المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معنى الحيز والجهة عند المتكلمين



جمال حسني الشرباتي
07-10-2006, 13:45
قال الاستاذ سعيد رادا على كلام ابن رشد الفيلسوف
---------------------------

أولاً في بيان معنى الحيز والجهة عند المتكلمين على وجه مختصر

الحيز عند المتكلمين: هو البعد الموهوم الذي يشغلُه الجسم وتنفذ فيه أبعاده .

وسموه موهوماً لأنه لا يوجد وحده إلا في الذهن، وحقيقته أن الذهن عندما يلاحظ الجسم، فإنه يعلم فيه صفة الامتداد في الأبعاد، ولو في بعد واحد على الأقل، والعقل عنده القدرة على التفريق بين ما يلاحظه غير مفترق في الخارج، وهذا يسمى عند البعض بالتجريد العقلي، أي إن العقل يجرد بعض المعاني عن البعض، وذلك لملاحظته أمراً خاصاً في هذه دون تلك، ولما يترتب عليها من أحكام، لا تكون الأخرى شروطاً فيها .

فالجسم مثلا لكونه متحيزاً فيجب أن يكون محدوداً، وذلك بغض النظر عن كون الجسم متألفاً من جواهر فردة أو متألفاً من هيولى وصورة، أو من غيرهما مما قد يقول به البعض كالطاقة والأمواج مثلاً، فالحكم على الجسم بأنه محدود تابع لكونه متحيزاً، وغير تابع لكونه من أحد الأمور السابقة .

ولهذا فإن العقل يجرد هذا المعنى الذي هو التحيز والتابع للجسم، أو الذي هو جزء من حقيقته، أو هو تمام حقيقته في الواقع، ويرتب عليه الأحكام المترتبة ومن دون ملاحظة حقيقة الجسم في نفسه .

فالمتكلمون يلاحظون في الأمر مجرد كونه متحيزاً، ثم يحكمون عليه بالمحدودية، بغض النظر عن الأصل الذي يتألف منه، ويحكمون عليه بالافتقار، لأن أصل التحيز يلزم عنه الافتقار مطلقاً كما بينوه في كتب علم الكلام .

ولذلك يقول البعض منهم: إن الحيز هو من المعقولات الثانية أي التي لا يلاحظها العقل وحدها في الخارج مباشرة، بل إنه يجردها مما هو ملاحظ لذاته وهو الجسم .

فالحيز بناءاً على هذا التفسير وهو التفسير المعتمد عند الأشاعرة، هو من الأعراض الذاتية، وهو غير موجود في نفسه .

وأما الجهة فإنها من الأعراض النسبية الإضافية، أي التي لا يمكن للعقل أن يفهمها إلا بملاحظة أمرين لا أمر واحد كما في الحيز .

وبيان ذلك أن الجهة هي في التعريف مقصد المتحرك من حركته، فالمتحرك إذا تحرك فإنه يقصد حيزاً معيناً أو حداً معيناً لحيز، لا فرق في الحقيقة، فإن المتحرك نفسه له حيز، وينتقل من حيز إلى حيز، ولا يوجد متحرك غير متحيز .

ولهذا فإن الجهة لا توجد في الخارج وحدها لما أنها إضافية بالمعنى السابق .

فالمتحيز ( =الجسم ) المتحرك يقصد الانتهاء في حركته إلى حد لجسم آخر، فالبعد الذي يقطعه ينتهي منه إلى حد آخر هو الجهة المقصودة، فالحد المنتهَى إليه هو الجهة في حق هذا المتحيز .

واعلم أنه يكفي لإطلاق الجهة على المحدود إمكان الحركة إليه وليس حصولها بالفعل، وقد يكفي في ذلك إمكان تصورها ولو بالوهم، وهذا قوي .

وهكذا فإننا نعلم أن الجهة والحيز والحد والحركة أمور متلازمة لا ينفك واحد منها عن الآخر، إذا توفرت شروطها .

ومن هاهنا فإن الحيوان لما أمكنه أن يتحرك إلى ستة جهات، وهي الأسفل والأعلى واليمين والشمال والأمام والخلف، صارت له هذه الأمور جهات، فصار يقال له ست جهات، وصار البعض يطلق على هذه الجهات الجهات الحيوانية .

وأما الأجسام الطبيعية فإنها إذا تركت وحدها فإنها إما أن تتحرك إلى أسفل وإما أن تتحرك إلى الأعلى، وهذه الحركة مشروطة في الحقيقة بما يسمى بالجاذبية أو بالتركيب الكوني الزمكاني، أو بحسب اختلاف المادة الكونية شدة وضعفاً، واختلاف تركيزها، على أي حال .

وبناء على أي من هذه الأقوال فإن الجسم الطبيعي أقصد غير المتحرك بإرادته كالحجر، لا يتحرك إذا ترك وحده إلا إلى أسفل أو إلى أعلى، هذا إن لم يمانعه مانع، فلما كان للحجر والنار مثلاً والهواء والتراب والمعادن وغير ذلك من الأجسام الطبيعية هذان الاحتمالان، صار يقال إن الجهات الطبيعية هي فقط العلو والسفل، ويقصد من ذلك أن هذه الجهات لازمة للموجودات الطبيعية غير المتحركة بالإرادة .

وعند التحقيق يتبين لك أن جميع الجهات إضافية وليست لازمة للموجودات .

وابن تيمية توهم أن هاتين الجهتين وهما العلو والسفل لازمتان لأصل الوجود، وأن الوجود في نفسه لا ينفك عنهما، فسماهما جهتين لازمتين، ولذلك قال: إن الله تعالى لما كان موجوداً، فإنه يلزم أن يوجد في جهة، فهذه الجهة إما أن تكون العلو وإما أن تكون التحت، فاختار لربه جهة العلو !!

وهذا الكلام مبني من ابن تيمية على قياس الغائب على الشاهد، كما ترى، ومن أخبره حتى على التسليم بأن كل ما شاهدنا وجوده فإنه لا ينفك عن الجهتين، أن الله تعالى بما أنه موجود فهو كذلك لا ينفك عن واحدة منهما؟! لا مصدر لديه في ذلك إلا قياس الغائب على الشاهد .

ونحن قد فصلنا في قول ابن تيمية هذا وبينا أصوله التي يبني مذهبه عليها في كتابنا الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية .

واعلم أن الحيز أعم من المكان عند المتكلمين وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وذلك لأنهم قالوا: إن الجوهر الفرد في حيز وليس في مكان، ولكن في هذا المحل لن نحتاج إلى مثل هذا التفريق، وسوف نفرض التساوي في المفهومين، مع ملاحظة أن المعتزلة قالوا: إن الجسم لا يكون إلا من ثلاثة أبعاد، وأما الأشاعرة فإنهم قالوا إن الممتد ولو في بعد واحد يسمى جسماً .

وهذا البيان لحقيقة الجهة والحيز عند المتكلمين كاف لمقصدنا هنا .