المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأصل في قاعدة هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ و ارتباطها بالقاعدة الأصولية هل.....



ضفيري عزالدين
07-09-2006, 17:52
الأصل في قاعدة : " هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ " و ارتباطها بالقاعدة الأصولية :"هل النهي يقتضي الفساد ؟" ...دعوة للمناقشة

من نافلة القول إن التقعيد الفقهي يستند الى المنهج العلمي في جمع فروع الفقه و مسائله و جزئياته تحت صياغة متماسكة ، و لا يمكن للقاعدة الفقهية أن تلبس لبوس الشرع إلا إذا استندت الى أصل من أصوله أو مصدر من مصادره .
و لهذا جاء في تعريف القاعدة الفقهية بأنها " حكم كلي مستند الى دليل شرعي " 1 ، فإذا افتقرت القاعدة الى السند الشرعي كان بديهيا ألا يلتفت إليها لأن مدار الأمر في القواعد الفقهية على الشرع ، و في هذا الخصوص يقول محمود مصطفى عبود في شأن القواعد الفقهية :" و هذه القواعد لم توضع في الفقه الإسلامي هكذا اعتباطا بدون دليل ، بل لكل قاعدة دليلها و مصدر ثبوتها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول " 2.
و قاعدة : هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ تستند فب أصل مشروعيتها الى القيا س حيث أن "الاعتداد في تقدير الأمور على الحقيقة إنما هو الشرع ، فما اعتد به الشرع و أثبته فهو موجود ، و لو لم يكن له وجود حسي في الخارج ، و ما اهمله الشرع و ألغاه فهو غير موجود ولو كان ماثلا للعيان "3 .
بمعنى أن الشرع هو الأساس الذي ينبني عليه اعتبار الاشياء و تقويمها ، فإذا كان للشيء وجود حسي تراه الاعين و تلمسه الأيدي لكن الشرع لم يعتبره فإن ذلك الوجود الحسي يكون كالعدم الذي لا أثر له ، أي أن " الشيء الذي لم يأذن به الشارع إن وجد لم يترتب عليه حكم شرعي ، و مثله مثل المعدوم حسا لم يترتب عليه حكم شرعي " 4 و " الأصل في هذه التسوية هو القياس ، بمعنى أن الشيء إذا كان معدوما بحكم الشرع فإنه يقاس على المعدوم حسا وحقيقة بجامع الانعدام في كل منهما " 5 .
لكن القاعدة الفقهية موضوع النقاش لم تات بصيغة واحدة بل سيقت بمجموعة من الصيغ التي تدل على الاختلاف فيها ، و انها ليست محل إجماع فقد ساقها الونشريسي في إيضاح السالك بقوله :" المعدوم شرعا هل هو كالمعدوم حسا ؟ " بصيغة الاستفهام بينما ساقها المقري بهكذا صيغة :" المشهور من مذهب مالك أن المعدوم شرعا كالمعدوم حقيقة " .
و الحقيقة أن فروع القاعدة توضح بما لا يدع مجالا للشك أن لا إجماع حولها ، و أن القاعدة تنطبق على بعض الجزئيات دون بعض 6.
و السبب في الخلاف حول القاعدة "راجع الى تحديد العلة ، فمن راى أن المعدوم بحكم الشرع فاسد لا حقيقة له في الواقع حكم عليه بحكم المعدوم حسا ، و اعتبر العلة بينهما واحدة ، و من رأى أن المعدوم شرعا لا تفسد حقيقته في الواقع لم يقسه على المعدوم حسا و اعتبر العلة بينهما مختلفة " 7.
و هذه القاعدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقاعدة الاصولية : " هل النهي يقتضي الفساد ؟ " و لعل الارتباط الوثيق بين القاعدتين هو السبب الذي ألجأ المنجور الى التعبير عن القاعدة الفقهية :" هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ " بنفس لفظ القاعدة الأصولية حيث قال :" النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا ؟ " 8 .
أما محمد أمين بن احمد زيدان الشنقيطي فقد فرق بين القاعدة الفقهية و القاعدة الاصولية ، فمما جاء في شرحه على نظم الزقاق ما يلي : "
هل يقتضي تكرار الأمر و هل ¤¤¤¤ يصير منهي بنهي مضمحل
أي الأمر هل يقتضي التكرار أو لا ؟ و هل النهي يصير المنهي عنه باطلا كالعدم أو لا ؟ و هو كقولهم : النهي هل يدل عل فساد المنهي عنه أو لا ؟ لكن الأصل الأخير راجع الى قولهم : المعدوم شرعا هل هو كالمعدوم أو لا ؟ " 9 .
مفهوم كلامه أن القاعدة الأصولية أصل لكنه راجع الى القاعدة الفقهية ، فكانه بكلامه السابق جعل القاعدة الفقهية أصل و القاعدة الأصولية فرع .
و نفس الكلام ذكره في كتابه : المنهج الى المنهج الى أصول المذهب المبرج 10.
بيد ان محمد الأمين الشنقيطي عالم جليل القدر ، و لا يمكن ان يقصد بكلامه أن القاعدة الفقهية أصل للقاعدة الاصولية ، فلعله يريد بكلامه المبالغة في توضيح الترابط بين القاعدة الفقهية و الاصولية ، و مدى التداخل الحاصل بينهما خاصة إذا علمنا أن " القواعد الاصولية هي اصول للقواعد الفقهية " 11، و ليس العكس ، أي أن " قواعد الفقه مبنية على قواعد الأصول " 12.
و قد أوضح الدكتور الروكي الارتباط بين قاعدة " هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ " و قاعدة " هل النهي يقتضي الفساد ؟ بالقول :" ووجه الارتباط بين القاعدتين أن النهي عن الشيء إذا اعتبرناه يقتضي الفساد فهو كالمعدوم شرعا إذا اعتبرناه كالمعدوم حسا . و النهي عن الشيء إذا اعتبرناه لا يقتضي الفساد فهو كالمعدوم شرا إذا لم نقسه على المعدوم حسا " 13، متحاشيا بذلك القول إن القاعدة الفقهية موضوع النقاش فرع عن قاعدة النهي الاصولية ، قال ذلك بعد أن اوضح أن القياس هو الاصل في قاعدة :" هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ " 14.
و من المؤشرات التي تدل على الترابط بين القاعدتين أن بعض العلماء يوضحون قاعدة " هل النهي يقتضي الفساد ؟ " بنفس الفا القاعدة الفقهية " هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ؟ " ، فالقرافي في الفروق شرح بشكل موسع قاعدة اقتضاء النهي الفساد في الفرق السبعين بالفاظ قاعدة " هل المعدم شرعا كالمعدوم حسا ؟" و مما جاء في شرحه لرأي أبي حنيفة بخصوص قاعدة النهي ما يلي :" أن أركان العقد أربعة : عوضان و عاقدان فمتى وجدت الأربعة من حيث الجملة سالمة عن النهي فقد وجدت الماهية المعتبرة شرعا سالمة عن النهي ، فيكون النهي إنما تعلق بامر خارج عنها ، و متى انخرم واحد من الاربعة فقد عدمت الماهية لأن الماهية المركبة كما تعدم لعدم بعض أجزائها ، فإذا باع سفيه من سفيه خمرا بخنزير فجميع الاركان معدومة 15 ، فالماهية معدومة ..و إذا باع رشيد من رشيد ثوبا بخنزير فقد فقد ركن من الاربعة و هو احد العوضين فتكون الماهية معدومة شرعا " 16 .
وبعد أن أنهى القرافي شرحه لرأي أبي حنيفة طفق يوضح رأي الإمام احمد بنفس الأسلوب في الشرح و التوضيح ، حيث أكد الإمام القرافي أن الإمام احمد يرى ان النهي يقتضي الفساد و إن كان المنهي عنه في امر خارج عن الماهية ، و ضرب امثلة يوضح فيها رأي الإمام احمد قائلا : " .... و كذلك الوضوء بالماء المغصوب معدوم شرعا ، و المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ، و من صلى بغير وضوء حسا فصلاته باطلة و كذلك الصلاة في الثوب المغصوب و المسروق و الذبح بالسكين المغصوبة ... فهي كلها معدومة شرعا فتكون معدومة حسا " 17.
يتضح إذن أن الغمام القرافي في شرحه لآراء الائمة بخصوص قاعدة النهي يعبر بتعابير القاعدة الفقهية موضوع البحث ، بل إنه يذكر القاعدة الفقهية في ثنايا شرحه للقاعدة الاصولية مما يوضح الارتباط المتلاحم بين القاعدتين .
ولم يكن القرافي فريدا في اسلوبه المستعمل في شرح قاعدة النهي ، بل إن ابا المظفر السمعاني استخدم اسلوبا شبيها باسلوب القرافي في شرح مبحث الصحة و الفساد حيث قال :" الصحة و الفساد معنيان متلقيان من الشرع ، و ليس الى العبد ذلك ، و إنما للعبد إيقاع ذلك الفعل باختياره ، فإن وقع وقع فعله على وفق أمر الشرع صح شرعا و انبنت عليه الاحكام الشرعية ، وإذا وقع على خلاف امر الشرع كان الأمر باطلا ، و لم تنبني عليه الاحكام الشرعية ، و لهذا ابطلنا صوم الليل مع تحقق الإمساك الحسي فيه من المفطرات ، و كذلك إمساك المرأة عن المفطرات في حال حيضها متحقق حسا و صورة ، و لكن لما لم يوافق أمر الشرع لم يثبت له الحقيقة الشرعية " 18.
و الله أعلم بالصواب .
1- نظرية التقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي : 48.
2- القاعدة الكلية إعمال الكلام اولى من اهماله واثرها في الاصول :24
3- تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية للصادق الغرياني : 17.
4- القواعد الفقهية المستنبطة من لمدونة الكبرى لاحسن زقور : 1/297.
5- نظرية التقعيد الفقهي : 455.
6- قد اكتب ورقة في الموضوع إن شاء الله .
7- نظرية التقيد الفقهي : 455
8- شرح المنهج المنتخب للمنجور : 10 ، نقلا عن تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية : 17.
9 – إعداد المهج : 40-41. و الكتاب له و ليس لاحمد بن محمد الأمين فالاخير ما هو إلا جامع و منسق للكتاب ، انظر إعداد المهج : 4 و القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة : 1/282-283.
10- صفحة : 29.
11-القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة : 1/208.
12- القواعد الفقهية بين الاصالة و التوجيه لمحمد بكر إسماعيل:13
14- نظرية التقعيد الفقهي : 456.
15- هي معدومة شرعا رغم وجودها حسا ، و رغم أن الخمر و الخنزير لهما سوقا رائجة إلا أن لا اعتبار لهما في الشرع و كذلك الامر في بيع السفهاء حيث لا يلتفت الى بيعهم الذي قد يعرضون فيه مصالحهم للخطر ، و بذلك عدمت الاركان الاربعة شرعا فجعلت كالمعدومة حسا .
16- الفروق : 2/83.
17- نفسه : 2/83-84 .
18- قواطع الادلة في الاصول : 152.

نزار عمر الغنودى
07-09-2006, 22:27
شكرا للاستاذ ضفيرى