المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعريف بالملامتية في التصوف الإسلامي



د. مصعب الخير الإدريسي
11-10-2006, 19:32
لكن في تاريخ التصوف الإسلامي وحاضره حكايات عن أهل الملامة والمنتسبين إليها، قد يصعب إدراجها في سلك هذا النظام المنضبط بظاهر الشريعة على ما يقرب فهمه ولا يبعد توجيهه، ومن ذلك ما يلتقطه خصوم الصوفية ليبنوا عليه أحكاما عامة يتهمون بها جميع الملامتية، ويشنعون بذكرها على جملة الصوفية. ومع ما في هذا المسلك من إجحاف وتعد على حيادية الحكم العلمي؛ فإن أكثر ما انتقده خصوم الصوفية كانوا فيه عالة على مسيرة التصحيح والنقد الذاتي التي لم يتخلف نشاطها في تاريخ التصوف الإسلامي منذ نشأته، ولا يكاد يخلو منها شيء من المؤلفات الرئيسة لصوفية الإسلام على امتداد تاريخهم.

ومن هذا ما فعله الشيخ الهجويري حينما أجرى الكلام في الملامة على أنها ثلاثة أنواع: ملامة استقامة السير، وملامة القصد، وملامة الترك.

أما ملامة استقامة السير؛ فأهلها المحافظون على الدين، المراعون لله ـ تعالى ـ في المعاملات، ولا يفرطون في شيء مما فرضه الله عليهم؛ فيلومهم الخلق وهم فارغون منهم لاشتغال قلوبهم بالحق. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ محيي الدين الحاتمي بكلامه، ورفع منزلتهم على سائر الصوفية.

وأما ملامة القصد؛ فأهلها الفارون من حصول الجاه لهم بين الخلق، المريدون لنفي اشتغال قلوبهم إلا بالحق، ومنهم من يتكلف إظهار ما ينفر الناس منه لينفي ما علق بنفسه من إقبالهم عليه، بما لا يخالف الشريعة وإن أوهم أنه مخالف، وقد يكون هو المشتغلَ بالناس لينفضوا أيديهم عنه والناس فارغون منه. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ السهروردي بكلامه، وجعل منزلتهم دون منزلة الصوفي المتحقق وأعلى من منزلة المتصوف.

أما ملامة الترك؛ فالضلال متمكن من أصحابها الذين عجزت نفوسهم عن اتباع الشريعة؛ فزعموا أنهم يسيرون في طريق الملامة، وهم في الحقيقة مبطلون في الادعاء لا يقومون إلا بما تمليه عليه أهواؤهم[21].

ولا إشكال في ذم أهل الدعوى الباطلة، ولا مماراة في نفيهم من جملة أهل الحق، ولذلك قال الشيخ الهجويري: « وأما من كان طريقه الترك، ويختار ما يخالف الشريعة، ويقول: إنني أسلك طريق الملامة. فتلك ضلالة واضحة، وآفة ظاهرة، وجنون صادق، على نحو ما يوجد عليه كثيرون هذه الأيام، وَمَقْصُودُهُمْ منْ رَدِّ الخَلْقِ قَبُولُ الخَلْقِ؛ لأنه يجبُ أن يكونَ الشَّخصُ أوَّلا مقبولا من الخلقِ حتَّى يَطلُبَ ردَّهم، ويَظْهَرَ بفِعْلٍ يَردُّونه به؛ إذ إنَّ تَكَلُّفَ الردِّ لقَبولٍ لم يحصُلْ يكونُ حيلةً.

واتفق لي ذات مرة أن أصحب أحد هؤلاء الأدعياء المبطلين، فظهر يوما بمعاملة باطلة، وجعل الملامة عذرا لها؛ فقال له رجل: هذا ليس بشيء. فرأيته يزفر؛ فقلت له: يا هذا، إذا كنت تسلك طريق المعاملة وأنت صادق في هذا؛ فإنكار هذا الرجل لفعلك تأكيد لمذهبك، وما دام هو يوافقك في طريقك؛ فلم الخصومة والغضب؟! وقصتك هذه أقرب إلى الدعوى منها إلى الملامة، وكل من يدعو الخلق يجب أن يدعوهم بأمر له برهان من الحق، وبرهانه حفظ السنة. ولما كنت أرى منك ترك الفريضة ظاهرا وأنت تدعو الخلق؛ فإن هذا الأمر يخرج عن دائرة الإسلام»[22].

ولا إشكال أيضا في مدح أهل ملامة الاستقامة، ولا عيب في طلب التأدب بآدابهم في إقامة الدين، والتخلق بأخلاقهم في حفظ الحال وستر ما لا يلزم إظهاره من الأعمال، مع الانشغال بالحق وترك العناية بآراء الخلق. وإنَّ أول من اشتهر به مذهب الملامة من الصوفية المسلمين هو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار (تـ271هـ)، وقد عده الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقة الأولى من طبقات الصوفية ـ كان من كبار رجالات العلم يذهب في الفقه مذهب سفيان الثوري أحد أمراء المؤمنين في علم الحديث، وكان هو نفسه من رواة الحديث المسندين، واختار السلمي من مروياته المسندة في الترجمة له حديثا يمثل أصلا من أصول طريقته؛ فروى عن والده، عن عبد الله بن مُنازل؛ حدثنا حمدون بن أحمد القصار؛ حدثنا إبراهيم الزراد؛ حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وأين وضعه، وعن علمه ما عمل فيه»[23].

وترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، فذكر أنه قدوة الملامتية التي تعني «تخريب الظاهر وعمارة الباطن مع التزام الشريعة»، ثم قال: «وكان سفيانيا. سمع محمد بن بكار بن الريان، وابن راهويه، وأبا معمر الهذلي. وصحب أبا تراب، وأبا حفص النيسابوري. وكان من الأبدال. روى عنه ابنه الحافظ أبو حامد الأعمشي، ومكي بن عبدان، وأبو جعفر بن حمدان وآخرون» ثم نقل عن طبقات السلمي بعض أقواله المعبرة عن مذهبه في الملامة المرضية[24].

ومن أقوال حمدون القصار: «لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه». وقال: «من ضيع عهود الله عنده؛ فهو لآداب الشريعة أضيع». وقال: «استعانة المخلوق بالمخلوق، كاستعانة السجين بالسجين». وقال له تلميذه عبد الله بن مُنازل مرة: أوصني. فقال: «إن استطعت ألا تغضب لشيء من الدنيا فافعل». وقال: «من شغله طلب الدنيا عن الآخرة؛ ذلَّ إما في الدنيا وإما في الآخرة». وقال: «كفايتك تساق إليك باليُسر من غير تعب، وإنما التعب في طلب الفضول». وقال: «من نظر في سير السلف؛ عرف تقصيره وتَخَلُّفَه عن درجات الرجال».وقال: «من استطاع منكم ألا يعمى عن نقصان نفسه؛ فليفعل». وقال: «لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستورا منك» وقال: «قعود المؤمن عن الكسب إلحاف في المسألة». وقال: «الزهد عندي: ألا تكونَ بما في يدك أسكنَ قلبا منك بضمان سيدك». وقال: «لا أحد أدون ممن يتزين لدار فانية، ويتجمل لمن لا يملك ضره ولا نفعه». وقال: «تهاون بالدنيا؛ حتى لا يعظم في عينك أهلها ومن يملكها».

وقيل له: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ فقال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن. ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.

وسئل حمدون القصار: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله ـ تعالى ـ في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ينجيه الله منها بعلمه[25].

وروى الهجويري أنه لما عظم شأن حمدون القصار في العلم، جاءه شيوخ نيسابور فقالوا له: ينبغي اعتلاء المنبر وعظة الخلق؛ ليكون كلامك فائدة للقلوب. فقال: لا يجوز لي الكلام. قالوا: لماذا؟ قال: لأن قلبي متعلق بالدنيا وجاهها؛ فلا يفيد كلامي ولا يؤثر في القلوب، والكلام الذي لا يؤثر في القلوب يكون استخفافا بالعلم، أو استهزاء بالشريعة. والكلام مُسَلَّمٌ لمن يكون في صمته خلل الدين، فإذا تكلم ارتفع الخلل. ثم علق الهجويري على ذلك قائلا: «وأنا أعرف أن ذلك العظيم قد دفعهم عن نفسه؛ تركا للجاه والشهرة»[26].

وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن حمدون القصار سئل عن طريق الملامة فقال: «خوف القدرية، ورجاء المرجئة»[27]. والذي يظهر لي في معنى هذه العبارة أن الملامي يستشعر مسئوليته التامة عن أعماله، ويحاسب نفسه عليها حذر التقصير، وهو في ذلك مشبه بخوف القدرية؛ على حين أنه في الوقت نفسه لا يقطع طمعه في عفو الله، ولا أمله في مغفرته، ويعتمد على رحمته وعنايته، وهو في ذلك الرجاء مشبه بالمرجئة. لكن الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ رأى أن وراء العبارة رمزا ومعنى خفيا، حاول شرحه وتجليته بأن الإشكال في أن قدر ميل الإنسان إلى الجاه بين الخلق، هو نفسه قدر بعده عن حضرة الله ـ تعالى. وبقدر ما يميل الإنسان إلى رضا الخلق والقبول عندهم يكون تخلفه عن الله ـ تعالى. والسالك هنا بين خطرين: أولهما الخوف من حجاب الخلق، والآخر منع الفعل الذي يلومونه عليه ..قال: «فلا هو يركن إلى جاههم، ولا هو بقادر على أن يجعلهم مذنبين بملامته. فينبغي للملامتي أولا أن يقطع الخصومة الدنيوية والأخروية عن الخلق بما يقولونه، وأن يعمل لنجاة قلبه عملا لا هو بالكبيرة ولا الصغيرة في الشرع ليردَّهُ الخلقُ؛ حتى يكون خوفه في المعاملة كخوف القدرية، ورجاؤه في معاملة اللائمين كرجاء القدرية»[28].

وأنا أحسب أن تفسير الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ أدخل في ملامة القصد منه إلى ملامة الاستقامة. وملامة القصد هذه هي موضع النقد وموطن الخلاف في الحكم، وطالبها إما أن يحظى بهداية الله وتوفيقه فيكون من أهل ملامة الاستقامة، وإما أن يصيبه الخلل ويغلب عليه الهوى فيكون من أهل ملامة الترك. وقد مثل لها الشيخ الهجويري بما حكي عن أبي يزيد طيفور بن عيسى البسطامي (تـ261هـ)، من أنه كان عائدا من سفرة إلى الحجاز، فنودي في المدينة أن أبا يزيد قد جاء؛ فخرج الناس جميعا لاستقباله وأدخلوه المدينة بإكرام، ولما انشغل بمجاملتهم تخلف عن الحق وتشتت، فلما دخل السوق أخرج من كمه رغيفا وأخذ في أكله، وكان هذا في شهر رمضان؛ فرجع الناس جميعا وتركوه وحده[29].

وهذه الحكاية ليس فيها ما يذم به البسطامي شريعة؛ لأن الشيخ كان قادما من سفر له أن يأخذ بالرخصة وله أن يأخذ بالعزيمة، وربما عمل على إيهام القوم أنه يأكل بما لاكه في فمه من الرغيف. وهنا يأتي موضع كلام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (تـ505هـ) عن الملامية في كتاب «إحياء علوم الدين»، في بيانه لعلاج حب الجاه الذي يعده من المهلكات؛ لأن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد المؤدي إلى التساهل في العبادات والرياء بما يظهر منها للتوصل إلى اقتناص القلوب.

وإذا كان المرض على هذه الدرجة من الخطورة؛ فلا بد من علاج. والعلاج عند أبي حامد مركب من علم وعمل، وإجمالا يكون البدء بالعلم المظهر لأسباب حب الجاه، والكاشف لدواعي ميل النفس إليه؛ ليكون العمل على قطع الأسباب ونفي الدواعي على هدى وبصيرة .. قال أبو حامد: «وأما من حيث العمل؛ فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق، وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول، ويرد الخلق ويقنع بالقبول من الخالق. وهذا هو مذهب الملامتية؛ إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس، فيسلموا من آفة الجاه. وهذا غير جائز لمن يقتدى به؛ فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين، وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك؛ بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس، كما روي أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد، فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمة، فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف، فقال الزاهد: الحمد لله الذي صرفك عني. ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعين الناس. وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه؛ إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه، ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير ...

وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول؛ فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها، ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به؛ جزعت نفسه وتألمت، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به، ويتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة. ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال؛ بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى، وقطع طمعه عن الناس رأسا؛ أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال، فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ...»[30].

وهذا الكلام في جملته يعني أن أعمال ملامة القصد مثل الأدوية لمن ألمَّ به مرض أو استحكم منه داء، وإنما يكون التداوي بعلم، ويكون الدواء على قدر الداء بلا زيادة ولا نقصان، ولهذا لا يلزم أن تكون له صورة واحدة؛ بل تتبدل صورته بحسب تغير أحوال الناس، وقد يكون المسقط للجاه عندهم إظهار لزوم التقوى والطهارة، وقد ذكر الهجويري أنه كان يلزم للملامة في زمان الخير فعل مستنكر ديانة، والظهور بشيء مخالف للشريعة؛ على حين أنه إذا أراد رجل أن يلام في زمان الهجويري؛ فليؤد ركعتين طويلتين، أو فليقم بأداء ما عليه من عبادات . وعندئذ سرعان ما يلقبه كل شخص بأنه مدع كذاب[31].

ويعني في جملته أيضا أن ملامة القصد ليست بدار قرار ونهاية لسالكي الطريق، ولهذا لم يكن انتقاد الشيخ الهجويري لمن يركن إليها بأقل مما سبق بيانه في كلام الشيخ السهروردي؛ فتراه يقول: «أما عندي؛ فطلب الملامة عين الرياء، والرياء عين النفاق؛ لأن المرائي يسلك الطريق الذي يقبله الخلق، والملامتي يسلك بالتكلف الطريق الذي يرده الخلق. وهذان الفريقان ظلوا في الخلق ولا مخرج لهم ...، ولا يخطر على قلب الفقير غير حديث الحق، وحين يقطع قلبه عن الخلق يكون فارغا من هذين المعنيين، ولا يقيده شيء.

وقد اتفق لي ذات مرة صحبة أحد الملامتية في ما وراء النهر، وعندما تملكني في الصحبة حال من البسط قلت له: يا أخي، ما مرادك من هذه الأفعال المشوشة؟ قال: خلو الخلق مني. فقلت له: هؤلاء الخلق كثيرون، ولن تجد العمر والزمان والمكانة لإخلاء الخلق منك؛ فأخل أنت نفسك من الخلق لتخلص من هذه المشاغل ...

إنه لا يراك أحد؛ فلا تر أنت نفسك، وآفة حالك من عينك. ثم ما شأنك بالغير؟ من يلزمه طلب الشفاء من الاحتماء (يعني تقليل الطعام)، ويطلبه من الغذاء؛ فليس من الناس»[32].

وإني لأرجو أن يكون فيما قدمت توضيح لمفهوم الملامة عند صوفية الإسلام، وبيان لما هو محمود منها، وما هو جائز، وما هو مرذول مذموم .. نسأل الله السلامة في الدارين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.

--------------------------------------------

الإحالات والتعليقات



[1] ـ انظر الخليل بن أحمد: العين. وانظر ابن منظور: لسان العرب ـ مادة (ل و م).

[2] ـ راجع ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976. من النسخة المشورة في موقع الوراق:

http://www.alwaraq.net/index2.htm?i=27&page=1

[3] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 2/ 412. ترجمة الدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل، ومراجعة الدكتور أمين عبد المجيد بدوي. ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر1974م.

[4] ـ هو محمد بن الحسين بن محمد، أبو عبد الرحمن الأزدي من أزد شنوءة أبًا؛ غير أنه اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أمِّهِ السُّلَمِيَّة؛ لأنه نشأ بعد وفاة والده في حضن جده لأمه إسماعيل بن نجيد السلمي الذي لم يكن له ولد؛ فنسب أبو عبد الرحمن إليه. وقد كان للسُّلَمِيين شأن في نيسابور ـ موطن ميلاده ـ فتحا وحكما، وثروة وجاها. انظر تصدير الدكتور نور الدين شريبة لكتاب طبقات الصوفية للسلمي ـ ص 16: 18. ط المكتبة الأثرية، باكستان (ب ـ ت).

[5] ـ نشرة الدكتور أبو العلا عفيفي: الملامتية والصوفية وأهل الفتوة ـ ص 98. ط دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة، مصر 1945م.

[6] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982.

[7] ـ علي بن محمد بن علي الجرجاني (تـ816هـ): التعريفات ـ ص 295. تحقيق إبراهيم الأبياري. ط1، دار الكتاب العربي ـ بيروت، لبنان 1405هـ.

[8] ـ أبو حفص السهروردي: عوارف المعارف ـ ص 89، 90. المطبوع بذيل كتاب «إحياء علوم الدين». ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.

[9] ـ السابق نفسه.

[10] ـ السابق ـ ص 90.

[11] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 260.

[12] ـ راجع السابق نفسه؛ حيث تجد أشارة الهجويري إلى أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قدوة المحبين وإمام أهل الحقائق، كان قبل بعثته طيب الاسم عظيما، وعندما اتصل بالوحي وألبس خلعة المحبة أطلق الخلق فيه لسانهم؛ فقيل: كاهن، وساحر، وكاذب، ومجنون.

[13] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976.

[14] ـ السابق ـ ص 1980.

[15] ـ راجع السابق ـ ص 1231، 1236، 1241، 1304، 1308، 1309، 1313، 1334، 1341.

[16] ـ راجع السابق ـ ص 268، 1981.

[17] ـ السابق ـ ص 1981.

[18] ـ السابق ـ ص 1982.

[19] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 265.

[20] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982، 1983.

[21] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 261.

[22] ـ السابق ـ ص 263.

[23] ـ أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 124. والحديث أخرجه الترمذي في سننه ـ 4/ 613. كتاب صفة القيامة ـ باب في القيامة في شأن الحساب والقصاص. بإسناد آخر عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة مرفوعا بلفظ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟». وقال: حسن صحيح.

[24] ـ الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ 13/ 50، 51. تحقيق شعيب الأرناؤوط بالاشتراك. ط9، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1413هـ.

[25] ـ عن أبي عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 125: 129.

[26] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 338.

[27] ـ السلمي: طبقات ـ ص 129.

[28] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 264.

[29] ـ السابق ـ ص 262.

[30] ـ الغزالي: إحياء علوم الدين ـ 3/ 304، 305. ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.

[31] ـ انظر الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 263. وهذا في زمان الهجويري الذي عاش في القرن الخامس الهجري؛ فما بال زماننا؟!!

[32] ـ السابق ـ ص 265.

د. مصعب الخير الإدريسي
11-10-2006, 19:32
الملامتية في التصوف الإسلامي


الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته، المتقدس في نعوت الجبروت عن النقص وسماته. والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد المؤيد بساطع حججه وواضح بيناته، وعلى آله عترة النبي وذرياته، والرضا على أصحابه هداة طريق الحق وحماته، وعلى سائر التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد؛ فإن اسم «الملامتية» اشتهر على طائفة من صوفية المسلمين، والنسبة فيه على غير قياس إلى «الملامة»؛ أي العذل، وكذا اللَّومُ واللّوْماءُ واللَّوْمَى واللائمة، وقد أنشد الخليل بن أحمد:


ألا يا جارتي غُضِّي عن اللَّوْماءِ والعَذْلِ

ويقال: لامَه على كذا يَلومُه لَوْمًا ومَلامًا وملامةً ولوْمةً؛ فهو مَلُومٌ ومَلِيمٌ. وَألامَهُ بمعناه. ويقال: أَلامَ الرجلُ؛ أَتى ما يُلامُ عليه. وقال سيبويه: ألامَ؛ صارَ ذا لائمة، ولامه أخبر بأمره، واسْـتلامَ الرجلُ إلى الناس؛ أي استَذَمَّ. واستَلامَ إليهم؛ أَتى إليهم بما يَلُومُونه عليه. قال القُطامي التغلبي:


فمنْ يكن اسْتلامَ إلى ثَوِيٍّ فقد أَكْرَمْتَ يا زُفَر المتاعا

ويقال: أَلامَ الرجلُ فهو مُليم؛ إذا أَتى ذَنْباً يُلامُ عليه. قال الله ـ تعالى ـ: ]فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ[ [الصافات/ 142]. وفي النوادر: لامَني فلانٌ فالْتَمْتُ، ومَعّضَني فامْتَعَضْت؛ وعَذَلَني فاعْتَذَلْتُ ...

ورجل لُومَةٌ يَلُومُه الناس، وَلُوَمَة يَلُومُ الناس؛ مثل: هُزْأَة وهُزَأَة. ولاوَمْتُه؛ لُمْته ولامَني. وتَلاوَمَ الرجُلان لامَ كلُّ واحد منهما صاحبَه. وجاءَ بلَوْمَةٍ؛ أي ما يُلامُ عليه[1].

ولقد كان الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (تـ638هـ) يعترض على اسم «الملامتية»، ويرى أن هذه النسبة لغة ضعيفة، ويسميهم «الملامية»[2]، ومن قبل كان الهجويري علي بن عثمان الجلابي (تـ465هـ) قد عقد في كتابه «كشف المحجوب» بابا لبيان الملامة، ثم سمَّى أصحابها في الكلام عن فرق الصوفية الفرقة «القصارية» نسبة إلى شيخهم الأول أبي صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار (تـ271هـ) [3].

وأول صوفي أفردهم بالكتابة هو الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي[4] (تـ411هـ) في رسالته «أصول الملامتية وغلطات الصوفية»، وقد ذكر في صدرها أنه لا يوجد لهم كتاب، ثم قال في بيان سبب نسبتهم إلى الملامة: «هم قومٌ قاموا مع الله ـ تعالى ـ على حفظ أوقاتهم، ومراعاة أسرارهم، فلاموا أنفسهم على جميع ما أظهروا مِن أنواع القُرَب والعبادات، وأظهروا للخلق قبائح ما هم فيه، وكتموا عنهم محاسنَهم؛ فلامهم الخلْقُ على ظواهرهم، ولاموا هم أنفسهم على ما يعرفون مِن بواطنهم؛ فأكرمهم الله بكشف الأسرار والاطلاع على أنواع الغيوب، وتصحيح الفِراسة في الخلق، وإظهار الكرامات عليهم»[5].

ويرى الشيخ محيي الدين بن عربي أنهم اختصوا بالاسم المنسوب إلى الملامة لوجهين: أحدهما أن الشيوخ أطلقوه على تلاميذهم لكونهم لا يزالون يلومون أنفسهم في جنب الله، ولا يخلصون لها عملا تفرح به تربية لهم؛ لأن الفرح بالأعمال لا يكون إلا بعد القبول، وهذا غائب عن التلاميذ. والوجه الثاني مختص عنده بالشيوخ الأكابر في سترهم أحوالَهم ومكانَتَهم من الله حين رأوا الناس إنما وقعوا في ذم الأفعال واللوم فيما بينهم فيها؛ لكونهم لم يروا الأفعال من الله، وإنما يرونها ممن ظهرت على يده فناطوا اللوم والذم بها .. قال: «فلو كشف الغطاء ورأوا أن الأفعال لله؛ لما تعلَّق اللومُ بمن ظهرت على يده، وصارت الأفعال عندهم في هذه الحالة كلها شريفة حسنة. وكذلك هذه الطائفة لو ظهرت مكانتهم من الله للناس لاتخذوهم آلهة، فلما احتجبوا عن العامة بالعادة انطلق عليهم في العامة ما ينطلق على العامة من الملام فيما يظهر عنها مما يوجب ذلك، وكأن المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها، فهذا سبب إطلاق هذا اللفظ في الاصطلاح عليهم. وهي طريقة مخصوصة لا يعرفها كل أحد انفرد بها أهل الله، وليس لهم في العامة حال يتميزون بها».

وقال ابن عربي عقب ذلك: «واعلم أن الحكيم من العباد هو الذي يُنزل كلَّ شيء منزلتَه ولا يَتعدَّى به مرتبتَه، ويُعطي كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا يحكمُ في شيء بغرضه ولا بهواه، ولا تؤثر فيه الأعراضُ الطارئة. فينظر الحكيم إلى هذه الدار التي قد أسكنه اللهُ فيها إلى أجل، وينظر إلى ما شرع اللهُ له من التصرُّفِ فيها من غير زيادة ولا نقصان؛ فَيَجري على الأسلوبِ الذي قد أُبينَ له، ولا يضع من يده الميزان الذي قد وُضِعَ له في هذا الموطن، فإنه إن وَضَعَه جَهِلَ المقادير؛ فإمَّا يُخْسِر في وزنه أو يُطَفِّف وقد ذمَّ الله الحالتين». وهذا يعني في وضوح التزام أهل الملامة المتحققين بظواهر الشريعة وترك مخالفتها فيما يظهر من الأعمال، وفيما يعمدون إلى ستره وإخفائه؛ حتى إن ابن عربي ليقول: « فالشريعة كلها هي أحوال الملامية»[6].

ومن جملة هذا الكلام أخذ الشريف الجرجاني ما كتبه عن الملامية في «التعريفات»، فقال: «الملامية: هم الذين لم يظهروا ما في بواطنهم على ظواهرهم، وهم يجتهدون في تحقيق كمال الإخلاص، ويضعون الأمور مواضعها حسبما تقرر في عرضة الغيب؛ فلا تخالف إرادتهم وعلمهم إرادة الحق ـ تعالى ـ وعلمه، ولا ينفون الأسباب إلا في محل يقتضي نفيها، ولا يثبتونها إلا في محل يقتضي ثبوتها، فإن من رفع السبب من موضع أثبته واضعه فيه؛ فقد سفه وجهل قدره، ومن اعتمد عليه في موضع نفاه؛ فقد أشرك وألحد»[7].

وفي المسألة فقه ظاهر ومشربٌ صوفي سيأتي بيانه، وغاية القول هنا أن أكثر أهل الملامة منقادون في ستر أحوالهم وأعمالهم لمحاولة تمحيص الإخلاص والتحقق بكماله في عبادتهم لله ـ تعالى ـ قدر الطاقة، على نحو ما فصله الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السُّهْرُوَرْدي (تـ632هـ) في كتابه «عوارف المعارف»؛ حيث قال: «الملامتية لهم مزيد اختصاص بالإخلاص، يرون كتم الأحوال والأعمال ويتلذذون بكتمها؛ حتى لو ظهرت أعمالهم وأحوالهم لأحد استوحشوا من ذلك كما يستوحش العاصي من ظهور معصيته. فالملامتي عظم وقع الإخلاص وموضعه وتمسك به معتدا به، والصوفي غاب في إخلاصه عن إخلاصه». وحكى السهروردي أن بعض الملامتية دعي إلى سماع فامتنع، فقيل له في ذلك. فقال: «لأني إن حضرت يظهر عليَّ وَجْدٌ، ولا أوثر أن يعلم أحد حالي»[8].

إن السهروردي مع تقديره لحال هذا الملامتي لا يراه من أهل النهايات، وينتقد الركون إلى هذه الحال في لطف؛ فيورد قول الشيخ أبي يعقوب يوسف بن حمدان السوسي: «متى شهدوا في إخلاصهم الإخلاص؛ احتاج إخلاصهم إلى إخلاص». ويتبعه بقول ذي النون أبي الفيض ثوبان بن إبراهيم المصري (تـ245هـ): «ثلاث من علامات الإخلاص: استواء الذم والمدح من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، وترك اقتضاء ثواب العمل في الآخرة». وعن أبي الحسين أحمد بن أبي الحواري (تـ230هـ) أنه قال لشيخه أبي سليمان عبد الرحمن بن عطية الداراني (تـ215هـ): «إني إذا كنت في الخلوة أجد لمعاملتي لذة لا أجدها بين الناس. فقال له: إنك إذا لضعيف». وعلق السهروردي على ذلك قائلا: «فالملامتي وإن كان متمسكا بعروة الإخلاص، مستفرشا بساط الصدق؛ ولكن بقي عليه بقية رؤية الخلق، وما أحسنها من بقية تحقق الإخلاص والصدق. والصوفي صفا من هذه البقية في طرفي العمل والترك للخلق وعزلهم بالكلية، ورآهم بعين الفناء والزوال»[9].

إن الشيخ السهروردي يميز بين الملامتي والصوفي المتحقق بأن الملامتي قد أخرج الخلق من عمله وحاله؛ لكنه أثبت نفسه فهو مُخْلِصٌ. أما الصوفي فقد أخرج نفسه من عمله كما أخرج غيره؛ فهو مُخْلَصٌ. قال السهروردي: «وقد يكون إخفاء الملامتي الحال على وجهين: أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق، والوجه الآخر وهو الأتم لستر الحال عن غيره بنوع غيرة؛ فإن من خلا بمحبوبه يكره اطلاع الغير عليه؛ بل يبلغ في صدق المحبة أن يكره اطلاع أحد على حبه لمحبوبه. وهذا وإن علا ففي طريق الصوفي علة ونقص؛ فعلى هذا يَتَقَدَّمُ المَلامَتِيُّ عَلَى المُتَصَوِّفِ ويتأخَّرُ عن الصُّوفي»[10].

ولئن أرجع السهروردي الوجه الثاني إلى غيرة الملامتي، وعدَّ ذلك علة ونقصا في طريق الصوفي؛ فإن الشيخ الهجويري قد سبق إلى تفسير مذهب أهل الملامة بغيرة الله ـ تعالى ـ على أحبائه، واستفتح كلامه عن بيان الملامة بأن لها في خلوص المحبة تأثيرا عظيما، وكأنَّه يَلْمَحُ هذه العلاقة في إشارات قول الله ـ عز وجل ـ: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ [المائدة/ 54].

وذكر الهجويري أنه قد جرت سُنَّةُ الله ـ جل جلاله ـ في المشتغلين بمحبته على أن يجعلَهم محلَّ لوم الناس، ويحفظَ أسرارهم من الانشغال بلومهم .. قال: «وهذه غيرة الحق الذي يحفظُ أحباءه من ملاحظة الغير؛ حتى لا تقع على جمالهم عين، ويحميهم من رؤيتهم لأنفسهم؛ حتى لا يروا جمال أنفسهم ويعجبوا بها، ويقعوا في آفة العجب والكبرياء؛ فسلَّطَ عليهم الخلق ليطيلوا فيهم ألسنتهم، ومكَّنَ منهم النفس اللوامة لتلومهم على كل ما يفعلون، فإذا فعلوا الشر لامتهم به، وإذا فعلوا الخير رمتهم بالتقصير. وهذا أصل قوي في طريق الله ـ عز وجل ـ لأنه لا يوجد في الطريق آفة أو حجاب أصعب من أن يصير الإنسان معجبا بنفسه». وبين الشيخ الهجويري أن طريق العجب إلى نفس الإنسان له بابان: أحدهما رضا الناس ومدحهم، والآخر رضا الإنسان واستحسانه لأعماله. ثم قال: «وقد سدَّ اللهُ بفضله هذا الطريق على أحبائه؛ حتى إنَّ معاملاتِهم وإن تكن طيبةً لا يرتضيها الخلق؛ لأنهم لا يرونهم رؤية حقيقية. ومجاهداتهم وإن تكن كثيرة فإنهم لا يرونها بحولهم وقوتهم، ولا يعجبون بأنفسهم؛ حتى حفظوا من العجب بأنفسهم؛ فمن يرضى عنه الحق لا يرضى عنه الخلق، ومن يصطفي نفسه لا يصطفيه الحق»[11].

وإذا كان الشيخ السهروردي البغدادي قد أنزل الملامتية عن رتب أهل النهايات بين سالكي طريق التصوف؛ فإن معاصره الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قد رفع منزلتهم على سائر الصوفية، ورأى أنهم سادة أهل الطريق وأئمتهم، ولم يكتف بأن يجعل لهم في رسول الله قدوة على نحو ما صرح به الهجويري[12]؛ بل زعم أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منهم؛ فقال: «هم سادات أهل طريق الله وأئمتهم، وسيد العالم فيهم ومنهم، وهو محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهم الحكماء الذين وضعوا الأمور مواضعها وأحكموها، وأقروا الأسباب في أماكنها ونفوها في المواضع التي ينبغي أن تنفى عنها، ولا أخَلُّوا بشيء مما رتَّبه الله في خلقه على حسب ما رتبوه؛ فما تقتضيه الدار الأولى تركوه للدار الأولى، وما تقتضيه الدار الآخرة تركوه للدار الآخرة»[13]. ثم قال في صدر الباب الذي خصصه لمعرفة منزل الملامية من حضرة المحمدية: «وهذا مقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه. وممن تحقق به من الشيوخ حمدون القصار، وأبو سعيد الخراز، وأبو يزيد البسطامي. وكان في زماننا هذا أبو السعود بن الشبل، وعبد القادر الجيلي، ومحمد الأواني ...»[14].

ولا يكاد الشيخ الأكبر يتكلم عن درجات مقام أو حال من مقامات القوم وأحوالهم حتى يجعل أكثر هذه الدرجات وأعلاها لأهل الملامة؛ مثل: المجاهدة، والشكر، واليقين، والصبر، والمراقبة، والحياء، والذكر[15]. وقد يخصهم بما لم يتحقق فيه أحد من أهل طريق الله سواهم؛ مثل الفتوة[16].

ويرى ابن عربي أن رجال الله ـ تعالى ـ ثلاثة لا رابع لهم: الطبقة الأولى منهم هم العُبَّادُ الذين غلب عليهم الزهد، والتبتل والأفعال الظاهرة المحمودة، وطهروا بواطنهم من كل صفة مذمومة قد ذمها الشارع؛ غير أنهم لا يرون شيئا فوق ما هم عليه من هذه الأعمال، ولا معرفة لهم بالأحوال ولا المقامات ولا العلوم الوهبية اللدنية ولا الأسرار ولا الكشوف.

ثم الصوفية الذين يرون الأفعال كلها لله، وأنه لا فعل لهم أصلا؛ فزال عنهم الرياء جملة واحدة. وهم مثل العُبَّاد في الجد والاجتهاد والورع والزهد والتوكل وغير ذلك؛ غير أنهم مع ذلك يرون أنَّ ثمَّ شيئا فوق ما هم عليه من الأحوال والمقامات والعلوم والأسرار والكشوف والكرامات، فتتعلق هممهم بنيلها، فإذا نالوا شيئا من ذلك ظهروا به في العامة من الكرامات .. قال: «وهم بالنظر إلى الطبقة الثالثة أهل رعونة وأصحاب نفوس، وتلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوى يشمرون على كل أحد من خلق الله، ويظهرون الرياسة على رجال الله».

والطبقة الثالثة هم الملامية الذين لا يزيدون على الصلوات الخمس إلا الرواتب، ولا يتميزون عن المؤمنين المؤدين فرائض الله بحالة زائدة يعرفون بها .. قال: «لا يبصر أحد من خلق الله واحدا منهم يتميز عن العامة بشيء زائد من عمل مفروض أو سنة معتادة في العامة، قد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين ...، وهم أرفع الرجال وتلامذتهم أكبر الرجال يتقلبون في أطوار الرجولية، وليس ثمَّ من حاز مقام الفُتُوَّةِ والخُلُقِ مع الله دون غيره سوى هؤلاء، فهم الذين حازوا جميع المنازل. ورأوا أن الله قد احتجب عن الخلق في الدنيا وهم الخواص له؛ فاحتجبوا عن الخلق لحجاب سيدهم؛ فهم من خلف الحجاب لا يشهدون في الخلق سوى سيدهم، فإذا كان في الدار الآخرة وتجلَّى الحقُّ؛ ظهر هؤلاء هناك لظهور سيدهم»[17]. وهذا الكلام يضم وجها رابعا إلى ما ذكرناه من قريب في بيان وجوه ستر الملامية لأعمالهم وأحوالهم؛ أعني: محاولة تمحيص الإخلاص، وغيرة السالك على محبته، وغيرة الله ـ تعالى ـ على أحبائه.

والشيخ الأكبر يجعل سعي الملامية إلى التخلق بهذا الخلق مبنيا على ميزان الشريعة الظاهرة؛ فيقول: «فمن الميزان أن لا يعرض الحكيم بذكر الله ولا بذكر رسوله، ولا أحد ممن له قدر في الدين عند الله في الأماكن التي [يعرف هذا الحكيم أنه] إذا ذكر الله فيها أو رسوله، أو أحد ممن اعتنى الله به كالصحابة عند الشيعة؛ فإن ذلك داع إلى ثلب المذكور وشتمه وإدخال الأذى في حقه؛ ففي مثل هذا الموطن لا يذكره. ألا تراه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نهانا أن نسافر بالقرآن الذي هو المصحف إلى أرض العدو؛ فإنه يؤدي ذلك إلى التعرض لإهانته وعدم حرمته مما يطرأ عليه ممن لا يؤمن به»[18]. وعلى هذا يجب ستر ما يكون في إظهاره فساد وضرر، وهذا ليس من «التَّقِيَّةِ» في مفهومها الشيعي في شيء؛ لأن صاحب الملامة عند الشيخ الأكبر لا يُظهر مخافة سطوة الخلق عليه ما يعتقد في نفسه أنه الباطل خلاف الحق؛ بل يستر كرامة لا يترتب على سترها ضرر، أو يصبر على أذى هو متمكن من دفعه، أو يرضى بأن يقوم بأداء عمل جائز شرعا مع كونه غير مناسب لمقامه أو مكانته بين الخلق؛ تهذيبا لنفسه وأخذا لها بالشدة، وقد قال الشيخ الهجويري: «وهناك أيضا جماعة يمارسون الملامة لرياضة النفس؛ لتتأدب باحتقار الخلق لهم، وينتصفون منها»[19].

ويظهر المشرب الصوفي في تعلق الملامي بستر الله ـ تعالى ـ جلال ألوهيته في موطن الدنيا عن مداركِ العبادِ الواجبِ عليهم من التعظيم والإكبار والتقديس ما تستحقه الألوهية، مع تعدي بعض العبيد ومنازعتهم للحق في عظمته وكبريائه، وادعائهم الشركة في الربوبية .. قال ابن عربي: «وسبب ذلك أن الموطن اقتضى أن ينحجب الخلق عن الله، إذ لو أشهدهم نفسه في الدنيا لبطل حكم القضاء والقدر الذي هو علم الله في خلقه بما يكون عنهم وفيهم، فكان حجابه رحمة بهم وإبقاء عليهم؛ فإن تجليه سبحانه يعطي بذاته القهر فلا يتمكن معه دعوى. فلما كانت الألوهية تجري بحكم المواطن كان هذا الأصل الإلهي مشهود الملامية، إذ كانوا حكماء علماء فقالوا: نحن فروع هذا الأصل. إذ كان لكل ما يكون في العالم أصل إلهي؛ ولكن ما كل أصل إلهي يكون في حق العبد إذا اتصف به محمودًا فإن الكبرياء أصل إلهي بلا شك، ولكن إن اتصف به العبد، وصير نفسه فرعا لهذا الأصل، واستعمله باطنا؛ فإنه مذموم بكل وجه بلا ...، ولهذا رأت الطائفة أن خرق العوائد واجب سترها على الأولياء، كما أن إظهارها واجب على الأنبياء لكونهم مشرعين لهم التحكم في النفوس والأموال والأهل ...؛ فإن الرسول من الجنس فلا يسلم له دعواه ما ليس له بأصل إلا بدليل قاطع وبرهان، والذي ليس له التشريع ولا التحكم في العالم بوضع الأحكام فلأي شيء يظهر خرق العوائد حين مكنه الله من ذلك؟! ليجعلها دلالة له على قربه عنده، لا لتعرف الناس ذلك منه؛ فمتى أظهرها في العموم فلرعونة قامت به»[20].

د. مصعب الخير الإدريسي
12-10-2006, 03:58
لكن في تاريخ التصوف الإسلامي وحاضره حكايات عن أهل الملامة والمنتسبين إليها، قد يصعب إدراجها في سلك هذا النظام المنضبط بظاهر الشريعة على ما يقرب فهمه ولا يبعد توجيهه، ومن ذلك ما يلتقطه خصوم الصوفية ليبنوا عليه أحكاما عامة يتهمون بها جميع الملامتية، ويشنعون بذكرها على جملة الصوفية. ومع ما في هذا المسلك من إجحاف وتعد على حيادية الحكم العلمي؛ فإن أكثر ما انتقده خصوم الصوفية كانوا فيه عالة على مسيرة التصحيح والنقد الذاتي التي لم يتخلف نشاطها في تاريخ التصوف الإسلامي منذ نشأته، ولا يكاد يخلو منها شيء من المؤلفات الرئيسة لصوفية الإسلام على امتداد تاريخهم.

ومن هذا ما فعله الشيخ الهجويري حينما أجرى الكلام في الملامة على أنها ثلاثة أنواع: ملامة استقامة السير، وملامة القصد، وملامة الترك.

أما ملامة استقامة السير؛ فأهلها المحافظون على الدين، المراعون لله ـ تعالى ـ في المعاملات، ولا يفرطون في شيء مما فرضه الله عليهم؛ فيلومهم الخلق وهم فارغون منهم لاشتغال قلوبهم بالحق. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ محيي الدين الحاتمي بكلامه، ورفع منزلتهم على سائر الصوفية.

وأما ملامة القصد؛ فأهلها الفارون من حصول الجاه لهم بين الخلق، المريدون لنفي اشتغال قلوبهم إلا بالحق، ومنهم من يتكلف إظهار ما ينفر الناس منه لينفي ما علق بنفسه من إقبالهم عليه، بما لا يخالف الشريعة وإن أوهم أنه مخالف، وقد يكون هو المشتغلَ بالناس لينفضوا أيديهم عنه والناس فارغون منه. وأحسب أن هؤلاء من عناهم الشيخ السهروردي بكلامه، وجعل منزلتهم دون منزلة الصوفي المتحقق وأعلى من منزلة المتصوف.

أما ملامة الترك؛ فالضلال متمكن من أصحابها الذين عجزت نفوسهم عن اتباع الشريعة؛ فزعموا أنهم يسيرون في طريق الملامة، وهم في الحقيقة مبطلون في الادعاء لا يقومون إلا بما تمليه عليه أهواؤهم[21].

ولا إشكال في ذم أهل الدعوى الباطلة، ولا مماراة في نفيهم من جملة أهل الحق، ولذلك قال الشيخ الهجويري: « وأما من كان طريقه الترك، ويختار ما يخالف الشريعة، ويقول: إنني أسلك طريق الملامة. فتلك ضلالة واضحة، وآفة ظاهرة، وجنون صادق، على نحو ما يوجد عليه كثيرون هذه الأيام، وَمَقْصُودُهُمْ منْ رَدِّ الخَلْقِ قَبُولُ الخَلْقِ؛ لأنه يجبُ أن يكونَ الشَّخصُ أوَّلا مقبولا من الخلقِ حتَّى يَطلُبَ ردَّهم، ويَظْهَرَ بفِعْلٍ يَردُّونه به؛ إذ إنَّ تَكَلُّفَ الردِّ لقَبولٍ لم يحصُلْ يكونُ حيلةً.

واتفق لي ذات مرة أن أصحب أحد هؤلاء الأدعياء المبطلين، فظهر يوما بمعاملة باطلة، وجعل الملامة عذرا لها؛ فقال له رجل: هذا ليس بشيء. فرأيته يزفر؛ فقلت له: يا هذا، إذا كنت تسلك طريق المعاملة وأنت صادق في هذا؛ فإنكار هذا الرجل لفعلك تأكيد لمذهبك، وما دام هو يوافقك في طريقك؛ فلم الخصومة والغضب؟! وقصتك هذه أقرب إلى الدعوى منها إلى الملامة، وكل من يدعو الخلق يجب أن يدعوهم بأمر له برهان من الحق، وبرهانه حفظ السنة. ولما كنت أرى منك ترك الفريضة ظاهرا وأنت تدعو الخلق؛ فإن هذا الأمر يخرج عن دائرة الإسلام»[22].

ولا إشكال أيضا في مدح أهل ملامة الاستقامة، ولا عيب في طلب التأدب بآدابهم في إقامة الدين، والتخلق بأخلاقهم في حفظ الحال وستر ما لا يلزم إظهاره من الأعمال، مع الانشغال بالحق وترك العناية بآراء الخلق. وإنَّ أول من اشتهر به مذهب الملامة من الصوفية المسلمين هو أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار (تـ271هـ)، وقد عده الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في الطبقة الأولى من طبقات الصوفية ـ كان من كبار رجالات العلم يذهب في الفقه مذهب سفيان الثوري أحد أمراء المؤمنين في علم الحديث، وكان هو نفسه من رواة الحديث المسندين، واختار السلمي من مروياته المسندة في الترجمة له حديثا يمثل أصلا من أصول طريقته؛ فروى عن والده، عن عبد الله بن مُنازل؛ حدثنا حمدون بن أحمد القصار؛ حدثنا إبراهيم الزراد؛ حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وأين وضعه، وعن علمه ما عمل فيه»[23].

وترجم له الحافظ شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، فذكر أنه قدوة الملامتية التي تعني «تخريب الظاهر وعمارة الباطن مع التزام الشريعة»، ثم قال: «وكان سفيانيا. سمع محمد بن بكار بن الريان، وابن راهويه، وأبا معمر الهذلي. وصحب أبا تراب، وأبا حفص النيسابوري. وكان من الأبدال. روى عنه ابنه الحافظ أبو حامد الأعمشي، ومكي بن عبدان، وأبو جعفر بن حمدان وآخرون» ثم نقل عن طبقات السلمي بعض أقواله المعبرة عن مذهبه في الملامة المرضية[24].

ومن أقوال حمدون القصار: «لا يجزع من المصيبة إلا من اتهم ربه». وقال: «من ضيع عهود الله عنده؛ فهو لآداب الشريعة أضيع». وقال: «استعانة المخلوق بالمخلوق، كاستعانة السجين بالسجين». وقال له تلميذه عبد الله بن مُنازل مرة: أوصني. فقال: «إن استطعت ألا تغضب لشيء من الدنيا فافعل». وقال: «من شغله طلب الدنيا عن الآخرة؛ ذلَّ إما في الدنيا وإما في الآخرة». وقال: «كفايتك تساق إليك باليُسر من غير تعب، وإنما التعب في طلب الفضول». وقال: «من نظر في سير السلف؛ عرف تقصيره وتَخَلُّفَه عن درجات الرجال».وقال: «من استطاع منكم ألا يعمى عن نقصان نفسه؛ فليفعل». وقال: «لا تفش على أحد ما تحب أن يكون مستورا منك» وقال: «قعود المؤمن عن الكسب إلحاف في المسألة». وقال: «الزهد عندي: ألا تكونَ بما في يدك أسكنَ قلبا منك بضمان سيدك». وقال: «لا أحد أدون ممن يتزين لدار فانية، ويتجمل لمن لا يملك ضره ولا نفعه». وقال: «تهاون بالدنيا؛ حتى لا يعظم في عينك أهلها ومن يملكها».

وقيل له: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ فقال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن. ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، وقبول الخلق.

وسئل حمدون القصار: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله ـ تعالى ـ في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ينجيه الله منها بعلمه[25].

وروى الهجويري أنه لما عظم شأن حمدون القصار في العلم، جاءه شيوخ نيسابور فقالوا له: ينبغي اعتلاء المنبر وعظة الخلق؛ ليكون كلامك فائدة للقلوب. فقال: لا يجوز لي الكلام. قالوا: لماذا؟ قال: لأن قلبي متعلق بالدنيا وجاهها؛ فلا يفيد كلامي ولا يؤثر في القلوب، والكلام الذي لا يؤثر في القلوب يكون استخفافا بالعلم، أو استهزاء بالشريعة. والكلام مُسَلَّمٌ لمن يكون في صمته خلل الدين، فإذا تكلم ارتفع الخلل. ثم علق الهجويري على ذلك قائلا: «وأنا أعرف أن ذلك العظيم قد دفعهم عن نفسه؛ تركا للجاه والشهرة»[26].

وذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن حمدون القصار سئل عن طريق الملامة فقال: «خوف القدرية، ورجاء المرجئة»[27]. والذي يظهر لي في معنى هذه العبارة أن الملامي يستشعر مسئوليته التامة عن أعماله، ويحاسب نفسه عليها حذر التقصير، وهو في ذلك مشبه بخوف القدرية؛ على حين أنه في الوقت نفسه لا يقطع طمعه في عفو الله، ولا أمله في مغفرته، ويعتمد على رحمته وعنايته، وهو في ذلك الرجاء مشبه بالمرجئة. لكن الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ رأى أن وراء العبارة رمزا ومعنى خفيا، حاول شرحه وتجليته بأن الإشكال في أن قدر ميل الإنسان إلى الجاه بين الخلق، هو نفسه قدر بعده عن حضرة الله ـ تعالى. وبقدر ما يميل الإنسان إلى رضا الخلق والقبول عندهم يكون تخلفه عن الله ـ تعالى. والسالك هنا بين خطرين: أولهما الخوف من حجاب الخلق، والآخر منع الفعل الذي يلومونه عليه ..قال: «فلا هو يركن إلى جاههم، ولا هو بقادر على أن يجعلهم مذنبين بملامته. فينبغي للملامتي أولا أن يقطع الخصومة الدنيوية والأخروية عن الخلق بما يقولونه، وأن يعمل لنجاة قلبه عملا لا هو بالكبيرة ولا الصغيرة في الشرع ليردَّهُ الخلقُ؛ حتى يكون خوفه في المعاملة كخوف القدرية، ورجاؤه في معاملة اللائمين كرجاء القدرية»[28].

وأنا أحسب أن تفسير الشيخ الهجويري ـ رحمة الله عليه ـ أدخل في ملامة القصد منه إلى ملامة الاستقامة. وملامة القصد هذه هي موضع النقد وموطن الخلاف في الحكم، وطالبها إما أن يحظى بهداية الله وتوفيقه فيكون من أهل ملامة الاستقامة، وإما أن يصيبه الخلل ويغلب عليه الهوى فيكون من أهل ملامة الترك. وقد مثل لها الشيخ الهجويري بما حكي عن أبي يزيد طيفور بن عيسى البسطامي (تـ261هـ)، من أنه كان عائدا من سفرة إلى الحجاز، فنودي في المدينة أن أبا يزيد قد جاء؛ فخرج الناس جميعا لاستقباله وأدخلوه المدينة بإكرام، ولما انشغل بمجاملتهم تخلف عن الحق وتشتت، فلما دخل السوق أخرج من كمه رغيفا وأخذ في أكله، وكان هذا في شهر رمضان؛ فرجع الناس جميعا وتركوه وحده[29].

وهذه الحكاية ليس فيها ما يذم به البسطامي شريعة؛ لأن الشيخ كان قادما من سفر له أن يأخذ بالرخصة وله أن يأخذ بالعزيمة، وربما عمل على إيهام القوم أنه يأكل بما لاكه في فمه من الرغيف. وهنا يأتي موضع كلام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (تـ505هـ) عن الملامية في كتاب «إحياء علوم الدين»، في بيانه لعلاج حب الجاه الذي يعده من المهلكات؛ لأن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد المؤدي إلى التساهل في العبادات والرياء بما يظهر منها للتوصل إلى اقتناص القلوب.

وإذا كان المرض على هذه الدرجة من الخطورة؛ فلا بد من علاج. والعلاج عند أبي حامد مركب من علم وعمل، وإجمالا يكون البدء بالعلم المظهر لأسباب حب الجاه، والكاشف لدواعي ميل النفس إليه؛ ليكون العمل على قطع الأسباب ونفي الدواعي على هدى وبصيرة .. قال أبو حامد: «وأما من حيث العمل؛ فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق، وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول، ويرد الخلق ويقنع بالقبول من الخالق. وهذا هو مذهب الملامتية؛ إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس، فيسلموا من آفة الجاه. وهذا غير جائز لمن يقتدى به؛ فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين، وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك؛ بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس، كما روي أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد، فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمة، فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف، فقال الزاهد: الحمد لله الذي صرفك عني. ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعين الناس. وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه؛ إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه، ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير ...

وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول؛ فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها، ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به؛ جزعت نفسه وتألمت، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به، ويتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة. ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال؛ بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى، وقطع طمعه عن الناس رأسا؛ أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال، فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ...»[30].

وهذا الكلام في جملته يعني أن أعمال ملامة القصد مثل الأدوية لمن ألمَّ به مرض أو استحكم منه داء، وإنما يكون التداوي بعلم، ويكون الدواء على قدر الداء بلا زيادة ولا نقصان، ولهذا لا يلزم أن تكون له صورة واحدة؛ بل تتبدل صورته بحسب تغير أحوال الناس، وقد يكون المسقط للجاه عندهم إظهار لزوم التقوى والطهارة، وقد ذكر الهجويري أنه كان يلزم للملامة في زمان الخير فعل مستنكر ديانة، والظهور بشيء مخالف للشريعة؛ على حين أنه إذا أراد رجل أن يلام في زمان الهجويري؛ فليؤد ركعتين طويلتين، أو فليقم بأداء ما عليه من عبادات . وعندئذ سرعان ما يلقبه كل شخص بأنه مدع كذاب[31].

ويعني في جملته أيضا أن ملامة القصد ليست بدار قرار ونهاية لسالكي الطريق، ولهذا لم يكن انتقاد الشيخ الهجويري لمن يركن إليها بأقل مما سبق بيانه في كلام الشيخ السهروردي؛ فتراه يقول: «أما عندي؛ فطلب الملامة عين الرياء، والرياء عين النفاق؛ لأن المرائي يسلك الطريق الذي يقبله الخلق، والملامتي يسلك بالتكلف الطريق الذي يرده الخلق. وهذان الفريقان ظلوا في الخلق ولا مخرج لهم ...، ولا يخطر على قلب الفقير غير حديث الحق، وحين يقطع قلبه عن الخلق يكون فارغا من هذين المعنيين، ولا يقيده شيء.

وقد اتفق لي ذات مرة صحبة أحد الملامتية في ما وراء النهر، وعندما تملكني في الصحبة حال من البسط قلت له: يا أخي، ما مرادك من هذه الأفعال المشوشة؟ قال: خلو الخلق مني. فقلت له: هؤلاء الخلق كثيرون، ولن تجد العمر والزمان والمكانة لإخلاء الخلق منك؛ فأخل أنت نفسك من الخلق لتخلص من هذه المشاغل ...

إنه لا يراك أحد؛ فلا تر أنت نفسك، وآفة حالك من عينك. ثم ما شأنك بالغير؟ من يلزمه طلب الشفاء من الاحتماء (يعني تقليل الطعام)، ويطلبه من الغذاء؛ فليس من الناس»[32].

وإني لأرجو أن يكون فيما قدمت توضيح لمفهوم الملامة عند صوفية الإسلام، وبيان لما هو محمود منها، وما هو جائز، وما هو مرذول مذموم .. نسأل الله السلامة في الدارين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.

--------------------------------------------

الإحالات والتعليقات



[1] ـ انظر الخليل بن أحمد: العين. وانظر ابن منظور: لسان العرب ـ مادة (ل و م).

[2] ـ راجع ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976. من النسخة المشورة في موقع الوراق:

http://www.alwaraq.net/index2.htm?i=27&page=1

[3] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 2/ 412. ترجمة الدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل، ومراجعة الدكتور أمين عبد المجيد بدوي. ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر1974م.

[4] ـ هو محمد بن الحسين بن محمد، أبو عبد الرحمن الأزدي من أزد شنوءة أبًا؛ غير أنه اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أمِّهِ السُّلَمِيَّة؛ لأنه نشأ بعد وفاة والده في حضن جده لأمه إسماعيل بن نجيد السلمي الذي لم يكن له ولد؛ فنسب أبو عبد الرحمن إليه. وقد كان للسُّلَمِيين شأن في نيسابور ـ موطن ميلاده ـ فتحا وحكما، وثروة وجاها. انظر تصدير الدكتور نور الدين شريبة لكتاب طبقات الصوفية للسلمي ـ ص 16: 18. ط المكتبة الأثرية، باكستان (ب ـ ت).

[5] ـ نشرة الدكتور أبو العلا عفيفي: الملامتية والصوفية وأهل الفتوة ـ ص 98. ط دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة، مصر 1945م.

[6] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982.

[7] ـ علي بن محمد بن علي الجرجاني (تـ816هـ): التعريفات ـ ص 295. تحقيق إبراهيم الأبياري. ط1، دار الكتاب العربي ـ بيروت، لبنان 1405هـ.

[8] ـ أبو حفص السهروردي: عوارف المعارف ـ ص 89، 90. المطبوع بذيل كتاب «إحياء علوم الدين». ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.

[9] ـ السابق نفسه.

[10] ـ السابق ـ ص 90.

[11] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 259، 260.

[12] ـ راجع السابق نفسه؛ حيث تجد أشارة الهجويري إلى أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قدوة المحبين وإمام أهل الحقائق، كان قبل بعثته طيب الاسم عظيما، وعندما اتصل بالوحي وألبس خلعة المحبة أطلق الخلق فيه لسانهم؛ فقيل: كاهن، وساحر، وكاذب، ومجنون.

[13] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 976.

[14] ـ السابق ـ ص 1980.

[15] ـ راجع السابق ـ ص 1231، 1236، 1241، 1304، 1308، 1309، 1313، 1334، 1341.

[16] ـ راجع السابق ـ ص 268، 1981.

[17] ـ السابق ـ ص 1981.

[18] ـ السابق ـ ص 1982.

[19] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 265.

[20] ـ ابن عربي: الفتوحات المكية ـ ص 1982، 1983.

[21] ـ راجع الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 261.

[22] ـ السابق ـ ص 263.

[23] ـ أبو عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 124. والحديث أخرجه الترمذي في سننه ـ 4/ 613. كتاب صفة القيامة ـ باب في القيامة في شأن الحساب والقصاص. بإسناد آخر عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة مرفوعا بلفظ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟». وقال: حسن صحيح.

[24] ـ الحافظ الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ 13/ 50، 51. تحقيق شعيب الأرناؤوط بالاشتراك. ط9، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1413هـ.

[25] ـ عن أبي عبد الرحمن السلمي: طبقات الصوفية ـ ص 125: 129.

[26] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 338.

[27] ـ السلمي: طبقات ـ ص 129.

[28] ـ الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 264.

[29] ـ السابق ـ ص 262.

[30] ـ الغزالي: إحياء علوم الدين ـ 3/ 304، 305. ط1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1406هـ ـ 1986م.

[31] ـ انظر الهجويري: كشف المحجوب ـ 1/ 263. وهذا في زمان الهجويري الذي عاش في القرن الخامس الهجري؛ فما بال زماننا؟!!

[32] ـ السابق ـ ص 265.

د. مصعب الخير الإدريسي
12-10-2006, 04:06
إلى الأخ الكريم المشرف
السلام عليكم ورحمة الله، وتقبل الله منا ومنكم ورزقنا الرحمة والمغفرة والعتق من النار
وبعد؛ فأرجو التفضل بحذف جزء المقال الثاني الذي تقدم في أعلى صفحة العرض
ولكم خالص الشكر سلفا

د. مصعب الخير الإدريسي
27-10-2006, 18:12
إلى الأخ الكريم المشرف
السلام عليكم ورحمة الله، وتقبل الله منا ومنكم وكل عام وأنتم بخير
وبعد؛ فأرجو التفضل بحذف هذا الموضوع؛ لأنني توسعت فيه وجعلته بحثا مطولا بعنوان:
الملامتية في التصوف الإسلامي
حقيقتهم، وأنواعهم، وصورتهم عند السلفيين الجدد
وأريد المشاركة به كاملا في موضوع مستقل لعموم الفائدة
ولكم خالص الشكر سلفا