المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خبر الواحد



جمال حسني الشرباتي
03-03-2004, 17:16
السلام عليكم

هل يأخذ الأشعريون بخبر الواحد بالعقائد أم لا .

بلال النجار
06-03-2004, 13:29
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ جمال المحترم،

إن كنت تسأل سؤال المستفهم فنعم نأخذ به في الاعتقاديات. والحديث الصحيح يفيد عندنا غلبة الظنّ. فتكون العقيدة المتسفادة منه مصدّقاً بها على جهة غلبة الظنّ.

وإن كنت طالب علم تسأل سؤال من يطلب الحوار والبحث والنظر، فأرجو أن تقرر قولك فيه، أو جهة اعتراضك على ما تعلم من غقيدة الأشعريّة، ثم نبدأ في التباحث معك.

واعلم أنه يجري الآن حوار بيننا وبين الأخ هيثم، يمكنك الاطلاع عليه في منتدى التحاور والمناظرات، لعلك تستفيد منه.

وفقك الله لما يحب ويرضى، والسلام عليكم

جمال حسني الشرباتي
07-03-2004, 05:47
السلام عليك اخي بلال
نعم انا احمل موقفا وهو ان العقيدة دليلها قطعي فخبر الواحد ليس قطعيا فهو ليس حجة في العقائد
وفهمت موقفكم الذي مؤداه وجود عقائد بغلبة الظن لديكم بحسب اخذكم لخبر الواحد بالعقيدة غير القطعية
قد يكون الخلاف لفظيا؟
ربما ان النتيجة واحدة في الموقفين
مثال0
انا لا اؤمن بخروج المسيح الدجال فلا اعتبر كافرا بنظركم لان الدليل هو خبر الوحد لا يفيد العلم .
لا اخفي عليك انه لدي توجه بترك كل اخبار الواحد المتعلقة بالعقيدة جانبا
مثال.
حديث- الدجال الذي فيه0 الا ان ربكم ليس باعور
والسلام

بلال النجار
07-03-2004, 11:49
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ جمال المحترم،

وعليكم السلام ورحمة الله،

دعني أفرّق لك بين نوعين من أنواع الاعتقاد، الأول مثل كونه تعالى واحداً والذي قام عليه دليل قاطع الدلالة كالآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى، والإجماع، ودليل التمانع.. إلخ. فهذا النوع لا يقبل فيه إلا الجزم التام، ومجرّد الشك فيه يخرج المرء من الإسلام.

الثاني مثل أنا نعرف أن الله تعالى يحشر الخلق يوم القيامة، ونعلم أن أغلبهم سيكون عند القيامة رميماً، فهل يجمع أجسادهم عن شتات وتفرّق أم يخلقهم خلقاً جديداً من العدم. إننا نرى أن كلّ واحد من الأمرين جائز في العقل. فتجد بعض العلماء اختار القول الأول واستدل عليه ببعض الأمارات، وتجد بعضهم اختار القول الثاني واستدلّ عليه ببعض الأمارات، ولكن دلائل الفريقين أمارات لا تفيد أياً منهما اليقين. ولو وجد الدليل القاطع لارتفع الخلاف. وعليه فإنك تجد العالم يتبنى في ذلك موقفاً لا يقطع به بل يجيز خلافه. فمثل هذا الاعتقاد يكون ظنيّاً، لأن النفس لا بدّ أن تتعلّق بالقضايا بتعلّق معيّن.

وما أشرت إليه يا أخ جمال وهو المسيح الدجال، فعلى تسليم أن أخباره أخبار آحاد، ولكن منها أحاديث صحيحة، فهل تستطيع أن تقول إن هذا الأخبار كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وليس لها أصل في الدين؟

لا أعلم عاقلاً يستطيع أن يقول ذلك، ومن أين يستطيع أن يجزم بذلك. لا سيّما وأن أحاديثه في الصحيحين، وقد تلقّت الأمّة أحاديث الصحيحين بالقبول. وليس معنى تلقيهما لأحاديث الصحيحين بالقبول أن هذه الأحاديث صارت قطعيّة، لا بل التحقيق أن ما ليس بمتواتر منها فهو ظنيّ على ما حققه الإمام النووي في شرح مسلم في بداية الجزء الأول منه. ولكن تلقي الأمة بقبولها إنما أفادنا إجماع الأمة على وجوب العمل بما فيهما، وعلى كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه لتصحيحه.
وما أريده ههنا، أن الأمة قبلت ما في الصحيحين، وأجمعت على إفادة ما فيهما من الآحاد الظنّ مطلقاً.

وحديث الدجال منها، فهل تقول إنك حين تقرأ أحاديث الدجال في الصحيحين فإنك تحكم عليها بأنها كذب، ولا أصل لها مطلقاً، وأنه لا يمكن أن يكون ثمة دجال، ولا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلّم قال هذه الأخبار؟

لا أظنّ مسلماً يستطيع أن يقول ذلك. ورتبة الظنّ لا يمكن تجاهلها بهذه البساطة. وعليه فحين تقرأها يحصل في نفسك غلبة الظنّ بها، ولا أحد يطلب منك أن تجزم بها وتستيقنها. بل المطلوب تحصيل غلبة الظنّ بها على خلاف المسائل القطعيّة. ومن جودة فكر المرء واستقامة نظره أن ينزل كلّ أمر منزلته، فالظنّ لا يجب تضخيمه في الاعتقاديات إلى عدّه أصلاً من أصول الدين بحيث يكفّر من خالف فيه، كما لا يجب الاستهانة به وتجاهله وتكذيبه أو ما شابه. بل يجب علينا الاعتاد به على جهة غلبة الظنّ كما بينّا.

وإذا كنت تختار في تعريف الاعتقاد أنه لا يدخل فيها غير القطعيات، فلا إشكال كبيراً في ذلك إن شاء الله، فما انبنى على اليقين يكون هو اعتقادك الأصيل، ولكن مع ذلك فما أفادك الظنّ فلا يجوز لك تكذيبه وتجاهله، بل عليك تجويزه تجويزاً راجحاً، ولا يجوز لأحد كائناً من كان أن ينكره مطلقاً، لأن ذلك تعسّف، وجرأة على دين الله تعالى، وخبر رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلّم.

وهذا ما نرى بعض إخوتنا من حزب التحرير وغيرهم يقعون فيه، فنراهم ينكرون مطلقاً ويكذّبون ما ثبت بأخبار الآحاد، وربّما لقلّة تحقيقهم أنكروا أموراً مجمعاً عليها عند أهل السنّة وعد بعض العلماء أخبارها من الأخبار المتواترة، وهم لا يعرفون خطر ما وقعوا فيه. فبأيّ حقّ يجوز لأيّ واحد أن يقول إنني أنكر تماماً أخبار الآحاد؟!

وخلاصة الكلام، أنك يا أخي جمال -كما قلت لك- إذا كنت لست مستيقناً من خروج الدجال، فلا أحد يطلب منك هذا اليقين إذ لم تكن دلائله يقينية والله اعلم، وأما إذا كنت تنكره وتكذّبه مطلقاً فهذا الكلام لا يجوز لك، وهو ليس من طريقة أهلّ السنّة في شيء، لأن أهل السنّة لا يردون أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلّم الصحيحة، بل يقبلونها، وينزلون كلاً منها منزلته بحسب قوّة ذلك الخبر، وقوة الاعتقاد عندهم من قوة الدليل.

أما حديث (ربكم ليس بأعور) فما هو الإشكال الذي عندك فيه، كي نجيبك عنه إن شاء الله.
بانتظار جوابك وتعليقاتك والسلام عليكم ورحمة الله

جمال حسني الشرباتي
07-03-2004, 17:01
الاخ بلال المحترم السلام عليكم
اطلعت على ردك وعلى نصيحتك فانا جد شاكر لك ولتوضيحك للفرق بين عقيدة دليلها قطعي وعقيدة دليلها ظني وهو موقف لا يؤدي الى اطراح الكثير من اخبار الاحاد جانبا واني في طور غربلة هذا الموقف لتبنيه وهو ( خبر الواحد لا يفيد العلم اي القطع فالعقيدة التي يحتويها تكون ظنية ) .
اما بالنسبة لحديث ربكم ليس باعور فهو يوحي بالتجسيم اذ انه يعني ان لله عين وهذا ما نتفق على عدم الخوض به ارجو ان تفهم موقفي اني انزه المولى عن الجسمية والمكان والجوارح .
والسلام

بلال النجار
09-03-2004, 10:28
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ جمال الشرباتي المحترم،
وعليكم السلام ورحمة الله،

وبعد فالحمد لله أنك اقتنعت بوجهة النظر التي عرضتها، وهو إن شاء الله قول ومذهب أهل الحق الذي تطمئن له النفس، وأدعو الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

أما قولك: (بالنسبة لحديث ربكم ليس بأعور فهو يوحي بالتجسيم إذ أنه يعني أن لله عيناً وهذا ما نتفق على عدم الخوض به أرجو أن تفهم موقفي أني أنزه المولى عن الجسمية والمكان والجوارح)

أقول: يا أخ جمال، إنه مما يسعدني أن أراك تنزه الله تعالى، وترفض وصفه بالأعضاء والأركان والجوارح، وإن ذلك إن شاء الله من صريح إيمان المرء بتنـزه الخالق عن مشابهة المخلوق. ولكن اعلم أن من يتمسك بأمثال هذا الحديث ويحتج به لإثبات الأعضاء والجوراح لله تعالى هم المجسمة قبح الله ما هم عليه من العقد.

وقد وقع في روايات الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أشار بيده إلى عينه الشريفة، فقالت المجسمة هذا يدل على أن عينه تعالى الله عن قولهم كسائر الأعين.
ولكن أهل السنة لما كان من المعلوم عندهم بالضرورة استحالة الجسمية عليه سبحانه وتعالى، لأن كل جسم فهو حادث، والله تعالى قديم، دلهم قوله (ليس بأعور) على أن المراد نفي النقص عنه سبحانه لا تشبيهه بالمخلوق.

وأنت خبير أن المجسمة لا اعتداد بأنظارهم الفاسدة، وكلامهم الفارغ، وانظرهم حين يحتجون بحديث سترون ربّكم كما ترون هذا البدر لا تضامون في رؤيته، على أنه يرى في مقابلة من الرائي وفي جهة ومكان، أي رؤية بالكيفية المعهودة، فهذا الفهم والله تجنٍّ على الحديث، وافتراء على الله تعالى، لأنه لما علم استحالة ذلك على المولى سبحانه لتنـزهه عن الجسميّة، علمنا أن قصد النبيّ صلى الله عليه وسلّم تشبيه الرؤية بالرؤية من جهات معينة كما نبه عليه صلى الله عليه وسلّم بقوله لا تضامون في رؤيته، وليس تشبيه المرئيّ بالمرئيّ. وفرق كبير بين الأمرين.

وقد قال بعض العلماء في قوله (إن الله ليس بأعور) أن العور عرفاً عدم العين وضد العور ثبوت العين فلما نزعت هذه النقيصة لزم ثبوت الكمال بضدها وهو وجود العين وهو على سبيل التمثيل والتقريب للفهم لا على معنى إثبات الجارحة، وهو قول لا بأس به، والله أعلم.

وقال ابن العربي المالكي: إنذار الأنبياء قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، ... وأشار مع ذلك إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان ثابتين دفعوا الشبه باليقين. قوله (إنه أعور وإن الله ليس بأعور) إنما اقتصر على ذلك مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى عن النقص علم أنه كاذب.

وزاد مسلم في رواية يونس والترمذي في رواية معمر قال الزهري: فأخبرني عمرو بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس وهو يحذرهم: تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت.
وعند بن ماجة نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت.
وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كذب لأن رؤية الله تعالى مقيدة بالموت، والدجال يدعي أنه الله ويراه الناس مع ذلك.

إذاً يا أخ جمال، يمكننا أن نفهم الحديث على وجه حسن، ودون أن يلزم من ذلك تجسيم الإله وتشبيهه بمخلوقاته. وإن كلّ مسلم صحيح العقيدة إذا قرأ في القرآن الكريم أو الحديث الشريف شيئاً أوهم التشبيه، فإنه يبعد فوراً من وهمه وخياله كلّ ما يخطر بباله، لأنه يعلم يقيناً أن الله تعالى بخلاف ذلك. لأنه تعالى ليس كمثله شيء. فلا يعود لهذه الظواهر قيام ولا وجه أمام الدليل النقليّ والعقليّ القاطعين على تنـزهه تعالى عن مشابهة الحوادث. وهو بعد ذلك بالخيار إما أن يفوّض معنى النص الذي قرأه مسلّماً أمره لله تعالى ومعتقداً تنـزه الإله خالقه عن النقائص، أو أن يحمله على ما تأوله به العلماء من معان صحيحة تليق بالمولى سبحانه وتعالى كما بيّناه ههنا. وهاتان هما طريقتا أهل السنّة والجماعة المرضيّتين في هذا النص وأمثاله.

وإذا أمكن الفهم من أمثال هذه النصوص بما لا يتنافى مع أصول التنـزيه، فلم يردّ النصّ لمجرّد أن بعض العقول السقيمة تبادر إلى توهّم المعاني الباطلة منه؟
وإننا نرى هذا منهجاً لا يمتّ إلى طريقة أهل السنّة بصلة، ونلوم على من ينكر الرؤية في زماننا هذا لقوله باستحالتها عقلاً، وما هي بمستحيلة في العقل، وإنما استحالت في عقله السقيم، القاصر عن درك المعاني الدقيقات، والوقوف على الحجج العقليّة، لأنه لا يفهم من الرؤية إلا أنها بمواجهة واتصال شعاع ولجسم أو جسماني، وهذا والله غير صحيح، فالرؤية أعم من أن يقتصر معناها على هذه الصورة وهذه الكيفيّة. وما مبادرته لإنكار أن الله تعالى يرى إلا تعسّف، ورد لإجماع أهل السنّة، ولعدد كبير جداً من الأحاديث. فكن يا أخي واعياً متنبهاً ولا تتبع أصحاب الأقوال الشاذة، ولعمري إن في التزام قول السواد الأعظم من العلماء إن شاء الله النجاة، فلا تجتمع الأمة على الضلال، ولا يكون إن شاء الله حتى ما هو دون الإجماع من قول الجمهور قولاً ضعيفاً بحال. والله تعالى أعلم. وهو تعالى الموفّق. إنه حسبنا ونعم الوكيل.