المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم أصول الفقه وعلاقته بالفلسفة الأسلامية للـدكتور علي جمعة



محمد ال عمر التمر
31-08-2006, 23:48
علم أصول الفقه وعلاقته بالفلسفة الإسلاميةد. علي جمعة

أصول الفقه والمنهج:
أصول الفقه من العلوم التي أنشأها العقل المسلم على غير مثال غير مقلد لأي أمة سبقته في هذا المضمار، شأنه في ذلك شأن مصطلح الحديث وعلومه، ويعد كل واحد منهما منهجا بالمعنى الدقيق.
فأصول الفقه منهج للتعامل مع النص الشرعي، وفي تعريفه عند مدرسة الرازي مثلا تذكر أركان المنهج العلمي حيث عرفه الرازي في المحصول بأنه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها،
وعرفه البيضاوي في قوله " معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد"
ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص أركان ذلك المنهج، إنه يحرص على معرفة:
أ- مصادر البحث ب – طرق البحث جـ - شروط الباحث
وهي الأركان المنطقية لأي منهج في البحث العلمي الذي يبعد عن الخرافة ويبتعد عن الذاتية ويقرب من الموضوعية.
وعلوم الحديث بما دوّن في علم مصطلح الحديث، أو علم الجرح والتعديل أو علوم الحديث رواية أو دراية إنما تعد منهجا في التعامل مع النص ثبوتا وتوثيقا بالمعنى الأعم حيث تشتمل هذه العلوم على نقد السند ونقد المتن معا، حتى يتم الحكم على المنقول بالقبول أو الرد سندا ومتنا، وهذا المنهج بديع للمسلمين دون من سواهم من الأمم.
ويبدو أن اليهود حاولوا ذلك من قبل ففشلوا، حيث أن الأسانيد التي تحت أيدينا الآن تزيد على مائة ألف في حين أن أسانيد اليهود على قلتها لا تصل إلى موسى بل بين منتهاها وبين موسى ألف وخمسمائة سنة أو أكثر من ثلاثين عصرا أو جيلا.
يقول ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل " ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود بل هو أعلى ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد صلى الله عليه وسلم بل يقفون ولا بد حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشماني وشمعون وكرعقبيا وأمثالهم وأظن أن لهم مسألة واحد فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم أخذها عنه مشافهة في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه"
‘ن التفكير المنطقي لمريد الحق هو التأكد أولا مما تقوم به الحجة حيث ثبت لدى المسلم أن ذلك هو القرآن والسنة فلابد من طريق للتثبت والتوثيق لهذه المصادر فإن ثبتت فكيف نفهمها، فكان ذلك المنهج هو المنهج الدقيق لأداء ذلك الهدف، والوصول إليه.

2ـ الإجراءات والفلسفة تكشفان عن المنهج:
وإذا ما سرنا على أن المنهج إنما هو فلسفة تنبثق عنها إجراءات وهو تعريف المنهج عندي ـــ : تبين مدى العلاقة بين أصول الفقه وبين الفلسفة الإسلامية.
فأصول الفقه يشتمل بدون شك على بيان الإجراءات اللازمة للتعامل مع النص لفهمه، والوصول إلى أوصاف الفعل البشري، وهي الأوضاع التي تدور في نطاق ما يسميه الأصوليون بالحكم.
فالحكم عندهم: " هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع"
وله أقسام هي: الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة وهي أوصاف للفعل البشري الذي يكون مبتدأ في جملة مفيدة والحكم خبر له فتتكون بذلك مسائل الفقه.
فموضوع علم الفقه: فعل الإنسان وموضوع علم أصول الفقه هو : الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها.
وبدون شك فإن هذه الإجراءات التي يشتمل عليها أصول الفقه تخرج وتنبثق من رؤية تمثل مباحث الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام.
يقول الإمام الزركشي في كتابه الجامع البحر المحيط مؤكدا عنصر الإجرائية في أصول الفقه والذي دعي بعضهم إلى ادعاء أن ذلك العلم من العلوم البينية التي لا تستقل بنفسها ويرد عليهم:
" فإن قيل : هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة ؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها ، والكلام في الاستثناء ، وعود الضمير للبعض ، وعطف الخاص على العام ونحوه ، ونبذة من علم الكلام كالكلام في الحسن والقبح ، وكون الحكم قديما ، والكلام على إثبات النسخ ، وعلى الأفعال ونحوه ، ونبذة من اللغة ، كالكلام في موضوع الأمر والنهي وصيغ العموم ، والمجمل والمبين ، والمطلق والمقيد ، ونبذة من علم الحديث كالكلام في الأخبار ، فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك ، وغير العارف بها لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها ، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع ، والقياس ، والتعارض ، والاجتهاد ، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضا ، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه ، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة . فالجواب منع ذلك ، فإن الأصوليين دققوا النظر في فهم أشياء من كلام العرب لم تصل إليها النحاة ولا اللغويون ، فإن كلام العرب متسع ، والنظر فيه متشعب ، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي . مثاله : دلالة صيغة " افعل " على الوجوب ، و " لا تفعل " على التحريم ، وكون " كل " وأخواتها للعموم ، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئا من ذلك غالبا وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده ، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقراء خاص ، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو ، وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب .

ويؤكد ذلك المعنى قبله السبكي في كتابه الإبهاج شرح المنهاج حيث يقول:
" هذه تعريفات للأصل بحسب اللغة، وأن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم، وهو ما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة"
فمن هذه النصوص نبين وجود الأدوات والإجراءات واتصالها وامتزاجها بالرؤية الكلية.
3 ـ موضوعات الفلسفة بين نقاط التلاقي :
وإذا ما سرنا أيضا في تعريف الفلسفة من حيث موضوعها بأنها تشتمل على ثلاثة مباحث رئيسة هي الله -الكون –الانسان والمعرفة (المنطق) والقيم (الأخلاق والجمال) فإننا سنرى بوضوح نقط التلاقي والعلاقة الموجودة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية، حيث تعد تلك الفلسفة الخلفية الأساس لمجموعة الإجراءات المتمثلة في معرفة مصادر البحث وكيفية التعامل معها وشروط الباحث ما سبق، وهذا يتم على مستويات ثلاثة، وهي:

أولا أدراك العلاقة:
ثانيا تشغيل تلك العلاقة والاستفادة منها
ثالثا تطوير العلاقة بين الأصول والفقه.

يتبع،،،

محمد ال عمر التمر
01-09-2006, 14:23
أولا إدراك العلاقة:

إن إدراك العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة يظهر في عدة موضوعات:

أــ المسائل المشتركة:

تلك المسائل التي يطلق عليها المسائل المشتركة بين أصول الفقه وعلم الكلام فمجال علم الكلام يعالج القضايا الفلسفية بمعناها التقليدي، ففيه إجابة عن مباحث الوجود والعدم، وعن مباحث المعرفة، وعن مباحث القيم أيضا، فهو يتكلم عن ماهية الوجود وطبائع الأشياء ويبين كنهه وكيفيته وماهيته وكيفية التفكير ومراتبه وكلياته ويتكلم عن القضايا الكبرى كالتوحيد في حق الله وقضايا العمارة للكون والتزكية للنفس، بل وعن القيم الجزئية كمسائل العدل والتحسين والتقبيح بالعقل وغيرها كما هو معلوم.
وعن طريق ما يمكن أن نطلق عليه الأسئلة الممتدة نجد أنفسنا في كثير من مسائل أصول الفقه الإسلامي وبتتبع تلك السلسلة نجدنا من مجال علم الكلام.
ونعني بالأسئلة الممتدة السؤال بلماذا بعد كل إجابة عن سؤال سابق، ساعين بذلك إلى الكشف عن حقائق الأشياء والبحث عن أسسها وأصولها.
فإذا قال الإصولي مثلا باحثا عن علة تحريم الخمر: لم حرم الله الخمر؟ أو لماذا حرم الله الخمر؟ فتأتي الإجابة الأولى بأنه قد حرمها لآجل خاصة الإسكار التي بها، وهذا ما يسميه الأصوليون بعلة الحكم، فهي عندهم:" وصف ظاهر منضبط يشتمل على معنى يناسب شرع الحكم عنده"
ويمكن أيضا أن نطلق على هذه الإجابة العلى الأولى، ثم يسأل الأصولي: ولماذا كان الإسكار وصفا يناسب التحريم؟ ويجيب: بأن الإسكار يؤدي إلى ذهاب العقل، والحفاظ عليه من مقاصد المكلف الخمسة المشهورة، وهي: حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ العرض وحفظ المال،
ويمكن أن نطلق على هذه الإجابة في تلك المرتبة علة العلة، أو العلة الثانية، لأنها إجابة عن السؤال الثاني الذي تولد عن السؤال الأول. ثم تمتد به الأسئلة في صورة سلسلة متتالية فيسأل: ولم كان ذهاب العقل مقتضيا للنهي؟
وتأتي الإجابة بأن العقل مناط التكليف، والتكليف إنما يكون لتحقيق مراد الله من خلقه، ولقد أخبرنا الوحي بأن مراد الله من خلقه هو عبادة الله وعمارة الدنيا: قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}
وقال تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} وقال {إني جاعل في الأرض خليفة} فنجد أنفسنا في هذه الرتبة من رتب الإجابات على الأسئلة المتتالية الممتدة قد انتقلنا إلى مباحث علم الكلام، ويمكن أن نسمي تلك الإجابة علة علة العلة، أو العلة الثالثة.
وههنا تنبيه على لطيفة من لطائف كلام الفقهاء والأصوليين حيث يتكلمون عن أن الحكم الفلاني لا علة له إنما هو للتعبد ونجد الفقهاء يختلفون فيذهب بعضهم إلى أن حكما معينا معلل وبعضهم إلى أنه غير معلل بل تعبدي ونجد أنهم يذكرون علة للحكم ثم يعودون فيصفونه بالتعبد، ونجد أنهم قائلون بتعليل الأحكام وأنهم قائلون أيضا بأن أحكام الله غير معللة.
وبفهم نظرية الأسئلة الممتدة يفك التناقض في هذه الصور كلها، حيث إن العجز عن إيجاد وصف ظاهر منضبط يشتمل على معنى معقول يناسب شرع الحكم عنده بحيث لا يبقى في الإجابة على السؤال إلا أن الله قد أمر ولا بد من اتباع أمره هو حقيقة التعبد.
فالوضوء بهذه الكيفية المعروفة لا يمكن أن نجيب عن سؤال: لماذا هذه الأعضاء بهذه الكيفية بطريقة فيها ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول (وهو حقيقة الفكر)، ومن هنا فإن الوضوء تعبد محض.
في حين أن الإمام مالكا لم يستطع أن يجيب عن السؤال بلماذا في قضية غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبعا إحداهن بالتراب فجعل هذا الأمر على سبيل التعبد.
وأجاب الشافعي بأن ذلك الترتيب لتغليظ نجاسة الكلب بحيث يصير لعابه أشد نجاسة من البول مثلا، ولكن امتدت أسئلة الشافعي فسأل: لماذا كان لعاب الكلب أشد نجاسة من غيره فلا إجابة معقولة المعنى لهذا السؤال مما يعني التعبد في العلة الثانية، أي في الإجابة على السؤال الثاني.
فالفرق بين الفقيهين هو في الإسراع بالإجابة بالتعبد على الأسئلة الممتدة.
ونراهم يختلقون في علة تحريم الربا على نحو عشرة مذاهب، ثم نرى الشيخ الجمل في حاشيته [1] يؤكد أن علة تحريم الربا هي التعبد، وتوضيح ذلك إنما يكون بتسكين كل إجابة لمرتبة من مراتب الأسئلة الممتدة، وبهذا يتضح أن اختلافهم في تعليل الأحكام جاء على هذا النظام، فالأحكام معللة في إجابات الأسئلة الأولى لأنها تؤول إلى التعبد والله {فعال لما يريد}، {ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون} في إجابات الأسئلة الأخيرة.
وغني عن القول أن إطلاقنا مصطلح العلة الأولى والثانية ونحوها ليس له علاقة بما استقر في العلوم الأخرى كعلم الكلام، علم النحو وغيرهما بل هي تسميات تناسب معاني الأفكار التي نريد أ ننقلها إلى القارئ ومن المهم في مثل بحثنا هذا أن نبين أن المصطلح في مرحلة التفكر يحب أن يكون مرنا نستشف الفكر من خلاله دون أن نلقي بظلال مصطلحات مستقرة عليه حتى يمكن تغييره، أو إطلاق أي لفظ بإزائه، إلى أن يستقر بين الجماعة العلمية، وهذا الشأن من خصائصه إطلاق الفكر للإبداع الملتزم، وهوما افتقدناه بفقدنا لخصائص عصور الاجتهاد الأولى.
إن هذه الأسئلة الممتدة تؤول إلى واحد من هذه الثلاثة عند جريانها.
ومن هذا أيضا تأتي مباحث تعريف العقل، والتكليف وهل للفعل صفات ذاتية، وهل أمر الله سبحانه مستلزم لأرادته؟ وما الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية؟ وهل يصح التكليف بما لا يطاق؟ وهل يصح تعلق الأمر بالمعدوم؟ وهل يجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وهل حكم الله يتعدد بتعدد الأشخاص واجتهادهم؟ وهل تتكافأ الأدلة وتتعادل؟ إلى غير ذلك مما يدرسه الأصولي درسا أصليا ويحتاج فيه إلى الفلسفة الإسلامية احتياجا أساسيا.
ولنأخذ من هذه الموضوعات مثلا وهو قضية اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ويبدو أنها قد نشأت في الفكر الأصولي بناءا على ما قد أثُير في الفلسفة الأرسطية من أن الإنسان إذا ما كان أمامه طريقان أحدهما قطعي والآخر ظني في تحصيل معلومة ما، فهل يجوز له أن يسلك الطريق الظني مع تمكنه من سلوك الطريق القطعي؟
ثم سرت هذه المسألة إلى الأصول فنشأ السؤال عن جواز اجتهاد الأنبياء من عدمه لأن النبي يمكن أن يتلقى الحكم من الوحي وهو قطعي ويمكن أن يصل إليه بالاستنباط وهو ظني وتولد عن هذا مسألة أخرى وهي أنه صلى الله عليه وسلم هل يمكن أن يخطئ في اجتهاده؟ فاختار الجمهور أنه لا يخطئ حتى قال ابن السبكي في كتابه الإبهاج " وأنا أطهر كتابي أن أحكي فيه قولا غير هذا القول" في حين أن ابن الحاجب قد اختار خلاف ذلك بشرط عدم الإقرار عليه وجعل الإقرار عليه والسكوت عنه حكما بصحته.
ب – تخيرات الأصولي:

ولقد أثّرت الفلسفة أيضا في تخيّرات الأصولي في جوانب شتى كالفلسفة اللغوية مثلا حتى ذهب الرازي في المحصول إلى ظنية الدليل اللفظي [2] لتعرض ذلك الدليل لما أسماه الأصوليون بالاحتمالات العشرة التي تخل بالفهم وشاع عند متأخري الأصوليين القول بمثل هذا الكلام على الرغم من أنه قد سرى إلى الأصول من الفلسفة وهو تدقيق لا يعرفه أهل العربية ولا يرضاه المحققون من المتشرعين لأنه [يكر] _أظن ان الصواب يقر_ على الدليل اللفظي بما فيه من قطعي بالبطلان، وهذا ما دعا علماء الأصول ممن التفت إلى هذا المعنى إلى القول بأنها نزغة سرت من الفلسفة إلى الأصول ووجهوا اللوم إلى الرازي حيث يقول في المحصول:
"إن الاستدلال بالخطاب هل يقيد القطع أم لا؟ منهم من أنكره وقال إن الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن "
إلا أن لوم الرازي محل نظر فإنه بعد ما بيّن من رجحان القول بظنية الدليل اللفظي قال: "واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تقيد اليقين سواء أكانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا بالتواتر"
قال محقق المحصول:
" لقد صرح الإمام (يعني الرازي) في بعض كتبه الكلامية بأن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة هي عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ، وإعرابها، وتصريفها وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة وعدم الإضمار والتأخير والتقديم والنسخ وعدم المعارض العقلي"
ولكنه فيه (في الأربعين) عقّب بقوله: واعلم أن هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمور عُرف وجودها بالأخبار المتواترة وعلى هذا التقدير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن الثابتة بالأخبار المتواترة مفيدة لليقين" ومن هنا نرى البيضاوي يعرض للمسألة بصورة أخرى في مختصره فيقول: "الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص وذلك على عشرة أوجه"
وفي شرح ابن السبكي على كلامه يقول:
" واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه" " وبيانها أنه إنما يقع التعرض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقيين ثم بين الإضمار والتخصيص فكان المجموع عشرا"
ومثل هذه النزعات نراها عند العنبري حيث يذهب إلى أن كل مجتهد في العقليات مصيب وبذلك فليس في مسائل الأصول حق متعين فكل مجتهد مصيب ويعذر كل مجتهد حيث لم يحتمل عقله إلا ذلك وهو بهذا يدعو إلى النسبية المطلقة إن فهم مذهبه على هذا النحو مما قد يكون قد تجاوز به مذهب السوفطائيين النافين للحقائق.
ولم نسمع من يقول بذلك إلا ما ينسب إلى بعض مدارس ما بعد الحداثة في العقود الأخيرة من محاولتهم إنشاء ما أسموه بالنهضة الثانية التي يتحرر الإنسان فيها من كل سلطان كما تحرر من سلطان الدليل في عصر النهضة التي هي النهضة الأولى عندهم ويقصدون بالتحرر من كل سلطان التحرر من الأسرة وعاءا اجتماعيا ضابطا لتصرفا ت البشر والتحرر من الدولة ضابطا حيث يعتقدون أنها قيد ينبغي التخلص منه والموروث الثقافي واللغة التي تحدد الألفاظ بإزاء المعاني حيث يُعد هذا التحديد عندهم نوعا من أنواع القيود التي ينبغي تحرر الإنسان منها ليصل بذلك إلى الاختيار التام حتى في الأمور القدرية.
وهم يدعون ببذلك إلى جواز تغيير الإنسان لجنسه (ذكر- أنثى) أو للونه أو لشكل جسده وقد يجيز غلاتهم الانتحار حيث يختار الإنسان نهاية لحياته باعتبار ذلك حقا له
إن مثل هذه المذاهب الموغلة في النسبية لا يمكن لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يقول بها أو أن يجعلها لازما لمذهبه [3] ولبشاعة هذا ذكر العلماء وأكدوا رجوع العنبري عنه.
قال محقق الزوائد: " وقد ذكر ابن حجر أن محمد بن إسماعيل الأزدي نقل أن العنبري [4] رجع عن قوله كل مجتهد مصيب لما تبين له الصواب كما أن الأصفهاني ذكر أن عبد الرحمن بن مهدي كلم العنبري في مسألة فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال (إذن أرجع وأنا صاغر لأن أكون ذنبا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل)
وقد ذكر بعضهم أن المسألة المشار إليها هي قوله كل مجتهد مصيب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
[1[ قال الجمل في حاشيته على منهج الطلاب للأنصاري عن الربا: "وحرمته تعبدية وما ذُكر فيه من أنه يؤدي إلى التضييق ونحوه حكم لا علل" وقال: " وحكي عن بعضهم التصريح بأن التعبدي هو الذي لم يدرك له معنى"
وقال: " إنهم قد يطلقون التعبدي على ما لم يظهر له علة موجبة"
[2] قال الكوثري والتقعر بالاحتمالات العشر لا يمت إلى ألى إمام من أئمة الدين بأي صلة، وأنما هو صنع يد بعض المبتدعة وتابعه بعض المتفلسفين من أهل الأصول
[3] لازم المذهب ليس بمذهب إلا أن يكون اللزوم مبينا صرح به ابن تيمية في الفتاوى
[4] العنبري هو عبيد الله بين الحسن بن الحصين العنبري (100 هـ - 168)

محمود شوكت فاضل
01-09-2006, 16:53
الاخ محمد عمر الا تعتقد ان علم الكلام قد جعل اصول الفقه صعبا شاقا اريد منك الفائدة

محمد ال عمر التمر
01-09-2006, 17:49
اخي العزيز دعني اكمل نقل البحث ثم نتناقش

محمود شوكت فاضل
02-09-2006, 19:56
اعتذر اخى الكريم لاسيما وان كتب الشيخ مفيدة جدا

محمد ال عمر التمر
06-09-2006, 19:54
ثانيا : تشغيل العلاقة

ويمكن كما قلنا سابقا تشغيل هذه الصلة التي بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية في أمور منها:
أ_ تعريف العقل:
فالأصوليون يتعرضون لتعريف العقل عند تعرّضهم لنظرية التكليف، حيث يذكرون من شروط التكليف العقل والبلوغ وسلامة الحواس وبلوغ الدعوة إلى المكلف
ويمكن أن نتأمل فيما ذهبوا إليه ونخرج بتعريف آخر للعقل: أكثر تحديدا وأقدر على التشغيل في الرد على كثير من المذاهب الفلسفية وربطه بعناصر عملية التفكير وكيفيته.
وقد كثر في تعريف العقل الخلاف حتى نقل الزركشي في البحر أنه قد قيل فيه ألف قول وذهب الغزالي في المستصفى إلى عدم إمكان حده بحد واحد يحيط به.
ولقد عرّفه ابن النجار في شرح الكوكب المنير: " بأنه ما يحصل به الميْز. قال:" وهو غريزة وهو أيضا بعض العلوم الضرورية عند أصحابنا" ونقل عن الحسن بن علي البربهاري أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب وإنما هو فضل من الله. قال الشيح تقي الدين " هذا يقتضي أنه القوة المدركة كما دل عليه كلام أحمد لا الإدراك"
وأٌقول إن عبارة الأصوليين المشهورة " العقل مناص التكليف" لا تتعارض مع ما ذهب إليه الفقهاء، بل والأصوليون في شروط التكليف بقولهم إنها العقل والبلوغ وسلامة الحواس وبلوغ الدعوة إلى المكلف، فجعلهم العقل وحده في عبارتهم الأولى مناطا للتكليف وجعلهم له أحد شروط التكليف في العبارة الثانية لا يعني التعارض بل يمكن أن نحمل العقل كأحد الشروط على سلامة الدماغ، ويقابله عندئذ الجنون.
أما العقل الذي هو مناط التكليف فنعني به: تمام العملية الفكرية التي تتكون من الدماغ، والحواس السليمة الناقلة للواقع المحسوس إلى ذلك الدماغ والمعلومات السابقة، وبهذه العناصر الأربعة تتم العملية الفكرية بصورة تستلزم التكليف وعند فقد واحدة منها فإن الخلل الحاصل من وراء هذا الفقد يستلزم سقوط التكليف فالذي بدماغه آفة تعطل الدماغ عن العمل لا تكليف عليه وفاقد الحواس بأن يكون أصم أبكم أعمى لا تكليف عليه والطفل الذي لم يبلغ الحلم لا تكليف عليه حيث لم تكتمل معلوماته السابقة في الجانب الجنسي ولم يطلع قبل البلوغ على حقيقة اللذة الجنسية التي عليها مدار التكليف بحرمة الزنا ولوازمه وباستحباب النكاح وتوابعه وكذلك إذا فقد الواقع كما لو تصورنا الإنسان قد خُلق في عماء مطلق لا وجود للأشياء فيه فإنه لا يتصور له تفكير.
وبهذا التعريف للعقل الذي يؤخذ من كلام المتقدمين حتى ولو لم يصرحوا به ـ بهذا التحديد وبهذا المعنى ـ يمكن الرد على بعض التوجهات العلمانية التي ترى الفكر انعكاسا للواقع على الدماغ حيث يهدرون جانب المعلومات السابقة فتتمخض المادة في الوجود وهو مرادهم في أفكارهم ما رواء المنظور المحسوس هو أو أثره المباشر بما يجر إلى إنكار الصانع.
ب ـ تصورات جديدة ذات وظائف هامة:
ويمكن أيضا الاستفادة من العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة بالخروج بتصور جديد لقضايا فلسفية وأخرى أصولية تمكن من زيادة أداء وظيفة كل من الأصول والفلسفة فقضية المظهر والحقيقة عند الفلاسفة يمكن تطويرها من خلال الأصول بما اصطلحت عليه (كمصطلح قابل للنقاش، ولا مشاحة في الاصطلاح) بالفرق بين الواقع ونفس الأمر.
فالواقع هو ما أدركه الإنسان بحسّه المعتاد، وهو مشترك بين آدم والرجل المعاصر
في حين أن نفس الأمر المتعلق بحقائق الأشياء يختلف إدراك الإنسان له عبر الزمان، وحسب كم المعلومات التي لديه ويكتشفه الإنسان عن طريق الآلة (المجهر مثلا) شيئا فشيئا فالبشر ترى الشمس تسير في السماء في حين أن نفس الأمر أنها ثابتة والأرض هي التي تدور.
ونفس الأمر أن الماء مكون من غاز يشتعل وآخر يساعد على الاشتعال، فهو نار الله الموقدة وأن الأيدروجين مكون من نواة وإلكترون واحد وأن شحنة الإلكترون سالبة.
وكل يوم ـ وليس بصورة عامة في الزمان والمكان والأشخاص ـ يدرك الإنسان حقيقة جديدة قد تخالف أو تزيد عن الواقع.
فإذا كان الأمر كذلك فإن النصوص الشرعية ينبغي أن تتعلق في خطابها العام للكافة بالواقع بصورة أصلية ولا تتعلق بنفس الأمر إلا بصورة ثانوية وأظن أن هذه الفهم يحل مشكلة العلم والدين التي نشأت من صدام النصوص المحرّفة للوحي في الغرب مع الحقائق المتتالية المدركة بالتجربة والحس أي مشكلة العلم والدين كما سُمي.
بل قد يحل هذا المدخل ـ عند عرضه بتوسع ـ المشكلة بين الفقهاء والصوفية الذين يتكلمون عن الحقيقة ومخالفتها للشريعة ومحاولة التوفيق بينهما وهو أمر جدير بالتأمل ومزيد البحث.
ج ـ أصول الفقه منهجا:
ويمكن أيضا تشغيل أصول الفقه ـ كمنهج ـ في علاقته مع الفلسفة ـ كمجال ـ في استفادة العلوم الاجتماعية من ذلك المنهج وذلك بتجريد ما يمكن أن نطلق عليه نظريات الأصول وتطبيقها أو أجزاء منها في تلك العلوم.
فالحجية التي تحدد المصادر الأصلية وتبين كيفية إقامة الدليل على حجيتها وتوثيق المصدر والتعامل مع مساحة القطعي والظني ثم كيفية الإلحاق وفك التعارض وتحقيق مقاصد العلم وتطبيقاته وغيرها من المباحث التي يمكن الاستفادة من أصول الفقه في العلوم الاجتماعية والإنسانية عند تجريد نظرياته وعرضه بصورة أخرى غير الصورة الموروثة فيها.
وتفصيل ذلك أن الفكر الأصولي لعلماء أصول الفقه الإسلامي قد انطلق لغرض معين حاول أن يضع علامات الطريق للوصول إليه، ذلك أن المجتهد وهو من يستنبط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية يحتاج إلى مصدر أحكام ثم بيان كيفية التعامل معها ثم بيان شروط الباحث وهي الأمور التي ضمنها علماء الأصول في تعريف أصول الفقه بل كانت سببا في إطلاق لفظ أصول بالجمع عليها ولم تطلق كلمة أصل الفقه على ذلك العلم، فمدرسة الرازي الأصولية تعرّف ذلك العلم بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالا أو كيفية الاستفادة منها وحال المستفيد أي المجتهد كما مر.
د ـ نظريات الأصول :
لقد ثارت أسئلة متتالية فقي ذهن المجتهد مثّلت الإجابة عنها مواضيع ذلك العلم، ونحن نعرض هنا لتلك الإجابات مرتبة ترتيبا منطقيا موافقا للحاجة والباعث على إثارة هذه الأسئلة في ذهن الأصولي ونرى أن الإجابة عليها تمثل ما يمكن أن نطلق عليه (نظريات أصول الفقه) التي عددنا منها للآن سبع نظريات يمكن أن يُعمل فيها النظر لزيادتها أو ضم بعضها إلى بعض إلا أن معالجة مسائل أصول من خلال هذه النظريات تمكن من فهم أعمق لتلك المسائل وتُظهر مبنى الخلاف وسببه وتساعد في اختيار وترجيح رأي على رأي آخر كما أنها تبين فائدة إثارة مسائل لا يمكن معرفة فائدتها إلا بالدخول إليها من خلال هذه النظريات وكذلك تبين فائدة بعض الأدلة التي ثار حولها جدل قديم مثل دليل الإجماع.

النظرية الأولى : نظرية الحجية:
ما الحجة التي نأخذ منها الأحكام؟
هذا السؤال الأول كانت الإجابة عليه هي أننا نأخذ الأحكام من القرآن الكريم باعتباره النص الموحَى به، المعصوم من التحريف، المنقول إلينا بالتواتر وباعتباره كلمة الله الذي نؤمن بأنه الخالق وأننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا مبا أمر ونهى (افعل أو لا تفعل) وأن هذه الأحكام مقياس المؤاخذة في يوم آخر يرجع البشر فيه إلى خالقهم للحساب (العقاب والثواب).
النظرية الثانية : نظرية الإثبات:
فإذا ثبت هذا في القرآن والسنة تأتي نظرية الإثبات وهي مكونة من رؤية كاملة إلى قضية نقل النص شفاهة عبر الناقلين وما استلزم هذا من إيجاد علوم خادمة من الجرح والتعديل للرواة ومن علم مصطلح الحديث وعلم القراءات لنقل وضبط النص الشرعي.
وبهذه العلوم تم التثبت من النقل فبعد مرحلة بيان الحجية تأتي مرحلة إثبات ما قد تبين أنه حجة وقد يظهر في هذا البيان دور ولكن ينفك الدور لانفكاك جهة الإثبات، فالحجية للقرآن والسنة جاءت في أغلبها وأساسها من أدلة عقلية ثم ثبوت القرآن والسنة من واقع النقل مضبوط بأدلة نقلية.


النظرية الثالثة نظرية الفهم:
بعد ذلك جاء دور النظرية الثالثة وهي نظرية الفهم: كيف نفهم القرآن (الحجة/ الثابت لدينا ) فنحن أمام نص اعتبرناه حجة ثم أثبتناه بطرق تطمئن إليها العلماء طبقا لمنهج علمي مستوف لشروطه ولقد وضع الأصوليون لذلك أدوات تحليل وفهم للنص مستمدين هذا من مجموع اللغة وقواعدها ومفرداتها وخصائصها من ناحية، وكذلك من مجموع الأحكام الفقهية المنقولة الشائعة من ناحية أخرى.
والحاصل أن هذه المرحلة في بناء أصول الفقه مرحلة مهمة للغاية وتمثل لبنة من لبنات الأصول بغض النظر عن اختلاف المجتهدين والمدارس الفقهية في بناء تلك الأدوات.

النظرية الرابعة نظرية القطعية والظنية:
وإذ قد تم تحديد المصدر وحجيته وإثباته وفهمه واجهت الفقهاء مشكلة القطعية والظنية حيث إن الاكتفاء بهذه الأدوات يجعل مساحة القطعي أقل مما ينبغي مما أوجد مشكلة حقيقية استوجبت القول بالإجماع كدليل يوسع من مساحة القطعي ويخرج ظني الدلالة من ظنيته إلى إطار القطع.
فلأدوات اللغوية وحدها لا تكفي لتفسير قوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} حيث الفاء للتعقيب بما يمكن أن يفيد الوضوء بعد الصلاة أي إذا ادعى مدعِ هذا لم يكن لدينا بمحض الأدوات اللغوية ما يمكن إيقافه ومن هنا كان لا بد من الاعتماد على الإجماع الذي يخرج المسألة من دور الظنية إلى القطعية بحيث لا يمكن في ظل هذا النسق المتضمن للإجماع أن يُقال إن الوضوء بعد الصلاة؟!!
فهم قضية الإجماع في هذا الإطار يحرر كثيرا من الخلاف حول المسألة ويجعل كلام المؤيدين ذا معنى واضح وفائدة مرجوة.
ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي ومسألة الاجتهاد والإفتاء.

النظرية الخامسة نظرية الإلحاق:
وإذا تم تحديد الحجية وإثباتها وفهمها في إطار القطعية والظنية فإن النصوص المحدودة بلفظها وإيقاعها على الواقع النسبي المتغير لا تشتمل على كل الحوادث ومن هنا جاءت نظرية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالا متعددة كالقياس وكإجراء الكلي على جزئياته أو تطبيق المبدأ العام على أفراده.
فالكل حتى الظاهرية قائلون بما يمكن أن نسميه (الإلحاق) وإن أنكروا هيئة مخصوصة منه وهو (القياس)

النظرية السادسة نظرية الاستدلال:
بعد نظرية الإلحاق تأتي نظرية الاستدلال والتي رأى الأصولي فيها مجموعة من المحددات كالعرف والعادة وقول الصحابي وشرع من قبلنا ونحوها تؤثر بمعنى أو بآخر في الوصول إلى الحكم الشرعي مما ادعى معه بعضهم أنها أدلة وأنكر آخرون فسميت الأدلة المختلف فيها.

النظرية السابعة: نظرية الإفتاء:
ثم تأتي نظرية الإفتاء التي تشتمل على ذكر المقاصد الشرعية والتعارض والترجيح، مع شروط الاجتهاد والإفتاء بحيث يقوم من توافرت فيه شروط الباحث بإصدار الحكم ثم عرضه على سقف المقاصد الشرعية بحيث لا يتعداها ومراجعة حكمه إن تعداها حتى يتسق معها بحيث لا تقتصر الأحكام على المقاصد بالبطلان لما فيه من عكس المطلوب.
إن هذه النظريات السبع والدخول إلى علم الأصول من خلالها تبرز كثير من المسائل التي يظن طالب ذلك العلم عدم جدواها ببادئ النظر كما أنها تبني إطارا معرفيا مناسبا للتحليل والدرس وهي أيضا تكون المعيار الأمثل لتبني الآراء الأصولية أو تعديلها وكذلك تمكن من تشغيل وتفعيل ذلك العلم في علاقته بين العلوم الاجتماعية والإنسانية.
يتبع،،،

محمد ال عمر التمر
07-09-2006, 18:07
ثالثاـ تطوير العلاقة بين الأصول والفلسفة
ويمكن خلال نظرية المعرفة الإسلامية والتي ترى أن مصادر المعرفة عند المسلم هي: الوحي والوجود معا حتى شاع التوجيه لقراءة الكتابين _ كتاب الله المنظور وكتابه المسطور _ أن نصل إلى ما يمكن أن نسميه "أصول الفقه الحضاري"، والذي بضيف إلى أصول الفقه الموروث الخاص بفهم النص (الوحي) ما يمكن أن يكون أداة لمدارسة الواقع، مستفيدين من كل أنواع المناهج التي استخدمت في الماضي والتحليل في العلوم الاجتماعية والإنسانية بل والكونية من غير أن نتخذ مناهج التلفيق أو التوفيق أو القبول المطلق أو الرفض المطلق او الانتقاء العشوائي بل تكون الاستفادة بإنشاء أداة يتعلمها المفتي ويتمكن بها من إدراك ذلك الواقع الذي أصبح شديد التغير سريع التبدل بعد هذه الطفرة في المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة والتي جعلت الإنسان لا يعيش أمسه في يومه وتفصيل ذلك يحتاج إلى جهود متواصلة ليتم بصورة متأنية تبني ولا تهدم وتنفع ولا تضر.
وأوسع من ذلك أن يستفاد من أصول الفقه بوصفه منهجا للعلوم الاجتماعية بعامة، إذ أن الأفكار الأساسية التي جاءت من العقيدة لرؤية الإنسان والكون والحياة لمّا ولّدت عند المسلم أفكارا ثم ولدّت الأفكار منهجا للتعامل مع العلوم، وهذا المنهج ضبط مناهج كثيرة فإذا ما درسنا الأمر، وضعنا العقيدة الإسلامية عند المسلمين والأفكار الأساسية الضابطة التي تفرق الإنسان عن غيره، ووضعنا من خلال هذا منهجا يستطيع أن يولد منهجا لآي علم من العلوم، واستفدنا من علاقة مناهج كل علم من العلوم بهذا المنهج الأم.. حينئذ يمكننا أن نستعمل منهج المناهج في إنشاء مناهج للعلوم الاجتماعية والإنسانية متخذين أصول الففه رسالة لذلك.
وتلك هي النقطة الأولى التي نريد أن نتوصل إليها في ظل علاقة منهج أصول الفقه بالمنهج الأم وكيف تولد منه وكيف نولّد أيضا منهجا للعلوم الاجتماعية بالاستفادة بهما معا.
أما النقطة الثانية فهي حول معنى العلم وهو يعني أن لدينا موضوعا متميزا ومسائل لهذا العلم واستمدادا له والاستمداد كما قلنا أننا ما زلنا نسأل فإذا بنا ننتقل من علم إلى علم وموضوع أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام الشرعية منها والأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولها حيثيات كثيرة منها الحفظ أي أن نحفظ الكتاب والسنة (لا يكون أصوليا من حفظ الكتاب والسنة فقط) وليس معناها أن أفسر وإنما كيف نستنبط الأحكام من القرآن والسنة والإجماع والقياس.
هنا يأتينا السؤال الثالث ما الحكم الشرعي؟
الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين الاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
والاقتضاء يعني الطلب والتخيير يعني افعل أو لا تفعل والوضع معناه جعل الشيء بإزاء شيء آخر.
إذا فموضوعه متعلق بالمعيار وكيفية استنباط الأحكام منها ولكن هذا المعيار هل هو مخصّص للدراسة فقط؟ الحقيقة أن محورية هذا المعيار للحضارة تأبى ذلك فنحن لا ندرس الكتاب والسنة على مدرسة من درس الفن للفن أو هذه المدارس العبثية، وإنما ندرسهما حتى يكون لهما واقع في حياة الناس ولذلك فلابد من مجال في الاجتهاد فإذا لم يكن هناك مجال فلا اجتهاد بمعنى أنه لا يستطيع أحد من الناس أن ينعى علينا أن الاجتهاد قد أُغلق، وأننا سحبنا من واقع الحياة لأن الاجتهاد يحتاج إلى مجال يزاول المجتهد فيه اجتهاده فإن حرمنا المجتهد من مجاله فلن يستطيع أن يجلس في بيته ويفكر ويجتهد لأن أحد أركان هذا الاجتهاد أن يطبق ذلك المعيار في الواقع.
إذن هناك في أصول الفقه علاقة بالواقع ومن أجل ذلك تكلموا عن الأحكام الشرعية على مستوى الفقه وعلى مستوى الفتوى وعلى مستوى القضاء، أما الذي على مستوى الفقه فهو معرفة الحكم الشرعي والواقع المطبق فيه من غير تأثير فيه، ومن هنا فالقاضي لا بد أن يعرف حكم الله والواقع الذي أمامه وهو قادر على أن يغير فيه أما الفقيه فيعرف حكم الله فقط ولكن المفتى يعرف حكم الله ويعرف الواقع الذي سيطبق فيه دون أن يكون له إلزام في التغيير.
لتوضيح ذلك أضرب مثلا بما حدث أيام الليث بن سعد في قضية قبرص وهل خلع أهلها الذمة أم لا؟
ولقد أفتى في هذه القضية سبعة من المجتهدين العظام، واختلفت فتاويهم بناء على تقويم الواقع، فالواقع هو الظاهرة الاجتماعية ومن هنا تساءلوا أهل قبرص على أية صفة هم؟ هل هم متمردون؟ هل هم مظلومون؟ هل الواقعة التي حدثت لا أصل لها وأن ما نسب إليهم من أقوال وأفعال لم تحدث أصلا؟
كل فقيه تكلم عن المسألة بما قد وصل إليه علمه بالواقع ولو تأملت في الفتاوي ستجد أنها لم تختلف من ناحية أدراك حكم الله ولكنها اختلفت في إيقاع تلك الأحكام على الواقع فالكل يقول أن من تمرد من أهل العهد والذمة بيننا وبيتهم نقضت ذمتهم لكن هل هم فعلا نقضوا الذمة؟ وهل عن قصد؟ أم كانوا محتاجين لمساعدتنا ونحن الذين قصرنا في حمايتهم؟ أو أنه لم يصدر عنهم مثل هذا؟ إلى آخره.
هنا سيتبين لنا أن دراسة الظاهرة السياسية مثلا يحتاجها ذلك الفقيه لتتم الفتوى على وجهها وهذا احتياج مسائل وليس احتياج مناهج إذن نستطيع أن نقول أن إنه يمكن أن تكون هناك صلة بين منهج أصول الفقه ومنهج العلوم الاجتماعية وبين مسائل أصول الفقه وبين مسائل العلوم الاجتماعية وأيضا سنتوسع ونقول: وبين مسائل العلوم الشرعية الأخرى وسائر العلوم الاجتماعية وهذا ليس موضوعنا ولكن نحن هنا في هذا المقام (الفتوى والفقه والقضاء.. وأهل قبرص) أدركنا علاقة الفتوى التي تحتاج إلى معرفة الواقع الذي يحتاج في دراسته إلى أصحابه ليصفوه والذي نسميهم بأصحاب العلوم الاجتماعية والإنسانية.
والحقيقة أن اختلاف الواقع أحد عوامل اختلاف الفتوى وليس أحد أسباب اختلاف الفقهاء فالفقهاء في فتاويهم يختلفون لاختلافات كثيرة منها اختلاف ثبوت الأدلة واختلافهم في تفسيرها وفي مراتبها بل وفي الأدلة نفسها وهل نأخذ بها أم لا ومنها الكثير الذي تعرض أصحاب الكتابات له مثل ابن تيمية في رفع الملام عن الإئمة
الأعلام والدهلوي في كتابه أسباب اختلاف الفقهاء والشيخ الخفيف رحمه الله في كتابه أسباب اختلاف الفقهاء وهؤلاء تكلموا بتوسع عن أسباب اختلاف الفقهاء في هذه الناحية.
واضرب مثلا آخر ليتضح الحال أكثر فمثلا يقول الفقيه: (من قال لزوجته أنتِ طالق.. تطلق منه طلقة رجعية وتجلس على ذمّته ثلاثة حيضات ثم بعد ذلك تصبح طلقة بائنة ويجوز لآي رجل أن يتزوجها) فجاء لهذا المفتي رجل يقول له هذا الذي حدث بينه وين زوجته فنجده لا يفتيه بأنها طالق منه بل يسأله عن حال وقوع الطلاق هل كان نائما أم مستيقظا؟ بقصد أم بدون قصد؟ قالها حكاية أم توجيها؟
فيخرج من هذه المسألة بالحكم وهكذا يفتش الفقيه المفتي حتى يصل للحكم ثم يعود ليسأله هل كانت حائضا؟ فإذا كانت حائضا اختلف فيها الفقهاء البعض يقول بأنها طالق والبعض الآخر لا يطلقها والمفتي إذا كان من هؤلاء أو هؤلاء فسيلتزم بحكمها.
وقس على ذلك كثير من الأمور فتحرير الواقعة من مهمة المفتي وليست من مهمة الفقيه، الفقيه يحرر الأحكام أما القاضي فيغير الواقع (كأن يطلق المرأة من زوجها) أو يسجن زوجها في حالة تعرضه لمطلقته.
نأتي بعد ذلك لمنهج أصول الفقه.. ونسأل هل يمكن بطريقة تفكير الأصولي أن يستفيد عالم الاجتماع؟
وهل يمكن لعالم الاجتماع أن يستفيد من كيفية ترتيب الأصولي لأفكاره في ذهنه؟ فعالم الأصول عنده أولا تفريق في ذهنه ما بين القطعية والظنية، وهذه تفيده في التعامل مع النصوص الشرعية ويمكن لعالم الاجتماع أن يتبنى هذا المنهج فيُفرق ما بين القطعي والظني في دراسة الواقع، وهنا يحتاج صاحب العلوم غير الشرعية كلها بما فيها العلوم الاجتماعية إلى ما أشار إليه الأصوليون وما أخذناه من كلامهم ومعيشتهم ـ وليس هذا في نصوصهم صريحا ـ إلى التفرقة ما بين الواقع ونفس الأمر.
وبهذا يمكن أن ندّعي أننا قد ألقينا شيئا من الضوء على العلاقة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية عسى أن يكون ذلك البحث مقدمة لأبحاث أخرى أكثر عمقا وأكثر تفصيلا.
والحمد لله رب العالمين

نزار عمر الغنودى
07-09-2006, 21:54
شكرا لمحمد ال التمر نريد منك الاكمال ونرجومن الاخوة ترك الاخ يكمل

مصطفى سعيد
03-11-2007, 23:00
بارك الله فيك ونتفق مع الدكتور ولكن قد نري بعض المسائل المستقرة تحتاج لإعادة صياغة حيث أن الصيغة الواردة عليها إعتراضات لها وجاهتها مثل
فلأدوات اللغوية وحدها لا تكفي لتفسير قوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} حيث الفاء للتعقيب بما يمكن أن يفيد الوضوء بعد الصلاة حيث أن القيام للصلاة يبدأ من الهم إليها و-إلي تفيد أنك في التحضير والتجهيز والفاء إذن تعقب علي بداية أعمالها وهو الهم القلبي ثم الاستعداد بالوضوء أما لو كانت للصلاة فهنا نقول القيام بعد الوضوء . وبالتالي فهذا الكلام يطرح في النظرية الثالثة من كلام الدكتور وهي نظرية الفهم . ونضيف أن أدوات اللغة التي وضعها الناس لم تكتمل بعد لفهم كلام رب الناس ،ومازالت في حاجة لتطوير لكي تصل إلي فهم أدق ،وحتي يكون ذلك فنعمل ماذكر علي المثال أنه في النظرية الرابعة . ولكن يجب إذا ما جاء أحدهم بتفعيل لدلالة لحرف الجر كما ذكرت توضح أن قواعد اللغة المعمول بها كافية في هذا المسألة يجب الأخذ بما قال