المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ليلة شرف العقل



نزار بن علي
19-08-2006, 13:36
ليلة شرف العقل
إن البركات التي يفوح الليلة أريجها في الأرجاء، والأنوار التي تسطع في الأجواء، حتى تبهر الأبصار بالسناء، ما هي إلا أنفاس من روح الحكمة تستنشقها العقول فتذهب متبحرة فيها إلى طبقات سامية من الإدراكات، وآفاق واسعة من الوجدانيات، كانت نزعات المادية تضرب عليها حجابا، وخطرات الغرور تقوم دونها سحابا، فإذا هي تصافح الحق الأبلج، والهدي النيّر، والرشد الوضاء الواضح الذي كانت تهيم في سبيله الأرواح، وتلهيها الفتنة عن الإفصاح.
وتلك هي الخطفة القوية من كهرباء النبوءة التي نزلت على الهيكل الإنساني المظلم، فاستنار بها وسرت فيه حتى الدماغ، فحركت المخ حركة فوق طاقته المادية، وهي حركة انفصالية عن المحيط الجسدي دفعت بالفكر حتى توجه بأجنحة الاستشراق لا بطريق البحث، فساح في ممالك اليقين يهبط أغوار الحق ويتسلق نجود المعرفة، فكلما اهتز للمعة حق من بطن قعر، أو ابتهج لمطلع معرفة من علو شرف، جدد ذكرى ذلك اليوم الميمون الأسعد الذي عهد حريته ورفع عنه إصره والأغلال التي كانت عليه، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، سنة 571 من تاريخ المسيح، اليوم الذي بزغت فيه من عراص مكة أم القرى أنوار الأمية المعصومة التي كشفت عن ظلال العلم، والإمامة السمحة التي خلعت طقوس الرهبانية؛ فتطهرت بذلك أجواء التفكير، وانبعث العقل حرا طليقا ينتعش بأنفاس البحث الطاهرة، ويتنسم أرواح الحرية الزكية التي قيدتها عليه أثرة العلم ورهبانية الأديان.
فليس إلا بهذا الدين الحنيف عرف العقلُ ما بوأه الله من سلطان على حياة الإنسان، واتسعت أمامه ميادين الإنتاج، وامتدت يده على ساحات النصر في المعارك.
فلقد أخذت بالمجتمعات الإنسانية من عهد صباها الأول أخذات سرت فيها روح الدجل، وتشمت فيها الأنانية، وتحكم عليها الاستثمار الديني، ورأت في خبايا العقل الأنوار الفاضحة لدجلها، والأعنة الكابحة لأنانيتها، والمعاول الهدامة لسوء استثمارها؛ فأقبلت تصرف العقل عن أمانته الإلهية العظمى، وتنحيه عن منطقة سيادته، وتحدد من سعة امتداده، حتى ذوى وتضاءل وقبع في زاوية ضيقة، مقتنعا بأن من مجال الحياة ما ليس في دائرته، وأن من نواحي العمل ما يحرم على العقل أن يدخله أو أن يتصرف فيه.
كذلك كانت الأديان تفرض رهبانيتها على الناس، فتقول لهم: صدقوا ولا تبحثوا! وافتحوا لنا قلوبكم وسدوا عنا عقولكم! فإنكم إذا سلطتم العقل على إرادات ربكم كفرتم؛ حتى تقرر عند الناس جميعا أن دائرة العقيدة غير دائرة الفكر، وأن التفكير جائز في كل شيء إلا في العقيدة الدينية.
فجاءت الشريعة المحمدية تقلب في نظر الدنيا هذه القضية الزائفة، وتقرر أن العقل أساس الحياة كلها حتى العقيدة الدينية، وأن العقل إذا كان أساس لكل شيء فهو أصل الاعتقاد قبل كل شيء، وأنه إذا كانت ناحية من نواحي العيش قد يدخلها الإنسان من غير طريق العقل فيهتدي، فإن الدين لا يُسلَك له إلا من طريق العقل، ومن سلك له غير طريق العقل لم يكن من المهتدين.
وإذا كانت رهبانية الأديان تقول لأتباعها: إنكم إذا أعملتم العقل في عقيدتكم كفرتم، فهذا الإسلام ينادي الإنسانية جمعاء: إن الذي يتلقى مبادئ ويؤمن بها بدون بحث عقلي ونظر منطقي، فما هو لسبيلي من المتبعين، ولا هو عندي من المؤمنين. اهـ.

نزار بن علي
19-08-2006, 13:46
هذه مقالة للشيخ العلامة الأستاذ الكبير محمد الفاضل بن عاشور. مفتي الديار التونسية وعميد كلية الشريعة وأصول الدين التونسية - ١٣٢٧ ، ١٣٩٠ه - وابن سماحة مولانا الإمام العلامة محمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير.
وقد قصدت بنقلها الإجابة عن تساؤلات حول مكانة العقل من علوم الاعتقاد في بعض المنديات التي تنكر أي دور للعقل في الاستدلال على أصول الدين والاحتجاج لها، ولما لم أكن مشتركا فيها نقلتها هنا عسى أن يقف عليها الباحثون عن الجواب من مستعملي الشبكة، وبالله التوفيق