المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ "



سليم اسحق الحشيم
29-09-2006, 22:29
السلام عليكم
لقد وردت في القرآن الكريم هذه العبارة في سورتين وهما:
1.يقول الله تعالى:" بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117)/البقرة.
2.ويقول رب العزة:" بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)/الانعام...
البديع مشتق من الإبداع وهو الإنشاء على غير مثال, وقد ورد في لسان العرب :بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع الرَّكِيّة: اسْتَنْبَطَها وأَحدَثها. ورَكِيٌّ بَدِيعٌ: حَدِيثةُ الحَفْر. والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أَوّلاً.
والبديع: المُحْدَثُ العَجيب. والبَدِيعُ: المُبْدِعُ. وأَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْته لاعلى مِثال. والبَديع: من أَسماء الله تعالى لإِبْداعِه الأِشياء وإِحْداثِه إِيَّاها وهو البديع الأَوّل قبل كل شيء، ويجوز أَن يكون بمعنى مُبدِع أَو يكون من بَدَع الخلْقَ أَي بَدَأَه.
قال الرازي في تفسيره الكبير:"أما قوله تعالى: { بَدِيعُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: البديع والمبدع بمعنى واحد. قال القفال: وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة: سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً.
المسألة الثانية: اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال: { بَل لَّهُ مَا فِي السموَاتِ وَالأَرْضِ } فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال: { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.اهـ
واما إبن عاشور فقد قال:"والبديع مشتق من الإبداع وهو الإنشاء على غير مثال فهو عبارة عن إنشاء المنشآت على غير مثال سابق وذلك هو خلق أصول الأنواع وما يتولد من متولِّداتها، فخلق السماوات إبداع وخلق الأرض إبداع وخلق آدم إبداع وخلق نظام التناسل إبداع. وهو فعيل بمعنى فاعل فقيل هو مشتق من بَدَع المجرد مثل قدرَ إذا صح وورد بدَع بمعنى قدر بقلة أو هو مشتق من أَبدع ومجيء فعيل من أَفْعَل قليل، ومنه قول عمرو بن معديكرب:


أَمِنْ ريحانَة الداعي السميع = يؤرقني وأصحابي هجوع
يريد المسمع، ومنه أيضاً قول كعب بن زهير:

سقاك بها المأمون كأساً رَوِيَّةً = فانْهَلَك المأمونُ منها وعلَّك
أي كأساً مروية. فيكون هنا مما جاء قليلاً وقد قدمنا الكلام عليه في قوله تعالى:{ إنك أنت العليم الحكيم }[البقرة: 32] ويأتي في قوله:{ بشيراً ونذيراً }[البقرة: 119]. وقد قيل في البيت تأويلات متكلفة والحق أنه استعمال قليل حفظ في ألفاظ من الفصيح غير قليلة مثل النذير والبشير إلا أن قلته لا تخرجه عن الفصاحة لأن شهرته تمنع من جعله غريباً. وأما كونه مخالفاً للقياس فلا يمنع من استعماله إلا بالنسبة إلى المولَّد إذا أراد أن يقيس عليه في مادة أخرى.اهـ
ومن الملاحظ أن الله سبحانه وتعالى قرن البديع في الآيتين في كونه خالق كل شيئ ولم الامر وقوله كن فيكون...وكذلك نفيه بنوة من جعلوه ابناً لله تعالى لأنه تعالى لما كان خالق السماوات والأرض وما فيهما، فلا شيء من تلك الموجودات أهل لأن يكون ولداً له بل جميع ما بينهما عبيد لله تعالى.
وهذا قمة في البلاغة وإتيان الحجة .
والله أعلم