المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علاقة الألفاظ بالمعاني والمصاديق



أحمد محمود علي
21-02-2004, 12:54
بسم الله ابتدأ السؤال ، وعلى الله الاعتماد والاتكال ، ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، وظلالهم بالغدو والآصال،،،
وأصلى وأسلم على أفضل الرسل وأجلّ الرجال ، الذي بلغ من الكمال ذروته ، ومن الجمال قمته ,وفاق بخلقه أعالي الجبال ،،
صلى الله تعالى عليه وعلى صحابته وأزواجه والآل...
وبعد..
فإن شيخنا العلامة أبا الفداء كان قد ألقى في آخر محاضرة ببلد الأزهر الشريف بدائعا وروائعا ، وكان مما تكلم عنه يومئذٍ الألفاظ والمعاني والمصاديق ، وأن الألفاظ وضعت أولا للمعاني لا المصاديق ،وأن هذه المسألة مما أختلف فيها علماؤنا ، وذكر الشيخ -حفظه الله- كيف تعامل مع هذه المسألة أهل السنة ،وكذلك الحشوية المجسمة ،،
والذي أرجوه من شيخنا أن يوضح لنا باختصار هذه المسألة مرة أخرى، لما لها من فوائد عديدة قيمة !
وأخيرا أشكركم شيخنا على الاهتمام بطلاب العلم ،جعلني الله وإياهم في ميزان حسناتكم ،وأعظم لكم أجرا ، وفرح بكم قلب النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعلكم في جواره في الفردوس الأعلى ،آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سعيد فودة
26-02-2004, 12:16
الأخ الفاضل محب الدين

سوف أجيب على هذا السؤال قريبا.

والسلام عليكم ورحمة الله

سعيد فودة
28-02-2004, 12:10
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد
إن الألفاظ في أصل الوضع كنحو الأسماء غير الأعلام، وهي المستعملة في اللغة، كاليد والعين، وغير ذلك إما أن تكون موضوعة لنفس المتعين الخارجي، بلا انبنائه على معنى ولا مفهوم، كأن يقال إن اليد وضعت لذلك العضو الخارجي، وهو الذي هو جزء من الجسم، بلا ملاحظة كونه آلة وواسطة للفعل، بل هو موضوع لها أصالة. وإما أن يقال إن اليد موضوعة للصادق عليه بقيد كونه آلة وواسطة للفعل، ونحو ذلك، فيكون الوضع وقع على مجموع أمرين، والأصالة فيه إما أن تكون للصادق على المتشخص الخارجي أو للمعنى الذهني، يمكن الاختلاف في ذلك، والأقرب أن يكون للذهني، وإما أن تكون موضوع لنفس المعنى الذهني وهو الآلية ونحوه، وإطلاقها على الخارجي إنما هو من باب المصداق لا من باب التعين الوضعي بمعنى أنه تعين وضع اليد لما في الخارج، بل ما في الخارج إنما يكون مصداقا لما وضعت اليد له أصلا. وكونه مصداقا هو مصحح لاستعمال هذا اللفظ فيه، ولا نحصر المصححات في المصداقية التامة.
ومن هنا قلت إن القول الأول يشبه أن يكون هو قول المجسمة ومنهم ابن تيمية، ولذلك يعتبر ادعاء تجويز استعمال اليد في القدرة المشتركة في قدر معين من معنى الآلية وواسطة الفعل، الصادق على مطلق القدرة ونحوها، هو تعطيل لأصل ما وضع اللفظ له، وما وضع اللفظ له عند ابن تيمية ومن دار مداره إنما هو المصداق الخارجي لا المفهوم المذكور، ولذلك أيضا يعتبر استعمالها في القدرة نفيا للصفة التي هي اليد الجارحة والعضو والتي يفترض اللفظ وضع أصلا لها. والحاصل أن هذا هو محل النزاع بيننا وبينه أصلا. والحق أن استعمال اللغة لليد في مصاديق مختلفة دليل لنا لا له، خاصة أن بعض هذه المصاديق لا يقال عليه إنه عضو ولا يقال إنه جزء مادي أو عيني كما يطلقه ابن تيمية على يد الله تعالى وعينه ووجهه.
وكذلك فوجود المجاز في أصل اللغة مؤيد لنا لا له، وذلك من حيث إن أصل المجاز أمر وضعي، وأما جزئيات علاقاته فالأصح أنها غير متوقفة على النقل. وهذا يؤيد لنا استعمال اللفظ في غير ما ورد النقل باستعماله فيه.
وتوجد أيضا ملاحظات أخرى، ولكن أعتقد ان ما هو مذكور هنا كاف في هذا المقام.
ويلاحظ أنه لا يوجد محظور كبير في القول بالثاني والثالث. وبناء على ذلك يمكن أن يقال بالمجاز وغيره من العلاقات اللغوية المعلومة لنا.
وأما القول الأول فمع فجاجته، فهو معارض بأمور كثيرة أشرنا إلى بعضها أثناء الكلام. ولذلك قال العلماء دلالة الألفاظ على المعاني، والمعاني تدل على ما في الخارج.

وفي الحقيقة كنت أريد الكتابة بتفصيل أكثر، وأنتظر أن يتيسر لي من الوقت ما يكفي لذلك، وأعضد ذلك ببعض النقول عن علمائنا الأفاضل، ولكن تبين لي أن كثرة المشاغل تمنع ذلك الآن، فأحببت أن أذكر هذه الخلاصة لعلها تكون نافعة وهي لعمري من تحقيقاتي ومن تقريراتي ولم تسمعها أذني من أحد، ولا رأتها كذلك عيني في كتاب، بل هل خلاصة لي يدل عليها شواهد عديدة من كلام العلماء وهي مفيدة وقاعدة أصلية في هذا الباب. وأدعو الله تعالى أن أكون من المصيبين في ذلك.
والله الموفق

بلال النجار
28-02-2004, 16:45
بسم الله الرحمن الرحيم

تعليقات على ما ذكره شيخنا العلامة سعيد فودة وفقه الله تعالى

قوله: (كنحو الأسماء غير الأعلام)
أخرج الأعلام لأنه لا خلاف في كونها موضوعة للموجود الخارجيّ المتشخّص. وإنما الخلاف في اللفظ الذي يصحّ إطلاقه على كثيرين. والأعلام ليست من هذا الباب. فإن الاسم إما أن يكون معناه واحداً أو كثيراً، فإن كان معناه واحداً وتشخّص فهو العلم. فإن قيل ما بال زيد يطلق على متشخصين كثيرين وهو علم. قلنا: من باب الاشتراك في الاسم فقط، بل زيد لا يفهم منه غير واحد عند ذكره عند عاهده. وليس الكلام في المشترك، بل الكلام في الدال على كثيرين مشتركين في معنى، صحّ إطلاق اللفظ عليهم لوجود ذلك المعنى فيهم. والعلم لا يلاحظ فيه هذا المعنى عند إطلاقه على مسمّاه. ثم البحث في أن هذا المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه أهو الخارجيّ المتعيّن المتشخّص في بعض ما استقريناه من أفراده، أم هو المعنى المعقول من اللفظ في الذهن، أو المعنى بلا قيد كما سيأتي بحثه.

قوله: (كاليد والعين)
إشارة إلى ما يثبته المجسّمة للمولى سبحانه وتعالى بمعانٍ باطلة، وهي الجارحة. لاعتقادهم بأنه لا معنى لها إلا ذلك، لأنها إنما وضعت في اللغة لذلك. ولذلك لزمهم التشبيه والتجسيم.

قوله: (إما أن تكون.. إلخ)
ذكر ثلاثة الأقوال في المسؤول عنه، لأن اللفظ المستعمل الدالّ على معنى له جهتان: جهة إدراكه بالذهن، وجهة تحققه في الخارج. فهل الوضع له يكون باعتبار الجهة الأولى أو الثانية أو بغير نظر إلى شيء منهما. تردد:
الأول: أنه موضوع للمعنى الخارجيّ لا الذهني. أي يعتبر في وضعه دلالته على الموضوع له باعتبار وجوده الخارجيّ، أي بالنظر إلى ما صدق عليه لفظ اليد مثلاً لا باعتبار معنى اليد. فيدخل في معناها ههنا قيود من مشخّصات ولواحق زائدة على المعنى المفهوم من اليد، وإليه الإشارة بقوله (على مجموع الأمرين) أي المفهوم والقيد. وهنا تكمن الخطورة في هذا القول.
الثاني: أنه موضوع للمعنى الذهنيّ، أي لما يتصوّره الذهن من لفظ اليد مثلاً، أو الإنسان ... إلخ. والقول الأول كما ترى أخصّ من الثاني، لأن فيه إثباتاً للمعنى الذهنيّ وزيادة. ولذا قال القائل بالأوّل إن من تأول اليد بالقدرة معطل، لأنه أخرج عن معناها بعض ما دخل فيه مما يلحق ماهيّتها بسبب تعيّنها وتشخّصها الخارجيّ.
الثالث: أنه موضوع للمعنى من حيث هو، من غير تقييد بخارجيّ أو ذهنيّ. فيكون إطلاق اللفظ على كلّ من المعنى الذهنيّ والخارجيّ إطلاقاً حقيقياً. لأن كلا المعنيين من مصاديق المعنى بلا قيد الذهن أو الخارج.

قوله: (يمكن الاختلاف في ذلك، والأقرب أن يكون للذهني)
تسويغ للقولين واعتبار لهما من حيث الجواز، والقوة في النظر، مع ترجيح للقول المذكور في ثانياً.

قوله: (ولانحصر المصححات في المصداقية التامة)
أي أن اعتبار القول الأول يلزم منه أن لا يجوز أن يطلق اللفظ إلا على ما ماثل المصداق الذي أطلق عليه اللفظ في قيوده المشخّصة له أي ما ساواه في الكيفية التي قيّد بها في الخارج مساواة تامّة. وبهذا يشترط لصحة الإطلاق هذه المساواة. والواقع بخلافه. فبطل الملزوم لبطلان لازمه. وللمتأمل أن يعرف من قول ابن تيمية بهذا سبب نفيه للمجاز.

قوله: (والحق أن استعمال اللغة لليد في مصاديق مختلفة دليل لنا لا له)
أي لأن اليد في اللغة تستعمل في أعمّ من العضو والجارحة. ولأن المجاز في اللغة أثبتُ من أن يستطيع أحد أن ينكره. فلا يلزم من قولنا تعطيل معنى اليد الثابت لله تعالى، ولكنه إنما لزمنا تعطيل الباري عن صفة اليد عند ابن تيمية لأنه يراها من جنس الجوارح والأركان والأعضاء، فلمّا نفينا هذه القيود عنها، فقد عطلنا الإله عن صفة ذاته عنده!!! وبعبارة أخرى فإن تنزيهنا للإله تعالى عن مشابهة مخلوقاته التي تدركها حواسنا في الخارج يسمّى تعطيلاً عند هذا المبتدع.

قوله: (وكذلك فوجود المجاز في أصل اللغة مؤيد لنا لا له)
لأن مجرّد ثبوت المجاز في اللغة يمنع انحصار صحة الإطلاق والاستعمال في المصداقية التامة بين الموضوع له أصلاً وما عداه. بل يوسعها إلى درجة جواز إطلاق اللفظ على معنى بينه وبين المعنى الوضعيّ علاقة عقليّة ما. بحيث ينتقل الذهن من المعنى الوضعيّ إلى ذلك المعنى المجازيّ، بصرف النظر عن جلاء أو خفاء تلك العلاقة، والله أعلم.

قوله: (وأما جزئيات علاقاته فالأصح أنها غير متوقفة على النقل)
يعني تلك العلاقات التي استقريت في المجازات في القدر المنقول لنا من لغة العرب. ويظهر جلياً ميل الشيخ إلى القول بعدم انحصارها في النقل. أي تجويزه لأن يكتشف العقل علاقات جديدة زائدة على الكليّة، والجزئية، والسببية، والمسببية، والحاليّة والمحليّة، واعتبار ما كان، واعتبار ما يكون... إلخ ذلك من العلاقات المنقولة لنا. فيجيز الكشف عن علاقات جديدة بين المعاني الوضعية والمعاني الأخرى تسوغ إطلاق الألفاظ التي للأولى على المعاني الثانية.

قوله: (وأما القول الأول فمع فجاجته، فهو معارض بأمور كثيرة أشرنا إلى بعضها أثناء الكلام)
من ذلك استلزامه لنفي المجاز الثابت في اللغة، وانحصار صحة الاستعمال والإطلاق في المصداقية التامة على ما بيّنه، وكذا لاستلزامه محظورات فاسدة في العقيدة من تشبيه وتجسيم الإله سبحانه المنافية لقواطع الأدلة، وفيه أيضاً أن المعنى الشخصيّ لا يقوم بمحلّين، فلا بدّ من تصوّر قدر مشترك يصحح الإطلاق، هو ما به الاشتراك، لأن ما به الامتياز والتشخص لا يصح في العقل قيامه بأكثر من المتشخّص، فيعود الكلام إلى القول الثاني والثالث، المثبتين لمعنى كليّ مشترك بين المصاديق يكون المصحح للإطلاق. تأمل.

قوله: (كنت أريد الكتابة بتفصيل أكثر...إلخ)
نرجو من الله تعالى أن ييسر للشيخ الوقت ويوفقه لإتحافنا بتحقيقاته، ويلاحظ علينا بملحوظاته، وأن ينفعنا بعلومه في الدارين آمين.
ولعل الشيخ يتكلم لنا في أكثر في فوائد معرفة ذلك، وما ينبني على هذه الأقوال، فإنا نعرف مثلاً أن الوضع خاص بالحقيقة، وأن الاستعمال يعم الحقيقة والمجاز والكناية. وعليه فبتحديد لأي شيء كان الوضع نميز المعنى الحقيقي. وبمعرفة المعنى الوضعيّ نحصّل مدلولات اللفظ من طريق المطابقة والتضمن والالتزام. ولا شكّ أن اعتبار القول الأول يطع الاستعمال في المعاني المجازية، كما أنه يوسع في مدلولات بالدلالات الثلاث. وإن كلام الشيخ ليفتح دائماً في عقلي أبواباً كثيرة جداً للتأمل، وليتكم تكونون معي حين يقرر المسائل في دروسه على نحو فريد جديد، فتنشأ في العقل فكر تتزاحم عليّ حتى لا أقوى على تقييدها، فأيأس من ذلك، وكم اعتصرت ذاكرتي بعد بعض دروسه لأجمع ما ضاع مما حصل في ذهني من معان نتيجة لبحوثه. كان الله في العون. والحمد لله رب العالمين

بلال النجار
29-02-2004, 10:01
بسم الله الرحمن الرحيم

قولي: (ولا شكّ أن اعتبار القول الأول يقطع الاستعمال في المعاني المجازية، كما أنه يوسع في مدلولات بالدلالات الثلاث)
أقول: تأمل. فأما المطابقة: فإن الوضع يكون في هذه الحال لمعنى أخص. وأفراد الأخصّ أقلّ عدداً من أفراد الأعمّ. وأما التضمن: فلا ريب أن الأخصّ يدل على معان أكثر في ضمنه مما يدل الأعمّ. وأما الالتزام: فهل لوازم الأخصّ أكثر أو لوازم الأعمّ؟ إن الأعمّ في ضمن الأخصّ، فلازم الأعمّ لازم للأخصّ. والأخصّ هو الأعمّ وزيادة. فهذه الزيادة إن كان لها لازم زادت لوازم الأخصّ عن الأعمّ، وإلا ساوتها على أقلّ تقدير. تأمل.