المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكراء المنتهي بالتمليك (الليزينك)



محمد العمراوي
09-09-2006, 00:11
بسم الله الرحمن الرحيم

شاع في هذه الأعوام الأخيرة عقد يسمى بـ(الليزينك)، ومعناه: الكراء المنتهي بالتمليك.

وهو صيغة جديدة، من صيغ التحايل على الربا، وجعله محور جميع المعاملات المالية، ما دق منها وما عظم، ما جل منها وما حقر.

وقد انتشر التعامل به بين المسلمين –كما انتشرت صور أخرى غير شرعية- ووجدوا من يبيح لهم ذلك، ويعتبره من العقود المستحدثة التي لم يتكلم عليها الفقه الإسلامي (التقليدي)!!.

وقد كثر السؤال عن هذه المسألة في أكثر من مناسبة، ومن أكثر من جهة، وجوابا عن ذلك نقول:

إن هذا العقد فاسد من وجوه:


أولها:أنه عقد ربوي، إذ من ضمن بنوده أن (المكتري =المشتري) إذا عجز عن دفع الأقساط زيد عليه فيها، وهذا هو الربا الصريح المحرم بنص القرآن، والحديث، والإجماع، والقياس، والآية الكريمة التي ذكر فيها حلية البيع، ذكر فيها تحريم الربا. قال تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا" والغريب أن بعض الناس يأخذون بالجملة الأولى من الآية، ويحجمون عن الأخذ بالجملة الثانية، مع أن تمام معنى الآية لا يكمل إلا بالأخذ بالجملتين معا.


ثانيها:أن العقد مشتمل على شرط باطل هو المتقدم ذكره، وما كان كذلك فهو باطل على تفصيل بين الفقهاء ليس هذا محله. وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط".أخرجه البخاري في كتاب الشروط، وكتاب البيوع،باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل.


ثالثها:أنه بيع معلق بنهاية أمد الكراء، وذلك لا يجوز للقاعدة الفقهية:"البيع والنكاح لا يقبلان التعليق" إذ الأصل فيهما الإنجاز قال الناظم :


لا يقبل التعليق بيع ونكاح ولا يصح بعتُ ذا إن جا فلاح

رابعها:أنه شراء مجهول، والمعنى أن السيارة بعد نهاية أمد الكراء لا يعرف حالها، ولا كيف يكون وضعها، أ تكون صالحة للاستعمال،أم لا؟ أتكون قيمتها يوم نهاية أمد الكراء كقيمتها يوم بدايته،أم لا ؟ -إلى غير ذلك من الاحتمالات- وبيع المجهول باطل باتفاق لما صح في الحديث من النهي عن بيع الملاقيح و...، فقد أخرج مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب قال"..وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة : عن المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة". والمضامين بيع ما في بطون الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال".كتاب البيوع-باب ما لا يجوز من بيع الحيوان-


خامسها:أنه يحق للشركة فسخ العقد متى شاءت، فهو على هذا بيع خيار، وبيع الخيار له مدة معلومة في بعض المبيعات، فامتنع. لأن أجل الخيار في هذا النوع من العقود مجهول.


سادسها: بيع الخيار لا يجوز فيه تعجيل الثمن، والقاعدة الفقهية تقول:"ما تردد بين الثمنية والسلفية لا يجوز" وهذا منه. وتوضيحه أن المال المدفوع قد يكون ثمنا للبضاعة، وقد يكون سلفا لصاحبها حال فسخه البيع، فهو دائر بين أن يكون ثمنا وبين أن يكون سلفا دون القطع بواحد منهما وذلك لا يجوز.


سابعها:أن هذا العقد يتضمن اشتراط ضمان التلف على الزبون، ومعنى هذا أن المكتري = المشتري، يضمن البضاعة مدة الاستعمال قبل نهاية أمد الكراء، فيطالب بإصلاح ما فسد، وبغرم ما ضاع. وهو هنا مكتر إذ مدة الكراء لم تنته. وهذا مخالف للقواعد والأصول التي تقول: إن المالك هو المكلف بالضمان لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"الخراج بالضمان" رواه البخاري في كتاب البيوع –باب فيمن اشترى عبدا استعمله ثم وجد فيه عيبا- وهو معنى "ربح ما لم يضمن" وهو منهي عنه في الشرع. كما جاء في الحديث الآتي ذكره..


ثامنها: أنه بيع وسلف وهو ممنوع لما أخرجه أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك" كتاب البيوع-باب في الرجل يبيع ما ليس عنده-


تاسعها: اجتماع عقدين على سلعة واحدة وهو غرر واضح، وليس هو بيعا وإجارة -كما ظنه بعضهم- فذلك شيء آخر وتوضيحه: أن يعقد المشتري مع البائع عقد بيع وعقد إجارة في آن واحد، ولكن على متعدد: مثاله: أن يشتري عنده قطعة قماش مع شرط الخياطة، فهما عقدان على متعدد: القماش وحده، والخياطة وحدها. أما في هذه الصورة، فالعقدان –الإجارة والبيع- واقعان على متحد، فلا يدرى أيهما الأصل، ولا أيهما الفرع؟


هذا، وللموضوع جوانب أخرى ، أعرضنا عنها خشية الإطالة. وسينشر شيخنا العلامة سيدي محمد التاويل –حفظه الله- بحثا مستفيضا في هذه النازلة، سيزيل به كل إشكال، ويقطع به كل مقال، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.


وكتبه –على عجل- راجي عفو ربه وغفرانه: محمد الطاهر بن محمد العربي العمراوي، ظهيرة يوم الأربعاء ، 7 رجب الفرد، 1427هـ. 2 غشت، 2006 م.

يوسف العمراوي
06-10-2006, 17:53
نشكر شيخنا العلامة سيدي محمد العمراوي على هذا المقال المفيد ونسأله أن لا يبخل علينا بالمزيد من الكتابات والإفادات وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين ألف خير.