وإنما التواتر حكم على الخبر. والخبر هو ما احتمل الصدق أو الكذب. وعليه فينقسم الخبر بالضرورة في نفس الأمر إلى خبر كاذب وخبر صادق. وما بين التكذيب والتصديق مراتب لتعلّق النفس بالنسبة الخبريّة كما لا يخفى على عاقل، فإنه ليس كلّ خبر فإن النفس تقطع بأنه صادق أو كاذب. وتجد هذه المراتب منصوصاً عليها نصّاً في كلام المتقدمين. وهي الظنّ والشكّ والوهم. وعليه فكلّ خبر فإن النفس عند الاطلاع عليه لا بدّ وأن تتعلّق به بأحد هذه التعلّقات الخمسة. فهذا أهمّ مبدأ بديهي قام عليه تقسيم الأخبار.

وقبل أن أزيد في بيان القسمة وإثباتها، أريد أن أوافقك على تعريف المتواتر في السنّة مع زيادة طفيفة على الكذب وهي الخطأ والسهو.

ثم أقول: عند استقراء الأخبار تجد أنك تقطع بصحة القرآن الكريم دون توقّف، والسبب في ذلك أن القرآن كلام الله تعالى، والله تعالى يجب له صدق، ويستحيل عليه سبحانه وتعالى الكذب هذا من جهة قائله. ولكن من أين عرفنا أن هذا القرآن كلام الله تعالى؟ إن طريق معرفتنا لذلك –نحن الذين لم نلق النبي صلى الله عليه وسلّم- أصالة هي التواتر، فلما ثبت أن هذا القرآن من عند الله تعالى، قطعنا بصحة كلّ ما فيه وصدقه. ولو كان من عند من لم يجب عندنا صدقه لم نقطع بصحة كلّ ما فيه قبل النظر فيه.

والسنة المنقولة لنا ليست جميعها في نفس القوّة كما يعلمه كلّ إنسان. ولأنها أخبار فحكمها حكمها. فتجدك تقطع بأن هذا الخبر كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وتقطع في خبر آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلّم قاله، وآخر تظنّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قاله، وفي غيره تشكّ، وفي غيره تتوهّم. ولتبسيط الفكرة فإن العلم والقطع هو التأكد بنسبة مائة في المائة، وما دونه إلى أكثر من خمسين في المائة ظنّ، وبنسبة خمسين في المائة بالضبط هو الشك، ودونه إلى أكثر من الصفر في المائة الوهم. ومع تيقّن الصفر في المائة يكون التكذيب. وهذه القسمة مشهورة في أصول الفقه وتصورها والتمثيل عليها في غاية اليسر.

وطريق التواتر طريق لا يمكن أن يتطرّق إليها التكذيب، ولا تحتمل المناقضة، لأن العقل يحكم باستحالة أن يتّفق هؤلاء الرواة على الكذب أو السهو. فيحصل اليقين بالخبر المنقول أنه قاله المنسوب إليه.

وأما خبر الواحد، فقد يخبر به الواحد ونعلم أنه صدق قطعاً كخبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم لأصحابه عن المغيبات، ومع كونه من أخبار الآحاد صورة إلا أنه ليس منها حكماً. لوجوب صدقه صلى الله عليه وسلّم، لأن المعجزة دليل قاطع على وجوب صدقه. فكلّ ما يقوله فإذا علمنا أنه قاله فإننا نحكم بصدقه فيه بلا توقّف.

فإذا كان كلّ ما يقوله النبيّ عليه السلام حقاً، فأين المشكلة في حكمنا على ظنيّة كثير من السنّة؟
إن المشكلة في أننا لم نسمع الخبر من رسول الله مباشرة. بل سمعناه من رجال غير معصومين عن الكذب، وإن أحلنا عليهم الكذب عادة لصدقهم وتقواهم وما علم من استقصائهم وتثبّتهم، فإننا لا يمكن أن نحيل عليهم الخطأ والنسيان والاختلاط والسهو إلخ، فإذا بلغنا من طريق الآحاد خبر كان سنده من العدول، ولم تحتف به القرائن لترفعه من ظنّ نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى القطع بها، فإن غاية ما يمكننا أن نحكم على هذه النسبة هو غلبة الظنّ. وبالتالي يحكم على ما أفاده الحديث الصحيح نصاً بأنه يفيد غلبة الظنّ. لا من جهة كونه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن من جهة نسبته إليه، وهكذا هي المسألة.

فقل لي يا أخ هيثم هل تقبل العمل بالحديث الضعيف كما تقبل العمل بالصحيح؟
إن كلّ عاقل يجيب بلا.
حسناً، فهل يستطيع إنسان أن يقول بأن هذا الحديث الضعيف لم يقله رسول الله أو أنه كذب عليه؟!
إنني لا أعلم أحداً من العلماء لا في المتقدمين ولا في المتأخرين قال مثل هذه القولة الشنيعة.
إذاً ما هو الإشكال في الحديث الضعيف. إن الإشكال فيه أن نسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ليست مستيقنة، ولا تفيد غلبة الظنّ. بل صار مشكوكاً فيها. فهكذا هي المسألة لو تأملتها.


قولك: (وأنا أزعم أنه لا يوجد في السنة نص بالإمكان إثبات استحالة الكذب على نقلته في كل طبقة)
أقول: هذا الزعم غير مقبول. لأن الاستحالة ههنا ليست عقليّة، بل هي عاديّة. وقد بحثت هذا الموضوع بتوسع في نقاشي الطويل مع أحد الإخوة وهو إسماعيل حمودة في هذا المنتدى، فأرجو أن ترجع إليه. والاستحالة العاديّة كافية في تحقيق العلم اليقينيّ كما لا يخفى على مطّلع.

قولك: (والأهم من ذلك -فيما يتعلق بموضوع نقاشنا- أنه لم يثبت عن المحدثين القدامى اهتمامهم بإثبات استحالة تواطؤ الرواة على الكذب)
أقول: أجيبك بما قاله ابن الأثير الجزري في مقدمة جامع الأصول، في الفصل الثالث (في اقتداء المتأخرين بالسابقين، قال: (لما كان أولئك الأعلام هم الأولين في هذا الفن، والسابقين إليه، لم يأت صنعهم على أكمل الأوضاع وأتمّ الطرق، فإن غرضهم كان أولاً حفظ الحديث مطلقاً، وإثباته، ودفع الكذب عنه، وحذف الموضوعات عليه، والنظر في طرقه وحفظ رجاله، وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، والتفتيش عن دخائل أمورهم... فكان هذا مقصدهم الأكبر وغرضهم الأوفر، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعمّ، والمهمّ الأعظم، ولا رأوا أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع... فإن الواجب أولاً إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات، والأصل إنما هو عين الحديث وذاته، ثم بعد ذلك ترتيبه وتحسين وضعه، ففعلوا ما هو الفرض المتعيّن.... ثم جاء الخلف الصالح، فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك المنقبة الجليلة، وينشروا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، ويفصلوا تلك الفوائد التي أجملوا تحسين وضعها، إما بإبداع ترتيب، أو بزيادة تهذيب، أو اختصار وتقريب، أو استنباط حكم، وشرح غريب....) الخ كلامه العذب الشافي، رحمه الله تعالى.

وعليه، فأنت تعلم أن الأئمة الأوائل كانت لهم شواغلهم الكثيرة التي لم تشغل المتأخرين، فمثلاً تجد الإمام الشافعيّ من العلماء ذكروا الدلائل الكثيرة على حجيّة خبر الواحد الصحيح في العمل، واعتنى بذلك أيما اعتناء، وما المناظرة التي نقلت طرفاً منها في أول كلامك في التواتر إلا جزءاً مما رواه الإمام في الأم في ذكر الرد على من أنكر حجيّة خبر الواحد أي في العمل كما نراه في الأمثلة التي يضربها. وهذا الأمر صار عند المتأخرين من المسلّمات، ولا تجد أحداً يخالف فيه، ولولا أن الله تعالى يسّر لهذا الدين أمثال الإمام الشافعيّ لكي يرد شبه المخالفين في هذه المسألة لاشتغل المتأخرون بهذا الأمر، وهكذا هي الحال، العلم ينبني على بعضه، ويتحرر ويتنقح بتوالي جهود العلماء على النظر في المسائل والدليل والتقسيمات والأوضاع، والخلف يكملون ما بدأه السلف. ويبنون على ما أسسوه.
فعلى فرض أن الأوائل لم يلتفتوا إلى أن بعض الأخبار يستحيل اجتماع رواتها على الغلط، وهو غير مسلّم أصلاً، فهل ترى أن المتأخرين حين لاحظوا ذلك في مطلق الخبر، وطبقوه على الحديث النبويّ الشريف الذي هو من الخبر، هل تراهم أجرموا في ذلك الفعل، بحيث يجوز لنا أن نقول إن فعلكم هذا بدعة، لم يفعله السلف؟!
حسناً إذاً، إن أحداً من السلف فيما أعلم لم ينتقد أصحاب السنن على جمعهم الحديث الضعيف مع الصحيح، فلم قام السلفية اليوم بفصل الحديث الضعيف عن الصحيح، فهل كان هؤلاء الأئمة غافلين عن ذلك؟ الجواب الذي يليق بمقام هؤلاء العلماء الكبار والذين نعلم منزلتهم في العلم أنه لا. إذاً نعلم بالضرورة أنه كان لهم مقصد آخر غير تمييز الصحيح عن الضعيف في هذه الأحاديث، فهل تقول إن الشيخ الألباني وغيره ابتدع حين فعل ذلك؟
وكذا إن علماء الحديث من أصحاب الكتب فيما أعلم لم يشرح أحد منهم الحديث، فهل هذا يعني أن الذين جاءوا بعدهم وشرحوا الحديث ابتدعوا في الدين؟
وكذا إن أحداً من الصحابة لم نعلم أنه دوّن تفسير القرآن، فهل يعني أن تأليف تفسير للقرآن بدعة؟

فهكذا هي المسألة، يجب علينا يا أخ هيثم أن نوسع مداركنا وننصف في أحكامنا ولا نكيل بمكيالين. إن العلماء الأوائل اجتهدوا وشهدت الأمة لهم بعلو الكعب والجهد العظيم الذي بذلوه في حفظ الدين من كتاب وسنّة وآثار. والمتأخرون وضعوا المصطلحات أكثر من الأولين، ورتبوا وبوبوا وشرحوا وحرّروا... إلخ ما ذكرناه مراراً. واليوم نجد أنفسنا نتناول أصول الفقه من كتاب الشيرازي وورقات الجويني وغير ذلك من الكتب الميسرة السهلة لما أن القواعد انضبطت وتحررت، والمصطلح توضّح، فنجد الأمر أهون بكثير من أن نقرأ رسالة الشافعيّ وكلام المتقدّمين، لما أن تعبيراتهم لم تكن كلها منضبطة على مصطلح واحد كما هو اليوم. والأمر عينه في الفقه، وفي النحو والبلاغة، فأيها أسهل عليك أن تتناول فقه الشافعيّة من الأم أو من شروح المنهاج، وأيها أسهل أن تتناول النحو من سيبويه أو من ابن الحاجب وابن مالك وأبي حيان، وابن هشام وغيرهم... وهلمّ جرّاً.
فأرجو أن تتأمل المسألة وتنصف في الحكم. فلا أرى داعياً لكل الجلبة التي تحدثها حول اصطلاح المتأخرين على مفهوم التواتر، وتقسيمهم الحديث إلى متواتر وآحاد بأقسامه المعروفة.

وأما قولك: (وبناء عليه فإنني أفهم أن السنة النبوية وحدها لا يمكن أن تفيد العلم عند من يقول بعدم إفادة خبر الواحد للعلم. فهل فهمي هذا صحيح في نظرك؟)
أقول: حتى يكون جوابي مطابقاً لسؤالك ليتك تعرّف لي العلم كما عرّفت التواتر. وإذا كنت توافقني على تعريفي للعلم كما بيّنته عدّة مرات في هذا المنتدى وكما شرحته بقدر من التفصيل في الدرس الثاني من دروس المنطق للمبتدئين، فإني أقول إن بعض السنة يفيدنا علماً قطعياً، وبعضها يفيدنا ظنّاً. ولا إشكال في ذلك مطلقاً لأننا متعبدون بغلبة الظنّ. ومعرفة الظنّ تسمى أيضاً علماً، ألا تراهم يسمون الفقه علماً مع أنه ما جاء باجتهاد، وما جاء بالاجتهاد فأغلبه أو كلّه مظنون، ويسمون ذلك علماً بلا خلاف.
فلا يقال إن السنة لا تفيد علماً في نفس الأمر، ولا يقال إنها كلها لا تفيد علماً بالفعل، بل ينبغي التفصيل في ذلك، بالقول إن المتواتر منها مقطوع نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فيفيد علماً، وكلّ ما صحّ يفيد غلبة الظنّ بلا قرائن، وقد يفيد اليقين بالقرائن، ودون الصحيح برأسه يفيد دون غلبة الظنّ كما بيّناه. ولا نرى إشكالاً في ذلك مطلقاً. بل للمتأمل أن يحكم بعلميّة الضعيف الواهن لا بذاته بل لموافقته لنص متواتر أو إجماع. فالقول بأن السنة لا تفيد العلم هكذا على إطلاقه غير صحيح.

قولك: (والمتأخرون لا يمنعون من أن يثبت بعض (علم الخاصة) بالتواتر)
أقول: مسلّم.
قولك: (ولا يمنعون من تأويل المتواتر والاستدراك عليه)
أقول: أما تأويله فمسلّم. وأما الاستدراك عليه فماذا تعني به بالضبط كي أجيبك؟

قولك: (فيكون وجه الاختلاف بين (علم العامة) و(علم الخاصة) ليس في طريقة الثبوت، هل هي بالتواتر أم بأخبار الآحاد، وإنما في القدر الزائد الذي تكلّمت عنه. ويصبح التواتر عاملاً محايداً في تفريق الشافعي بين العلمين)
أقول: سلّمنا أن حكم الشافعيّ بعدم جواز التأويل ملازم للنصّ والإجماع، لكن لا نسلّم أن المعلوم من الدين بالضرورة لا يكون متواتراً. وليس كلّ مجمع عليه معلوماً من الدين بالضرورة، ولا كلّ متواتر معلوماً من الدين بالضرورة. فأما النصّ فإن كان في آحاد فإن عارضه معارض قد يقع فيه الخلف مع كونه نصّاً. وأما المتواتر فإن كان نصّاً فلا يجوز أن يقع فيه الخلف. والمدّعى أنه لا يكون المعلوم من الدين بالضرورة إلا عن متواتر سنة كان أو كتاباً ثمّ القدر الزائد الذي يكون فيه نصاً أو في منزلته مما يرفع الخلف فيه ولا يجيزه إن وقع. فلم تردّ قولنا بأن المعلوم من الدين بالضرورة لا يكون إلا متواتراً.


قولك: (وكذلك فإنهم لا يجيزون الخلاف في بعض ما هو ليس بمتواتر)
أقول: ما لا يجوز الخلف فيه من غير المتواتر، له حكم المتواتر من جهة القطع به. وهو أنه مجمع عليه. والإجماع يرفع الحكم من رتبة الظنّ إلى رتبة اليقين، لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ والضلال. ولا واسطة بين الحق والباطل في نفس الأمر. فعلم أن كلّ إجماع فهو علم لا ظنّ، فلم يجز فيه الخلاف. ولا تستقيم معارضتك إلا بأن تأتي لي بمسألة لم يجز فيها الخلاف وليست بمتواترة عن نص أو ليس مجمعاً عليها. ثم أرجو أن تفرّق في نظرك بين ما لم يجز فيه الخلاف وما لم يقع فيه الخلاف. على أنا نقول إن ما لم يقع فيه الخلف بتوالي العصور صار في حكم المجمع عليه الذي لا يجوز خلافه.

قولك: (مثلاً: تحريم جر الثوب خيلاء ثبت بأخبار آحاد، لكنه -بحسب علمي- لا خلاف فيه، وهو مُجمع عليه)
أقول: صار سبب عدم الخلاف فيه أنه مجمع عليه لا أنه خبر آحاد. فالإجماع رفعه إلى رتبة العلم، والعلم لا يجوز القول بخلافه.

قولك: (فقولك "وإلا لجاز فيه الخلاف" هو من خصائص الحديث المتواتر التي لا أسلم لك بها)
أقول: الحديث المتواتر أو الآية المتواترة لم يقل أحد أنها تفيد معنى واحداً قطعياً كالنص بحيث لا يجوز خلافه، وربّما لم تدرك ما أرمي إليه. فإذا وقع الخلاف في المتواتر لا يكون من جهة صحة النسبة التي هي قاطعة دائماً، ولكن من جهة كون صيغته محتملة لأكثر من معنى. فلا يكون ههنا قاطع الدلالة. كما جرى تقسيم الكلام إلى نص وظاهر ومجمل ومؤول، وهذا من معلوم في الأصول بلا نكير عند أحد من العلماء. وكلام الشافعيّ رضي الله عنه في أسباب الخلاف يكشف عن معان في غاية الروعة. فلا يرد عليّ أن بعض المتواتر مختلف فيه، فالمدعى ليس هو عدم جواز الخلف فيه لقطعية دلالته، بل المدعى عدم جواز الخلف في نسبته وفي إفادته للعلم في نفس الأمر.
نعم ظاهر كلام الإمام المطلبي هو في ما لا يجوز مخالفته لكونه نصاً أو في الحكم النصّ، وكونه متواتراً لم يؤثر في قطعيّة دلالته أو عدم قطعيّتها من جهة المعنى المستفاد منه، وهذا كله حق. ولكن جهة استدلالي ينبغي أن يلاحظ أنها على حكم الخبر نفسه لا معناه، أي كونه متواتراً مقطوعاً به أنه قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم، والمدعى أنه لا يكون المعلوم من الدين بالضرورة كذلك إلا إذا كان متواتراً. ولو لم يكن متواتراً لجاز الخلف في نسبته، ولو لم يقطع بنسبته وعارضه غيره جاز فيه الخلف، والمعلوم من الدين بالضرورة لا يجوز معارضته من جهة كونه نصاً أو في حكم النص، كما لا تجوز معارضته لأنه متواتر. ولو فقد إحدى الخصيصتين لم يكن معلوماً من الدين بالضرورة.

قولك: (ثم إنني لا أتفق معك على أن من أسباب كون الشيء معلوماً من الدين بالضرورة هو ورود الخبر الدال عليه بالتواتر واستحالة التواطؤ على كذب نقلته. وسؤأجل توضيح هذه النقطة حتى تجيبني عما سبق)
أقول: أجبتك عما سبق، فأرجو أن تأتي بكلامك الذي تريد قوله لإثبات أن بعض المعلوم من الدين بالضرورة لا يشترط فيه التواتر. فإذا أتيت به سلّمنا لك إمكان انفكاك مفهوم التواتر عن مفهوم المعلوم من الدين بالضرورة، وبالتالي سلّمنا لك إمكان أن الإمام الشافعيّ لم يلاحظ مفهوم التواتر عند كلامه عن المعلوم من الدين بالضرورة. وأرجو من الله تعالى أن يوفّقك في بحثك لما يحب ويرضى.

قولك: (ولذلك فإنني يا أخ بلال لا أرى أي علاقة بين ما نقلته من كلام الشافعي وموضوعنا الذي هو إثبات سلفية مفهوم التواتر وما يفيده. والله أعلم)
أقول: غير مسلّم، لأن المعلوم من الدين بالضرورة الذي سلّمت لك أنه مراد الإمام الشافعيّ هو مركّب من التواتر والقدر الزائد الذي لا يفيد إلا معنى واحداً قاطعاً يرفع الخلاف. وما دام معنى مركّباً فهو دالّ ضمناً على مفهوم المتواتر، فادعاء أن الشافعيّ يطلق حكماً مركبّاً من مفهومين ولا يلاحظ دلالته على ما تركب منه حكمه، ادعاء غريب بعيد على مثل الإمام. ويبعد أن يقع من ضعاف العقول من أمثالنا فكيف بواحد في منزلة الإمام. وقد وجّهت لك البحث في هذا الكلام، في النقطة السابقة، فإذا فككت التلازم بين التواتر والمعلوم من الدين بالضرورة بمثال واحد على الأقل، سلّمنا لك إمكان أن يكون الشافعيّ لم يلاحظ التواتر في هذا النصّ بالذات، وانتقلنا لإثباته من كلام له غير هذا. وإلا لا نسلّمه. ولعمري كيف يسلّم وهو ذكر صورته، وهي رواية الجماعة الكبيرة عن الجماعة الكبيرة. وهي الصورة التي ندّعي أنه يستحيل معها الاتفاق على الخطأ.
بانتظار جوابك، والله تعالى الموفق.

ملحوظة: بشأن المشاركات، أنا لا اعرف ما الذي تتكلّم عنه بالضبط، وأرجو أن تذكر طلباتك بشكل واضح للإخوة المشرفين لعلّهم يلبّون لك رغباتك، فأنا لا أريد ان يقطع حوارنا بعض الأمور الجانبية. وآمل بعد أن ننتهي من هذه المسألة أن نعود إلى ما لم نكمل نقاشه معك بهذه الروح التي نلمسها في كلامك الأخير، برمي التعصب خلف ظهورنا ومحاولة الفهم والتفهم بدون عصبية وأحكام تعسفية، لعلّ الله تعالى يخرجنا من ظلمات الوهم، ويفتح علينا بمعرفة العلم. وآمل أن نحقق القول أنا وإياك في مسألة دليل التطبيق عن طريق المناظرة بحسب قواعدها لتقف بالضبط على دليل التطبيق وتفهمه كما أفهمه، ولترى بأم عينك أنه لا يخالف الرياضيات ولا العقل. وكذا في كلّ مسألة طرحتها في هذا المنتدى. فإذا كنا يا أخ هيثم نطلب الحق، ولا نريد مجرّد طرح الأسئلة والانصراف دون الكلام في المسائل بتفصيل، فعلينا أن نوسع صدورنا، وأن نكون مستعدين فعلاً للبحث، والالتزام بنتائجه مهما كانت لنا أو علينا. والله تعالى يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى بإذنه.

هيثم عبدالحميد حمدان
06-03-2004, 15:09
يشهد الله يا أخ بلال أنني أعتز بهذه النقاشات وأستمتع بها وأستفيد منها كثيراً. وإن كنتُ لا أوافقك على أن أسلوبي تغير. بل إنني أزعم أن أسلوبك أنت هو الذي تغير. وعندما سجلتُ هنا كنتُ أعلم أنني لن أقابل على الرحب والسعة. لكن المسألة زادت حتى تحولت إلى إهانة شخصية.
فما لم يحذف المدير كل مشاركة تعرض لي فيها الباز === والعين ===بإذن الله وزاهد === الكبير فإنني لن أستمر في الحوار هنا. والسبب هو أنهم لم يكونوا طرفاً في الحوار. وبالرغم من أن لك كلاماً جارحاً أيضاً يا أخ بلال إلا أنه كان على الأقل في إطار الحوار، أما أولئك فكتبوا لا لشيء سوى السب والشتم.
========
ثم لماذا قام المشرف بتقطيع الموضوعات بهذا الشكل؟ الأفضل أن تعود الموضوعات كما كانت. أو أن يدمج موضوع (تعرف على أول ...) مع موضوع (بين سني وحشوي) مع هذا الموضوع. وإلا فإن هذا تشويه للمشاركات.
كما أن بعض من أحترم رأيه اقترح عليّ ألا أواصل النقاش إن استمر مسلسل التجريح الشخصي وتشويه المشاركات. وأنا على استعداد لإكمال النقاش في أي موقع آخر محايد.
والسلام.

بلال النجار
06-03-2004, 16:35
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ هيثم،

أما ان اسلوبك تغيّر فوالله إنه تغيّر. ولو أردت أن أثبت لك ذلك لفعلت، ولكن لا نريد أن نتكلّم فيما لا فائدة فيه الآن.

وأما أنه لم يكن مرحباً بك، وأن لي كلاماً جارحاً فاذكر يا هيثم، حين جئت إلى المنتدى أول مرة كم رحبت بك، واحترمتك، وجاريتك في الكلام. فبدأت تتهمني بالمواربة والتهرّب، مع أنه إذا كان على وجه الأرض رجال لا يهربون من المناظرة فإني بحمد الله منهم، ولا فخر. لا لشيء إلا لثقتي بالحق الذي أنا عليه، ولأني أجد أن ما أقول به هو ما يقول به عدد لا يحصى من جهابذة العلماء الذين أتبعهم في أقوالهم، وأعلم أدلّتهم، وبخاصة في الأصلين. ولأني لا أخشى إن قال خصمي حقاً أن أقول إن ما يقوله حقاً بحسب ما أراه، وإن بيّن لي خصمي خطئي رجعت عنه ولا ينقص ذلك من منزلتي بل يرفعني في نظر نفسي ونظر الناس.

ولك أن تقرأ في العدد الكبير من المناقشات التي شاركت فيها في هذا المنتدى لتعلم ذلك. وأن تراجع مناقشاتي معك لتعلم أنه حين يكون كلامك حقاً في نظري أعترف به. ولكن اتسمت كتاباتك أحياناً بقلة التحقيق مع التهجّم عليّ، وعلى مذهبي الذي تعلم أنت كما يعلم كلّ إنسان مدى قوّته واستناده إلى أصول كالصخر، وليس نقده والقدح في أقواله بالأمر الهيّن، فقد راجعه وحققه وتكلّم فيه ألوف مؤلّفة من العلماء.

وإني والله لن تجد أرحب من صدري إذا قلت إنك تنتقد المذهب الأشعريّ في مسألة كذا وكذا، وترى فساد قولهم بدليل كذا وكذا. ثم يدور الحوار. ونصل إلى نتيجة.

أما أن تأتي وتقول كفاكم يا أشاعرة استخفافاً بالعقول، وتبدأ بالتهجّم على العلماء بالتخطئة والتبديع بدون أن تأتي بأدلة حقيقية معتبرة في قواعد البحث والنظر، فهذا مما يزعج ويضايق، ولن تجدني متسامحاً مطلقاً مع إنسان يهاجم العلماء دون وجه حق، وهم من هم، فانظر أنت في كتب السير والأعلام من هو الطحاوي والأشعري والماتريديى الباهليّ والباقلاني والإسفراييني وابن فورك والجويني والغزالي والرازي والإيجي والتفتازاني والجرجاني وابن عساكر والبيهقي... إلخ من سلاسل العلماء التي يكلّ اللسان قبل أن ينتهي من عدّهم.

فهذا هو الدافع الأكبر لشدّتي مع الخصم، وإلا فانعتني بما تريد مما هو فيّ، فلن أغضب، وأبق الكلام دائراً بيني وبينك ولا تنزل في ساحة العلماء إلا بالأدب، وانظر كيف يكون النقاش معي ممتعاً غاية الإمتاع. وأقم عليّ الحجة بالدليل وانظرني كيف ألتزم وأنصف.

وأما عن إكمال النقاش، فأنا أفضل أن يبقى النقاش دائراً في هذا المنتدى، وربما لو ساعدنا الإخوة المشرفون بضم المواضيع إلى بعضها، وحذف الشتائم الواردة فيها، والتزم الإخوة الأعضاء عدم التدخل إلا بكلمة خيّرة يراد بها وجه الله تعالى، فإننا إن شاء الله نصل إلى نتيجة. ولا شك أن المواضيع تبعثرت على هذا النحو، ولا شكّ أن كل من شاركوا في النقاش ساهموا في تشوييه وتجاوزوا وتعدّوا ولو بمقدار يسير وأنا أوّلكم، ولكن ربّما يشفع لي أني لم أكن البادئ وإن لم أبرّئ نفسي. فإن أحببت أن نواصل الحديث في أي موضوع على هذه الأسس ههنا، فأهلاً وسهلاً، وإلا فإن الوقت الذي لديّ بالكاد يسمح أن أقوم بالواجبات التي عليّ، وبمتابعة ما يحصل في هذا المنتدى كمشرف ومشارك. والقرار أولاً وآخراً صار عائداً إليك.

فأسأل الله تعالى لي ولك ولجميع المسلمين الهداية.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

الإدارة
07-03-2004, 10:47
أما حذف المشاركات التي لا تتعلق بالحوار من بعض الأعضاء فممكن.
أما دمج المشاركات الثلاث فغير ممكن لأن ترتيبها سيختلف تماما، حيث أن الترتيب حسب تأريخ وضع المشاركة فسيحصل تداخل بحيث لو كانت هناك مشاركتين وضعتا في نفس اليوم في ثنيتن من الثلاثة المواضيع فستجمع تحت بعضها البعض وليس حسب ترتيبها الذي وضعه المشارك (والذي غالبا يكون رد على مشاركة أخرى فلن تكون تحتها مباشرة) .
وعليه فنرجو ممن أراد الاستشهاد بكلام له سابق أن ينقله إلى هذه الصفحة كاملا أو ما يحتاجه منه حسب سير النقاش وبالتالي ينتفي التشتيت.