المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طلاق الغضبان ...



جلال علي الجهاني
07-09-2006, 11:11
قال الإمام الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني على سيدي خليل ما نصه: (4/77-79).

=============================================


تنبيه: يؤخذ من المصنِّف أنَّ طلاقَ الغضبان لازمٌ بالأحرى؛ لأنه مكلفٌ بالصلاة ونحوها إجماعاً، ومخاطب بأداء ذلك حال غضبه، بخلاف السكران.
وقد رأيتُ من أفتى بعدم لزومه، وعزا ذلك إلى الذخيرة وغيرها، وكأنه غرَّه ما قد وجد في بعض التقاييد مما هو كذبٌ محضٌ.
فقد سئل الإمام العلامة المحقق أبو عبد الله سيدي محمد بن أحمد المسناوي رحمه الله ورضي عنه وأرضاه بما نصه:

سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم: وجدنا في بعض التقاييد ما نصه: ومن السفر السابع من الذخيرة للقرافي ما نصه: وطلاق الغضب واللجاج عندنا لا يجوز، رواه ابن أبي زيد في كتابه المسمى بمكنون العلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ولو طلقها طلاق اللجاج ثلاثاً وأكثر. ابن رشد في بيانه: فمن حلف بالحرام على وجه الغضب لا يلزمه شيء، وهو من باب الحرج، والحرج مرفوع عن هذه الأمة، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم المسلم)، ودليل عدم اللزوم قوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: (الغضب من الشيطان) لأنه نوع من الجنون، واتفق العلماء على عدم تكليف المجنون حال جنونه، وإن كان مشهور المذهب خلافه، وقد أجاب بهذا الإمام أبو محمد سيدي عبد الله العبدوسي رحمه الله تعالى، فمن أخذ به فهو مخلص مع الله تعالى، اهـ ما وجد، فهل سيدي ما نقل عن الذخيرة صحيح ؟ وعلى تقدير صحته فما المراد بطلاق الغضب، فإنا لا نعرف الطلاق إلا في الغضب، ولو على الزوجة؟ وكذا ما في بيان ابن رشد على حسب هذا الموجود، هل هو صحيح ؟ وعلى صحته فإنه يؤدي إلى أن الحلف بالحرام ملغىً كيفما وقع؛ إذ لا يحلف به إلا الغضبان؟ وما معنى الحديثين على فرض ثبوتهما؟ وقوله: وإن كان مشهور المذهب خلاف سياقه، يدل على أن اسم كان ضمير ما سبق عن الذخيرة والبيان، وما نقل بعدهما من الحديثين، وقد أتى به عقب قوله: وقد اتفق العلماء إلخ .. فانظر سيدي في هذا كله فما كان منه صحيحاً فأكده لنا بنصك المبارك، وما كان فاسداً فناد بالنكير لئلا يغتر به الجهلة أمثالي، والله يبقي وجودكم مزيحين للشبه، موضحين للإشكال لمن انتبه، والسلام عليكم والرحمة والبركة.


فأجاب رضي الله عنه بما نصه:
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اعلم أن التقييد المذكور إنما هو من اختلاق بعض أهل الفجور المارقين من الدين مروق السهم من الرمية، والمضلين للعامة بالترخيص في الحرام المحض، بأمثال هذه الأقوال الردية، التي يتنزه علماء الأمة عن التفوه بها، فضلاً عن الترخيص للناس في العمل بموجبها، فليس في ذخيرة القرافي ولا في بيان ابن رشد ولا في فتاوى العبدوسي التي تضمنها المعيار وغيره شيءٌ مما نَسَب إليهم ذلك اللعين، بل هو من الافتراء على الأئمة المعتبرين المعروفين بالتحقيق التام في مسائل العلم والتحري التام في أمور الدين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وما أرى هذا الأمر إلا من الزنادقة المنحلين من ربقة الإسلام، المحتالين على إباحة الزنى بهذه الفرية للعوام.
فأخزى الله أثواباً عليهم وأخزى الله ما تحت الثياب
فالواجبُ حرقُ نسخ هذا التقييد أينما عثر عليها، وتعزير من عمل بهذه القولة الباطلة إن لم يعذر بجهل أو أفتى بها أو ركن إليها، ويرحم الله الإمام مالكاً حيث قال فيما هو دون ذلك: (شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس)، وقال أيضاً: (عليك بالدين المحض وإياك وبُنَـيَّات الطرق).
وإذا كان الناصحون قد حذَّروا من الاعتماد في الفتوى على ما قيِّد عن مشاهير الأئمة مما لم يتصدوا لتأليفه، كما قيِّد عن الشيخ أبي الحسن الصغير على المدونة، وما قيِّد عن الجزولي وابن عمر على الرسالة، ونحوها، وقالوا: إنها تهدي ولا تعتمد، بل أفتى بعض الشيوخ بأن من أفتى من التقاييد يؤدب، فما بالك بما قيده هيان بين بيان!! وتلقاه منه أمثاله من العميان!! (فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم، وويلٌ لهم مما يكسبون).
وقد ردَّ الفاسي في مجمع الغريب على من قال في حديث عائشة رضي الله عنها، المروي عند أبي داود وابن ماجه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، أن الإغلاق هو الغضب والغيظ، وغلَّطه في ذلك، وقال: إن طلاق الناس غالباً إنما يكون في تلك الحال، أي وإنما الإغلاق الإكراه، على ما جزم به أبو عبيد وجماعة؛ لأن المكره ينغلق عليه أمره ويضيق عليه تصرفه.
وقال ابن المرابط: لو جاز عدم طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جاء منه: كنت غضبان!!
قال الحافظ ابن حجر: أراد بذلك الردَّ على من ذهب إلى أن الطلاق في الغضب لا يقع، وهو مروي عن الحنابلة، اهـ.
فأنت تراه مع سعة حفظه وكثرة اطلاعه وشدة اعتنائه بذكر ما في المسألة من أقوال العلماء من سائر المذاهب وأقوال السلف من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة، لم ينسب ذلك القول إلا لمن ذك، وعلى وجهٍ لا يقتضي الجزم به عنهم، كما لا يخفى على العارف.
نعم الخلاف مذكور في النذر إذا كان على وجه اللجاج والغضب، المشهور فيه اللزوم ما أشار إليه ابن الحاجب بقوله: ونذر الطاعة لازم وإن كان على وجه اللجاج والغضب.
وأشار إليه أيضاً في المختصر بقوله: النذر التزام مسلم كلف ولو غضبان، ومقابل المشهور فيه ما حي عن ابن القاسم أنه يكفي فيه كفارة يمين، كما هو أحد الأقوال عن الشافعية، قال ابن بشير: كان بعض من لقيناه من الشيوخ يميل إلى هذا القول، ويعدون هذا النذر من نذر المعصية، فلا يلزم الوفاء به، اهـ. أي لعدم قصد الناذر فيه البر والقربة، وإنما قصد به التضييق على نفسه ومعاقبتها به إن فعلت ما عزم على تركه، وربما اشتبه الأمر على من لا يعرف، فاعتقد جريان هذا الخلاف في الأيمان أيضاً، وليس كذلك، إذ لم يذكروه فيما وقفنا عليه، لا منصوصاً ولا مخرجاً.
ومن توجيه ابن بشير المذكور، يعلم عدم صحة القياس والتخريج، كما لا يخفى.
وأما الحديثان المذكوران فلا شاهد فيهما لما ذكر:
أما الأول منهما فلم يحضرني من ذكره الآن، وإن غلب على ظنِّي أني سمعته ووقفت عليه قبلَ هذا الأوان، ولكن لا أدري في أي مكان، ومعناه على تقدير ثبوته: النهي عن الصد على الخير، أو التحريض على الشر، كما هو شأن الشيطان، ومن معناه: (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
وأما الثاني فقد رواه ابن عساكر وأبو نعيم عن أبي مسلم الخولاني، عن معاوية رضي الله عنه، ولفظه: (الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدهم فليغتسل)، وقد تبين مما ذكر من تمامه ما سيق لأجله، وأن الاستدلال به على ما ذكر في التقييد وضعٌ له في غير محله، فهو من تأويل الغالين وتحريف المبطلين الذي يقيِّض الله له من ينفيه، في كل زمان، من علماء المسلمين، والسلام عائد عليكم، والرحمة والبركة، من قائل هذا وكاتبه، محمد بن أحمد المسناوي، كان الله له، انتهى بلفظه.


قلتُ-أي الرهوني-: وما قاله كله واضح، وشواهده من كلام الأئمة أكثر من أن تحصى.

قال ابن العربي في أحكامه الصغرى عند قوله تعالى: (والذين يظهرون منكم من نسائهم) الآية، ما نصه: ولا يسقط الغضب ظهاراً ولا طلاقاً، بل يلزمان الغاضب؛ إذ في حديث خولة قالت: (كان بيني وبين زوجي شيء)، وهذا يدل على نزاع أحرجه فظَاهَر، ومع ذلك لزمه ظهارٌ، وكذا السكران يلزمه ظهاره وطلاقه، اهـ منها بلفظها.

وفي أجوبة الإمام سيدي عبد القادر الفاسي، أثناء جواب له عن مسألة ما نصه: وقولكم: (هو في حالة الغضب)، لا أثر للغضب؛ إذ يمين الغضب لازمة اتفاقاً، كما حكاه ابن عرفة عن ابن رشد، اهـ منها بلفظها.

ونصُّ ابن عرفة: ابن رشد: يمين الغضب لازم اتفاقاً، كنذره، اهـ منه بلفظه.

وكلام ابن رشد هذا هو في رسم الجنائز والذبائح، ومن سماع القرينين من كتاب النذور، ففي المسألة الثانية منه ما نصه: وسألته عن النذور واليمين في الغضب فقال: تلزم صاحبها، قال القاضي: لا اختلاف في المذهب أن النذور واليمين بالطلاق وغيره لازمان في الغضب، كما تلزم جميع الحدود من القتل والقذف وغير ذلك؛ إذ ليس الغاضب بمجنون، فالقلم عنه غير موضوع. وما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين) ليس بصحيح من جهة الإسناد ولا من جهة المتن أيضاً؛ لأنه إن كان في حكم المجنون فلا ينبغي أن تلزمه كفارةٌ، وإن كان في حكم الصحيح، فينبغي أن يلزمه النذر الذي سمي بعينه، إن لم يكن معصية، وقد تأول بعض من ذهب إلى أن من نذر معصية فكفارته كفارة يمين، إلى أن معنى (لا نذر في غضب) يريد في معصية، وهو تأويل بعيد، وما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، معناه عندنا في إكراهٍ؛ لأن الإغلاق هو الإطباق، من أغلقتُ الباب، فكأن المكره قصر على الفعل وأغلق عليه، حتى فعله، وقول من قال إن الإغلاق هو الغضب لا يصح في الغضب؛ لأن الطلاق أكثر ما يكون في الغضب، وإلى ذلك نحى البخاري؛ لأنه بوب باب الطلاق في الإغلاق والكره، واستشهد في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأعمال بالنيات، وبقول ابن عباس رضي الله عنه: الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله، وبالله التوفيق، اهـ منه بلفظه.
وبه يتضح ما قاله العلامة المسناوي من أن نسبة ذلك إلى البيان كذبٌ وافتراء، وأن ذلك التقييد مختلق بلا مراء.

وقوله: معناه عندنا في إكراه، لا خصوصية لنا معشر المالكية بذلك، فقد قال المناوي في شرح الجامع الصغير ما نصه: (في إغلاق) أي إكراه؛ لأن المكره يغلق عليه الباب، ويضيق عليه غالباً، فلا يقع طلاقه عند الأئمة الثلاثة، وأوقعه الحنفية، اهـ منه بلفظه.

فائدة: الحديث المذكور نسبه في الجامع الصغير للإمام أحمد وأبي داود وابن ماجة والحاكم، فقال المناوي شرحه ما نصه: قال الحاكم: صحيحٌ، وردّه الذهبي، اهـ منه بلفظه.

مالك ادريس محمد
10-09-2006, 10:35
بارك الله فيك شيخ جلال