المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من فتاوى ابن حجر الهيتمي في الاجتهاد والتقليد والافتاء



محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:37
هذه بعض فتاوى الامام ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه في الاجتهاد والتقليد والافتاء نقلتها من كتاب القضاء من الفتاوى الفقهية الكبرى له وهذه الفتاوى فيها مباحث نفيسة في فروع المذهب الشافعي لا تجدها في كتاب آخر.

( وسئلت ) هل لمن قرأ كتابا أو أكثر ولم يبلغ درجة الفتوى أن يفتي العامي في واقعته أو يتركه في حيرته وإذا لم يجد المسألة مسطرة ووجد لها نظير . ا هـ . ل له أن يفتيه بحكم واقعته حملا على النظير وهل للمتبحر في الفقه حد معلوم وهل للمفتي إذا وجد فتيا أخرى في مسألة فرضية في المناسخات أن يصحح عليه من غير اختياره ولو حضر لفرضي من يريد استفتاء في مسائل عويصة في المناسخات تستغرق عليه زمنا طويلا فهل له أن يقول للسائل لا أصرف هذه المدة في تصحيح سؤالك إلا بأجرة معلومة وإذا لم يصح منه الاستئجار لجهله بالعمل المستأجر له فما حيلته مع أن المفتي ليس له ما يكفيه . ( فأجبت ) بقولي ليس لمن قرأ كتابا أو كتبا ولم يتأهل للإفتاء أن يفتي العامي إلا فيما علم من مذهبه علما جازما لا تردد فيه كوجوب النية في الوضوء ونقضه بلمس الذكر أو بلمس الأجنبية ونحو ذلك مما لا مرية فيه بخلاف مسائل الخلاف فإنه لا يفتي فيها نعم إن نقل له الحكم عن مفت آخر غيره أو عن كتاب موثوق به وكان الناقل عدلا جاز للعامي اعتماد قوله لأنه حينئذ ناقل لا مفت . وليس لغير أهل الإفتاء الإفتاء فيما لم يجده مسطورا وإن وجد له نظيرا أو نظائر والمتبحر في الفقه هو الذي أحاط بأصول إمامه في كل باب من أبواب الفقه بحيث يمكنه أن يقيس ما لم ينص إمامه عليه على ما نص عليه وهذه مرتبة جليلة لا توجد الآن لأنها مرتبة أصحاب الوجوه وقد انقطعت من أربعمائة سنة ومن طلب منه إفتاء من مناسخة مكتوبة لم يجز له الإقدام عليه إلا بعد الامتحان والاختبار وللفرضي أن يمتنع من التأصيل والتصحيح إلا أن يجعل له أجرة في مقابلة ذلك وإلا فطريقه أن يجعل له على ذلك جعل معلوم .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:40
( وسئل ) رحمه الله تعالى سؤالا صورته ما معنى قولهم في تكبير العيد وفي الشهادات الأشهر كذا والعمل على خلافه وكيف يعمل بخلاف الراجح ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله إن الترجيح تعارض لأن العمل من جملة ما يرجح به وإن لم يستقل حجة فلما تعارض في المسألة الترجيح من حيث دليل المذهب والترجيح من حيث العمل لم يستمر الترجيح المذهبي على رجحانيته لوجود المعارض فساغ العمل بما عليه العمل .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:41
( وسئل ) عما يفتي به المفتون هل يقال إنه مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه سواء أعلم كونه منصوصا له أم لا يقال ذلك إلا فيما علم نصه عليه وغيره يقال فيه إنه مقتضى مذهبه ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله لا يجوز أن يقال في حكم هذا مذهب الشافعي إلا إن علم كونه نص على ذلك بخصوصه أو كونه مخرجا من نصوصه على الخلاف في نسبة المخرج إليه فقد قال التقي السبكي رحمه الله تعالى في جواب المسألة التاسعة والثلاثين من المسائل الحلبية . وأما من سئل عن مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ويجيب مصرحا بإضافته إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ولم يعلم ذلك منصوصا للشافعي رضي الله تعالى عنه ولا مخرجا من منصوصاته فلا يجوز ذلك لأحد بل اختلفوا فيما هو مخرج هل يجوز نسبته إليه واختار الشيخ أبو إسحاق أنه لا يجوز هذا في القول المخرج وأما الوجه فلا يجوز نسبته إليه بلا خلاف نعم هو مقتضى مذهبه أو من مذهبه بمعنى أنه من قول أهل مذهبه والمفتي يفتي به إذا ترجح عنده لأنه من قواعد الشافعي رضي الله تعالى عنه ولا ينبغي أن يقال قال الشافعي رضي الله تعالى عنه إلا في منصوص له قال به أصحابه أو أكثرهم بخلاف ما خرجوا عنه بتأويل أو غيره لأن تجنبهم له يدل على ريبة في نسبته إليه وما اتفقوا عليه وقالوا ليس بمنصوص يسوغ تقليدهم فيه ولكن لا يطلق أنه مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه بل مذهب الشافعية فإن لم يعلم هل هو منصوص أو لا سهلت نسبته إليه لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به . ا هـ . ملخصا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:47
( وسئل ) رضي الله تبارك وتعالى عنه هل يجب تقليد الأعلم الأورع من المجتهدين أم يتخير ( فأجاب ) نفعنا الله تبارك وتعالى به بقوله الأصح عند الجمهور كما في أصل الروضة أنه يتخير أخذا مما كان عليه الصحابة ومحله كما قاله الغزالي ما لم يعتقد أن أحدهما أعلم وإلا لم يجز تقليد غيره وإن كان لا يلزمه البحث عن الأعلم ورجحه في زوائد الروضة بقوله المختار إذ هو فيها بمعنى الراجح بعد أن نظر فيه ونقله عن غيره أي كابن الصلاح ثم . قال فعلى هذا يلزمه تقليد أورع العالمين وأعلم الورعين وإن تعارضا قدم الأعلم على الأصح . ا هـ . واعترض بأن الأصح أنه لو اختلف عليه اجتهاد مجتهدين في القبلة تخير وإن اعتقد أحدهما أفضل وبأن كلام المجموع في مقدمته وأصل الروضة فيما إذا اختلف عليه مفتيان يقتضي التخيير مطلقا وبأن قياس ذلك على وجوب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين غير صحيح . لأن المخاطب به هو المجتهد الذي يجب عليه البحث عن ذلك بخلاف غيره فإنه لا يجب عليه البحث عن الأعلم وبأن العامي لا عبرة باعتقاده إذ قد يعتقد المفضول فاضلا إذ لا تمييز له وبأن الكمال المحقق ابن الهمام صرح بأنه لا فرق ويجاب بأن أمارة القبلة ظاهرة يستوي في معرفتها الأفضل وغيره ولو سلمنا عدم استوائهما فالتفاوت بينهما فيها غير كبير بخلاف الأحكام فإن التفاوت فيها بين العلماء قد كثر وانتشر والأعلم أدرى بها فوجب تقليده وبأن اقتضاء ما ذكر في اختلاف المفتيين إما أن يقال إنه صحيح ويفرق بأن الابتداء يحتاط له أكثر لأن فيه التزام الأخذ بقوله في سائر الأحكام بخلاف ما إذا اختلف عليه مفتيان فإنه في مسألة واحدة فوسع فيه أكثر أو يقال وهو الأقرب هو مقيد بذلك أيضا وأهملوه فيها لعلمه من تلك المسألة وبأنا وإن سلمنا فساد القياس المذكور فذلك لا يقتضي ضعف كلام الغزالي المذكور على أن القياس صحيح إذ صورته أن المجتهد اعتقد الأرجحية والمقلد كذلك فتساويا حينئذ ولا نظر إلى أن ذاك يجب عليه البحث دون هذا إذ لا يصح فارقا وبأن دعوى عدم الاعتبار باعتقاد العامي في محل المنع بل هو في محل النزاع .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:49
( وسئل ) رحمه الله تعالى بما صورته قال الشيخان الناس كالمجمعين اليوم على أنه لا مجتهد اليوم هل لهما مستند في ذلك مع ما يلزم عليه من تعطل فرض الكفاية وتأثيم الناس والمفتين غير المجتهدين ؟ ( فأجاب ) بقوله سبقهما إلى ذلك الفخر الرازي وغيره بل قال بعض الأصوليين منا لم يوجد بعد عصر الشافعي رضي الله تعالى عنه مجتهد مستقل أي من كل الوجوه فلا ينافيه قول كثيرين من أصحابنا اتبعنا الشافعي رحمه الله تعالى دون غيره لأنا وجدنا قوله أرجح لا أنا قلدناه أي في كل ما ذهب إليه بل وافق اجتهادنا اجتهاده في كثير من المسائل ومن . ثم قال النووي رحمه الله تعالى كابن الصلاح رحمهما الله تعالى ودعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم لكن نازعهم ابن دقيق العيد واختار قول الحنابلة لا يخلو العصر عن مجتهد ومال إليه في الخادم قال والد ابن دقيق العيد وعزة المجتهد في هذه الأعصار ليس لتعذر حصول آلة الاجتهاد بل لإعراض الناس عن الطريق المفضية إليه وظاهر كلامه هذا تأثيم كل الناس من عصر الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى الآن لأن من فروض الكفايات أن يكون في كل عصر من يصلح للقضاء وقد قال النووي كابن الصلاح رحمهما الله تعالى ومن دهر طويل يزيد على ثلاثمائة سنة عدم المجتهد المستقل ولقولهم ظاهر كلام الأصحاب أن فرض الكفاية لا يتأتى بأصحاب الوجوه لكن قال ابن الصلاح ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد الفتوى لأنه قام مقام المستقل وعلى تسليم ما ذكره فقد تعطل فرض الكفاية بالمعنى الثاني الذي ذكره فالذي يجب الجزم به أن عزة المجتهد إنما هو لتعذر حصول آلة الاجتهاد لا للإعراض عن طريقه لأن أصحابنا وغيرهم بذلوا جهدهم فوق ما يطلق كما يعلم لمن تأمل أخبارهم ومع ذلك فلم يظفروا برتبة الاجتهاد المطلق كما مر وأيضا فقد ذكر الفقهاء أن فرضية ما مر إنما يخاطب بها من جمع الشروط التي ذكروها وإذا تأملت جميع أهل الأعصار المتأخرة لم تجدهم جمعوا تلك الشروط فلا إثم عليهم إذ من تلك الشروط الذكاء والمراد به كما هو ظاهر ذكاء يوصل إلى رتبة الاجتهاد لمن بذل جهده وأفنى عمره في اقتناص شوارد العلوم وأصحابنا وغيرهم قد بذلوا جهدهم وأفنوا عمرهم ولم يظفروا بذلك فعلمنا أنهم لم يتصفوا بالذكاء المذكور فلا وجوب عليهم وكذا يقال في أعصارنا التي خلت عن المجتهد بجميع أقسامه حتى مجتهد الفتوى فلا إثم عليهم في تعطل الفرض بالمعنيين المذكورين في كلام ابن الصلاح السابق فإن قلت ما وجه التعطل عن مجتهد الفتوى قلنا لأنهم ذكروا أن الشيخين وغيرهما ممن لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه كالغزالي وإمامه على نزاع في ذلك إنما هم مجتهدون في الفتوى لا في المذهب ولا مجتهدون منشئون وإذا كانوا هؤلاء الأئمة كذلك فأنى لك في مثل هذه الأعصار المتأخرة أن تجد مثل أقلهم ويدل لما ذكرته قول الجلال المحلي عقب حكايته القول بجواز إفتاء المقلد وإن لم يكن قادرا على التفريع والترجيح لأنه ناقل لما يفتي به عن إمامه وإن لم يصرح بنقله عنه وهذا هو الواقع في الأعصار المتأخرة وقول النووي كابن الصلاح رحمهما الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر المنتسب ومجتهد المذهب : الثالثة أن لا يبلغ مرتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه إلى أن قال وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة الصنف الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف منها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج ثم قال : الرابعة أن يقوم بحفظ المذهب وفهمه ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته ثم قال وما لم تجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به في الفتوى وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب وما ليس كذلك يجب إمساكه ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور إذ يبعد كما قال إمام الحرمين أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت ضابط فانظر جعله من بعد المائة الرابعة ليس من مجتهدي المذهب الدال لما قدمته ثم . كلام الجلال المحلي المذكور يفهم اعتماده لذلك القول وهو قريب لئلا يلزم عليه تأثيم كثير من المتأخرين بإفتائهم مع قصورهم عن درجة المذكورين في كلام النووي رحمه الله تعالى وأما قوله عقب الأقسام الأربعة وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب أي معظمه مع التمكن من الوقوف على الباقي على قرب كما ذكره قبل ذلك وفقه النفس فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } فهو محمول على ما إذا وجد هناك متصف بأحد الأقسام الأربعة التي ذكرها بقرينة قوله بعد ذلك فإن قيل من حفظ كتابا أو أكثر في المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن سبق ولم يجد العامي في بلده غيره فهل له الرجوع إلى قوله فالجواب إن كان في غير بلده مفت يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب إمكانه فإن تعذر ذكر مسألته لذلك القاصر فإن وجدها بعينها في كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل له حكمها بنصها وكان العامي فيها مقلدا صاحب المذهب قال ابن الصلاح وهذا وجدته في ضمن كلام بعضهم والدليل يعضده . ا هـ . قال ابن الصلاح عقب ذلك ثم لا يعد هذا القاصر بأمثال ذلك من المفتين ولا من الأصناف المستعار لهم سمة المفتين وأما ما قطع به الحليمي والجويني والروياني وغيرهم من تحريم إفتاء المقلد بما هو مقلد فيه فهو محمول كما قاله ابن الصلاح على ما إذا ذكره بصورة من يقوله من عند نفسه ثم قال فعلى هذا من عهدناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلا مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه كذا ونحو هذا ومن ترك الإضافة فقد اكتفى بالمعلوم من الحال عن التصريح به . ا هـ .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:51
( وسئل ) رحمه الله تعالى هل يجوز الاعتماد على النقل من الكتب في الأحاديث والفقه وغيرهما ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله مقتضى كلام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة شرح المهذب بل صريحه جواز الاعتماد على الكتب الموثوق بصحتها وصرح به أيضا ابن الصلاح ثم قال ما حاصله ويحصل له الثقة في غير الموثوق بصحتها بأن يجده في عدة من أمثالها وفي الموثوق بصحتها بأن يراه كلاما منتظما وهو فطن لا يخفى عليه غالبا محل الإسقاط والتغيير وإن لم يثق به وكان موافقا لأصول مذهبه وهو أهل لتخريج مثله فله الإفتاء به ولا يحكيه عن إمامه إلا بصيغة وجدت عنه كذا أو نحوها وغير الأهل لا يجوز له ذلك ولا ذكره بلفظ جازم مطلق وله ذكره في غير مقام الفتوى مفصحا بحاله ك وجدت عن فلان أو في نسخة من كتابه كذا ونقل الزركشي في جزء جمعه عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفها وقال إلكيا الطبري من وجد شيئا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به ومنعه قوم من أصحاب الحديث لأنه يسمعه وهو غلط . ا هـ .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:52
( وسئل ) رحمه الله تعالى هل يجوز العمل والإفتاء والحكم بأحد القولين أو الوجهين وإن لم يكن راجحا سواء المقلد البحت والمجتهد في الفتوى وغيره ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله في زوائد الروضة إنه لا يجوز للمفتي والعامل أن يفتي أو يعمل بما شاء من القولين أو الوجهين من غير نظر قال وهذا لا خلاف فيه وسبقه إلى حكاية الإجماع فيهما ابن الصلاح والباجي من المالكية في المفتي . وقد يؤخذ من قول الروضة بغير نظر أن محل ما ذكره بالنسبة للعامل إن كان من أهل النظر بخلاف غيره فإنه يجوز له مطلقا وهو متجه ويدل عليه ما صححه فيها من أن العامي لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين بل له تقليد من شاء وكلام القرافي أول أحكامه وعند السؤال الثاني والعشرين دال على أن المجتهد والمقلد لا يحل لهما الحكم والإفتاء بغير الراجح لأنه اتباع للهوى وهو حرام إجماعا وإن محله في المجتهد ما لم تتعارض الأدلة عنده ويعجز عن الترجيح . وإلا فقيل تسقط وقيل يختار واحدا وليس اتباعا للهوى لأنه بعد بذل الجهد والعجز عن الترجيح وإن لمقلده حينئذ الحكم بأحد القولين إجماعا وهذا لا يخالف كلام الروضة باعتبار ما دل عليه كلامها بعد ما قدمناه عنها ويلتزم أن يقال بقضية كلامه الأخير فإذا وجد قولين أو وجهين في مسألة ولم يعلم الراجح منهما وعجز عن طريق الترجيح جاز له العمل بأيهما أحب فقول السبكي فإن قلت إذا استوى عنده القولان فهل يجوز أن يفتي أو يحكم بأحدهما من غير ترجيح كما إذا استوى عند المجتهد أمارتان يتخير على قول قلت الفرق بينهما أن تعارض الأمارتين قد يحصل حكم التخيير من الله تعالى وأما قول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه مثلا إذا تعارضا ولم يحصل بينهما ترجيح ولا تاريخ يمتنع أن يقال مذهبه كل واحد منهما أو أحدهما لا بعينه حتى يتخير فليس إلا التوقف إلى ظهور الترجيح مناف لكلام القرافي الذي نقل عليه الإجماع ثم مقتضى قول الروضة أيضا وإذا اختلف متبحران في مذهب لاختلافهما في قياس أصل إمامهما ومن هذا يتولد وجوه الأصحاب فبقول أيهما يأخذ العامي فيه ما في اختلاف المجتهدين أي فيكون الأصح التخيير لأنه يجوز تقليد الوجه الضعيف في العمل ويؤيده إفتاء البلقيني بجواز تقليد ابن سريج في الدور وإن ذلك ينفع عند الله تعالى فما في الجواهر عن ابن عبد السلام من امتناعه أخذا من قول ابن الصباغ أنه خطأ غير متجه ويؤيده أيضا قول السبكي في الوقف من فتاويه يجوز تقليد الوجه الضعيف في نفس الأمر أو القوي بالنسبة للعمل في حق نفسه لا الفتوى والحكم فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز . ا هـ . فكلام الروضة السابق محمول بالنسبة للعمل على وجهين لقائل واحد أو شك في كونهما لقائل أو قائلين كما في قولي الإمام لأن المذهب منهما لم يتحرر للمقلد بطريق يعتمده أما إذا تحقق كونهما من اثنين خرج كل واحد منهما من هو أهل للتخريج فيجوز تقليد أحدهما كما يصرح به قول أصل الروضة السابق إذ لا يمكن حمله إلا على هذه الحالة ثم رأيت بعضهم حمل كلام ابن عبد السلام السابق على ما إذا كان أصحاب المذهب اختار كل واحد منهم قولا ثم قال فإن ما كان كذلك التخيير فيه ظاهر لتضمن اختيار كل قول من بعض المذهب ترجيحه فهو كالوجهين لقائلين ثم ذكر عنه جواز تقليد القول الأول وإن رجع عنه قائله ووجهه أن رجوعه عنه إنما هو لأرجحية الثاني عليه فالرجوع لا يقتضي رفع الخلاف السابق كما في أوائل الخادم وحكى الأصوليون في اجتماع أهل العصر بعد اختلافهم قولين في ارتفاع الخلاف فما لم يقع فيه اجتماع أولى وحاصل ما مر الجواز عند ابن عبد السلام في مسألة القولين مطلقا وهو وإن كان له وجه إذ القول الذي قلده إما أن يكون في مسألة غير مولدة فذلك الإمام مسبوق به فيجوز تقليده وإما في مولدة فالرجوع لا يرفع الخلاف كما تقرر لكن المعتمد عند الشيخين وغيرهما ما مر ومقتضى كلام السبكي أن ما مر عن الروضة في المفتي محله في المتعنت فإنه قال : نعم المفتي على مذهب إذا أفتى يكون الشيء واجبا أو مباحا أو حراما على مذهبه حيث يجوز للمقلد الإفتاء ولا يحسن أن يقال ليس له أن يقلد غيره ويفتي بخلافه لأنه حينئذ محض تشبه اللهم إلا أن يقصد مصلحة دينية فنعود إلى ما قدمناه ونقول بجوازه . ا هـ . ومقتضى كلامه أيضا أن ما مر عنها في الخادم محله في غير من له أهلية الترجيح بخلاف من له ذلك فإنه متى رجح قولا منقولا بدليل جيد جاز ونفذ حكمه به وإن كان مرجوحا عند أكثر الأصحاب ما لم يكن بعيدا شاذا أو يخرج عن مذهبه وإلا جاز إن ظهر له رجحانه وهو من أهله ولم يشترط عليه التزام مذهب بلفظ كوليتك على مذهب فلان أو عرف وأفتى السبكي أيضا بأنه يجوز تقليد القول ب صحة بيع الغائب لأنه قول الأكثر والدليل يعضده ولاحتياج أكثر الناس إليه في أكثر ما يراد شراؤه .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:53
( وسئل ) رحمه الله تعالى هل يجب بعد تدوين المذاهب التزام أحدها وهل له الانتقال عما التزمه ؟ ( فأجاب ) بقوله الذي نقله في زيادات الروضة عن الأصحاب وجوب ذلك وأنه لا يفعله بمجرد التشهي ولا بما وجد عليه أباه بل يختار ما يعتقده أرجح أو مساويا إن اعتقد شيئا من ذلك وإلا فهو لا يجب عليه البحث عن أقوم المذاهب كما لا يجب عليه البحث عن الأعلم ثم قال والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب بل يستفتي من شاء أو من اتفق لكن من غير تلقط الرخص فلعل من منعه لم يثق بعدم تلقطه . ا هـ . وظاهره جواز الانتقال وإن اعتقد الثاني مرجوحا وجواز تقليد إمام في مسألة وآخر في أخرى وهكذا من غير التزام مذهب معين أفتى به العز بن عبد السلام والشرف البارزي وفي الخادم عن ابن أبي الدم في باب القدوة ما يؤيده وإن كان مردودا من جهة أخرى كما يعرف بتأمله وعبارة الغزالي في فتاويه لا يجوز لأحد أن ينتحل مذهب إمام رأسا إلا إذا غلب على ظنه أنه أولى الأئمة بالصواب ويحصل له غلبة الظن . إما بالتسامع من الأفواه أو بكون أكثر الخلق تابعين لذلك الإمام فصار قول العامي أنا شافعي أنا حنفي لا معنى له لأنه لا يتبع إماما عن غلبة الظن بل يجب أن يقلد في كل حادثة من حضر عنده من العلماء في تلك الساعة ثم اشتراط عدم تتبع الرخص هو المعتمد وتبعه المحقق الكمال بن الهمام من الحنفية وعلى الأول فهل يفسق بالتتبع وجهان أوجههما أنه لا يفسق كما يقتضيه كلام النووي في فتاويه وقول بعضهم إن ابن حزم حكى الإجماع على الفسق محمول على متتبعها من غير تقليد وإلا فقد أفتى ابن عبد السلام بجوازه وقال : إن إنكاره جهل وهل المراد بالرخص هنا الأمور السهلة أو التي ينطبق عليها ضابط الرخصة عند الأصوليين محل نظر ولم أر من نبه عليه ومقتضى تعبير أصل الروضة بالأهون عليه الأول وليس ببعيد ثم شرط الانتقال أن لا يعمل بمذهب في واقعة مع بقائه على تقليد إمام آخر في تلك الواقعة وهو يرى فيها خلاف ما يريد العمل به وأن يكون ذلك الحكم مما ينقض فيه قضاء القاضي قاله ابن عبد السلام وتابعه عليه ابن دقيق العيد وألحق بما ينقض ما خالف ظاهر النص بحيث يكون التأويل مستكرها وزاد شرطين آخرين كما في الخادم أحدهما أن لا تجتمع صورة يقع الإجماع على بطلانها كما إذا افتصد ومس الذكر وصلى . الثاني انشراح صدره للتقليد وعدم اعتقاده لكونه متلاعبا بالدين لحديث : { الإثم ما حاك في نفسك } قال بل أقول إن هذا شرط جميع التكاليف وهو أن لا يقدم إنسان على ما يعتقده مخالفا لأمر الله عز وجل وبالأول جزم القرافي ومثله بمن قلد مالكا في عدم النقض باللمس بلا شهوة فلا بد أن يكون قلد مالكا في تلك الطهارة التي مس فيها ويمسح جميع رأسه وإلا فصلاته باطلة عند الإمامين ونقله عنه الإسنوي وأقره وذكر من فروعه ما لو نكح بلا ولي ولا شهود فإنه يحد كما قاله الرافعي لاتفاق أبي حنيفة ومالك على بطلان النكاح وأما الثالث كالذي وافق عليه ابن عبد السلام فنظر فيهما بأن العامي لا يستقل بذلك ولا وثوق بما في ظنه وبأنهما مبنيان على وجوب البحث والعمل بما يترجح عنده ويميل قلبه إليه والمعتمد خلافه نعم إن علم ذلك ممن له أهلية فيمكن القول بما ذكره ابن عبد السلام ويؤيده إيجابهم الحد على من وطئ أمة بإذن مالكها وإن قلد عطاء وطاوسا في إباحة ذلك وأما ما زاده ابن دقيق العيد فبعيد جدا كما قاله بعض المتأخرين إذ ما من مذهب إلا وهو مشتمل على مثل ذلك ولا يخفى ما فيه من المشقة المنافية للرخص للعوام في تقليد من شاءوا وما ذكره من التلاعب بالدين ممنوع لأنه لا يتأتى مع فعل ما خير فيه شرعا وكذا دعواه اعتقاد المخالفة إذ من قلد الشافعي واعتقد أرجحيته يرى جواز تقليد الحنفي بناء على جواز التخيير وعدم لزوم التقييد بالراجح وهو الأصح فمتى قلده لا يقال إنه أقدم على ما يعتقده مخالفا لأمر الله تعالى بل ما يعتقد موافقته له وفي صحيح مسلم { الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس } فلا دليل فيه ومعنى حاك تردد حتى حصل في القلب شك وخوف كونه ذنبا أو رسخ فيه واستقر كونه ذنبا أو خرج جوابا لفطن حاذق الفهم دون ضعيف الإدراك وعلى كل فلا دليل فيه وشرط ابن السبكي تبعا للآمدي وابن الحاجب أن لا يعمل بقول إمامه في واقعة قالا فمتى عمل به في واقعة فليس له الرجوع عنه اتفاقا كذا نقل عنهما غير واحد لكن في تمهيد الإسنوي عن ابن الحاجب إثبات الخلاف ولكنه فرضه فيمن التزم مذهبا معينا وكلام ابن الحاجب دال عليه لكن يلزم عليه حكاية الاتفاق على المنع فيمن لم يلتزم مذهبا معينا وإثبات خلاف في الملتزم وما أبعده إذ العكس أولى لأن التزامه ملزم له كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة على أن السبكي في فتاويه منع دعوى الاتفاق حيث قال ما حاصله السابعة أن يعمل بتقليده الأول كالحنفي يدعي شفعة الجوار فيأخذها بمذهبه ثم تستحق عليه فيريد تقليد الشافعي رضي الله تعالى عنه فيمنع لأنه مخطئ إما أولا أو ثانيا وهو شخص واحد مكلف أي والقضية واحدة بخلاف ما لو اشترى هذا الحنفي عقارا آخر فإن له تقليد الشافعي رضي الله تعالى عنه في امتناع شفعة الجوار قال وقول الآمدي وابن الحاجب يجوز قبل العمل لا بعده بالاتفاق . دعوى الاتفاق فيها نظر وفي كلام غيرهما ما يشعر بإثبات خلاف بعد العمل أيضا وكيف يمتنع إذا اعتقد صحته ولكن وجه ما قالاه أنه بالتزامه مذهب إمام يكلف به ما لم يظهر له غيره والعامي لا يظهر له الغير ولا بأس به لكن أرى تنزيله على الصورة التي ذكرتها ثم استشهد لما اختاره بما فيه طول ويجوز الانتقال مطلقا أفتى العز بن عبد السلام وهو مقتضى كلام النووي وقد صرح في مجموعه بأن ما شمله إطلاق الأصحاب في حكم المنقول فلا يعتد بمخالفة بعضهم له وتبعه على ذلك الإسنوي والولي العراقي والجلال البلقيني ويؤيد ما مر من الإطلاق ما في الخادم عن القاضي أبي الطيب من أنه هم بالتحرم فذرق عليه طير فقال أنا حنبلي وأحرم ومعلوم أنه كان يتجنب ذرق الطيور لنجاسته عنده وفي المجموع يسن لمن نسي النية في رمضان أن ينوي أول النهار لإجزائه عند أبي حنيفة فيحتاط بالنية فنيته حينئذ تقليد له وإلا كان متلبسا بعبادة فاسدة في اعتقاده وذلك حرام .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:56
( وسئل ) رحمه الله تعالى هل يجوز تقليد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أم لا فما الدليل عليه ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناعه على العوام لارتفاع الثقة بمذاهبهم إذ لم تدون وتحرر وجزم به ابن الصلاح . وألحق بالصحابة التابعين وغيرهما ممن لم يدون مذهبه وبأن التقليد متعين للأئمة الأربعة فقط قال لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم ففيه فتاوى مجردة لعل لها مكملا أو مقيدا لو انبسط كلامه فيها لظهر خلاف ما يبدو منه فامتنع التقليد إذا لتعذر الوقوف على حقيقة مذاهبهم . ا هـ . والقول الثاني جواز تقليدهم كسائر المجتهدين قال ابن السبكي وهو الصحيح عندي . غير أني أقول لا خلاف في الحقيقة بل إن تحقق مذهب لهم جاز وفاقا وإلا فلا . ا هـ . ويؤيده ما نقله الزركشي عن جمع من العلماء المحققين أنهم ذهبوا إلى جواز تقليدهم واستدل له ثم قال وهذا هو الصحيح إن علم دليله وصح طريقه ولهذا قال ابن عبد السلام في فتاويه إذا صح عن صحابي ثبوت مذهب جاز تقليده وفاقا وإلا فلا ؛ لا لكونه لا يقلد بل لأن مذهبه لم يثبت كل الثبوت . ا هـ . كلام الزركشي فتأمله مع قول ابن عبد السلام وفاقا يتضح لك اعتماد ما ذكره ابن السبكي ومقتضى قول المجموع فعلى هذا أي وجوب التمذهب بمذهب معين يلزم أن يجتهد في إثبات مذهب إلى أن قال وليس له التمذهب بمذهب أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبسط دليله وبين أن مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أقوم المذاهب إن ذلك مفرع على القول الضعيف ويدل له قول ابن برهان تقليد الصحابة مبني على جواز الانتقال في المذاهب فمن منعه منع تقليدهم لأن فتاويهم لا يقدر على استحضارها في كل واقعة حتى يمكن الاكتفاء بها فيؤدي إلى الانتقال ومذاهب المتأخرين تمهدت فيكفي المذهب الواحد المكافئ طول عمره . ا هـ . وهو حسن بالغ وبه يعلم جواز تقليدهم في مسائل إذ لا يجب التمذهب بمذهب معين خلافا للحنفية .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 12:58
( وسئل ) رحمه الله تعالى عن مسألة فيها قولان بالحل والحرمة كشرب النبيذ فشربه من غير تقليد القائل بالحل فهل يأثم أو لا لأن إضافته لأحدهما ليست بأولى من إضافته للآخر ؟ ( فأجاب ) بقوله أجاب عن ذلك ابن عبد السلام بما حاصله أن علم المكلف بما هو ملابس له فرض عين فيجب على المتلبس بشرب النبيذ النظر قبل ذلك فيمن أحله أو حرمه ليقدم أو يترك . فهو عاص بترك ذلك وكذا بالشرب أخذا من قول الشافعي رضي الله تعالى عنه من باع بيع النجش أثم وإن لم يبلغه النهي لأن الخيانة قد علم تحريمها من الدين بالضرورة فإثمه لتقصيره بخلاف من باع على بيع أخيه فحاصله أن ما فعله إن اشتهرت حرمته في الشرع أثم وإلا فلا وأنه لا فرق بين أن يكون متفقا على حكمه أو مختلفا فيه وقلد القائل بالحرمة أم لم يقلد وهو متجه وهو ظاهر إن علم أن في المسألة خلافا وإلا . فإن عذر بجهله لم يأثم كما يقتضيه ما في مقدمة المجموع عن ابن الصلاح وإن رده الأذرعي بأنه إذا لم يجد من يعلمه مطلقا كانت الأشياء على الإباحة كما قبل ورود الشرع وإن لم يعذر أثم من حيث ترك التعلم اتفاقا وكذا من حيث الشرب على ما اقتضاه كلام ابن عبد السلام ويحتمل خلافه وفي الحجر من الخادم عن الماوردي أن الصبي إذا كان شافعيا وبلغ وهو يشرب النبيذ فسق وعن ابن أبي هريرة رحمه الله تعالى لا يفسق ثم بحث طرد ذلك في كل ما اختلف فيه من هذا الجنس ورد غيره ما ذكر ابن أبي هريرة بأنه فرعه على ما يراه من جواز تتبع الرخص وفيه نظر لأن محله ما إذا نوى تقليد القائل بالحل وفي هذه إذا نوى ذلك لا يفسق لأن هذه مسألة واحدة فالتقليد فيها لا يقال إنه تتبع للرخص فالوجه أنه جعل الاختلاف في الحل مانعا للفسق وكلامهم يرده ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:02
( وسئل ) رحمه الله تعالى هل للشافعي الأخذ بشفعة الجوار إذا قضى له بها حنفي والشهادة بها وبنحوها كالتعريض بالقذف عنده وإذا أمر الإمام جلادا شافعيا بقتل مسلم بكافر هل يحل امتثال أمره أم لا ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى به بقوله أما المسألة الأولى فيحل الأخذ فيها ظاهرا وباطنا كما رجحه الشيخان في باب القسامة حيث نقلاه عن ميل الأئمة ونقلاه في الدعاوى عن الأكثرين والقاضي والإمام عن الجمهور فهو المعتمد وإن خالف فيه جماعة من أصحابنا واعتمده السبكي . ومال إليه كلام الشيخين في موجبات الضمان كما قيل على نظر فيه لاستغنائهما بما صرحا به في مواضع ويشهد له ما حكاه ابن أبي الدم عن الأصحاب من أن الحنفي لو خلل خمرا بما لا يطهر به عند الشافعي فأتلفها فرفعه لحنفي فقضى على الشافعي بضمانها لزمه قولا واحدا حتى لو لم يكن للمدعي بينة وطالبه بعد بأداء قيمتها لم يجز له أن يحلف أنه لا يلزمه شيء وفرضه كون المدعي حنفيا ليس بقيد بل لو كان شافعيا كان كذلك وما في فتاوى ابن الصلاح من جواز بيع الوقف على النفس باطنا وإن حكم به حنفي ونفذه شافعي فمبني على مقابل كلام الشيخين وأما الثانية فصحح في زيادة الروضة فيها قبول الشهادة . وظاهره أنه لا فرق بين أن يقول أشهد أن فلانا جار فلان أو أنه يستحقها عليه بسبب الجوار أو أنه يستحق عليه الشفعة والأولى ظاهرة والثانية كذلك وإن تردد فيها الأذرعي والثالثة لا تقبل كما رجحه الهروي لاختلاف الناس فيما يستحق فيه الشفعة وبم تستحق وحكى في أصل الروضة وجهين في باب الشهادة في جواز الأداء وحكى بعده وجهين في جواز التحمل وحكى عن الصيمري ترجيح الجواز ومنه يعلم ترجيح جواز الأداء بالأولى بل وجوبه لأنه حيث جاز التحمل وتحمل لزمه الأداء كما اقتضاه كلامهم وظاهر ما تقرر أنه لا فرق بين أن يقلد الشاهد القائل بذلك أو لا لكن في فتاوى ابن عبد السلام لا يجوز لشافعي أن يحضر عقد حنفي على صغيرة لا أب لها ولا جد ولا الشهادة على الصبية بإذنها في التزويج في ذلك إلا إذا قلد الحنفي . ا هـ . وفي عمومه نظر والأوجه ما قاله السبكي في فتاويه فيمن حضر عقد نكاح يخالف مذهبه من أن له أن يشهد بجريانه وإن لم يقلد فإن أراد أن يشهد بالزوجية لم يجز إلا إن قلد وكذا لا يجوز أن يتسبب فيه ويتعاطى ما يعين عليه إلا إن قلد وإنما يجوز عند عدم التقليد الشهادة بجريانه إذا اتفق حضوره وطلب منه الأداء فلا يمتنع ونقل الدميري عنه أنه لا يحل للشافعي أن يشهد بالكفر أو بالتعريض بالقذف أو بموجب التعزير عند من يعلم أنه لا يقبل التوبة ويحد بالتعزير ويعزر بما ينتهي إلى القتل وفرق بينه وبين مسألة الشفعة بأن الأموال أخف ويؤيده قول ابن سراقة ليس له أن يشهد عند حنفي على مسلم بقتل كافر لأنه يقتله به وأما المسألة الثالثة فحيث لم يقلد الجلاد أبا حنيفة رحمه الله تعالى حرم عليه وقتل به وضمنه كما نقله في أصل الروضة عن قطع البغوي وغيره وفرق بينه وبين مسألة الشفعة بأن الذي يستفيد الحل هو المحكوم له بثبوت القصاص دون الجلاد فيؤاخذ بما عمله مما يخالف عقيدته وإن أذن له الإمام ما لم يوكله المستحق على الأوجه .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:04
( وسئل ) رحمه الله تعالى عما إذا كانت مسألة ذات قولين أو وجهين أو طريقين ولم يصحح أحد من علماء المذهب أحدهما هل يجوز لغير المجتهد العمل بأيهما شاء أو بهما إذا لم يجد أهلا للتصحيح أولا ولو لم يوجد نقل في مسألة فهل يجوز الإقدام عليها عملا بالإباحة الأصلية أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله إن عدم المفتي في بلده وغيره لم يؤاخذ بما فعل في المسألتين وإن وجده بغير بلده لزمه التوصل إلى سؤاله بأي وجه قدر عليه ولا يجوز له العمل في واحدة من المسألتين بشيء قبل ذلك وتحرم عليه الإقامة ببلد لا مفتي بها إلا إن سهلت عليه مراجعة مفت ببلد آخر وقول بعضهم لا تحرم إقامته المذكورة يتعين حمله على ما إذا كان ببلده من يعرف الأحكام الظاهرة التي يعم وقوعها أما بلد ليس فيها من يعرف الأحكام الظاهرة التي يلزم العامة تعلمها فحرمة إقامته بها واضحة وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق حرمة الإقامة بمحل لا مفتي به وإطلاق عدم حرمته وكلا العبارتين وقع لبعض الأئمة فيتعين حمل كل منهما على ما ذكرته .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:11
( وسئل ) رحمه الله تعالى بما صورته ذكر الإمام النسفي الحنفي في المصفى أنه يجب علينا إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا في الفروع أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب أي بناء على أن المصيب في الفروع واحد وغيره مخطئ مأجور . فهل صرح أصحابنا بمثل ذلك وهل منعهم الاقتداء بالمخالف حيث ارتكب مبطلا مقتض لذلك وهل يسوغ للمفتي أن يفتي بمذهب مخالفه وذلك بأن يفتي الحنفي بعدم وجوب الزكاة في مال موليه أو ليس له ذلك بل ولا بالوجه الضعيف المرجوح عند الشيخين ويقال إن بيان الحكم للمستفتي المخالف بنحو ذلك إنما هو من الرواية وحكاية مذهب الغير لا الإفتاء المتوقف على الاعتقاد تفضلوا ببيان ذلك وبسط الكلام ونقل ما لهم فيه تصريحا وتلويحا فإن المقام قد يخفى على كثير حتى توهم بعض المتفقهة أن القول بخطإ المخالف واعتقاد بطلان صلاته مناف لكونه على هدى من ربه عز وجل . ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله : نعم صرح أصحابنا بما يفهم ذلك لا بقيد الوجوب الذي ذكره ففي العدة لابن الصباغ كان أبو إسحاق المروزي وأبو علي الطبري يقولان إن مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه أن الحق في واحد إلا أن المجتهد لا يعلم أنه مصيب وإنما يظن ذلك . ا هـ . وإذا كان المجتهد لا يعلم الإصابة وإنما يظنها فمقلده أولى ومعلوم أن الظن يقابله الوهم وهو احتمال الخطإ فنتج أن المجتهد يظن إصابته ويجوز خطؤه وأن مقلده كذلك وحينئذ يلزم ما ذكر عن النسفي . ومما يصرح بذلك أيضا مراعاة الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه خلاف الخصوم في مسائل كثيرة فذلك تصريح منهم بأنهم إنما يظنون إصابة ما ذهب إليه إمامهم وأنهم لا يقطعون بخطإ مخالفيه وإلا لم يراعوا خلافهم فلما راعوه علم أنهم يجوزون إصابته الحق وإن كان الأغلب على ظنهم أن الحق هو ما ذهب إليه إمامهم وما أحسن قول الزركشي قد راعى الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة وهذا إنما يتمشى على القول بأن مدعي الإصابة لا يقطع بخطإ مخالفه وذلك لأن المجتهد لما كان يجوز خلاف ما غلب على ظنه ونظر في متمسك خصمه فرأى له موقعا راعاه على وجه لا يخل بما غلب على ظنه وأكثره من باب الاحتياط والورع وهذا من دقيق النظر والأخذ بالحزم . قال القرطبي ولذلك راعى مالك رضي الله تعالى عنه الخلاف قال وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة الخلاف وهو جهل أو عدم إنصاف وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف وإنما راعى خلافا لشدة قوته فإن قلت : هذا لا حجة فيه لأن ابن الأنباري استشكل ندب الخروج من الخلاف بأنه إحداث قول لم يقل به أحد فيما إذا اختلفت الأمة على قولين التحريم والإباحة قال فالقول بأن الترك متعلق الثواب والفعل جائز قول لم يقل به أحد . ا هـ . قلت يجاب عن إشكاله هذا وإن نقله الأصوليون ولم يجيبوا عنه بأنه إنما يلزم ما زعمه أن لو كان الندب الذي قلنا به من الجهة التي اختلف بسببها في إباحته وحرمته وليس كذلك وإنما الترك فيه له جهة أخرى خارجة عن ذلك اقتضى تحذيره صلى الله عليه وسلم عن الشبهات وتأكيده في طلب ما لا شبهة فيه أنه أعني الترك أولى من هذه الجهة وإن كان واجبا من جهة أخرى كمفسدة أدركها القائل بالحرمة أو جائزا من جهة أخرى لكون القائل به لم يدرك تلك المفسدة ولقد قالوا ردا على من زعم أنه ما من مباح إلا ويتحقق به ترك حرام فيكون واجبا : إن كلامنا ليس في تلك الجهة التي نظر إليها ذلك القائل ثم أشاروا إلى أن الخلاف لفظي أي لأن من نظر لتلك الجهة حكم بأنه واجب ومن لم ينظر إليها حكم بأنه مباح فعلمنا أن الكلام مختلف باختلاف النظر إلى الجهات الناشئة هي عنها . فكذا في مسألة الخروج من الخلاف فلا يلزم عليها ما زعمه ابن الأنباري فتأمله فإنه مهم ومما يصرح بذلك أيضا قول المزني جاء عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه حكم بين خصمين في طست ثم غرمه للمقضي عليه قال المزني فلو كان يقطع بأن الذي قضى به هو الحق لما تأثم من الحق الذي ليس عليه غيره ولا غرم للظالم ثمن طسته في حكم الله تعالى أنه ظالم بمنعه إياه من صاحبه قال ولكنه عندي خاف أن يكون قضى عليه بما أغفل عنه وظلمه من حيث لا يعلم فتورع باستحلال ذلك منه وغرمه له وكان غرمه له مع استيفائه أنه ليس عليه طلبا للثواب فحسب لما خفي عليه أن إعطاءه لمحتاج أعظم لأجره . ا هـ . فتأمل ذلك من المزني رحمه الله تعالى تجده صريحا فيما في السؤال عن النسفي وكان هذا المذكور عن أبي حنيفة أو نحوه هو مستند النسفي فيما ذكره وإلا فالذي عليه أكثر الحنفية أن كل مجتهد في الفروع مصيب ومقالة النسفي المذكورة لا تتأتى إلا على ما عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه ونقل عن أبي حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما وغيرهما وفي ذلك وتحريره خلاف طويل الذيل وليس هذا محل بسطه أن المصيب واحد ثم رأيت أن ما قاله النسفي بعينه هو أحد وجهين لأصحابنا وأن القاضي أبا الطيب منهم رجح خلافه . فقال أعلم إصابتنا وأقطع بخطإ من خالفنا ومنعه من الحكم باجتهاده غير أني لا أأثمه . ا هـ . وبما قدمته عن ابن الصباغ عن الأصحاب وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب رحمهم الله تعالى في ندب الخروج من الخلاف وعن المزني تعلم أن الأصح غير ما قاله القاضي أبو الطيب وإن قال الزركشي إنه الأصح وقد يحمل كلام القاضي على المسائل التي يقول فيها بنقض حكم الحاكم فهذه نقطع فيها بخطإ المخالف لأنه خالف الدليل القطعي إذ لا نقول ذلك أعني النقض إلا فيما دليله قطعي لا يقبل التأويل بخلاف غيره .
يتبع،،

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:17
ومن ثم اختلف أئمتنا في النقض في مسائل كثيرة ومنشأ اختلافهم أن المخالف هل خالف دليلا قطعيا لا يؤول أم لا والأصح في أكثرهم أنه لا نقض لأن المخالف لم يخالف إلا بحجة متماسكة ويؤيد هذا الحمل الذي ذكرته قول الشيخ عز الدين بن عبد السلام في قواعده من صوب المجتهدين شرط في ذلك أن لا يكون مذهب الخصم مستندا إلى دليل ينقض الحكم المستند إليه قال ولهذا لم يكن شرب النبيذ للحنفي مباحا وإن بتصويبهم . ا هـ . فإذا استثنى الشيخ هذا على القول بتصويب المجتهدين فما بالك به على القول بأن المصيب واحد ومما يدل على ضعف كلام القاضي قوله لا يجوز للشافعي أن يفوض القضاء لحنفي في مسألة يعتقد المفوض أن مذهب أبي حنيفة غير صحيح لأنه يعين على ما يعتقد تحريمه قال ولكن يجوز أن يفوض إليه الحكم فيها لاحتمال أن يتغير اجتهاده فيوافق الشافعي فلا يكون المفوض معينا على ما يعتقد منعه . ا هـ . ووجه دلالة هذا على أنه ضعيف أنه مخالف لما أطبقوا عليه بعد انقضاء عصر المجتهدين من أن الشافعي يولي الحنفي وغيره وإن لم يكونوا مجتهدين ولا احتمل تغيرهم عن مذهبهم في مسائل عامة وخاصة لا يراها المولي بل كثيرا ما يولون المخالف في مسألة خاصة ليحكم بها على مذهبه فوقوع الإجماع الفعلي على ذلك من منذ مئات من السنين يدل على جوازه وأنه لا إعانة في ذلك على معصية ألبتة . ومما يدل على ضعف كلام القاضي أيضا قول إمام الحرمين في النهاية من فروع مسألة أن المصيب واحد أو الكل : اقتداء الشافعي بالحنفي والأصح فيه الصحة إلا أن يتحقق خلافه بما يشترطه أو يوجبه لأنا لا نقطع بالمخالفة حينئذ فتأمل قوله لا نقطع بالمخالفة حينئذ مع جعله ذلك من فروع أن المصيب واحد أو الكل تجده صريحا في رد كلام القاضي وبكلام الإمام هذا يعرف الجواب عن قول السائل نفع الله تعالى به . وهل منعهم الاقتداء بالمخالف إلخ وما قدمته عن قواعد الشيخ عز الدين صرح به في فتاويه أيضا لكن بزيادة فقال فإن خالفت فتوى إمامه حديثا صحيحا فإن خالف مخالفة ينقض بها حكمه أن لو حكم به لم يجز تقليده فيما ذهب إليه لأنه مخطئ وليس في الخطإ قدوة ولا في الباطل أسوة ثم قال وله أن ينتقل من تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر في جميع ما يذهب إليه بشرط أن لا ينقض بمثله لأنا إذا قلنا بتصويب المجتهدين فلا ينكر على أحد أن ينتقل من صواب إلى صواب آخر وإن قلنا المصيب واحد فهو غير معين . ا هـ . وتبعه تلميذه الإمام المجتهد ابن دقيق العيد فاشترط في جواز التقليد أن يكون ما قلد فيه بحيث لا ينقض لو قضى به قاض وأقره الزركشي وغيره وبه يتضح ما قدمته أن محل الوجهين السابقين فيما لا ينقض لو حكم به حاكم أما هو فيعتقد خطأ المخالف فيه يقينا من غير خلاف في ذلك . وأما ما زاده ابن دقيق العيد على شيخه بقوله بعد ما مر عنه موافقة لشيخه لا يشترط كون الحكم مما ينقض فيه قضاء القاضي بل يكفي في عدم جواز تقليد القائل به كونه مخالفا لظاهر النصوص بحيث يكون التأويل مستكرها فالظاهر أنه غير معتمد والذي دل عليه كلام الشيخين وغيرهما جواز التقليد حينئذ ثم رأيت بعض المتأخرين قال عقب كلامه هذا وهو بعيد جدا وما من مذهب إلا وهو مشتمل على مثل ذلك ولا يخفى ما في تكليف العوام الاجتناب عن ذلك من المشقة التي لا تليق برخصة جواز التقليد لهم وكأنه فرعه على الضعيف أنه يجب البحث والعمل بما يترجح عند المقلد ويميل إليه قلبه والأصح أنه مخير في تقليد من شاء ولو مفضولا عنده مع وجود الأفضل ما لم يتتبع الرخص بل وإن تتبعها على ما قاله بعض أصحابنا واعتمده الشيخ عز الدين وأطال في الاستدلال له وهنا دقيقة ينبغي التفطن لها وكثيرا ما يغفل عنها وهي أن ما قاله النسفي وقلناه من كلام أصحابنا واختلافهم وأن الأرجح هو الموافق لما قاله النسفي إنما يتأتى ذلك على الضعيف أنه يجب تقليد الأعلم ولا يجوز تقليد غيره مع وجوده فحينئذ إذا فقد الأعلم هل يقطع بأن مذهبه صواب ومذهب غيره خطأ أم يظن ذلك ولا يقطع به فيه الخلاف السابق والأصح منه هو الثاني كما تقرر أما إذا قلنا بالأصح المنقول في الروضة وغيرها عن الجمهور واعتمدوه أنه يتخير في تقليد أي من شاء من المجتهدين ولو مفضولا مع وجود فاضل وإن اعتقده كذلك أخذا مما في مقدمة المجموع ومما فيه وفي غيره في التقليد في القبلة واختيار الروضة لخلافه إنما هو من حيث المدرك عنده لا من حيث النقل فلا يلزم اعتقاد ذلك بل لا يتصور منه لأنه مع اعتقاده أن إمامه مفضول لا يمكن أن يقطع بل ولا يظن بأنه على الصواب وغيره على الخطإ وإنما غاية أمره أنه يجوز موافقته للصواب وهذا كاف في حق العامي لأنا إن قلنا كل مجتهد مصيب وهو ما عليه كثيرون من الشافعية وغيرهم بل نقله غير واحد عن أكثر العلماء وللشافعي رضي الله تعالى عنه عبارات تقتضيه . وعبارات تمنعه ومن ثم كثر اختلاف أصحابه في فهم عباراته في ذلك وغلط بعضهم بعضا ولتحرير ذلك محل يليق به غير هذا فالأمر واضح وإن قلنا إن المصيب واحد وغيره مأجور على اجتهاده وقصده الحق وهو المعتمد فذلك الواحد مبهم فيكفي اعتقاد العامي أنه يحتمل أن إمامه صادف ذلك الحق فبان بما قررته أن المقلد لا يلزمه أن يعتقد إلا أن ما ذهب إليه إمامه يحتمل أنه الحق عند الله سبحانه وتعالى وأما ظنه لذلك أو القطع به فلا وكيف يتصور من العامي حقيقة ظن ذلك أو القطع به وهي أعني تلك الحقيقة إنما تنشأ عن النظر في الدليل على وجهه وذلك لا يتصور إلا للمجتهد والكلام إنما هو في المقلد فبهذا عرف أن من عبر بالظن أو القطع فيما مر لم يرد بذلك إلا الصورة دون الحقيقة لاستحالة وجودها لغير المجتهد فتأمل ذلك وما قبله فإن كلا منهما دقيق غامض ثم رأيت محقق الحنفية الكمال بن الهمام صرح بما يؤيد ما ذكرته في كلام النسفي منهم حيث قال إن أخذ العامي بما يقع في قلبه أنه أصوب أولى . وعلى هذا إذا استفتى مجتهدين فاختلفا عليه فالأولى أن يأخذ بما يميل إليه قلبه منهما وعندي أنه لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه جاز لأن ميله وعدمه سواء والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل . ا هـ . وقد توسع ابن عبد السلام فيما مر من منع التقليد فيما ينقض الحكم به فقال لا يجوز التقليد في تصحيح الدور في المسألة السريجية وإن ذلك مما ينقض فيه قضاء القاضي لمخالفته للقواعد الشرعية . ا هـ . وما علل به ممنوع بل كثير من القواعد الشرعية يشهد لتصحيح الدور بل ليس على بطلانه حجة صحيحة إلا ما فيه من سد باب الطلاق المعلوم من الظواهر عدم قبوله للسد وهذا وحده غير كاف في منع التقليد . وجواز النقض فالوجه ما قاله البلقيني من جواز التقليد فيه وإنه لا عقاب على من قلد في ذلك لأن الفروع الاجتهادية لا عقاب فيها أي لمن قلد فيها لا مطلقا خلافا لبعضهم وقول ابن الصباغ إن تصحيحه خطأ ليس مذهبا للشافعي لا يقتضي منع تقليده لأنه شخص من الأصحاب تفرد بمقالة باعتبار ما عنده فلا يكون حجة على غيره ممن يقول بصحته لا سيما وهم الأكثرون على ما فيه مما بينته في كتابي الأدلة المرضية على بطلان الدور في المسألة السريجية وقول السائل نفع الله تعالى به وهل يسوغ للمفتي إلخ جوابه نعم يسوغ له الإفتاء بمذهبه وخلاف مذهبه إذا عرف ما يفتي به على وجهه وأضافه إلى الإمام القائل به لأن الإفتاء في العصر المتأخرة إنما سبيله النقل . والرواية لانقطاع الاجتهاد بسائر مراتبه من منذ أزمنة كما صرح به غير واحد وإذا كان هذا هو سبيل المفتين اليوم فلا فرق بين أن ينقل الحكم عن إمامه أو غيره بل لو فرض أن شخصا له قوة اجتهاد الفتوى في مذهبه وغيره جاز له الإفتاء بما تقتضيه قواعد المذهبين لكن مع بيان ذلك ونسبة كل رأي إلى الإمام القائل به وهذا هو ملحظ ما وقع لغير واحد من الأئمة أنه كان يفتي على مذهبين كالعارف الإمام عبد القادر الجيلي رحمه الله تعالى كان يفتي على مذهب الشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهما وكابن دقيق العيد قيل كان يفتي على مذهب الشافعي ومالك رضي الله تعالى عنهما . فإن قلت لم لا نقول بتفصيل السبكي في ذلك الذي أشار إليه بقوله للمفتي على مذهب إمام إذا أفتى بكون الشيء واجبا أو مباحا أو حراما على مذهبه حيث يجوز للمقلد الإفتاء يحسن أن يقال ليس له أن يقلد غيره ويفتي بخلافه لأنه حينئذ محض تشبه اللهم إلا أن يقصد مصلحة دينية فيعود إلى ما قدمناه . ونقول بجوازه كما روي عن ابن القاسم أنه أفتى ولده في نذر اللجاج بمذهب الليث والخلاص بكفارة يمين وقال إن عدت لم أفتك إلا بقول مالك يعني بالوفاء على أنا حملنا قول ابن القاسم هذا على أنه كان يرى التخيير فله أن يفتي بكل منهما إذا رآه مصلحة والمقلد لا يمتنع عليه ذلك وإن لم ير التخيير إذا قصد مصلحة دينية وأما بالتشهي فلا . ا هـ . قلت كلامه رحمه الله تعالى في غير ما قررناه لأنه في منتقل إلى مذهب غير مذهبه ليعتقده ويفتي به بدليل فرضه لكلامه فيمن أفتى بحل شيء مثلا تقليدا لإمام ثم أراد أن يقلد من قال بحرمته ويفتي به فليس له ذلك بمجرد التشهي . وأما ما قررناه فإنه ليس في ذلك بل في ملتزم بالنسبة لعلمه مذهبا معينا ثم أفتى غيره بحكم في مذهب إمام آخر فله ذلك مطلقا إذ لا تشهي هنا بوجه على أن ما قاله السبكي إنما يتأتى على الضعيف أنه يجب تقليد من اعتقده أفضل ولا يجوز الانتقال عنه إلا لمصلحة دينية أما على الصحيح وهو التخيير مطلقا وجواز الانتقال إلى أي مذهب من المذاهب المعتبرة ولو بمجرد التشهي ما لم يتتبع الرخص بل وإن تتبعها على ما مر فله وإن أفتى بحكم أن ينتقل إلى خلافه بأن يقلد القائل به ويفتي به ما لم يترتب على ذلك تلفيق التقليد المستلزم بطلان تلك الصورة باجتماع المذهبين بل . وإن لزم عليه ذلك على ما اختاره محقق الحنفية الكمال بن الهمام وأطال في الاستدلال له وما نقله السبكي عن ابن القاسم لا ينافي ما قلناه بل ولا يشهد لما قاله لأن كلامه في المقلد بدليل قوله حيث يجوز للمقلد الإفتاء وابن القاسم مجتهد بدليل قول السبكي على أنه كان يرى التخيير فتأمل ذلك لتعلم به الرد على من نقل كلام السبكي هذا واعتمده وجعله مقيدا لكلام له آخر دال على ما قررته . وهو قوله إذا حكم القاضي بقول ضعيف لم ينفذ لأنه قاض بشيء لم يعلمه فيكون في النار بنص الحديث فعلم أنه متى أقدم القاضي على حكم وهو لا يعتقده كان حكما بغير ما أنزل الله وقاضيا بشيء لا يعلمه فلا يحل للقاضي أن يحكم بشيء حتى يعتقد أنه الحق هذا في المجتهد وكذا المقلد بالنسبة للفتوى والحكم أما بالنسبة لعمله في حق نفسه فله تقليد الوجه الضعيف وقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز الإفتاء والحكم بالضعيف فإن استوى عنده قولان لإمام لزمه التوقف حتى يظهر ترجيح أحدهما وإنما يخير المجتهد إذا استوى عنده أمارتان لأنه حيث استويا عنده قد يحصل له حكم التخيير من الله سبحانه وتعالى وأما قولا الإمام المتعارضان فيمتنع أن كلا مذهبه ونسبة أحدهما إليه على التعيين دون الآخر ترجيح من غير مرجح فليس إلا التوقف وللحاكم الآهل للترجيح الحكم بما ترجح عنده وإن خالف أكثر أهل المذهب ما لم يخرج عنه وغيره ليس له إلا اتباع ما عرف ترجيحه في المذهب . ولو لم يشترط على الآهل للترجيح التزام جاز له الحكم بما ترجح عنده وإن خرج عن مذهبه بخلاف ما إذا شرط عليه ذلك لفظا أو عرفا والذي أقوله في هذه الأعصار أن من أطلق السلطان توليته للقضاء يحكم بمشهور مذهبه إن كان مقلدا أو بما يراه إن كان مجتهدا فإن ولاه على مذهب فلان لم يتجاوز مشهور مذهبه إن كان مقلدا وإن كان مجتهدا في مذهب فله الحكم بما ترجح عنده بدليل قوي وليس له مجاوزة ذلك المذهب مقلدا كان أو مجتهدا وليس له الحكم بالشاذ البعيد في مذهبه جدا جدا وإن ترجح عنده لأنه كالخارج عن المذهب . ا هـ . حاصل كلام السبكي رحمه الله تعالى وهو تحقيق وعن الغزالي للحاكم أن لا يحكم بمذهب غير مقلده بناء على أن للعامي تقليد من شاء أي وهو الأصح كما مر وما نقل عن ابن الصلاح من أن المفتي كالحاكم فيما ذكر إجماعا إنما هو في مفت معروف بالإفتاء وعلى مذهب إمام فهذا ليس له الإفتاء بالضعيف عند أهل ذلك المذهب وإن فرض أنه من أهل الترجيح وترجح عنده لأنه إنما يسأل عن الراجح في مذهب ذلك الإمام لا عن الراجح عنده وحده . ولهذا كان القفال إذا سئل عن مسألة بيع الصبرة يقول تسألونني عن مذهبي أو عن مذهب الشافعي فتأمل استفساره المستفتي تعلم أن المنع الذي حكى ابن الصلاح الإجماع عليه إنما هو فيمن ذكرته ولقد سئل السبكي عن مسألة بيع الغائب فأفتى بالصحة فيها بناء على القول الضعيف فيه فقال بيع النحل في الكوارة وخارجها بعد رؤيته صحيح وقبل رؤيته يخرج على قولي بيع الغائب وبيع الغائب قد صححه أكثر العلماء وأتباعهم ومثل هذا للفقير لا بأس به لأنه قول الأكثر ولأن له دليلا يعضده ولا يحتاج غالب الناس إليه في أكثر الأموال التي يحتاج إلى شرائها من المأكول والملبوس والأمر في ذلك خفيف إن شاء الله تعالى والأمور إذا ضاقت اتسعت ولا يكلف عموم الناس بما يكلف به الفقيه الحاذق النحرير . ا هـ . قال السيد السمهودي . وقد كان شيخنا العلامة ولي الله شهاب الدين أحمد الإبشيطي رحمه الله تعالى كثيرا ما يفتي الناس في المحرم إذا احتاج لتكرير لبس المخيط بعدم تكرر الفدية إذا نوى تكرر اللبس ابتداء تقليدا لمذهب مالك رحمه الله تعالى لما في مذهبنا من المشقة في ذلك . ا هـ . وفي شرح المهذب عن ابن الصلاح أن القول بمنع المقلد العاجز عن الترجيح والتفريع من الإفتاء محله إن ذكر ذلك على صورة من يقوله من عند نفسه أما إذا أضافه إلى القائل به فلا منع من ذلك وهذا ظاهر فيما قدمته أن المفتي حيث أضاف ما أفتى به إلى إمام جاز له الإفتاء لأنه في الحقيقة راو وناقل فلا وجه لمنعه من ذلك بخلاف ما إذا عرف بالإفتاء في مذهب وأفتى بغيره ولم يسنده إلى أهله لما فيه من التغرير بالمستفتي وإيقاعه فيما لم يرده ولم يحط به وفي أصل الروضة ما يصرح بذلك وهو قول العامي إذا عرف حكم تلك المسألة بل في الحقيقة ذلك القيد مأخوذ من تقييد الرافعي بالمعرفة إذ لا يتصور إلا حيث لا يشك أن هذا من مسائل ذلك المذهب الذي يفتي به وعلم من قول الرافعي فأخبر به أن هذا ليس من الإفتاء في شيء . وإنما هو محض رواية وإذا كان هذا شأن غير المجتهد في مذهب إمامه فكذا شأنه في مذهب غير إمامه لاستواء المذهبين حينئذ بالنسبة إليه في أنه إن عرف منهما أو من أحدهما حكما قطعيا جاز له الإفتاء به على جهة الإخبار والرواية المحضة فإذا لم يعرف ذلك كذلك امتنع عليه وبما قررته يعلم أن قول الروضة ليس للمفتي والعامل على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى في المسألة ذات الوجهين أو القولين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر وهذا لا خلاف فيه بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه وإلا فبالذي رجحه الشافعي رحمه الله تعالى فإن لم يكن رجح أحدهما ولا علم السابق لزمه البحث عن أرجحهما فيعمل به إلى آخر ما ذكره هذا كله في مفت لمريد العمل بالراجح في مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه . أما من سأل عن قول الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة كذا ليعرف أن له وجودا فيعمل به عند من جوز العمل بالقول الضعيف وكذا الوجه الضعيف فللمسئول أن يفتيه أن للشافعي رحمه الله في مسألة كذا قولا وأن جمعا منهم ابن عبد السلام جوزوا العمل بالضعيف وإن ثبت رجوع قائله عنه بناء على أن الرجوع لا يرفع الخلاف السابق والمسألة طويلة الذيل ليس هذا محل تحريرها وبسطها وقول جماعة من أكابر أصحابنا يحرم على المقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه معناه ما قاله ابن الصلاح ما إذا ذكره على صورة من يقوله من عند نفسه . أما من يضيفه لإمامه الذي قلده فلا منع منه قال فعلى هذا من عهدناه من المفتين الذين ليسوا مفتين حقيقة لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا هكذا قال الشافعي رحمه الله تعالى كذا ونحو هذا ومن ترك الإضافة فقد اكتفى بالمعلوم من الحلال والتصريح به . ا هـ . ثم رأيت الإمام مجد الدين ابن الإمام تقي الدين بن دقيق العيد صرح بما يؤيد ما قدمته من جواز الإفتاء بمذاهب متعددة على جهة الرواية مع بيان أرباب تلك المقالات حيث قال . ونقله عنه الزركشي وأقره توقف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم أو استرسال الخلق في أهويتهم فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمسكا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكفي لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله تعالى عنده وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا . ا هـ . ورأيت القفال قال بعض ما قدمته وخالفه الشيخ أبو محمد . وعبارة الزركشي قال الجويني من حفظ نصوص الشافعي رحمه الله تعالى وأقوال الناس بأسرها غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها لا يجوز له أن يجتهد ويقيس ولا يكون من أهل الفتوى ولو أفتى به لا يجوز وكان القفال يقول إنه لا يجوز ذلك إذا كان يحكي مذهب صاحب المذهب لأن له أي المستفتي كما هو ظاهر تقليد صاحب المذهب وقوله ولهذا كان أحيانا يقول لو اجتهدت فأدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة فأقول مذهب الشافعي كذا ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة لأنه جاء ليعلم ويستفتي عن مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما فلا بد أن أعرفه بأني أفتي بغيره . قال الجويني وهذا ليس بصحيح واختار الأستاذ أبو إسحاق خلافه ونص الشافعي رحمه الله تعالى يدل عليه وذلك أنه إذا لم يكن عالما بمعانيه فيكون حاكيا مذهب الغير والغير ميت لا يلزمه القبول لأنه لو كان حيا وأخبره عنه بفتواه أو مذهبه في زمان لا يجوز له أن يقلده ويقبله كما أن اجتهاد المفتي يتغير في كل زمان ولهذا قلنا إنه لا يجوز لعامي أن يعمل بفتوى مفت لعامي مثله فإن قلت أليس خلافه لا يموت بموته فدل على بقاء مذهبه قلنا كما زعمتم لكن هذا الرجل لم يقلده إنما يقلد قول هذا الرجل الأمر فيه كيت وكيت فينبغي أن يكون عالما بمصادره وموارده . ويدل على فساد ما قاله أي القفال أنه لو صح فتواه من غير معرفة حقيقة معناه لجاز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي ويلزمه مثله ولجاز أن يقول هو مقلد صاحب المقالة ولكن اتفق القائلون به على الامتناع من هذا أما إذا أفتى بمذهب غيره فإن كان متبحرا فيه جاز وإلا فلا قال وكان ابن سريج يفتي أحيانا بمذهب مالك رحمه الله تعالى وكانوا يأتونه بمسائل يسألونه تخريجها على أصل مالك رحمه الله تعالى فيخرجها على أصله فدل على أن من كان بهذه الصفة يجوز له وإلا فيمتنع وهكذا كل من كان في مذهب نفسه لا يعرف إلا يسيرا ليس له أن يفتي ا هـ . وإذا تأملت في هذا الذي قاله الجويني وشنع به على القفال وأطال فيه علمت أنهما لم يتواردا على شيء واحد لأن كلام القفال فيمن يروي لمستفتيه على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن مذهبه كذا لا من حيث استنباطه هو ولا من حيث فهمه له من كلامه وإنما هو ناقله عن أئمة مذهبه العارفين والمتبحرين فيه وإذا حمل كلام القفال على هذا لم يرد عليه شيء مما قاله الجويني لأن كلامه فيمن يفتي على مذهب غير إمامه استنباطا فلا بد من تبحره في ذلك المذهب كما لو أراد أن يفتي في مذهبه كذلك وكلام الجويني وحكايته عن ابن سريج ما صرح به صريح فيما ذكرته فتدبره . فإن هذا المقام قد يشكل ويظن أن القفال والجويني تواردا على محل واحد وليس الأمر كذلك كما بينته وحققته ثم رأيت لبعض الأصوليين ما يصرح بما ذكرته وهو قوله لا يجوز للمفتي أن يفتي بحكاية قول غيره إلا إذا سئل عن حكاية قول غيره لا مطلقا وإلا لجاز للعامي أن يفتي بما في كتب الفقهاء . ا هـ . فقوله إلا إلخ مصرح بما ذكرته وقوله وإلا إلخ محله كما علم مما مر ما إذا كان يفتي بما في كتب الفقهاء لا مع بيانه بل على صورة أنه من عند نفسه وعلى ما تقرر يحمل أيضا قول الأستاذ أبي منصور الموافق لما مر عن الجويني لا يجوز للعالم أن يفتي بقول بعض السلف وهو لا يعرف علته خلافا لأصحاب الرأي ثم قول السائل نفع الله تعالى به حتى توهم بعض المتفقهة إلخ جوابه أن ما توهمه حق إن أريد أنا نعتقد خطأه وبطلان صلاته من سائر الوجوه . ولا قائل بهذا لأنا إن قلنا إن كل مجتهد مصيب فواضح أنهم كلهم على هدى من ربهم وإن قلنا إن المصيب للحق الذي عند الله تعالى وفي نفس الأمر واحد مبهم فكذلك لأنهم لم يكلفوا إصابة ذلك إلا بحسب ظنونهم فحسب وكل منهم مصيب له بحسب ظنه فهو على هدى من هذه الحيثية . وإن فرض خطؤه بالنسبة إلى ما في نفس الأمر لأن هذا من الخطإ المرفوع بل مع ذلك هو مثاب مأجور لكن على اجتهاده وقصده الحق فقط إذا تقرر ذلك فإن سئلت عن صلاة مخالف فيها مبطل يراه مقلدك دون مقلده فلا يسعك أن تطلق القول بأنها باطلة إلا مع إرادتك أو تصريحك بأن بطلانها إنما هو بالنسبة لاعتقاد مقلدك فمقلدوه لو فعلوها كانوا آتين بصلاة باطلة فيعاملون بأحكامها من نحو الفسق والتعزير وغيرهما وأما بالنسبة لاعتقاد غيره فهي صحيحة فمقلدوه آتون بصلاة صحيحة في الثواب والعدالة وغيرهما فاختلاف الأحكام في ذلك من الأمور النسبية التي لا يطلق القول فيها بشيء واحد بل يجب رعاية ما ذكرناه من النسب والإضافات ولا بدع في كون الشيء الواحد تختلف أحكامه باعتبار محاله وجهاته وإضافاته هذا بالنسبة للاعتقادات وأما بالنسبة لما عند الله تعالى فذلك غيب عنا لا ينكشف لنا إلا في الآخرة . إذ الذي صرح به البغوي وتبعوه أن من صلى صلاة باطلة في نفس الأمر . وصحيحة في اعتقاده لا يثاب إلا على نحو أذكارها مما لا تتوقف صحته على الصلاة كقصده لها وسعيه في حصولها وأما على الصلاة نفسها فلا يثاب نعم إن قلنا كل مجتهد مصيب فينبغي أنه يثاب عليها مطلقا كما هو ظاهر وفي كلام البغوي شيء ذكرته في شرح العباب وغيره فراجعه والمسألة تحتمل بسطا طويلا لكن ضاق المحل عن استيفائه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:23
وسئل ) عن قاض من قضاة المسلمين يشدد على الناس ولا يحكم إلا بالقول الصحيح ولا يزوج من انقطع حيضهن إلى بلوغ سن اليأس ولا يسلك بالناس مسلك التخفيف والتيسير وقد قال صلى الله عليه وسلم { اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به } رواه مسلم وقال أيضا { يسروا ولا تعسروا } ؟ ( فأجاب ) رحمه الله تعالى بقوله ما ذكر عن هذا القاضي إنما يعد من محاسنه لا من مساويه فجزاه الله تعالى عن دينه وأمانته خيرا فإنه عديم النظير الآن وكيف وأكثر قضاة هذا العصر وما قبله بأعصار صاروا خونة مكسة لا يحرمون حراما ولا يجتنبون آثاما بل قبائحهم أكثر من أن تحصر وأظهر من أن تشهر حتى قال الأذرعي عن قضاة زمنه إنهم كقريبي العهد بالإسلام فإذا كان هذا في قضاة تلك الأزمنة فما بالك بقضاة هذا الزمن الذي عطلت فيه الشعائر وغلبت فيه الكبائر وقل فيه الصالحون وكثرت فيه المفسدون فقيام هذا القاضي حينئذ بقوانين مذهبه وعدم التفاته إلى الترخيص للناس بما لا تقتضيه قواعد إمامه يدل على صلاحه ونجاحه وفلاحه وعجيب من السائل كيف يورد في مثله حديث مسلم المذكور . فإن ذلك يدل على عدم فهمه للحديث وإحاطته بشيء من معناه فإنه لم يرد به مثل هذا القاضي بل مثل القضاة الذين شرحنا شيئا من حالهم وبينا قبيح فعالهم إذ المراد بكونه شق عليهم أنه جار في حكمه بينهم بغير الحق وكلفهم بما لم يأذن له فيه الشارع وأما من التزم معهم أمر الشرع وعدل فهو مدعو له لا عليه وهذا أمر واضح لا غبار عليه ومعنى { يسروا ولا تعسروا } النهي عن التعسير على الناس بما لم يأذن فيه الشارع وأما من عمل بمذهب إمامه فهو غير داخل في ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:26
( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شافعي يحرص على صبي مميز في التزام مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه والتمسك به ويدرس له كتب الحنفية وإذا سئل شافعي عن التقليد بمذهب فهل عليه الأمر بالتزام مذهب إمامه أو يدله إلى مذهب آخر ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم فجزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وحشرنا في زمرتهم وإذا كانوا كلهم على هدى من الله سبحانه وتعالى فلا حرج على من أرشد غيره إلى التمسك بأي مذهب من المذاهب الأربعة وإن خالف مذهبه واعتقاده لأنه أرشده إلى حق وهدى تدريس الشافعي لكتب غير مذهبه لا يسوغ له إلا إن قرأ ذلك الذي يدرسه على عالم موثوق به من أئمة ذلك المذهب هذا إن أريد به تدريس المعتمد في ذلك المذهب وأما إن أريد منه مجرد فهم العبارة وتفهيمها فهذا لا محذور فيه .

محمد ال عمر التمر
05-09-2006, 13:26
( وسئل ) عن تقليد العامي لأحد الأئمة المجتهدين غير الأربعة بعد تقرر مذاهبهم واشتهارها بما هو معلوم هل يجوز ذلك أم لا وإذا قلتم بعدم الجواز ماذا يلزم المقلد لذلك المجتهد وما حكم عبادته على مقتضى ذلك الاجتهاد هل هي صحيحة أم لا وإذا قلتم بعدم صحة عبادته هل يكون عاصيا في ذلك حتى يجب عليه القضاء على الفور أم لا وإذا قلتم بجواز التقليد لغير الأئمة الأربعة هل يشترط أن يوافق اجتهاده أحد الأئمة حتى يكون التقليد له كأنه تقليد لأحدهم أم لا وهل يشترط نقل مذهب ذلك المجتهد متواترا أم لا وهل يشترط أن يكون مدونا أم يكفي نقله على الألسنة وأيضا ظاهر جمع الجوامع جواز التقليد لكل مجتهد من غير اشتراط شيء سوى اعتقاد المقلد كون مذهب مقلده راجحا أو مساويا فهل البناء على هذا الظاهر كاف في الحكم بجواز تقليد كل مجتهد أم الأمر على خلافه بينوا ذلك . ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بقوله الذي تحرر أن تقليد غير الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم لا يجوز في الإفتاء ولا في القضاء وأما في عمل الإنسان لنفسه فيجوز تقليده لغير الأربعة ممن يجوز تقليده لا كالشيعة وبعض الظاهرية ويشترط معرفته بمذهب المقلد بنقل العدل عن مثله وتفاصيل تلك المسألة أو المسائل المقلد فيها وما يتعلق بها على مذهب ذلك المقلد وعدم التلفيق لو أراد أن يضم إليها أو إلى بعضها تقليد غير ذلك الإمام لما تقرر أن تلفيق التقليد كتقليد مالك رحمه الله تعالى في عدم نجاسة الكلب والشافعي رضي الله تبارك وتعالى عنه في مسح بعض الرأس فممتنع اتفاقا بل قيل إجماعا وإذا وجدت شروط التقليد التي ذكرناها وغيرها مما هو معلوم في محله فعبادات المقلد ومعاملته المشتملة على ذلك صحيحة وإلا فلا ويأثم بذلك فيلزمه القضاء فورا ولا يشترط موافقة اجتهاد ذلك المقلد لأحد المذاهب الأربعة ولا نقل مذهبه تواترا كما أشرت إليه ولا تدوين مذهبه على استقلاله بل يكفي أخذه من كتب المخالفين الموثوق بها المعول عليها وكلام جمع الجوامع محمول على ما تقرر على أنه عند التحقيق لا يخالفه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .