المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إعادة نشر محاضرة قديمة



د. مصعب الخير الإدريسي
01-10-2006, 08:07
في رحاب كتاب «الدعوة إلى الله فقها ومنهجا»


الحمد لله الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. اللهم صَلِّ وَسَلِّمْ وبارك على سيدنا محمد وآله، وارضَ عن أصحابه نجومِ الهُدَى وسائرِ الصالحين التابعين بإحسانٍ إلى يوم الدين.

وبعد؛ فقد مضى نحو ثلاثة عشر عاما على تلبيتي لدعوة «دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع بالغردقة» للمشاركة في ندوة أقامتها ضمن فعاليات معرض لمطبوعاتها في مدينة «نقادة» إحدى مدن البر الغربي بصعيد مصر. وكنتُ يومئذ في صحبة المستشار أحمد مساعد الذي تحدث عن مساوئ الافتراق والاختلاف بين طوائف المسلمين، وآثار التعصب المتولد من ذلك في عرقلة مسار الدعوة إلى الله ونشر دعوة الإسلام السمحة. وكانت كلمتي في رحاب كتاب «الدعوة إلى الله فقها ومنهجا» لفضيلة الشيخ محمد زكي الدين محمد قاسم (رئيس مجلس إدارة دار الصفوة آنذاك) عن حاجة الدعوة إلى برامج منظمة ترعاها مؤسسات مؤمنة واعية لتاريخ الدعوة، ومراعية لما جد في حياتنا المعاصرة من معطيات، ودعوتُ إلى الإفادة من منهجية خصوم الدعوة ومثابرتهم في مناهضتها؛ فالحكمة ضالة المؤمن، وحيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه[1]. ولقد نظرت مع إشراقة شمس اليوم فيما احتفظت به من مسودات تلك المشاركة القديمة؛ وتأملت في أحوالنا الجارية فرأيت أنها لم تزل بحاجة إلى تكرار الكلام في موضوعها مرة بعد مرة برغم مرور الأعوام الثلاثة عشر ..

إن الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ والسعي في نشر صحيح الدين من أجلِّ القُرُباتِ التي يقدمها العباد بين يديه، وهي من أعظم المنن التي يتفضل بها رب العزة على المخلصين من عباده؛ ليرفع بها درجاتهم، ويدخلهم في مراتب المصطفين الأخيار.

والدعوة إلى الله ـ تعالى ـ دعوة إلى معرفته بتحقيق كمال دينه عقيدة وعملا، والتمكين لشريعته بين الخلق حكما وسلطانا. وتلك هي وظيفة الأنبياء والرسل وغاية جهدهم من لدن آدم إلى محمد ـ صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

ولقد كان النبي أو الرسول قبل سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يبعث في قومه خاصة، وكان الأنبياء والرسل ـ عليهم السلام ـ يتتابعون في الأمم يدعون الناس إلى الحق، ويقودونهم إلى الهداية وطريق الرشاد كلما تفرقت بهم السبل ]وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ[ [فاطر/24]. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في بداية كلامه عن كتاب أحاديث الأنبياء من شرحه لصحيح البخاري: «ووقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبي ذر مرفوعا أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. صححه بن حبان»[2].

وأخرج الشيخان حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيُّمَا رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة»[3]. وأخرج الإمام مسلم بإسناده حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون»[4].

وإذا كان كل نبي ورسول من هؤلاء ـ عليهم السلام ـ قد بعث إلى قومه خاصة، ولم يكن خاتم النبيين؛ بل كان بعده أنبياء يقومون بتصحيح مسيرة العباد وردهم إلى طريق الحق؛ فإن محمدا ـ صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله ـ قد بعث إلى العالمين كافة في كل مكان وزمان، وهو الخاتم ليس بعده نبي؛ ومن ثم كانت آية نبوته الدالة على صدق بلاغه وحقيقة دعوته معجزة معنوية دائمة لا ترتبط بمكانه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا بزمان حياته، وضمن الله ـ عز وجل ـ بقاءها حجة بالغة لا يبلغ الخلق شيئا من نصاعة بيانها، ولا ينال الباطل من قوة برهانها، ولا ينقص الجدل من ظهور إلزامها. وجعل الله مهام الدعوة إلى دينه من بعد نبيه إلى أتباعه الذين صدقوه، وأدركوا حقيقة دعوته أينما كانوا، وفي أي زمان عاشوا .. ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ [آل عمران:104].

ولعل هذا من معالم وسطية أمة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ التي ورثت مهمة البلاغ، وكلفت الدعوة إلى الله وفق منهاج رسوله الكريم. والداعية في مقام وسط بين مقام النبوة الذي يمده الوحي عن الله ـ تعالى ـ ومقام أهل البلاغ المخاطبين بالدعوة. وإنه ليمكننا أن نلمح هذا المعنى في قول الله ـ عز وجل ـ: ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[ [البقرة/ 143].

والقائمون بهذه المهمة هم الذين يستحقون وصف الله ـ تعالى ـ بالخيرية على سائر الأمم ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[ [آل عمران/ 110]، وهم أصحاب أحسن القول ]وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[ [فصلت:33].

وإذا كان الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما كما يقول الأصوليون؛ فهل أمة المسلمين اليوم هي خير الأمم، وهل قول أبنائها اليوم هو أحسن القول؟!

إن الذي يتابع أخبار المسلمين في هذا العصر، ويدرك ما آل إليه حالهم فيما بين مشرق الأرض ومغربها من الخمول، والغفلة عن معرفة الحق؛ ناهيك عن نصرته والدعوة إليه ـ لا يملك إلا الإجابة بالنفي، وإن استثنى أولئك الصفوة من الشيوخ والشباب الذين يمثلون استمرار وجود الخيرية في هذه الأمة، ويحملون على عاتقهم إرهاصات الصحوة وبوارق ضوئها جيلا بعد جيل. ولئن كانت تلك الصحوة غير موحدة الجهود والاتجاهات؛ فهي لا تزال تحمل في طياتها الكثير من الآمال.

وهذه الصفوة بما تقدمه لا تبطل الحكم العام؛ حتى يستجيب لها القاعدة العريضة من أبناء شعوب الأمة الإسلامية، ويتنبهوا إلى أسباب انحدار أمتهم، ويعملوا على نقض عوامل ضعفها، ويسعوا في استرداد ما كان لها من شموخٍ مكَّن لدين الله في الأرض، وَأَهَّلَ أصحابَه لرضا الله ـ تعالى ـ وَجَنَّبَهم سخطَه في الآخرة.

وعندما تُفِيق هذه الشعوب من غفلتها، وتعمل على نفي هذه الأسباب، ومعالجة تلك العوامل، وتضطلع بمهمتها التي كرمها الله بها في هذه الحياة؛ سيكون لها عندئذ حكم الله السابق، وتكون هذه الأمة هي خير الأمم، وقول أبنائها هو أحسنَ القول ]وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[ [الحج/ 40].

وقد يكون وصول أهل العلم إلى معرفة هذه الحقيقة من اليسر بمكان؛ لكن الصعوبة في إعادة صياغة الحياة في ضوئها. وأصعب من ذلك تنبيه عموم الأمة إلى إدراكها ثم تمثلها في جميع مناشط الحياة، ليكون لدينا نموذج حي في واقعنا لأمة صالحة بدينها مستجيبة لما فيه من أوامر ونواه، يصلح تقديمه لأمة البلاغ. وهذا هو العمل الذي يجب أن يتفرغ له صفوة أهل العلم ورُوَّادُ المجتمعات الإسلامية، وأن يُعدّوا له عُدَّتَه في صبرٍ وأناة؛ فإن هذا العمل لا يتم بين عشية وضحاها. والداعية المخلص ليس من هَمِّه أن يجني ثمار دعوته بنفسه، وحسبه أن يرشد الناس إلى الحق، وأن يسعى في سبيل ذلك غاية جهده؛ فمن الأنبياء الذين لم يقصروا في واجب البلاغ من يأتي يوم القيامة وحده ليس معه أحد، كما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم[5]. وإن تغيير مسار حياة الأمم من التعقيد بمكان.

وما أحسب أن أمتنا اليوم سيقيلها من عثرتها خطيب لسن عريض البيان، ولا كاتب ماهر متمرس، ولا شباب ثائر متحمس، ولا مجرد قائد واع أو ملهم؛ فالأمر كما أسلفت من التعقيد بمكان يعوزه زمان ليس بالقصير. وأذكر في هذا الصدد استشهادا طيبا ساقه الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ في محاضرة ألقاها في رحاب كلية الحقوق بجامعة القاهرة في عام 1987م .. قال الشيخ: إن الدعوة لا تؤتي ثمارها في يوم وليلة؛ فقوم سيدنا موسى من بني إسرائيل لما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة ]قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ* قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ[ [المائدة/ 22: 26]. قال الشيخ الغزالي: إن هذه السنوات من التيه لم تكن عقابا فحسب، وإنما كانت سبيلا للدعوة؛ ففيها هلك أئمة الضلال وشيوخ العصاة، وتربى النشء الجديد على الدين الصحيح، وشبوا صالحين أقوياء بإيمانهم؛ ففتح الله بهم الأرض المقدسة وآزرهم بنصره، وخرق لهم النواميس حينما نهضوا بأمره. فأي شيء يضيرنا اليوم إذا انتظرنا مثل هذه المدة أو أكثر، بشرط أن نبذل جهدا صحيحا وموحدا في سبيل توعية أبناء هذه الأمة وإرشادهم الصواب؟!

هذا ما أذكره من كلام الشيخ الذي سمعته من سنوات، وأضيف إليه تأكيدا فأقول: إن الرجلين اللذين أنعم الله عليهما من قوم سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ يمثلان الصفوة اليقظة في الأمة الغافلة التي عصت أمر ربها، ونكصت عن أداء واجبها أو تَنَصَّلَتْ منه بالكُليَّةِ. أمَّا حركة التغيير والصلاح التام؛ فلا تكون إلا بصحوة القاعدة العريضة من العامة، وإيمانها بحقيقة دينها، وصدق أفرادها في أداء الواجب المناط بهم.

وإذا أردنا أن نصل بعموم أمتنا إلى هذه الدرجة من الوعي وصدق النية؛ فلا بد لنا من برامج دعوية منظمة، تصوغ خطواتنا في ساحة الدعوة إلى الله، وفي سبيل الإصلاح وفقا لمنهج أو نظام يستوعب مشاكلنا المعاصرة، ويقدم لها الحلول الشافية.

ولا أعني بذلك جمود الدعوة اليوم، فالرأي أنها تتحرك رويدا رويدا بجهود الأفراد، وبما تمتاز به عقيدة الإسلام من يسر ووضوح وملاءمة لعقل الإنسان وحياته، ومن هنا ينتشر الإسلام في عالمنا المعاصر خاصة في الأوساط العلمية.

ومن العجيب أن الإسلام مع كونه دينا معقولا ومنظما يفتقر أتباعه إلى الحركة المنظمة في الدعوة إليه. وأشد من ذلك عجبا أن الذي يلفت النظر إلى هذا التقصير من قديم ليس واحدا من أبناء الأمة الإسلامية؛ بل قوم من خصومه من الهيئات التبشيرية المسيحية أو من المؤرخين الأوربيين؛ أمثال: جوستاف لوبون، وتوماس آرنولد، واستيفن نيل، وديبور ... الذين قرروا أن الإسلام ليس له مراكز دعاية، ولا هيئات تعمل على التعريف به ونشره على نحو ما تهيأ للمسيحية في هذا العصر[6].

وليست الجهود المنظمة قصرا على المسيحية وحدها بل هي قاسم مشترك بين كل الأمم الحريصة على النهضة والتقدم واتخاذ مكانة راقية في عالم بني الإنسان؛ فتجد منهم اليهود والوثنين وأهل الإلحاد الذين لا دين لهم.

إنا ننظر إلى أهل الحضارة الحديثة اليوم مبهورين، ونسلم لهم في كل حديث يدفعون به إلينا في شتى مجالات الحياة، ونحاول محاكاتهم في مظاهر حياتهم ووسائل رفاهيتهم فحسب، دون أسباب نهضتهم الحقيقية وما به قوام حضارتهم.

والحق أن أكثر العاملين من هؤلاء في مجال التبشير بأديانهم والدعوة إلى ثقافاتهم خليقون أن يكونوا نموذجا للداعية المسلم في حسن الاستعداد، وسعة القراءة والاطلاع، والحرص على تحقيق الغاية وبلوغ الهدف[7].

ولم لا نحذو حذو هؤلاء القوم في هذا الصدد، كما نحذو حذوهم فيما يخالف هويتنا ويخرب بنيان مجتمعنا الإسلامي؟!

ونعم إن جهودهم نموذج للدعوة المنظمة بما لهم من هيئات متعددة المجالات تعمل على تحقيق غاية واحدة، وإدراك هدف واحد؛ وبما يتبعونه من برامج محددة بدقة عالية، وبما لهم من دراسات متتابعة لترشيد هذه البرامج وتعديلها وفقا لمعطيات كل مرحلة زمنية.

ولا تعجب أيها القارئ الكريم لهذه النصيحة التي أقدمها بين يدك صادقا؛ وقديما قال بعض صوفية الإسلام:إمامنا إبليس. لا يعنون بذلك أن إبليس الرجيم إمامهم حقا، أو أنهم له تبع في جميع شئونه؛ وإنما يقصدون خصلة ظاهرة فيه، وصفة تسيطر على كل عمله .. وتلك هي المثابرة والصبر على إدراك الهدف وتحقيق الغاية، مهما غلقت الأبواب وحالت دونها العقبات.

وهذا هو المعنى الذي تشير إليه العبارة الصوفية، والقصر فيها إضافي؛ فمن ثم لا تنتفي معها إمامة الكتاب والسنة لهم. وإلى مثل هذا المعنى أشير في نصيحتي؛ فقد غدا مشهورا أن أعداء هذا الدين يعملون على تشويه معالمه، وتقويض دعوته حتى بين أبنائه، وفق برامج منظمة، وتخطيط محكم حاك شباكه كبراؤهم ومفكروهم، وهم بجميع مستوياتهم ملتزمون بتنفيذ هذه البرامج في مختلف المجالات .. سواء في المجال الفكري والثقافي، أو المجال الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو العسكري ... إلخ.

وإني مقدم فيما يلي ـ إن شاء الله تعالى ـ بعض الإشارات إلى تلك الجهود، وإلى مدى التزام عامتهم بمساندتها والعمل على تحقيق نتائجها.

د. مصعب الخير الإدريسي
01-10-2006, 08:11
1ـ موقف اليهود:

والكلام عن اليهود الحاقدين في جمهورهم لا عن أصل الديانة السماوية التي حرفوا فيها كلمات الله ـ تعالى ـ عن مواضعها، وسلكوا بها غير مسلك السلام ودين الحق. وإن موقف اليهود من الإسلام منذ ظهور الدعوة المحمدية معروف، وكيدهم للقضاء على هذا الدين وتفتيت وحدة أبنائه مشهور، لا ينكر ذلك من له عقل يعي الحد الأدنى من معرفة التاريخ؛ فهم الذين حاكوا الخطط لقتل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أكثر من مرة، وهذا ديدنهم مع رسل الله وأنبيائه من قديم، وهم الذين كانوا وراء حركة النفاق التي ماجت بها مدينة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم. وتفصيل ذلك مما يضج به كتب السير والتاريخ.

لكنني أقف هنا بعض الشيء مع مؤامرة يهودية كان لها أثر كبير في إثارة الفتنة بين المسلمين، وزرع الشقاق في وحدتهم، وما زلنا إلى الآن نجد آلام شوك زرعها، وما زال هذا الشقاق يقف حائلا أمام جمع المسلمين على كلمة واحدة، وتوحدهم في صف واحد.

والكلام عن عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي تذكره المصادر التاريخية وترجع إليه أكبر الأثر في إثارة الفتنة الكبرى وإذكاء نارها، وفي تنظيم الاتصال بين الثوار على الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ في مختلف الأمصار الإسلامية آنذاك؛ حتى بلغت فرط عقد الأمة بمقتل الخليفة الذي جرت بسببه أنهار من دماء المسلمين.

وابن سبأ هذا هو عبد الله بن وهب بن سبأ (المعروف بابن السوداء)[8]، كان يهوديا من أهل اليمن، أظهر إسلامه في زمان خلافة عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، ثم سعى لإفساد الدين وتحريض الناس على كراهية عثمان وخلعه[9]. وإن كنت لا آخذ الرواية التاريخية الناقلة لتفاصيل دوره في زمان خلافة سيدنا عثمان بشيء من الثقة، ولا ألقي لها بالا لمجيئها من طريق سيف بن عمر التميمي المتهم بالزندقة واختلاق الروايات عن الثقات، وهو ضعيف الحديث باتفاق، وقد أفحش ابن حبان ــ على تساهله ــ القول فيه كما في المجروحين[10]؛ فإنني أقدر ما روي عن فتنة ابن سبأ في زمان خلافة سيدنا علي ــ رضي الله عنه وكرم وجهه. وذلك مروي بطرق متعددة يُقَوِّي بعضُها بعضًا، ولها أصولها في كتب الحديث عند أهل السنة والشيعة على حد سواء، وكثر نقل أخبارها في كتب تاريخ الفرق عند الطائفتين، كما في كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد بن حنبل[11]، وفيما أورده الحافظ ابن حجر بترجمة عبد الله بن سبأ في «لسان الميزان»[12]، وفيما نقله ابن حجر الهيتمي عن الهروي والدارقطني في «الصواعق المحرقة»[13]. وفي بعض كتب الشيعة القدماء أيضا؛ مثل: كتاب «المقالات والفرق» لأبي خلف سعد بن عبد الله الأشعري القمي (ت299 أو 301هـ)[14]، وكتاب «الأمالي» لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (تـ465هـ)[15]، وكتاب «رجال الكشي»، وإن كان السيد مرتضى العسكري من الشيعة الاثنا عشرية المعاصرين يضعف روايات الكشي بأنها ليست في المجاميع الحديثية المعتمدة عند الشيعة، وبأن رجال الكشي غير معتمد صحة كل ما فيه لديهم[16].

وكذلك حال أكثر هذه الروايات في كتب أهل السنة؛ ولكنها أسانيد متعددة يجبر بعضها بعضا، وبناء على اعتبار جملتها يمكننا أن نُثبِت الوجودَ التاريخي لشخصية عبد الله بن سبأ اليهودي، ويُمكننا تَعَرُّف دوره في عهد أمير المؤمنين علي؛ دون أن نغفل اتصال ذلك الدور بتمهيد طويل بدأت وقائعه المجهولة التفاصيل في زمان خلافة سيدنا عثمان.

ومجمل ما نثق في معرفته عن ابن سبأ أنه خاض في الشيخين أبي بكر وعمر وذكرهما بسوء؛ فنفاه أمير المؤمنين علي إلى المدائن. ونعرف أنه قال بالوصاية لعلي ثم ادَّعَى ألوهيته؛ فأحرق علي أتباعه بالكوفة أو جعلهم في حفرة فدخَّنَ عليهم حتى ماتوا. ونعرف أنه لما قتل علي زعم أن القتيل غيره وقال برجعته.

ولقد اندس ذلك اليهودي في صفوف جماعة سيدنا علي بن أبي طالب، ليؤسس دينا غاليا يؤله فيه عليا، وقد أفاد من وجوده آنذاك على أرض العراق التي كانت قريب عهد بالسلطان الفارسي، والفرس يدينون لملوكهم بما يزعمون لهم من حق إلهي في السلطة والحكم؛ فعمل ابن سبأ على إيهام بعض شيعة سيدنا على بألوهيته، وأنه حل فيه جزء من الإله يعلم به الغيب. يروى ابن تيمية أن سيدنا عليا خرج ذا ت يوم، فسجد له أولئك القوم، فقال:ما هذا ؟ فقالوا: أنت هو. فال:من أنا ؟ قالوا:أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم! هذا كفر، ارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم.

فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام يستتيبهم، فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من النار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار. ويروى أنه قال في ذلك:


لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

ولقد بلغ من قناعة أتباع ابن سبأ بدعوته أنهم كانوا يقولون مع اقتحامهم أخاديد النار: الآن صح عندنا أنه الله، لأنه لا يعذب بالنار غير الله[18].

وإني أحسب أن هذه أول حركة منظمة، وواسعة النطاق، أسسها يهودي ماكر لحرب الإسلام عن طريق تشويه معالمه وأصوله، وبث الفتنة بين أتباعه للقضاء على دولته وهدم دعوته، ولئن تبرأ الشيعة الزيدية والإمامية من ابن سبأ ولعنوه كما لعنه أهل السنة سواء بسواء؛ فإن ذلك اليهودي الخبيث قد ألقى البذرة الأولى للتشيع الغالي في الساحة الإسلامية، وتركها تؤتي أكلها في تفريق الأمة وتشتيتها أحزابا لم نزل نألم بجراحاتها إلى زماننا المعاصر.

ولئن لعب ابن سبأ وأتباعه هذا الدور في ختام الخلافة الراشدة؛ فإن تاريخنا الحديث لا يَغفُلُ العارفون به عن دور اليهود «الدونمة» الذين تظاهروا أيضا باعتناق الإسلام في القضاء على الخلافة الإسلامية العثمانية، وتغيير وجه تركيا على وجه الخصوص، بعد أن استقبلتهم حاضرة الخلافة العثمانية، ومسحت عن وجوههم آثار اضطهادهم في أسبانيا وغرب أوربا على وجه العموم[19].

وما زال اليهود يخططون لهدم الإسلام، ويكيدون له .. ويأبى الله إلا أن يتم نوره!!

وما زالوا يعملون تحت ستر الظلام خفية على تحقيق أهدافهم، وينشئون الجمعيات والهيئات التي تخفي تحت الشعارات البراقة حربا ضروسا، لا على الإسلام فحسب، وإنما على كل من ليس يهوديا.

ومن أخطر المذاهب التي أفرزتها اليهودية حديثا الصهيونية، وهي حركة سياسية وقومية كانت ترمي إلى إقامة دولة يهودية، وقد تزعم هذه الحركة «تيودور هرتزل» في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وكان أول مؤتمر صهيوني دولي في مدينة «بال» بسويسرا، وقد قرر المؤتمر تكوين منظمات صهيونية في البلاد التي يوجد فيها عدد كاف من اليهود. وقد بلغ تخطيطهم أول غاياته بالتضامن مع الاستعمار الغربي بإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وللمخطط بقية في احتلال ما بين النيل والفرات. وإنه ليكفي العاقل نظرة عجلى في كتاب «الخطر الصهيوني أو بروتوكولات حكماء صهيون» الذي نقله إلى العربية الأستاذ محمد خليفة التونسي؛ لكي يدرك مدى الخطر الذي تمثله الصهيونية على الإسلام؛ بل على الأديان والبشرية جمعاء.

ولقد حاولت الصهيونية منع صدور هذا الكتاب الفاضح لمخططاتهم الهدامة أكثر من مرة؛ أولها عندما نشره للمرة الأولى «تيودور فيشر» صاحب المكتبة الألمانية في جنيف عام 1935م.

ولن أفصل هنا الحديث عن الجمعيات والهيئات الصهيونية، التي رُصِدَ لها كل الإمكانات المتاحة للعمل على تحقيق الأهداف الصهيونية، وإنما أحيل القارئ إلى كتاب «الإسلام والمؤامرات اليهودية»، وكتاب «الماسونية بين الحقيقة والشعارات» لفضيلة الشيخ محمد زكي الدين محمد قاسم؛ حيث الحديث المفصل والمعزز بالوثائق عن التنظيمات اليهودية التي تتستر أحيانا بالمبادئ العالمية, وأحيانا أخرى باسم المسيحية؛ مثل: الماسونية، والروتاري, وشهود يهوه. وعن التنظيمات الأخرى التي تسترت بثوب الإسلام أو استقلت عنه ونزعت نفسها من ساحة الانتماء إليه صراحة؛ مثل: القاديانية, والبابية، ثم البهائية .. تلك التنظيمات التي نشأت مرتبطة بالاستعمار, أو لخدمة الصهيونية العالمية فيما بعد, والعمل على تحقيق أهدافها الرامية إلى هدم الإسلام من الداخل بمَعَاوِلِ من يدعون الانتساب إليه.

د. مصعب الخير الإدريسي
01-10-2006, 08:14
2ـ موقف المسيحية الغربية:

والكلام هنا ليس عن الديانة المسيحية، ولا عن المسيحيين في جمهورهم الذي نعايشه ونتواصل معه؛ بل على المسيحيين الذين يحملون على عاتقهم المشروع الغربي الكنسي والاقتصادي والعسكري. ذلك المشروع الذي يريد أن يهدم صلة المسلمين بدينهم، ويسعى في سبيل الاستيلاء على مقدرات الشعوب الإسلامية، وجعل أرضهم سوقا يستهلك ولا ينتج، وتحويل مجتمعاتهم إلى مجرد مسخ تابع.

ولقد أشرنا آنفا إلى موقف اليهودية قديما وحديثا, وإلى عدائهم للإسلام الذي كان يعمل عمله ويَبُثُّ سُمّه في أغلب الأحيان مُتسترًا في خُفية؛ إلا حينما يحظى بمساندة قوية على نحو ما حظي به الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين. أما الموقف المسيحي الغربي فقد كان عداءً سافرا في أغلب الأحيان؛ حيث أُعلِنت الحرب طاحنة من قديم ضد الإسلام, وضد مقدساته, واتخذت أشكالا عدة, منها المادي القتالي؛ مثل: الحروب الصليبية. ومنها الفكري الثقافي, مثل: التبشير, والاستشراق الذي نشأ في أحضان الكنيسة الغربية, وظل في خدمة أهدافها بصورة أو أخرى, وإن تَزَيَّى بزي الخدمة للعلم والثقافة .. أريد أن أقول:إن التبشير قد أفاد من حركة الاستشراق العلمية كما أنه استعان بالاستعمار الأوروبي وأعانه.

وقد يحلو لبعض المرجفين اليوم أن يردوا الحروب الصليبية قديما, والاستعمار الحديث إلى أسباب اقتصادية فحسب, مهملين تماما العداء الديني الذي يهدف إلى القضاء على الإسلام بسلب أرضه واستغلال خيراتها. ولا أدري كيف يفسرون مشاركة رجال الكنيسة من القسيسين والرهبان, رجالا ونساءً في هذه الحروب, وحماستهم الشديدة لإثارة روح الحقد والنقمة ضد الإسلام والمسلمين ؟! ولقد بدأت الحركة الصليبية الغربية الموجهة ضد الشرق الإسلامي بالخطاب الذي ألقاه البابا أربان الثاني في السابع والعشرين من شهر نوفمبر 1095م، في ختام مجمع ديني عقده مع الأساقفة لمناقشة أحوال الكنيسة الكاثوليكية المتردية آنذاك، ودعا فيه إلى شن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين[20].

نعم كان هناك سعي لتحصيل فوائد اقتصادية، وكانت هناك دوافع نفسية واجتماعية؛ لكن ذلك كله استمد قوة الحركة والتكريس لخوض الحروب من ذلك الحقد الذي ولده وغذاه ونماه رجال الكنيسة[21].

ويذكر التاريخ أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 يوليو عام 1099م الموافق (3 رمضان عام 493هـ)، قامت بذبح أكثر من سبعين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء. وفي أنطاكية قتلوا أكثر من مائة ألف مسلم[22].

هذا ما يقوله التاريخ, وامتداده ما رأيناه من قريب في اعتداء المسيحيين الصرب على مسلمي البوسنة والهرسك، وما نشاهده اليوم في أفغانستان وفي العراق حيث تجري أنهار الدماء المسلمة, وتستباح الضفائر العفيفة. ولعلنا لم نزل نذكر مقولة أحد قادة الاستعمار حينما لامست قدماه أرض الإسلام: لقد عُدنا مَرة أخرى يا صلاح الدين.

إن جانبا كبيرا من هذا العداء السافر يرجع إلى رجال الكنيسة الذين عمدوا إلى تشويه صورة الإسلام ونبيه وأتباعه, وإلى بث روح عدائية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي, وإن الرجل المسيحي في الغرب لا يستطيع أن يتحلل بسهولة من رُكام ذلك الموروث العدائي القديم[23]. ولقد بدأ ذلك التكريث بكتابات يوحنا الدمشقي (تـ749م) الذي عاش في عصر الدولة الأموية, واتخذ له مكانا في بلاطها. وهو اللاهوتي الأول الذي علم النصارى المناظرة مع المسلمين في حقيقة المسيح, وإثبات أنه ليس مخلوقا؛ فالقرآن يصرح بأنه كلمة الله والمسلمون يصرحون بأن كلام الله غير مخلوق. وذلك ما دفع فرقة إسلامية مبكرة مثل المعتزلة إلى القول بخلق القرآن، وهذا القول أدى إلى محنة مشهورة في تاريخ الفكر العقدي عند المسلمين, راح ضحيتها الكثير من علماء الأمة الأفذاذ في صدر العصر العباسي الأول.

ويذكر الدكتور محمد عبد الله الشرقاوي أن يوحنا الدمشقي هو أول من سجل عن الإسلام أنه (هرطقة) أي بدعة مسيحية, وأنه ديانة زائفة, وأن (الله) ليس هو الرب أو السيد كما يعتقد فيه النصارى, وأن الإسلام قد اخترعه محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بدوافع من الطموح الشخصي, وأنه قد انتشر بحد السيف.

وهذه الصورة الخبيثة عن الإسلام ونبيه أصبحت هي القاعدة العامة, وأمسى الخروج عليها أمرا استثنائيا[24].

ولما انتهى رجال الكنيسة من تشويه صورة الإسلام لدى أتباعهم, ونجحوا في تحريضهم على الإسلام وأهله؛ توجهوا إلى أرض المعركة مباشرة ليكون منهم ما كان في الحروب الصليبية. ولما فشلوا في هذه المواجهة الأولى, عمدوا إلى التبشير ليمهدوا الأرض لغزو جديد. وحتى يحققوا ذلك الهدف لم يكن أمامهم بدُّ ولا سبيل حتى يدرسوا هذا الشرق, ويطلعوا على أسرار حضارته.

ومن هنا نشأت الدراسات المنظمة للشرق الإسلامي, وكان من أبرز الدعاة المتحمسين الذين طالبوا بضرورة تعلم لغة المسلمين لغرض تنصيرهم «روجر بيكون» (تـ1294م) وهو جد «فرنسيس بيكون» رائد الفلسفة التجريبية في الغرب, وكان يرى أن التنصير هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها توسيع العالم المسيحي على حساب العالم الإسلامي، ولبلوغ هذا الغرض لا بد من توفر شروط ثلاثة هي:

1) معرفة اللغات الإسلامية.

2) دراسة أنواع الكفر وتمييز بعضها عن بعض (يعني دراسة الأديان).

3) دراسة الحجج المضادة حتى يمكن دحضها.

وقد شارك «بيكون» في طموحاته (ريموند لول» (تـ1316م). ولقد أقر مجمع فينا الكنسي سنة 1312م أفكار «بيكون» و«لول» بشأن تعليم اللغات الإسلامية وتعلمها, وتمت الموافقة على تعليم اللغة العربية في خمس جامعات أوروبية هي: باريس, وأكسفورد، وبولونيا، وسلمنكا, بالإضافة إلى جامعة المدينة البابوية.

وليس هذا تاريخا فحسب, فالمستشرقة الأمريكية المعاصرة (Margaret Marcus) تصرح بأن هذه الأقسام وغيرها لا تزال تقوم بهذه الوظائف في الوقت الحاضر[25].

وعلى ضوء هذه الدراسات الجادة أخذ التبشير يُعِدُّ خُططه للعمل في أرض الإسلام وأخذ يتلقى الإعانات من كل طبقات المجتمع المسيحي الغربي, وإن الواحد منا ليقف مذهولا أمام ما تنشره الصحف من الأرقام الدالة على ميزانيات الهيئات التبشيرية في العالم. وهناك مجمع للتبشير العالمي يشرف على هذه الهيئات ويتابع أنشطتها, ويعقد لذلك المؤتمرات في كل أنحاء العالم.

وأشير هنا إلى كتاب هام نشره رئيس المجلس التبشيري العالمي في نيويورك عام 1924م، بعنوان: (Conferences of Christian Workers among Moslems)؛ أي مؤتمرات المبشرين بين المسلمين.

ولقد ذكر (John R. Mott) رئيس مجلس التبشير العالمي في مقدمة هذا الكتاب أنه قد تم انعقاد حوالي واحد وعشرين مؤتمرا للمبشرين وقادة الكنائس المحلية في جنوب آسيا وشرقها, بغرض تصعيد التعاون الموحد بين الجهود المسيحية, وأن هذه المؤتمرات كانت بدعوة من لجنة الاستمرار لمؤتمر (Edinburgh) التبشيري العالمي, الذي كان تحت رئاسته. وذكر أن نتائج هذه المؤتمرات قد طبعت في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا والمناطق المعنية بها, وقد أدى النشر إلى طلب انعقاد مؤتمرات أخرى في (Levant)، وقُبل ذلك الطلب غير أن الحرب حالت دون انعقاده.

وأشار الرجل إلى مؤتمر (Luchnow) «لكنهو» المنعقد بالهند عام 1911م؛ حيث تم التخطيط لانعقاد مؤتمرات أخرى, تم عقدها بالفعل في عام 1924م.

وأول هذه المؤتمرات هو المؤتمر المحلي لشمال غرب أفريقيا, في قسطنطين بالجزائر, من 6 إلى 9 فبراير.

وثانيها:المؤتمر المحلي لمصر والسودان والحبشة, في حلوان بمصر من 22 إلى 26.

وثالثها:المؤتمر المحلي لسوريا وفلسطين, في برومانا بسوريا, من 25 إلى 19 مارس.

ورابعها:المؤتمر العام لجميع العالم الإسلامي في القدس, من 3 إلى 7 أبريل.

وخامسها:المؤتمر المحلي للعراق وفارس, في بغداد بالعراق, من 12 إلى 14 أبريل. وكان هذا المؤتمر تحت رئاسة الدكتور زويمر.

وإذا نظرت إلى فهرس الموضوعات التي تم نقاشها في جميع هذه المؤتمرات؛ فسوف ترى هذه القائمة التالية:

1) تقييم الجهد التبشيري في العالم الإسلامي. وتحديد الأماكن التي انتهى إليها العمل بالفعل. والتخطيط للمستقبل.

2) التنصير.

3) الكنيسة المسيحية.

4) التعليم المسيحي.

5) عمل الشباب (كيف يستفيدون بالشباب في أعمالهم التبشيرية).

6) الأدب المسيحي (الكتب والرسائل التي تنشر بين المسلمين للدعوة).

7) القيادة المسيحية (تنظيم قيادات الحركة التبشيرية).

8) إعداد المبشرين.

9) العمل الطبي باعتباره وسيلة للتبشير.

ولقد ختم (John R. Mott) مقدمته للكتاب بأنه يقدم نتائج هذه المؤتمرات إلى جميع المبشرين والقادة الكنسيين في العالم الإسلامي, وإلى الهيئات التبشيرية لتُفيدَ بها خلال عملها بين المسلمين.

ولعل هذا وغيره هو الذي دعا الشيخ الغزالي ـ رحمه الله إلى أن يؤلف كتابه: «صيحة تحذير من دعاة التنصير». وأذكر هنا أيضا أنه بلغني في شهر سبتمبر عام 1992م قبل أن أحظى بقراءة هذا الكتاب ـ عندما وصلت إلى إسلام آباد عاصمة باكستان للعمل بالجامعة الإسلامية ـ أن عدد المتنصرين من المسلمين في (إندونيسيا) قد بلغ خمسة عشر مليونا. وقد سألت أحد الطلاب الإندونيسيين بالجامعة عن سبب ذلك؛ فذكر أن نشاط المبشرين في بلاده يفوق الخيال, وأنهم يصلون إلى أعماق الغابات حيث الجياع الذين لا يعرفون من الإسلام غير كلمة التوحيد, ولا يعرفون من المشاعر إلا الشعور بآلام الجوع والمرض والتخلف. وقال:إن المبشرين يصلون إلى هذه الأماكن ويعيشون للعمل فيها؛ بينما نعجز نحن المسلمين عن ذلك.

قلتُ: إن المتخلف الجائع في زماننا لا دين له, وإن الخامل لا دعوة له. لكنني حينما قرأت كتاب الشيخ الغزالي تنبهت إلى أن الطالب قد أغفل في الجواب أو لم يعِ جوانب أخرى تتصل بساسة بلاده المتواطئين مع شبكة التنصير[26].

لقد كانت هذه إشارات وليس المقام مقام تفصيل وإطناب, وقد أطنبت وتجاوزت؛ غير أن لي من وراء ذلك قصدا .. أريد أن يتأكد في أذهاننا مدى التحديات التي يواجهها الإسلام ونحن عنه غافلون .. أريد أن نطلع على تلك الجهود التي تبذل في حربه من قديم؛ لنعلم مدى تقصيرنا وخمولنا عن نصرته .. أريد أن نأمل في ظهور الحق، ونترجم آمالنا عملا منظما علي أرض الواقع .. أريد أن نعمل على استرداد ما كان لأسلافنا، ونكون خير أمة أخرجت للناس كما كان أصحاب نبينا والتابعون لما كانوا عليه، من قبل أن يظلنا يوم ندفع فيه الجزية[27].

ولهذا فنحن بحاجة إلى العمل على توحيد الجهود لإصلاح مجتمعاتنا الإسلامية أولا، وتنبيهها من غفلتها التي طالت، وسبيلنا إلى ذلك إعداد الدعاة المخلصين الذين يعملون بين الناس، والصفوة الخاصة التي تمتلك القدرة على وضع البرامج العامة للدعوة الإصلاحية على أرض الإسلام، والدعوة إلى الإسلام خارج أرضه.

د. مصعب الخير الإدريسي
01-10-2006, 08:18
كتاب الدعوة إلى الله فقها ومنهجا:
والكتاب الذي أقدم كلماتي اليوم في رحابه خطوة رشيدة، وجهد طيب في سبيل إعداد هؤلاء الدعاة، وتعريفهم بحقيقة الدعوة وأسسها وتطبيقاتها من خلال المثل والنماذج العلا في تاريخ الدعوة إلى الله. إنه كتاب «الدعوة إلى الله فقها ومنهجا» لفضيلة الشيخ محمد زكي الدين محمد قاسم، وهو أحد الرجال الذين وهبوا حياتهم لله منذ نعومة أظفارهم، ولقد عمل في سلك الدعوة إلى الله وتقلب بين جنباتها دهرا طويلا، وخبر العقبات التي تقف في طريقها، وعرف الأدواء التي تصيب أبناءها. وهو في هذا الكتاب يقدم لنا حصيلة خبرته النظرية، ونتاج تجربته العملية الطويلة في حقل الدعوة إلى الله.

وقد قدر الله ـ تعالى ـ أن يولد الشيخ محمد زكي الدين في أحد بيوتات التربية والعلم في صعيد مصر، في عام 1933م بقرية حجازة قبلي التابعة لمركز قوص بمحافظة قنا.

وهيأ له بفضله ـ تعالى ـ من أسباب التحصيل ونماذج الاقتداء في حياته ما أهله لما أقامه فيه، وبرأه من التعصب لقول أو رأي أو فعل لا ينصره الدليل بما يسره له من تعرف جملة مذاهب أهل السنة في الفقه والنظر والسلوك، مع الاحتكاك المباشر بها في مراحل الدراسة والعمل؛ فقد نشأ في حضن أسرة شافعية، وتلقى المذهب الحنفي في دراسته بالأزهر، وعاش بين الليبين المالكية سنوات إعارته الأولى، وتعرف على المذهب الحنبلي في فترة إعارته الثانية إلى الكويت وزياراته المتكررة إلى أرض الحجاز، ولهذا كتب الشيخ معبرا عن تعلقه بالأئمة الأربعة في مذاهبهم الفقهية كتابه «رجال ومناهج في الفقه الإسلامي».

ولقد تخرج الشيخ وحصل على شهادة العالية في كلية أصول الدين عام 1958م، ثم حصل على شهادة العالمية مع تخصص إجازة التدريس من كلية اللغة العربية عام 1959م، وبدأ حياته العملية خطيبا وإمام مسجد، ثم رقي في مناصب العمل بوزارة الأوقاف حتى انتهى إلى سدة إدارة الأوقاف بمحافظة البحر الأحمر، وأسند إليه مع ذلك الإشراف على المعاهد الأزهرية بالبحر الأحمر بقرار خاص من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الرحمن بيصار والدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف آنذاك. وباشر العمل الدعوي في وسائله المتاحة عبر منابر المساجد وحلقات دروسها. وكان له مقال أسبوعي في جريدة الأنباء الكويتية، وإسهام ظاهر في الكثير من الصحف والمجلات؛ مثل: الوعي الإسلامي، والوطن، والقبس، والرأي العام، والسياسة (الكويتية).

ومن خلال برامج الإذاعة المسموعة والمرئية المنتظمة في ليبيا؛ حيث أسند إليه مسئولية الإشراف على قسم البحوث والدراسات الإسلامية بإذاعة القرآن الكريم بالإضافة إلى عمله بالهيئة العامة للأوقاف، ثم بالإرشاد الديني والاجتماعي بالحرس الجمهوري (من عام 1973 إلى 1977م). وقد تحول بعض هذه البرامج إلى كتب منشورة؛ مثل كتابه الكبير «هذا القرآن فأين منه المسلمون»، الذي ترجمه إلى اللغة الأردية الشيخ عبد الجبار بن عبد الغني السلفي.

وذهب الشيخ إلى الكويت (من عام 1982 إلى 1990م) خطيبا وإماما لمسجد الحمضان، وهناك شارك في أعمال الموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف، وقاموس القرآن الكريم بمؤسسة التقدم العلمي، واختير عضوا بهيئة الإفتاء، وعدد من لجان وزارة الأوقاف؛ مثل: لجنة تطوير المساجد، ولجنة مراقبة المطبوعات، ولجنة تعديل النظام الأساسي للعاملين بالأوقاف، واختيار المرشدين لحملات الحج، واختيار الأئمة والخطباء والمؤذنين والمدرسين. وشارك أيضا في إعداد وتقديم البرامج الوثائقية في الإذاعتين المرئية والمسموعة؛ خاصة في إذاعة القرآن الكريم التي عرض أكثرها في اتحاد الإذاعات الإسلامية بالسعودية وغيرها من بلاد الخليج العربي.

وقد طوف الشيخ في قوافل الدعوة فزار السودان عام 1969م، ثم زار بلادا في شرق العالم وغربه المتطور؛ فعايش أحوال المسلمين في بلادهم، ورأى عن كثب أحوالهم بعيدا عن أرض الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1982م، وفي ألمانيا عام 1984م، ولعل هذا ما يميز فتاواه التي ضمنها كتاب «مسائل وقضايا».

وللشيخ بعد ذلك مؤلفات دعوية جادة؛ مثل: كتاب «الإسلام والفطرة»، وكتاب «المسئولية في الإسلام»، وكتاب «مسئولية الجماعة في الإسلام»، وكتاب «في عالم القيم مع الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم». وله مشاركة في التحقيق العلمي الرصين تجلت في تحقيق «صحيح البخاري» وترقيمه وفهرسته. ومن أهم أعماله إخراجه لفكرة صباه في خدمة القرآن الكريم «مصحف التهجد»، والعمل الموسوعي الكبير في خدمة السنة النبوية «جامع البيان لما اتفق عليه الشيخان» الذي هو الكتاب في طول عمر الشيخ الجليل متعنا الله ـ تعالى ـ بجهوده وغنمنا عافيته.

وأما الكتاب الذي نرفل اليوم في رحابه؛ أعني كتاب «الدعوة إلى الله فقها ومنهجا»؛ فإنه يمثل مشروعا متكاملا، يتناول الدعوة من جميع جوانبها في إطارين متلازمين متكاملين .. أولهما: إطار تاريخي وصفي تُعرَضُ من خلاله أسس الدعوة وقواعدها الثابتة، وتقدم المثل والنماذج الراقية في تاريخ الدعوة إلى الله.

وثانيهما: إطار تحليلي يستنطق النصوص والأحداث التاريخية، ثم يوظف النتائج في خدمة الواقع الدعوي المعاصر، ويكشف عن العلل التي تعرقل مسيرة الدعوة، والعقبات التي تقف في طريق نشرها.

وَوَفْقًا لهذا المنهج المُحكم كان الكتاب في ثلاث حلقات أو ثلاثة أجزاء يضم كل منها ستة فصول.

الجزء الأول:يتناول الأسس والقواعد[28]. وقد رتب الشيخ فصوله الستة ترتيبا منطقيا؛ فأولها: في المبادئ التي اعتاد علماؤنا القدماء أن يقدموا بها بين يدي كل علم، وقد قيل:


فاعلــم مبـادئ كل فـن عشـرة الحـــد والموضـــوع ثم الثمـرة

وفضـــله ونســــبة والواضـــع والاسم الاستمداد حكم الشــارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حــاز الشــرفا

ولقد اكتفى الشيخ بالحديث عن تعريف الدعوة والداعية، وفضلهما، وبيان حكم الدعوة إلى الله وحكم من لم تبلغه الدعوة، أو بلغته مشوهة غير واضحة.

ولما كانت عملية الدعوة تستدعي وجود موضوع للدعوة، وداعية، ومدعو، ومعرفة كيفية الدعوة من المناهج الضابطة لها، والوسائل التي تتم بها، فإن الفصول التالية جاءت تعالج هذه الجوانب.

فكان الفصل الثاني عن موضوع الدعوة، وفيه عرض الشيخ أبرز السمات المشتركة بين الرسالات السماوية، من الدعوة إلى وحدانية الله تعالى، ووحدة الرسالات بمعنى أن كل رسالة تُصَدِّقُ سابقتها في أنها من عند الله عز وجل، والرسالات جميعا ـ كما أخبر القرآن ـ فيها الميثاق بتصديق محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو بتصديق من يأتي بعد ونصرته على اختلاف في أوجه التفسير.

ومن السمات المشتركة التي عرضها الشيخ الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر، والتذكير بجلال الله والتخويف منه، والتنبيه إلى العلل لإصلاح الخلل، والدعوة إلى الخير.

ولقد اتسم عرض الشيخ لهذه السمات بالأصالة والوضوح وكان اعتماده على ما جاء صريحا في القرآن أو صح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم.

ولقد بين الشيخ في ختام حديثه عن الإيمان بالله واحدا، ووحدة الرسالات، واليوم الآخر أن هذه الركائز الثلاث تمثل الدعائم المشتركة الأساسية التي قام عليها الدين الصحيح الثابت، وجاءت من أجلها جميع الرسالات السماوية، ودعا إليها وطبقها وعمل بها جميع الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام. ثم ذكر أن ما يلي هذه الأصول إما فروع لها أو وسائل إليها.

ومن قبل ذلك اقتصر الإمام محمد بن علي الشوكاني (تـ1250هـ) على بيان هذه الأصول الثلاثة عندما تعرض للموضوع نفسه في كتابه «إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات».

ولئن زاد شيخنا بذكر تفصيل الفروع أو الوسائل، فإن الإمام الشوكاني قد راعى توسيع دائرة مصادره في الاستدلال والعرض، لتتناول ما بين أيدينا من التوراة والزبور والإنجيل، وكتب نبوات بني إسرائيل على ما في ذلك من تحريف تلافاه بتحكيم نصوصه إلى القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، وذلك ما أضفى على عمله صفة الدرس المقارن[29].

والفصل الثالث عن الداعية، وفيه قدم الشيخ السمات المشتركة بين الدعاة والصفات التي يجب توافرها فيهم. والشيخ يقدم هذه الصفات في ثلاث شعب:

أولاها:صفات تتصل بأفق استمداد الدعوة؛ مثل:إيمان الداعية بما يدعو إليه، والثقة فيمن يدعو إليه، والصدق فيما يدعو إليه، والصبر في سبيل ما يدعو إليه.

وثانيتها: الصفات اللازمة لعملية البلاغ؛ مثل:العلم، والفطنة، والالتزام، والاستعلاء بمعنى عدم التدني إلى ما يمكن أن يمثل سبة أو يعد نقيصة تنال من الشرف أو المروءة، وصفة الاتزان التي تعني في أحد معانيها المرادة الاعتزاز في غير صلف أو غرور والتواضع في غير ضعف وانكسار.

وثالثتها: صفات تتعلق بالمظهر المادي للداعية وتكوينه الخِلْقِي، واشتراط تحقق مثل هذه الصفات من شروط الكمال والوفاء.

والفصل الرابع عن المدعو، وفيه يبين الشيخ السمات المشتركة بين المخاطبين بالدعوة، وهو فصل قصير لكنه مهم جداً، ففيه الحديث عن ميدان الدعوة، ومعرفة هذا الميدان تعين الداعية على تحديد منهج دعوته ووسائلها.

والشيخ يقسم المخاطبين بالدعوة إلى طبقتين: طبقة السادة، وطبقة السواد التي تتمثل في عامة الناس، وتشتمل على فئة الأوساط التي يشيع فيها مظاهر النفاق والرياء.

والفصل الخامس عن مناهج الدعاة، والشيخ يقدمها من خلال إطارين يصدران عن خواتيم سورة النحل، أولهما: يعتمد على البيان الخطابي الكلامي أو الحوار .. ]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[ [النحل/ 125].

وثانيهما: إطار عملي سلوكي ونفسي استشف الشيخ حدوده من قوله تعالى: ]وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[ [النحل/ 126: 128].

والفصل السادس عن وسائل الدعاة، وجاء العرض فيه موافقا للإطارين المنهجيين في الفصل السابق، فكان المبحث الأول في بيان وسيلة الخطاب وكيفية استخدام الكلمة سواء كانت مسموعة أو مقروءة، والمبحث الثاني في بيان وسيلة العمل الميداني من خلال تقديم النماذج العملية من أفعال النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم.

ويأتي بعد ذلك الجزء الثاني[30]؛ ليكون كما قال الشيخ في مقدمته مثالا على القاعدة، وبناء على الأساس، وليقدم الأمثلة الحية على طريق الأداء المرتضى لدعوة الخلق إلى الحق، وإرشاد الناس إلى سبل السعادة والفلاح؛ فيكون فصله الأول بمثابة التمهيد المبين لحاجة الإنسانية إلى الدين الصحيح، والدعوة الرشيدة، والقدوة والأسوة الحسنة.

ويأتي الفصل الثاني ليبين تمثل هذا النموذج الراقي والمثل الأعلى في شخصية الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويجلو صورة تعلق أصحابه ـ رضوان الله عليهم به، وتشوفهم للتعلم منه، وحرصهم على اتباعه والتشبه به.

ثم يتتابع الفصلان الثالث والرابع على بيان تجليات الهدي المحمدي في الدعوة إلى الله، وتساق الأمثال للين الخطاب، وبيان أثر الإنفاق والنجدة في الدعوة.

والفصل الخامس يقدم نماذج لمدارس الدعوة المتكاملة من حياة الخلفاء الراشدين من الصحابة، مع خامسهم عمر بن عبد العزيز.

ومن خلال النماذج المختارة بوعي الفقيه يقدم الشيخ في الفصل السادس ما يبين للمشتغل بالدعوة كيفية الدخول فيما لا يحب من غير أن يأثم. وفي الختام تكون الإشارة إلى أثر الشعر في موكب الدعوة.

أما الجزء الثالث الذي يتناول العقبات والمصاعب التي تواجهها الدعوة إلى الله في هذا العصر، وهو المستهدف من تقديم الأسس والقواعد، والمراد بعد ذكر المثل والنماذج؛ فإن الشيخ الجليل قد وضع منهجه وحدد مادته وكتب أكثر مسوداته، وتفضل بأن أطلعني على خطة عمله فيه. فوجدت المقدمة تقرر أن المحن والعقبات مما يلازم الدعوة؛ فكل داعية إلى الحق مبتلى؛ لكن العاقبة لأهل الحق إذا ثبتوا وصبروا وأطاعوا. وقد قرأت من قريب لشاعر الهند طاغور قوله:


أنا هذا البخور الذي لا يضوع عطره ما لم يُحرق

أنا هذا القنديل الذي لا يشع ضوؤه ما لم يُشـعَل

والفصل الأول بيان تاريخي للمحن والعقبات التي واجهت الدعوة الإسلامية في أطوارها المختلفة، وهو يمثل الجذور التي ينبغي أن يعيها من يسعى إلى تحديد العقبات التي تواجه مسيرة الدعوة المعاصرة، حتى يتمكن من محاولة وضع الحلول. وهذا هو موضوع الفصلين الثاني والثالث.

فالثاني يعنى بتشخيص العقبات في وجه الدعوة في المحيط المحلي السياسي والاقتصادي والإعلامي، وفي المحيط الدولي وحساب المخاوف وردود الأفعال، وفي آثار الأفكار الوافدة، وفي خلل التخطيط والتنظيم.

والثالث يعنى ببيان العقبات التي تواجه الدعاة في ذواتهم، وفي إعدادهم ومناهج دراستهم، وفي تدريبهم ووسائلهم، وفي إلمامهم بحركة الحياة وتطورها وفهمهم لأبعادها. ويختم الشيخ هذا الفصل بالكلام عن ضرورة تجديد الخطاب الديني والدعوي بما يواكب هذه التطورات.

والفصل الرابع مخصص لدراسة عدد من النماذج الدعوية المعاصرة في مؤلفاتهم دراسة نقدية تعنى ببيان ما لهم وما عليهم؛ مثل: الدكتور محمد الذهبي، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ الخولي، والدكتور محمد البهي، والشيخ أبي الحسن الندوي.

وإذا كان الفصل الرابع دراسة نقدية لجهود شخصيات دعوية ظاهرة الأثر في زماننا الجاري؛ فإن الفصل الخامس دراسة نقدية لتجارب مذاهب أو جماعات اشتغلت ولا تزال بالعمل الدعوي؛ فيتعرض لدراسة الدعوة الوهابية والسلفية والصوفية، ثم لتجربة الإخوان المسلمين.

والفصل السادس يؤكد أن المستقبل للإسلام ودعوته؛ لكن لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟

وهكذا نجد كتاب «الدعوة إلى الله فقها ومنهجا» في دلالته على مقصوده، وفي حسن تقسيمه وترتيبه وعرضه لقضاياه ـ مثالا تطبيقيا للكتابات الدعوية الناجحة التي أشار الشيخ نفسه إلى مدى أهميتها في الفصل السادس من الجزء الأول.

وإنني والشباب الذي يسعى في ساحة الدعوة يتحسس السير ويتلمس الخطى، لنهيب بفضيلة الشيخ أن يخف إلى كتابة الجزء الثالث وتقديمه إلى النشر. ونسأل الله أن يهبه الصحة والعافية الدائمة، وأن يعينه على تمام هذا العمل الطيب، وينفع به عباده المسلمين، ويجعل منه خطوة رشيدة في سبيل نشر دعوة الحق على أرض الإسلام تصديقا وإصلاحا، وخارج أرضه بلاغا وسلاما.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم محمد وآله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ روى أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي (تـ454هـ) في مسند الشهاب ـ 1/ 118 بإسناده مرسلا عن زيد بن أسلم، رفعه، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الحكمة ضالة المؤمن. حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه. (مسند الشهاب. تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي. ط2، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1407هـ ـ 1986م.

[2] ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني: فتح الباري ـ 6/ 361. تحقيق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي. ط دار المعرفة ـ بيروت، لبنان 1379هـ. وحديث أبي ذر بطوله في صحيح ابن حبان ـ 2/ 76: 80. تحقيق شعيب الأرناؤوط. ط2، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1414هـ ـ 1994م. وفي هذا الحديث أيضا أن الكتب المنزلة مائة وأربعة.

[3] ـ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه مكررا: كتاب أبواب المساجد ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ـ باب المساجد ومواضع الصلاة. حديث رقم 521، ولفظه: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيُّمَا رجلٍ أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة.

[4] ـ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ـ باب المساجد ومواضع الصلاة. حديث رقم 523.

[5] ـ أخرج الإمام مسلم في صحيحه: كتاب ـ باب، حديث رقم 220، بإسناده عن سعيد بن جبير قال: حدثنا ابن عباس، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد.

[6] ـ راجع الدكتور عبد الجليل شلبي: الإرساليات التبشيرية ـ ص 13. ط منشأة المعارف ـ الإسكندرية، مصر 1987م.

[7] ـ راجع السابق نفسه.

[8] ـ هناك خلاف بين العلماء فيما إذا كان ابن السوداء هو عبد الله بن سبأ، أو هما شخصان .. راجع الدكتور محمد رشاد سالم: تحقيقه لمنهاج السنة المحمدية لابن تيمية ـ 1/308. ط1، جامعة الإمام بالمملكة العربية السعودية 1406هـ ـ 1986م.

وهذا الخلاف لا يعكر على ما نقوله في شيء، فسواء أكانا شخصا واحدا أم اثنين ؛ فقد تأكد لدينا من خلال المصادر أنهما يهوديان أو هما يهودي واحد.

[9] ـ راجع الدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي-1/ 368. ط9، مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة، مصر 1979م.

[10]- راجع ابن حبان: المجروحين ـ 1/ 345. تحقيق محمود إبراهيم زايد. ط دار الوعي ـ حلب، سوريا.

[11]- عبد الله بن أحمد: السنة ـ 2/ 566. تحقيق الدكتور محمد سعيد سالم القحطاني. ط1، دار ابن القيم ـ الدمام، السعودية 1406هـ.

[12]- الحافظ ابن حجر: لسان الميزان ـ 3/ 359 وما بعدها. ط، دار الفكر ــ بيروت، لبنان 1408هـ ــ 1988م.

[13]- ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة ـ ص 63 وما بعدها. تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. ط2، مكتبة القاهرة، بمصر 1385هـ ــ 1965م.

[14]- وهو معاصر لابن جرير الطبري، وهو أيضا من أوائل من كتب في المقالات والفرق الشيعية، وقد ذكر إثارة ابن سبأ ـ وهو عنده عبد الله بن وهب الراسبي ـ للفتنة في زمان خلافة علي بن أبي طالب؛ ذاكرا أنه أول من طعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم مدعيا أن عليا ـ عليه السلام ـ أمره بذلك، وأن التقية لا تجوز؛ فأخذه علي وسأله عن ذلك فأقر به؛ فأمر بقتله أول الأمر ثم سيره إلى المدائن لما اعترض بعض أصحابه على قتل رجل يعلن محبة أهل البيت. ونقل أيضا عن بعض أهل العلم أن ابن سبأ كان يهوديا فأسلم ووالَى عليا، ثم قال فيه بقول اليهود في يوشع بن نون وصي سيدنا موسى ـ عليه السلام. وأنه كان أول من شهد بفرض إمامة علي والبراءة من أعدائه وتكفيرهم، وأنه ذهب بعد استشهاد الإمام علي إلى إنكار موته .. راجع أبا خلف القمي: كتاب المقالات والفرق ـ ص 19: 21. تحقيق الدكتور محمد جواد مشكور. ط2، مركز انتشارات علمي وفرهنگي ــ إيران 1360هـ.

[15]- راجع الطوسي: الأمالي ـ ص 230. تحقيق قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة. ط1، دار الثقافة ــ قم، إيران 1414هـ.

[16]- انظر كتابه: عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ـ 2/ 172 وما بعدها من صفحات. ط شركة التوحيد ـ طهران، إيران 1413هـ ـ 1992م

[17] ـ راجع ابن تيمية: منهاج السنة ـ 1/ 306، 307.

[18] ـ راجع ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل ـ 4/ 142. ط مكتبة السلام العالمية ــ القاهرة، مصر (ب ـ ت).

[19] ـ راجع كتيب محمد علي قطب: يهود الدونمة. ط1، دار الأنصار ـ القاهرة، مصر 1398هـ ـ 1978م.

[20] ـ انظر الدكتور قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ـ ص 7، 8. سلسلة عالم المعرفة ـ العدد 149، الكويت 1990م.

[21] ـ راجع السابق ـ الفصل الثاني عن الظروف التاريخية والدوافع ـ ص 47: 81.

[22] ـ راجع الدكتورة نادية شريف العمري: أضواء على الثقافة الإسلامية ـ ص 164. ط4، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، لبنان 1986م.

[23] ـ راجع إليكسي جورافسكي: الإسلام والمسيحية. ترجمة الدكتور خلف محمد الجراد. سلسلة عالم المعرفة ـ العدد 215، الكويت 1996م. راجع الفصل الأول: صورة الإسلام في الفكر الديني الفلسفي الأوربي. والفصل الثالث: صورة الإسلام في الوعي الأوربي (القرون الوسطى). والفصل الرابع: صورة الإسلام في الوعي الأوربي (العصر الحديث).

[24] ـ راجع الدكتور الشرقاوي: الاستشراق دراسات تحليلية تقويمية ـ ص 37. طبعة مصر 1992م

[25] ـ راجع السابق ـ ص 47 وما بعدها.

[26] ـ راجع الشيخ الغزالي: صيحة تحذير من دعاة التنصير ـ ص 100: 102. ط3، نهضة مصر 2005هـ.

[27] ـ وراجع كتاب الداعية الدكتور عبد الودود شلبي: أفيقوا أيها المسلمون قبل أن تدفعوا الجزية. ط الدار السعودية للنشر والتوزيع 1417هـ.

[28] ـ ط1، دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ـ الغردقة، مصر 1990م.

[29] ـ راجع الشوكاني: إرشاد الثقات ... ط دار الكتب العلمية ـ بيروت، لبنان 1984م.

[30] ـ ط1، دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ـ الغردقة، مصر 1413هـ ـ 1993م.

محمد ال عمر التمر
18-10-2006, 00:45
جزاك الله خيرا وافتقدنا مشاركاتك مؤخرا