المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم أكل ميتة أهل الكتاب ..



جلال علي الجهاني
10-09-2006, 16:31
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد ..

فإن الكثير من أهل هذا الزمان استروحوا فتوى شاذة، جاءت من إمام المالكية في زمانه الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المعافري، صاحب أحكام القرآن.
وفتواه هذه في إباحة أكل ما قتله النصارى وأكلوه .. وقد أثارت فتوى هذا الإمام كلاماً كثيراً منذ صدورها، ولم يقبلها أهل المذهب المالكي، ومن عليه الفتوى والمعول..

وقد وجدت تعليقاً طويلاً للإمام الرهوني رحمه الله تعالى، في حاشيته على شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل، فأحببت نقله لكم، للفائدة .. والله الموفق ..

=======================

فرع: في ق ما نصه: (انظر ما عقروه من الإنسي وقالوا: إنه ذكي عندهم كان سيدي ابن سراج رحمه الله يقول: أما على مذهب المدونة أنا لا نستبيح الوحشي بعقرهم، فمن باب أولى الإنسي، وعلى القول بالإباحة علله اللخمي بأنه ذكاة عندنا، وعقرهم الإنسي ليس بذكاة عندنا، فلا نستبيحه بذلك، فما وقع لابن العربي هفوة، وقد اتبع الفقهاء في أحكام القرآن وغيره من كتبه) اهـ منه بلفظه.

تنبيهات: الأول: ما نَسَبَه ابنُ سِرَاجٍ لأحكام ابن العربي من أنه اتبع الفقهاء في حُرمَة ما عقروه وقالوا: إنه ذكي عندهم فيه نظر، وإن سلَّمه ق وغيره، لأن الذي في الأحكام في هذا هو حِلِّية الأكل لا حرمته، وإنما ذكر الحرمة فيما إذا فعلوا ذلك وهم يرون أنه ليس بذكاة عندهم، وبجلب كلامه يتضح لك الحق.
قال عند قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات ...) الآية ما نصه:
[فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: إن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، فإن أكلوها لا نأكلها نحن كالخنزير، فإنه حلال لهم ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذا مثله والله أعلم.
ثم قال بعد بقريب ما نصه: المسألة السابعة: قوله تعالى: (أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلِّبِينَ) (أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله، وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله تعالى ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات، ولكن الخواطر الفاسدة التي توجب الاعتراضات وتخرج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاماً؟، وهي المسألة الثامنة، فقلتُ: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكنَّ الله أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا، إلا ما كذبهم الله فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكاً في الصلح، فيحل لنا وطؤهم، فكيف لا نأكل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة؟] اهـ منها بلفظها فتأمل يظهر لك ما قلناه.


الثاني: ظاهر كلام ابن العربي التعارض، ولكن جمع بينهما ابن عرفة، ونصه: (وقول ابن عبد السلام: أجاز ابن العربي أكل ما قتله الكتابيّ، ولو رأيناه يقتل الشاة؛ لأنه من طعامهم، يُردُّ بأن ظاهره نوى بذلك الذكاة أو لا، وليس كذلك. فنقل جميع ما تقدم عنه مختصراً، وقال ما نصه: قلتُ: فحاصله أن ما يرونه مذكىً عندهم يحل لنا أكله وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة) اهـ منه فتأمله.


الثالث: قول ابن سراج: (إن ما لابن العربي هفوة) خالف فيه ما قاله شيخه أبو عبد الله الحفار، ففني نوازل الذكاة من المعيار من جواب له ما نصه:
(وقفتُ على السؤال فوق هذا، والجواب عن مسألة فك النصراني رقبة الدجاجة هل يأكلها المسلم معه أو يأخذها منه، فأفتى القاضي أبو بكر بن العربي بجواز ذلك، فلم يزل الطلبة والشيوخ يستشكلونها، ولا إشكال فيها عند التأمل؛ لأن الله أباح لنا أكل طعامهم الذي يستحلونه في دينهم على الوجه الذي أبيح لهم من ذكاة فيما شرعت لهم فيه الذكاة على الوجه الذي شرعت، ولا يشترط أن تكون ذكاتهم موافقة لذكاتنا في ذلك الحيوان المذكى، ولا يستثنى من ذلك إلا ما حرمه الله علينا على الخصوص كالخنزير وإن كان من طعامهم ويستحلونه بالذكاة التي يستحلون بها بهيمة الأنعام، وكالميتة، وأما ما لم يحرم علينا على الخصوص فهو مباح لنا كسائر أطعمتهم، وكل ما يفتقر إلى الذكاة من الحيوانات فإذا ذكوه على مقتضى دينهم حلَّ لنا أكله، ولا يشترط في ذلك موافقة ذكاتهم لذكاتنا، وذلك رخصة من الله وتيسير علينا، فإذا كانت الذكاة تختلف في شريعتنا فتكون ذبحاً في بعض الحيوانات، ونحراً في بعض، وعقراً في بعض، وقطع عضو كرأس وشبهه كما هي في ذكاة الجراد، ووضع في ماء حارٍّ كذلك كالحلزون، فإذا كان هذا الاختلاف موجوداً بالنسبة إلى الحيوانات، فكذلك قد يكون شرعاً في غير ملتنا سلُّ عنق الحيوان على الذكاة، فإذا اجترأ الكتابي بذلك أكلنا طعامه، كما أذن لنا ربنا سبحانه، ولا يلزمنا أن نبحث عن شريعتهم في ذلك، بل إذا رأينا ذوي دينهم يستحلون ذلك أكلنا، كما قال القاضي؛ لأنها طعام أحبارهم ورهبانهم. وإنما وقع الإشكال في هذه المسألة لما كان سل عنق الحيوان عندنا لا يستباح به أكل الحيوان، بل يصير ميتة، فصارت الطباع نافرة عن الحيوان المفعول به ذلك، فحين أباح القاضي ذلك من طعام أهل الكتاب وقع استشكاله، ولا إشكال فيه على ما قررته، وعلى المحمل الذي ذكرته حمله بعض أئمتنا المتأخرين المحققين.
وأما الذي كذبهم الله فيه، فمن أمثلته الربا، فإن اليهودي يعمل بالربا ويستحله ويأكله، فهو من طعامه ولا نستحله ولا نأكله؛ لأن الله قد كذبهم في ادعائهم حليته في قوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) فهو جواب القاضي في المسألتين.
وأما قولكم: هل ذلك قول في المذهب؟ وهل تجوز به الفتيا أم لا؟
فهذا كلام منكر مشكل؛ لأن ظاهره أنه يفتي به من تعاطى من المسلمين ذلك، ولا خلاف أن المسلم إذا سلَّ عنق الدجاجة أو غيرها من الحيوانات أنها ميتة، وإنما كلام القاضي في المسألة إذا كان مع كتابي، ففعل الكتابي ذلك، هل يأكل المسلم من ذلك الطعام أم لا؟ فقال القاضي: يجوز للمسلم أكله، لا أن المسلم يفعل ذلك بالحيوان، فقولكم: هل ذلك قولٌ في المذهب؟ وهل يجوز الفتوى به كلام غير محصل، بل أهل المذهب كلهم يقولون: إن أكل طعام أهل الكتاب حلالٌ لنا إلا ما خصَّ من ذلك، كما تقدم، فهذه المسألة مما لا يختلف فيها، ولا يتوقف على الفتيا بها، إنما وقع استشكال كلام القاضي ولا إشكال فيه إذا تؤمل على الوجه الذي قرر) اهـ منه بلفظه.


ولم يتعقبه مؤلف المعيار بشيء، ونقله الزياتي أيضاً وسلمه، ونقله بب بالمعنى وقال عقبه ما نصه: اهـ ملخصاً فتأمله.
قلتُ: وفيه نظرٌ من وجوه:

الأول: قوله: (إنه يقبل قول أحبارهم ورهبانهم أن ذلك حلالٌ عندهم، ويصدقون فيه)، إذ كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة النبوية، وقد ثبت في أصح الصحيح كذبهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم غير ما مرة، مع علمهم بصدق نبوته، وتوقعهم تكذيب الله إياهم بإعلامه نبيه بذلك، فلم يخشوا الفضيحة مع وقوع تكذيبهم، ثم يعترفون به، فكيف بغير النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي أصح الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذين أنزل إلينا وأنزل إليكم) فتصديقهم فيما ذكر مخالفٌ للأدلة والقواعد، فلا سبيل إليه إلا بنص أو شاهد.

جلال علي الجهاني
10-09-2006, 16:33
الثاني: على تسليم تصديقهم تسليماً جدلياً، فلا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة ومسلولة العنق والموقوذة المضروبة في الرأس بشاقور مثلاً حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم.
وما فُـرِّق به من أن الله قد كذبهم في الميتة والخنزير دون المضروبة بشاقور مثلاً وما ذكر معه لا يصح؛ لأنه إن عنى به أن الله كذبهم في إخبارهم بحليتها، فليس في القرآن ولا في الأحاديث شيء من ذلك، وإن عنى أنا لله كذبهم بقوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) فهذه مصادرة؛ لأن الله قد كذبهم فيما زعم أنهم يصدقون فيه؛ لأنها إما منخنقة أو موقوذة، وقد ذكر الله حرمة كل واحدة منهما في الآية نفسها بقوله عز من قائل: (والمنخنقة والموقوذة..) الآية، وقد قال ابن العربي نفسه في الأحكام ما نصه: (وأما قوله: (والمنخنقة) فهي التي تخنق بحبل بقصدٍ أو بغير قصد، أو بغير حبل، المسألة الثالثة: الموقوذة، وهي التي تقتل ضرباً بالخشب والحجر، ومنه المقتولة بقوس البندق) اهـ منها بلفظها.
وقال في سورة الأنعام ما نصه: (قولهم: إن الله حرم غير ذلك كالمنخنقة وأخواتها، فإن ذلك داخل في الميتة، إلا أنه بين أنواع الميتة وشرح ما تستدرك ذكاته مما تفوت ذكاته) اهـ منها بلفظها.
فهذا نصٌّ صريح من ابن العربي نفسه في التسوية بينهما، فإما أن يحمل قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) على ظاهره، فيدخل فيه الميتة والخنزير وما ذكر معهما، وإما أن يقصر على غير ذلك كله، وقصره على بعض دون بعض عمل باليد، ودعوى لا دليل عليها، ولا لها مستند، فتأمله بإنصاف.


الثالث: قوله: (لأن ظاهره أنه يفتي به من تعاطى من المسلمين ذلك) إلخ، إذ ليس ذلك بظاهر من كلام الشامل، ولا هو مراده، بل كلامه كالصريح في أن المارد هل يجوز أن يفتى بما قاله أبو بكر بن العربي من أن للمسلم أن يأكل ما فعل به النصراني مثل ما ذكر أو لا؟ وذلك واضح كالشمس ولا يخفى على عوام المسلمين أن فعل المسلم ذلك ميتة وحرام، فكيف بمن يتعاطى العلم.


الرابع: قوله: (بل أهل المذهب كلهم يقولون: إن أهل طعام أهل الكتاب حل لنا إلا ما خص من ذلك ما تقدم) ففيه نظر:
أما أولاً: فهو مخالف لقوله أولاً: (فمازال طلاب العلم يستشكلونها) فتأمله.
وأما ثانياً: فإن أهل المذهب مصرحون بخلاف ما نسب إليهم، قال أبو الوليد الباجي في المنتقى ما نصه: (وإذا علمت أن النصراني ممن يستبيح الميتة، فلا تأكل من ذبيحته إلا ما شاهدت ذبحه، ووجه ذلك أنه إنما يستباح من ذبيحته ما وقع على وجه الصحة، والمسلم أصح ذبيحة منه، وهذا حكمه، فإذا علم أنه قتل الحيوان على الوجه الذي لا يبيح أكله وجب الامتناع من أكل ما مات على يده من الحيوان، إلا أن يعلم أن ذكاته وجدت منه على وجه الصحة لما يتوقع أن يكون حلول ذلك منه على وجه القتل المنافي للإباحة، قال مالك: وسواء كان ذمياً أو حربياً) اهـ منه بلفظه.
وكلام مالك هذا هو في الموازية.
قال ابن عرفة ما نصه: (الشيخُ: روى محمَّد إن عُرف أكلُ الكتابي الميتةَ لم يؤكل ما غاب عليه، قلتُ: كذا نقلوه وقبوله، والأظهر عدم أكله قطعاً لاحتمال عدم نية الذكاة) اهـ منه بلفظه.
فانظر قول ابن عرفة: نقلوه وقبلوه، مع قول الحفار أن أهل المذهب كلهم يقولون .. إلخ.
وانظر استظهار ابن عرفة عدم الأكل مع وجود ذكاته على الوجه الشرعي عندنا بحضرتنا معللاً له بالشكِّ في النية، فكيف مع رؤيتنا له يفتل العنق أو يضرب الدماغ بشاقور ونحوه.
وقد سبقه إلى ما قال ابنُ راشد، خلاف ما يقتضيه كلامه، مع أنه أول من سبق إلى ذلك، ففي التوضيح عند قول ابن الحاجب: (وأما من يستحل الميتة فإن غاب عليها لم تؤكل) اهـ، ما نصه: (كالفرنج، فإنهم يستحلونها، ويلحق بمن علم منه استحلال الميتة من شك فيه، قاله في الجواهر، ومفهوم قوله: (فإن غاب) أنه لو لم يغب عليها لا يبيح لنا الأكل، وبذلك صرح الباجي وصاحب الذخيرة، ابن راشد: والقياس أن لا تؤكل على ما قاله الباجي في تعليل ما حرم على أهل الكتاب من أن الذكاة لا بد فيها من النية، وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة، وإذا نواها فكيف يصدق) اهـ منه بلفظه.
ونص ما أشار إليه من كلام الجواهر: (فإن غاب الكتابي على ذبيحته: فإن علمنا أنهم يستحلون الميتة كبعض النصارى أو شككنا في ذلك لم نأكل ما غابوا عليه، وإن علمنا أنهم يذكون أكلنا) اهـ منها بلفظها.
وقد صوَّب في الشامل عدم أكلها إذا ذكي بحضرتنا، كما قال ابن راشد، وسلَّمه المصنف في التوضيح، ومرَّ نحوه لابن عرفة.
ونصُّ الشامل: (إن ذبح لنفسه ما يستحله وإن أكل الميتة ولو مع شك إن لم غيب عليها، والأصوب عدمها) اهـ منه بلفظه.
ولا شكَّ أن هذا كله يدل على أن ما قاله ابن العربي شاذ مخالف للمشهور، وصرح بذلك ابن ناجي في شرح الرسالة، ونصه: (واختلف المذهب إذا كان ممن يسل عنق الدجاجة، فالمشهور لا تؤكل، واختار ابن العربي أكلها، ولورأيناه؛ لأنه من طعامهم، قال ابن عبد السلام: وهو بعيد) اهـ محل الحاجة منه بلفظه، ونَقَله الحطاب وبب وسلَّماه، وهو حقيق بالتسليم، ويؤخذ تشهيره بالأحرى مما سبق أن المشهور ومذهب المدونة منع أكل صيده بالعقر، مع أنه ذكاة عندنا.
وتقدم أخذ ابن سراج من كلام اللخمي عدم أكله، على مقابل المشهور أيضاً، فراجعه متأملاً.
ويكفي في كون ما لابن العربي شاذاً اتفاق الأئمة على عزوه له وحده، ولو لم يعترضوه، فكيف مع اعتراض غير واحد له، كقول ابن سراج السابق أنه هفوة، وقول ابن عبد السلام: وهو بعيد، وقول التوضيح ما نصه: (ونقل عن ابن العربي الجواز فيما قتلوه، ولو رأينا ذلك، لأنه من طعامهم، واستبعد) اهـ محل الحاجة منه بلفظه.
وقد بالغ البساطي في إنكاره، فقال ما نصه: (ليت قوله هذا لم يخرج للوجود، ولا سطر في كتب الإسلام) اهـ منه بلفظه، نقله بب، وأقره، واعترف الحفار نفسه بأن الطلبة والشيوخ ما زالوا يستشكلون كل ما في ذلك.


الخامس: قوله: (ولا إشكال فيه)، إذ هو مشكل غاية، عقلاً ونقلاً، وقد قدمنا دليل ذلك بما لا نشك معه أصلاً.
فإن قلتَ: فما تصنع باحتجاج ابن العربي على ما قاله بإباحة العلماء قبلونا منهم ما يعطونه لنا من نسائهم وأولادهم، فيحل لنا وطؤهم .. إلخ.
قلتُ: هو احتجاج مردود بدون مين؛ لوضوح الفارق بين المسألتين، فلا يصح قياس إحداهما على الأخرى، فضلاً عن أن يكون من قياس الأحرى.
وبيان ذلك أن ما يبذلونه في الصلح من نسائهم وأولادهم إنما أبيح لنا لأنه كان مباحاً لنا أصالةً؛ لتلبسهم بالكفر الذي هو سبب الرق، فلو لم يصطلحوا معنا وغلبناهم كان لنا استرقاق نسائهم وأولادهم ووطء من ليس به مانع شرعي من نسائهم، فلا نزاع، دلَّ على ذلك الكتابُ والسنة والإجماع.
ولهذه العلة أيضاً جاز لنا أن نشتري من الحربي أولاده ونحوهم إذا قدم إلينا بأمان، كما في النوادر وغيرها.
وقد نقل الحطاب كلام النوادر عند قوله في الجهاد: وكره لغير المالك اشتراء سلعة، فانظره.

والدليل على صحة ما قلته أمران:

أحدهما: أنَّ ما لا يحل لنا تملكه من أموالهم إذا قدرنا عليهم كالخمر والخنزير لا يجوز لنا قبل القدرة عليهم أن نقبله منهم صلحاً، مع أ، حرمة ذلك دون حرمة تملك الحر وإدامة وطء فرج حرام بمراتب.

ثانيهما: أن العنوي أو الصلحي بدنانير أو دراهم مثلاً، لو بذلَ لنا فيما وجب عليه من ذلك امرأة أو ولداً، ما حل لنا قبوله، كما لا يحل لنا شراء ذلك منه؛ لأن الحرية الحاصلة للعنوي بضرب الجزية عليه والأمان الحاصل للصلح بالصلح منعا من ذلك.
قال في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المقدمات ما نصه: (وجائز لنا أن نشتري منهم أولادهم وأمهات أولادهم إذا لم يكن بيننا وبينهم هدنة تمنعنا من ذلك) اهـ منها بلفظها، فتأمل ذلك كله بإنصاف، وبالله سبحانه الهداية والتوفيق.

مالك ادريس محمد
10-09-2006, 21:16
بارك الله فيك ونفعنا الله بعلمك

فوزي سليم منصور
13-09-2006, 19:29
نفعك الله بهذا الكتاب