المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم النادر



محمد ال عمر التمر
04-10-2006, 17:36
تطرق الفقهاء لحكم النادر عند الكلام على بعض الفروع وفصلت فيها بعض كتب القواعد
وهذه رسالة تتكلم حول الموضوع للعلامة علوان الوصابي اليمني من علماء القرن الثالث عشر
حققها د. عبدالله الطريقي (له جهود طيبة في تحقيق بعض كتب الفقه الحنبلي)
وقدم المحقق للرسالة بنقل بعض أقوال الفقهاء في الموضوع:

قال المحقق د. عبدالله الطريقي: :
من المعلوم أن الفقهاء رحمهم الله يبنون الأحكام على الغالب الشائع ولا يلحقون الأحكام بالقياس على ما شذ وندر وعلى هذا جمهور الفقهاء.

جاء في تأسيس النظر للدبوسي : (الأصل من السؤال والخطاب يمضي على ما عمّ وغلب لا على ما شذ وندر ومن مسائله أن من حلف لا يأكل بيضا فهو على بيض الطير دون بيض السمك ونحوه)

وقال القرافي: (اعلم أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياة وعقود المسلمين ويقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة، ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة)

وقال العز بن عبدالسلام: فصل في الحمل على الغالب والأغلب في العادات ولذلك أمثلة. منها: من أتلف متقوما فإنه يلزمه ضمانه بقيمته من نقد البلد، أو من غالبه إن كان فيه نقود أو من أغلبه إن كان فيه نقود بعضها أغلب من بعض)

وقال ابن حجر المكي : (والقاعدة أن النادر يلحق بالأعم الأغلب في جنسه)

وقال ابن المبرد الحنبلي : ( الغبرة بالغالب والنادر ل حكم له منها : أ، الغالب على الأطفال عدم جودة التصرف فلا يصح التصرف منهم وإن وُجد من بعضهم جودة التصرف فهو نادر)

وقال الزركشي في قواعده (النادر هل يلحق بالغالب ؟ هو على أربعة أقسام.
1 – ما يلحق قطعا : كمن خُلقت بلا بكارة داخلة في حكم الأبكار قطعا في الاستئذان وكما إذا خُلق له وجهان ولم يتميز الزائد يجب غسلهما قطعا، وكذلك إلحاق الولد بعد أربع سنين فإن بقاءه في بطن أمه كذلك نادر جدا فألحقوه بالغالب، وذلك إذا أتت به لستة أشهر ولحظتين من زمن الوطء فحقه مع أن ذلك نادر جدا ولكن الشارع أعمل النادر في هذه الصور سترا للعباد.
2- الثاني ما لا يلحق قطعا: كالأصبع الزائدة لا تلحق بالأصلية في حكم الدية قطعا ونكاح من بالمشرق مغربية لا يلحقه الولد.
3- الثالث: ما يلحق به على الأصح كنقض الوضوء بمس الذكر المقطوع إلحاقا بالغالب المتصل وقيل ل للندرة بخلاف مس العضو المبان من المرأة لا ينقض، وكالنقض بخروج النادر من الفرج وجواز الحجر من المذي والودي ونحوهما، وكذا دم البراغيث يعفى من قليله قطعا وكذا كثيره في الأصح لأن هذا الجنس يشق الاحتراز منه في الغالب فألحق نادره بغالبه، وكذا لو طال مدة اجتماع المتبايعين أياما وأشهرا وهو نادر فالمذهب بقاء خيارهما إذا لم يتفرقا، وقيل: لا يزيد على ثلاثة أيام كالغالب.
4- الرابع ما لا يلحق به على الأصح كما يتسارع إليه الفساد في مدة الخيار لا يثبت فيه خيار الشرط في الأصح ولو راجت الفلوس رواج النقود فهل تعطى حكمها في باب الربا؟ وجهان أصحهما لا اعتبارا بالغالب. )

وقد يلغي الشرع الغالب رحمة بالعباد

محمد ال عمر التمر
07-10-2006, 15:03
هذا تلخيص لرسالة الوصابي فتح القادر في حكم النادر وقد حذفت منها ما لا علاقة له بالمسألة
وغيرت بعض الألفاظ عند اللزوم:

طالما استشكلت الجمع بين قول أئمتنا في كتب الأصول والقواعد والفروع النادر يلحق بالغالب وقولهم النادر يلحق بنفسه وبعضهم يعبر عن هذا بأن النادر لا حكم له ولم أزل بحث عن ضابط يرفع الإشكال من كتب الأصحاب أو من أفواه الرجال كلما أكثرت البحث قوي الإشكال للوقوف على فروع ملحقة بالغالب وفروع ملحقة بنفسها وسبب ذلك كما في الأشباه والنظائر أن القاعدة من المختلف فيها.
قال الأهدل في منظومته :


ثم هل النادر بالجنس أو = بنفسه يلحق، خلف قد روي
وفي الفروع لم يكن مؤتلفا = القول بالترجيح بل مختلفا
والجزم بالأول جاء في صور= كذاك بالثاني كما قد اشتهر

قال السيوطي : " ومن فروعها مس الذكر المبان، فيه وجهان أصحهما النقض إلحاقا له بالجنس
ومنها لمس العضو المبان من المرأة فيه وجهان أصحهما عدم النقض إلحاقا له بنفسه "

وقول الناظم والجزم بالأول جاء في صور من صوره من خُـلِق له وجهان ولم يتميز الزائد منهما يجب غسلهما. فقوله: كذاك بالثاني ...الخ من صوره الإصبع الزائد لا تلحق بالأصلية في الدية. وهذا لا يتحصل منه ضابط فيما يلحق بنفسه أو بجنسه عند حضور الصورة النادرة التي لا نقف على نص فيها.
والذي يظهر أخذا بما دل عليه كلام ابن حجر المكي الآتي أن النادر إما أن يكون من الأمور الذاتية التي لا تطرأ أو تزول أو العرضية.
فالأول يلحق بالأعم من جنسه. والثاني إن كان بحيث إذا وقع دام، اُلحِق بالغالب من غير جنسه وإن لم يكن كذلك بنفسه هذا ما دل عليه كلام ابن حجر المذكور.
والذي دل عليه كلام العلائي في قواعده أن معرفة ما يلحق بنفسه وما يلحق بجنسه متوقف على معرفة الأصول المتفقة, لمعرفة مدلولات الألفاظ والعلل التي بها تتفرق المسائل لأن الأمر النادر قد يتردد بين أصلين فيختلف الحكم فيه بحسب ذينك الأصلين كما سيأتي التنبيه عليه في كلا م العلائي المذكور.
وزيادة البيان في هذا أنه قد يُقال: ما منشأ الخلاف في صورة النقض بالذكر المقطوع أو بعضه، وعدمه بلمس العضو المُبان من المرأة؟
فيُجاب: بان من قال بالنقض نظر إلى عموم لفظ " من مس ذكرا.." رواه مالك وأصحاب السنن. ومن قال بعدمه نظر إلى الندرة
وأما القائل بعدم النقض بلمس العضو المبان من المرأة فذلك لأنه ليس مظنة الشهوة ومن قال بالنقض قال إنه مظنة. ويظهر الفرق الواضح بمعرفة علة كل من المسألتين.
فعلة النقض بالذكر المقطوع أو بعضه شمول الاسم لما أُبِين، إلا ما قُطع في الختان إذ لا يقع عليه اسم الذكر، لأن الحكم منوط بالاسم.
قال ابن حجر في الإيعاب وقول الاسنوي بعض الذكر المبان لا يُسمّى ذكرا كما قالوه في بعض المرأة المبان باسمه، يُرَدّ بأن المرأة كل مشتمل على أجزاء مختلفة اسما وصورة ولم يُسمّ أجزاؤها باسمها بخلاف الذكر.اهـ
وبه يُعلم الفرق بين المسألتين وهذا هو السبب في اختلافهم في الترجيح المُشار إليه في نظم السيد أبي بكر الأهدل المذكورة سابقا
ومحل عدم النقض بالجزء المتصل من المرأة إن لم يكن فوق نصف البدن وإلا نقض على ما اعتمده الشيخ في التحفة قال خلافا لمن قال بنقض النصف، ولمن قال لا ينقض إلا النصف الذي فيه الفرج.
ولو التصق العضو المنفصل بعد الانفصال بحرارة الدم هل ينقض لمسه أو لا؟
والمعتمد الثاني كما في التحقة قل بعده نعم لو فرض عود الحياة فيه بأن نما وسرى إليه الدم احتمل أن يلحق بالمتصل الأصلي وله وجه وجيه واحتمل بأنه لا فرق وهو الأقرب إلى إطلاقهم أنه بالفصل الأول صار أجنبيا فلم ينظر لعود حياته ولا لغيره، ومن ثم لو ألصق بعضوه حيوان لم يلحق بالمتصل وإن نما جزما كما هو ظاهر، فعلمنا أن عود الحياة وصف طردي لا تأثير له، انتهى.

محمد ال عمر التمر
07-10-2006, 15:07
وفي قواعد العلائي ما لفظه:

قاعدة إذا ندر و احد أو اثنان في مخالفة بقية الأمة فهل يكون قول الجمهور إجماعا؟
قال الطبري والجصاص نعم. وقال الأكثرون ل يكون إجماعا لأن الجمهور ليسوا كالأمة وعلى هذا فهل هو حجة أم لا؟

اختار ابن الحاجب أنه يكون حجة لأنه يبعد أن يكون متمسك النادر من الأدلة أرجح مع توفر نظر الجمهور وبحثهم.
ويتفرع على هذه القاعدة أنه لا أثر للنادر وقد يكون له أثر في بعض الصور، ويعبر عن ذلك أيضا بأن النادر هل يلحق بجنسه أو بنفسه؟ وفيه خلاف في صور:

منها إذا راجت الفلوس رواج النقدين فهل تعطى حكم النقدين في جريان الربا فيها؟ فيه وجهان: أصحهما لا اعتبارا بالغالب والثاني نعم لأن الغالبة جوهرية الأثمان الغالبة.

ومنها أن ما ليس بمقدر كالبطيخ والرمان الذي ليس له حالة جفاف لا يباع على الجديد بعضه ببعض فلو جفف نادرا فهل يجوز بيع بعضه ببعض وزنا؟
وجهان مرتبان على حالة الرطوبة وأولى بالجواز وهو اختيار الجويني.

ومنها أن الغالب من عادة المتبايعين عدم طول مدة الاجتماع فلو استمرا جميعا وطالت مدتهما لذلك أياما وهو نادر فالمذهب بقاء خيارهما إذا لم يتفرقا.
وقيل: لا يزيد على ثلاثة أيام لأنها نهاية الخيار المشروط.
وقيل: متى شرعا في أمر آخر وأعرضا عما يتعلق بالعقد وطال الفصل انقطع الخيار حكاه في البيان.
ومنها أن بقاء الولد في بطن أمه أربع سنين نادرا جدا وإذا أتت به لهذه المدة من حين فارقت الزوج إما بغيبة أو بطلاق لحقه ولم نعتبر الغلبة في أمثاله
ومنها: إذا أتت به لستة أشهر ولحظتين من حين الدخول بالزوج لحقه مع أن ذلك نادر جدا والغالب خلافه تسترا للعباد ورحمة بهم

ومما يشبه اختيار ابن الحاجب حجية قول الجمهور الحمل على الغالب والأغلب وذلك في صور كثيرة:
منها أن من باع بدراهم أو دنانير غير معينة ولا موصوفة بصفة معينة انصرف ذلك إلى غالب نقد البلد فإن كان فيه نقود بعضها أغلب من بعض انصرف إلى الأغلب.
ومنها من أتلف شيئا لغيره متقوما لزمه قيمته كذلك.

ومنها أن من ملك خمسا من الإبل سنة لزمه فيها شاة من غالب شياه البلد او من أغلبها.
ومنها الفدية في الحج وجزاء الصيد فيه والكفارة المرتبة والمخيّرة
ومنها من أقر بشيء من النقدين كذلك إلا أن يعينه
ومنها إبل الدية في مال الجاني أو على العاقلة تجب من غلب إبل البلد أو من أغلبها كذلك
ومنها نفقة الزوجة دون نفقة القريب فإن تلك مقدرة
ومنها أن من ملك التصرف بجهات عديدة فأطلق عقده حمل على أغلبه كمن كان وصيا على يتيم أو قيما في مال ولده أو وكيلا عن غيره ثم اشترى شيئا بثمن في الذمة وأطلق انصرف ذلك العقد إليه لأنه الأغلب أو الغالب من تصرفه ولم ينصرف إلى ولده أو يتيمه أو موكله إلا بالنية وعلى هذا بنى الشافعي رحمه الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم" من قتل قتيلا فله سلبه" و " من أحيا أرضا ميتة فهي له" فإن الغالب من أقواله صلى الله عليه وسلم التشريع العام، دون الإمامة العظمى فحمله الشافعي على ذلك بدون إذن الإمام. وحمله أبوحنيفة على التصرف بالإمامة فقيده بإذنه.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"
الأرجح حمله على الفتيا لأنه الغالب منه صلى الله عليه وسلم دون أن يكون حكما خاصا.
ومن الحمل على الغالب أيضا انقضاء العدة بثلاثة أقرؤ.
وحمل الوطء بعد الاستبراء بحيضة في المستبرأة مع أن الأصح في المذهب أن الحامل تحيض ولكن ذلك نادر فحمل الأمر على الغالب فإن تبين بعد ذلك الحمل نقض ما رتب على انقضاء العدة.
وقد ذكر القرافي أمثلة كثيرة حمل الأمر فيها على النادر إما قطعا أو على الراجح وأمثلة أُخر أُلْغيَ فيها الغلب والنادر جميعا.
فمن الأول طهارة الثياب التي ينسجها أهل الذمة ومدمنو الخمر وما يكثر مخامرته النجاسة وطين الشارع وأمثال ذلك وكثّر منها وليس ما ذكره من إلغاء الغالب والحمل على النادر بل من أعمال الأصل المستصحب كما تقدم في القاعدة الأولى من هذا الكتاب إما جزما أو على الصحيح كما تقدم.
ومن القسم الثاني شهادة الصبيان الذين كثر عددهم ويغلب على الظن صدقهم وكذلك النساء فيما لا يُقبلن فيه والعبيد ودعوى الرجل الصالح وقيل فيه يمين المدعى عليه وشهادة العدل المبرز لولده والغالب صدقه إلى غير ذلك من الأمثلة التي ألغي فيها الغالب والنادر وليس هذا كما ذكر بل لمعارضة أصول أخر اقتضت طردها في هذه الصورة النادرة حملا على الغالب من الدعاوى والشهادات وحسما لمادة الاضطراب والله أعلم . انتهى كلام العلائي.
وقال في محل آخر من الكتاب المذكور ما لفظه وقد يتردد الشيء بين أصلين فيختلف الحكم بحسب ذينك الأصلين وينبني عليه فروع عديدة ترجع إلى ذلك الاختلاف، فيصير أصلا لتردده بين الحر والعبد ومسائل الزائل العائد المتردد فيها بالنسبة إلى كونه كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد وأن النادر يلحق بنفسه أو بجنسه . انتهى المقصود من كلامه هذا

وللشيخ المحقق ابن حجر في شرح العباب كلام نفيس على هذه المسألة علة قول العباب: وإن ندرت كثافته كالحاجب والهدب والشارب والعذار وجب غسل ظاهره وباطنه وإن كثف)
ما لفظه: لأن كثافته لما كانت نادرة ألحق بالغالب فيه من الخفة المقتضية لسهولة ايصال الماء إلى منابته والقاعدة أن النادر يلحق بالأعم الأغلب في جنسه وبه يرد على من أطال في الاعتراض على هذه العلة والحكم المترتب عليها. نعم يرد عليه على ما قاله الاسنوي وابن الرفعة وغيره قاعدة أن النادر إذا كان لو وقع دام أعطي حكم الغالب أي من غير جنسه وكثافة هذه الشعور إذا وقعت دامت فكان قضية القاعدة إعطاءها حكم اللحية ما هو وجه في الرافعي
وقد يقال الذي دل عليه كلامهم أن التفصيل بين النادر والعام الدائم إنما هو في الأعذار المقتضية لإسقاط القضاء ونحوه كما يأتي آخر التيمم. وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لأن تلك أعذار تطرأ وتزول فاعتبر فيها ذلك، وأما ما نحن فيه فليس من ذلك وإنما هو من الأمور الذاتية التي لا تطرأ وتزول فلم ينظر فيه لدوام ولا لعموم ولا لغيرهما وإنما ينظر فيه إلى جنسه فألحق به لأن الأمور الذاتية إنما تناط بأجناسها وهذا أولى مما أجاب به ابن العماد بل في جوابه تنافي وملا محصل له كما يعلم بتأمله. انتهى كلام ابن حجر

محمد ال عمر التمر
07-10-2006, 15:08
في حاشية الجرهزي على شرح أبي فضل ما لفظه:
فائدة: إنسان البحر الذكر هل يحل له الحرير أم لا؟ وكذا المتولد بين بهيمة وآدمي هل يحل له أم لا؟
للنظر فيه مجال والذي يظهر الحرمة إلحاقا للصورة النادرة في عموم الصورة الغالبة. اهـ
وفي إطلاقه نظر والذي يتجه حمل كلامه على ما إذا ظهر لهما تكليف يناط الحكم به وإلا فغاية ما يثبت للصبي والمجنون من الأحكام ولبس الحرير جائز لهما كما هو جوابه على أن لك أن تقول: كلامه دال على هذا التقييد بالاقتضاء لتوقف صحة كلامه عليه.
وقد صرح أئمتنا بأن إطلاقات الأئمة إنما تكون حجة إذا لم يكن في كلامهم ما يقتضي تقييدها، وهنا كلامه يقتضي ذلك فتأمل.
هذا وفي النفس من إلحاق الأول بالآدمي الذكر شيء لعدم إلحاقهم الأنثى من إنسان البحر بالآدميات في جواز النكاح بل صرحوا بالمنع كما نص السيوطي في الأشباه والنظائر وما ذاك إلا لاختلاف الجنس ، اللهم إلا أن يقال: غلّبوا جانب الحرمة على الحل هنا وثم لكنه بعيد.
وقد يقال إلحاق إنسان الماء الذكر بالإنسان الآدمي إنما لدخوله في عموم نهي حديث (لا تلبسوا الحرير) لأن الأفعال نكرات والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، والعام يشمل الصورة النادرة كما في الأصول.
ويجاب بأنه إن ثبت له تكليف فلا ريب في دخوله في عموم النهي فضلا عن إلحاقه بل لا يصح هنا لأن من شرط الإلحاق بالعلة أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه، كما في جمع الجوامع وغيره من كتب الأصول.
وهنا قد تناول الحديث حكم الفرع بعمومه وإن لم يثبت فلا يدخل لعدم صلاحية دخوله في الخطاب لاختصاص الصيغة بمن يعقل. ولو سلم جدلا لا إذعانا فغايته أن يكن حكمه حكم المجنون والصبي الشامل لهما الحديث المذكور.
وقد استنبط العلماء من النص معنى خصصه بغيرهما فعللّوا عدم الحرمة في حق الصبي الملحق بالمجنون بأنه غير مكلف والأحكام الشرعية تناط بالمكلف لا غير، وبانتقاء العلة وهي كأن فيه معنى الخيلاء أنه ثوب رفاهية وزينة... بزي يليق بالنساء دون شهامة الرجال والمجنون والصبي ليس لهما شهامة تنافي خنوثة ذلك.
وكذا لو قيل: الحاقه بما ذكر بالشبه الصوري فيجاب بمثل ذلك إذ شرط الإلحاق وجود علة الأصل في الفرع وهي منتفية عند عدم التكليف كما ذكر.
فإن قلت إذا جهلنا أمر إنسان الماء فلم نعلم له تكليفا ولا عدمه ما يكون الحكم فيه؟
قلت: الأصل عدم التكليف فيستصحب هذا الأصل إلى ثبوت ضده ومتى ثبت عمل به والله تعالى أعلم.
وبالجملة فمن أمعن النظر في كلام العلائي والشيخ ابن حجر المار ذكرهما علم عدم صحة إلحاق إنسان البحر غير المكلف بالآدمي المكلف لاختلاف جنسهما باختلاف ماهيتهما إذ ماهية الذكر الآدمي حيوان ناطق وذاك سمك كما أفصحوا بتسميتهما بذلك في باب الغسل كما في الإيعاب نقلا عن المجموع فلم يتفقا حقيقة لأن النوع عند المنطقيين هو الجنس عند الأصوليين كما في شرح مختصر ابن الحاجب .

خاتمة: قال المحقق السبكي في باب التفليس مما علقه في شرح المهذب :
الفقيه يعلم أن الشيئين المتساويين في الحقيقة وأصل المعنى قد يعرض لكل منهما عوارض تفرقه عن صاحبه وأن لم يغير حقيقة الأصل.
فالفقيه الحاذق قد يحتاج إلى أن يتقن القاعدة الكلية في كل باب ثم ينظر نظرا خاصا في مسألة ولا يقطع تشوقه عن تلك القاعدة حتى يعلم أن تلك المسألة بحيث تنسحب القاعدة عليها, أو تمتاز بما تثبت له تخصيص حكم في زيادة أو نقص، وفي هذا تتفاوت رتب الفقهاء فكم من واحد متمسك بالقواعد قليل الممارسة للفروع ومآخذها يزل في أدنى المسالك وكم آخر مستكثر من الفروع ومداركها قد أفرغ حاير ذهنه فيها غفل عن قاعدة كلية فتختبط عليه تلك المدارك فصار حيرانا.
ومن وفقه الله تعالى لمزيد العناية جمع له بين الأمرين ويرى الأمر رأي العين اهـ
ذكر هذه الخاتمة الاسنوي في الفتاوى وبها نهتم هذا البحث والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

وكلام السبكي نفيس جدا فتأمله.