المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لنتدارس حديث الإفتراق



جمال حسني الشرباتي
13-08-2006, 18:35
السلام عليكم

قال عليه الصلاة والسلام

(ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة )

وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى مثل ذلك وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)

والإشكال في هذا الحديث ناجم من كونه يدل على هلاك الأكثريّة ونجاة القلة---وهذا يتعارض مع قوله عليه الصلاة والسلام (أمتي أمة مرحومة مغفور لها )

بالتالي لا بد من فهم حديث الإفتراق فهما يرفع الإشكال--لأنّه يشير إلى هلاك الغالبية--بينما نصوص أخرى تشير إلى نجاة الغالبية

فكيف السبيل إلى فهمه ؟؟

بالإنتظار

سليم اسحق الحشيم
16-08-2006, 19:05
السلام عليكم
لقد وقفت كثيرًا على هذا الحديث كي أعرف أي الفِرق هي الناجية...وكل فرقة ذهبت الى انها هي الناجية وجاءت بحجج وبراهين على ما ذهبت اليه.
وهذا ما اوصلني اليه فهمي من الأحاديث:
الحديث ورد في عدة وجوه منها:
1.عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى مثل ذلك وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
2.عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال والذي نفسي بيده لتفترقن في الحنيفية على ثلاث وسبعين فرقة فيكون اثنتان وسبعون في النار وفرقة في الجنة ).
3.عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال إن بني إسرائيل افترقوا على اثنين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة تفترق على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قالوا يا رسول الله ومن تلك الفرقة الواحدة قال الجماعة جماعتكم وأمراؤكم ).
4.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة إني لأعلم أهداها قالوا ما هي يا رسول الله قال الجماعة )5.عن عبدالله بن عمرو بن العاص إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي ).قال عليه الصلاة والسلام (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة ).
من الملاحظ ان بعص الأحاديث ذكرت أن الامة سوف تفترق ,دون ذكرالجماعة,وبعضها ذكر الفرقة الناجية ...والاحاديث كلها تشترك في الآتي:
1.إخبار الرسول عليه الصلاة و السلام بأن الامة الاسلامية سوف تفترق في المستقبل كما إفترقت اليهود والنصارى,
2.الفرق الاسلامية سوف تكون أكثر من فرق اليهود والنصارى.
3.الإفتراق سوف يبدأ في القرن الثالث مع بداية الإختلاف بين المسلمين وإنتشار الكذب ,لقوله عليه السلام:"أوصيكم بأصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ، ويشهد الشاهد ولا يستشهد . ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان . عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد . من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة . من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن".
واما وجه الإختلاف في الأحاديث فهو في ذكر الفرقة الناجية ووصفها بالجماعة او من هم على ما كان عليه الرسول وأصحابه.
الوصف بالجماعة _المعرفة بأل_يدل على ان الفرقة الناجية هم المسلمون قاطبة والذين هم على عقيدة الاسلام ,كما وصفهم الرسول عليه السلام في حديث _ ملة واحدة _ والملة لاتكون إلا لوصف العقيدة ,أي ان الفرقة الناجية هي من الأمة الاسلامية وليست من الامم الاخرى,وذكر الرسول عليه الصلاة والسلام فرق اليهود والناصارى وقرنها بالفرق الاسلامية الضالة ليبيّن لنا ان هذه الفرق الضالة التي ستدخل النار هي فرق ضالة عقائديًا لأنهم_اليهود والنصارى_إختلفوا وإفترقوا في العقيدة وضلوا جميعهم وكذلك الفرق الاسلامية التي زاغت عن العقيدة هي ايضًا في النار ...والفرقة الناجية هي الفرقة االتي ما زالت على صفاء ونقاء العقيدة الغراء...والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز:" إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)"...فهذا دليل على ان الفرقة الناجية هي التي ما زالت على العقيدة الاسلامية...وكل من زاغ عنها فهو من الفرقة الخاسرة وهو في النار.
هذا والله اعلم

يونس حديبي العامري
18-08-2006, 14:32
أخي جمال هنالك من العلماء من أردف البحث وبين معنى الإفتراق ووضح من هي الفرقة الناجية منهم امثال العلامة عبد القهار البغدادي وغيره وهوحديث مشهور ثابت صحيح خلافا لما ادعاه السقاف أن هذا الحديث ضعيف ومضطرب فخالف الجمهور من المحدثين وفي رسالته تلك هو مدعي وليس له دليل قوي يثبت دعواه بل غاية ما تمسك به أنه الإضطراب؟؟؟-فهل يعني هذا تضعيف كل الطرق - وبارك الله فيك اخي سليم فشرحك بسيط واصل .

حسين العراقي
18-08-2006, 23:02
هناك تفسير لطيف للإمام الغزالي قرأته قبل سنوات لا أتذكر أين قرأته وأنا في هذه العجالة ، استشهد به بحديث وإن كان فيه ضعف ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة منها في النار ، والمعنى أن المصير الى النار هو الخلود فيها ، أما بقية الفرق فسترحم بإخراجها من النار . وعذرا للاختصار .

سعيد فودة
19-08-2006, 16:22
الأخ جمال
إذا كانت الفرقة الناجية أكثر من سائر الفرق، فلا فائدة من احتمالك الذي ذكرته

بالتالي لا بد من فهم حديث الإفتراق فهما يرفع الإشكال--لأنّه يشير إلى هلاك الغالبية--بينما نصوص أخرى تشير إلى نجاة الغالبية

فكيف السبيل إلى فهمه ؟؟


والواقع يثبت أن أهل السنة عبر سائر العصور أكثر من غيرهم.
ولكن لو صح أنهم صاروا في عصر ما أقل، لما ضرنا ذلك، فمجموعهم خلال العصور أكثر قطعا، هذا من هذه الأمة، ولكن كون الأكثر من سائر الأمم الأخرى غير ناجين فلا يضرنا.
والحديث ليس فيه أن سائر الفرق كفار، بل أنهم في النار، ومن في النار يمكن أن يكون مسلما فيخرج منها بعد ذلك، ويمكن أن يكون كافرا فلا يخرج. وكلهم هؤلاء يصدق عليهم أنهم في النار أي لأجل بدعتهم.

سعيد فودة
19-08-2006, 16:28
وأيضا فنحن لا نتوقف في الحكم على الأمة بالتفرق على الحديث فقطن بل المشاهدة أكبر برهان وهي موافقة للحديث. وأما العدد أي هل الفرق 73 أو أكثر أو أقل، فلا يضر الخلاف فيه، ما دام الحديث آحادا.
أما أصل التفرق فهو مقطوع به.
والمقطوع به أيضا استحالة أن تكون جميع الفرق المتخالفة في العقائد مصيبة......
وهذا هو المعنى الوارد في الحديث، فسواء بعد ذلك عندنا صح الحديث أم لم يصح فلا يضر ما دام الواقع مؤيدا لذلك. بل قال بعض العلماء إن قول الرسول عليه السلام إن الذين افترقوا هم (أمتي) دليل على كون هؤلاء جميعا غير كفار، لأن الكافر من غير أمته.
وإن خالفه بعض فقال: هذا إنما يصح إذا كان المقصود من الأمة أمة الإجابة، أما إذا كانت أمة الدعوة، فلا.....
فإن أريد بأمتي أمة الدعوة، فلا يضرنا بعد ذلك أن يكون الضالون أكثر من المهتدين.....
وعلى ذلك فلا أرى أي إشكال في هذا الحديث لا نستطيع حله.....
والله الموفق.

جمال حسني الشرباتي
19-08-2006, 19:06
جوابات لطيفة من كافة الأخوة المشاركين

بارك الله بكم

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 17:52
حياكم الله جميعا
ولقد كتبت قبل سنوات شيئا عن طرق حديث افتراق الأمة؛ فلعل أن يكون له نفع في هذه المدارسة، فيطيب لي أن أنقله إلى ساحة هذه المدارسة، ولعلي أشارككم بالرأي قدر الطاقة فيما يجد بعد من المسائل التي تتولد عن هذه المناقشات الطيبة، والله المستعان في الأمور كلها

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 17:57
حديث افتراق الأمة:
قال رسول الله ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا بدون ذكر النصارى ــ 2/ 332. وأخرجه أبو داود في سننه وسكت عنه، في كتاب السنة، باب شرح السنة ــ 4/ 197. وأخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، واللفظ لـه، وقال: حديث حسن صحيح ــ 5/ 25. وأخرجه ابن ماجه في سننه بنحو لفظ الإمام أحمد، في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم ــ 2/ 1321. وقال الشيخ الألباني في مواضع حديث أبي داود والترمذي وابن ماجه جميعا: حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ــ 14/ 140 من ترتيب ابن بلبان. وأخرجه الحاكم في المستدرك ــ 1/ 47، 217 وقد صححه في الموضع الثاني على شرط مسلم، ووافقه الذهبي على ذلك في التلخيص؛ على حين أنه قال في الموضع الأول معلقا على كلام الحاكم: ما احتج مسلم بمحمد بن عمرو منفردا؛ بل بانضمامه لغيره. وأخرجه أبو يعلى في مسنده ــ 10/ 381، 502. وقال في الموضع الأول: محمد ابن عمرو يشك.

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 17:59
والحديث مروي بعد ذلك بزيادة تبين حكم الفرق، وهي على وجهين:
الوجه الأول، وهو المشهور: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة». قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
أخرجه الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله ابن يزيد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وقال: حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه .. وقال الشيخ الألباني: حسن ــ 5/ 26. وأخرجه الحاكم شاهدا للحديث السابق في المستدرك ــ 1/ 218، وبين أن إسناده قد تفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو لا تقوم به حجة.
وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط ــ 8/ 22. قال: حدثنا محمود، ثنا وهب بن بقية، نا عبد الله بن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ «تفترق هذه الأمة ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: «من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وأخرجه الطبراني أيضا في المعجم الصغير ــ 2/ 29 من طريق عيسى بن محمد السمسمار الواسطي، قال: حدثنا وهب بن بقية، بمثل إسناده السابق، ولفظه «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة». قالوا: وما هي تلك الفرقة؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وقال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن سفيان. وأخرجه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في الأحاديث المختارة ــ 7/ 277. بإسناد لـه عن سليمان ابن أحمد الطبراني بمثل روايته في المعجم الصغير إسنادا ولفظا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ــ 1/ 189. من طريق أنس بن مالك، وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه عبد الله بن سفيان، قال: إنه لا يتابع على حديثه هذا، وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وفي ترجمة عبد الله بن سفيان بميزان الاعتدال ــ 4/ 109 قال الحافظ الذهبي: عبد الله بن سفيان الخزاعي الواسطي عن يحيى بن سعيد الأنصاري. قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا جدي وهب بن بقية، حدثنا عبد الله بن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس مرفوعا: «تفترق هذه الأمة على ثلاث وســبعين فرقة كلها في النــار إلا فرقــة واحدة: ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وإنما يعرف هذا بابن أنعم الإفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو.
أقول: إذا جمعنا بين كلام الهيثمي وكلام الذهبي؛ علمنا أن عبد الله بن سفيان ليس منتقدا على الإطلاق، وإنما تكلموا فيما انفرد بروايته عن يحيى بن سعيد الأنصاري خاصة؛ فقد ترجم له البخاري في التاريخ الكبير ــ 5/ 101 ولم يذكر فيه نقدا لأحد. وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ــ 5/ 66: ليس به بأس.
وقد ذكر الهيثمي في موضع آخر من مجمع الزوائد ــ 7/ 259 لفظ «ما أنا عليه أنا وأصحابي» في حديث طويل من رواية أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك في النهي عن المراء في الدين، وقال: رواه الطبراني وفيه كثير بن مروان وهو ضعيف جدا.

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 18:00
وروي في بيان الفرقة الناجية أنها: «هي الجماعة». أخرجه أبو داود في سننه ــ 4/ 198 من طريق معاوية بن أبي سفيان. وقال الشيخ الألباني: حسن. وهذه الرواية أخرجها الحاكم في المستدرك ــ 1/ 218. وأخرجه ابن ماجه في سننه ــ 2/ 1322 من طريق عوف بن مالك. وقال أحمد بن أبي بكر بن إســماعيل الكناني (ت840هـ) في مصباح الزجاجة ــ 4/ 179: هذا إسناد فيه مقال، راشد بن سعد قال فيه أبو حاتم: صدوق. وعباد بن يوسف لم يخرج لـه أحد سوى ابن ماجه وليس لـه عنده سوى هذا الحديث. قال ابن عدي: روى أحاديث تفرد بها. وذكره ابن حبان في الثقات. وباقي رجال الإسناد ثقات انظره بتحقيق محمد المنتقي الكشناوي. ط2، دار العربية ــ بيروت، لبنان 1403هـ. وقال الشيخ الألباني: صحيح. وأخرجه ابن ماجه في الموضع نفسه من طريق قتادة عن أنس بن مالك بلفظ: «وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهى الجمــاعة». وقال الكناني في مصباح الزجاجة 4/ 180: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس أيضا، ورواه أبو يعلى الموصلي. ورواية الإمام أحمد في مسنده ــ 3/ 145 وهي من طريق سعيد بن أبي هلال عن أنس. أما أبو يعلى فأخرجه بلفظ السواد الأعظم الآتي.
وروي أنها: «الإســـلام وجماعتهم». أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ــ 17/ 13 من طريق عمرو بن عوف المزني. وكذلك أخرجه الحاكم في المستدرك ــ 1/ 219 شاهدا لحديث معاوية بن أبي سفيان ــ رضي الله عنهما ــ ومبينا أن في إسناده كثير بن عبد الله، وهو لا تقوم به الحجة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ــ 7/ 260 وقال: رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف، وقد حسن الترمذي لـه حديثا، وبقية رجاله ثقات.
وروي أنها: «الجماعـــات». أخرجه أبو يعلى في مسنده ــ 6/ 342 من طريق زيد بن أسلم عن أنس بن مالك، في حديث طويل فيه ذكر الرجل الذي أمر الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ أبا بكر ثم عمر ــ رضي الله عنهما ــ بقتله فوجداه يصلي، فأمر علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أن يقتلــه إن وجــده، فلما لم يجده قال ــ صلى الله عليه وســلم ــ: «لو قتل اليوم ما اختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال». ثم ذكر افتراقَ أمتي موسى وعيسى ــ عليهما السلام ــ وافتراقَ أمته ــ صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الهيثمي الحديث بطوله في مجمع الزوائد ــ 7/ 257، 258 وقال: رواه أبو يعلى وفيه أبو معشر نجيح وفيه ضعف، وقد تقدمت لهذا الحديث طرق في قتال الخوارج.
وروي أنها: «الســـواد الأعظـــم». أخرجه أبو يعلى من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك في موضعين من مسنده ــ 7/32، 36. وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير ــ 8/ 273 من طريق أبي أمامة.
وأسانيد هذه الزيادة، وإن كان في بعضها الضعيف الذي لا يحتج به منفردا، يتقوى بعضها ببعض بعد الاعتبار ليكون ضعيفها الذي لا يتهم راويه بتعمد الكذب حسنا، وحسنها صحيحا لغيره على أقل تقدير.
وقد بالغ ابن الوزير اليماني ــ رحمه الله ــ فصرح بأن الزيادة القائلة بأن جميع الفرق هلكى في النار إلا واحدة ــ غير ثابتة؛ بل موضوعة لا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة .. انظره: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ــ 1/ 186. وقد ذكر في هذا الموضع عن ابن حزم أنها موضوعة غير موقوفة ولا مرفوعة، وعزا نقل كلام ابن حزم إلى الحافظ زين الدين عمر ابن بدر الموصلي في كتابه: المغني عن الحفظ من الكتاب بقولهم لم يصح شيء في هذا الباب ؛ وقد نقل ابن الوزير ذلك عن الحافظ ابن النحوي الشافعي في كتاب له اختصر فيه كتاب الحافظ زين الدين .. قال: وفي كليهما نقل عن المحدثين حيث قالا بقولهم: لم يصح شيء في هذا الباب. فالضمير في قولهم راجع إلى أهل الفن بغير شك، وهما من أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان.
وفي موضع آخر من كتابه: العواصم والقواصم ــ 3/ 170: 172 ذكر حديث افتراق الأمة مع هذه الزيادة وقال: في سنده ناصبي فلم يصح عنه (لعله يقصد أزهر بن عبد الله الحرازي في رواية أبي داود والحاكم لحديث معاوية بن أبي سفيان). وذكر رواية الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وروايتي ابن ماجه عن عوف بن مالك، وعن أنس، ثم قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح ولذلك لم يخرج الشيخان شيئا منها، وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه «كلها في النار إلا فرقة واحدة». وعن ابن حزم أن هذه الزيادة موضوعة. ذكر ذلك صاحب البدر المنير .

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 18:01
أقول: الذي عزاه ابن الوزير لابن حزم أصله ما صرح به في كتاب الإيمان من الفصــل في الملل والأهـــواء والنحل ــ 3/ 138 .. حيث قال: ذكروا حديثا عن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن «القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة». وحديثا آخر: «تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة». قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلا من طريق الإسناد، وما كان كذلك فليس بحجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به.
وقد عَرَّضَ الشيخ محمد زاهد الكوثري بانتقاد موقف ابن حزم الذي يستدل لرأيه في إبطال القياس بإحدى روايات حديث افتراق الأمـة على بضع وســبعين فرقـة «... أعظمها فتنة على أمتي قــوم يقيسـون الأمـــور برأيهم ...»، مع أنها رواية ساقطة من وجوه عند جماعة أهل العلم بالحديث من المشارقة والمغاربة؛ على حين لا يتوقف في الحكم بعدم صحة رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بدون زيادة «ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة»، ورواية أبي داود والحاكم بهذه الزيادة. ثم عمد الكوثري إلى بيان وجه ابن حزم في حكمه على روايات الحديث بتلك الزيادة وبدونها، بأن رواية أبي هريرة عند الترمذي وغيره من طريق محمد ابن عمرو بن علقمة الليثي، وهو لا يحتج بحديثه إذا لم يتابع، وقد أخرج له الشــيخان في المتـابعات فقــط. وأما الحديث المشـــتمل على الزيادة؛ فقال الكــوثري: «في بعض أسانيده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وفي بعضها كثير بن عبد الله، وفي بعضها عباد بن يوسف، وراشد بن سعد، وفي بعضها الوليد بن مسلم، وفي بعضها مجاهيل، كما يظهر من كتب الحديث، ومن تخريج الحافظ الزيلعي لأحاديث الكشاف، وهو أوسع من تكلم في طرق هذا الحديث ــ فيما أعلم. وابن حزم لا يرى جبر الضعيف بتعدد الطرق». عن تقديم الكوثري لكتاب التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفراييني. وانظر: مقدمات الشيخ الكوثري ــ ص 114.
وأما كتاب الحافظ زين الدين أبي حفص عمر بن بدر الموصلي (المطبوع بتعليق الشيخ محمد الخضر حسين ــ القاهرة 1342هـ) الذي عظَّم ابن الوزير شأنه وشأن اختصاره لابن النحوي الشافعي؛ فهو مُلخصٌ من موضوعات ابن الجوزي. وللعلماء عليه وعلى أصله مؤاخذات وتنقيدات، وقد تعقبه السيد حسام الدين القدسي فيما جمعه في كتابه: انتقاد المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم: لم يصح شيء من الأحاديث في هذا الباب (المطبوع بتقديم من مجموع أجوبة للشيخ الكوثري. ط مطبعة الترقي ــ دمشق، سوريا 1343هـ ــ 1925م). وقد نقد الشيخ الكوثري في أجوبته للسيد حسام الدين منهج الحافظ زين الدين بن بدر في فحصه لكتب السنن، وتصفحه لما كتبه النقاد في الضعفاء والكذابين، وما دُوّنَ في الموضوع من الأحاديث؛ بغرض انتقاء ما قيل فيه: لم يرد في هذا الباب شيء ونحوه، ووَصفَهُ بأنه سعي غير منتج، وعناء بلا غناء. ثم قال: «ولقد يغتر بفعله البسطاء؛ فينفون أحاديث ثابتة، فيكون الوبال عليه فيضر وهو يريد نفعا، بل ربما يُحَسِّنُ الظنَّ به بعضُ الخاصّة فيثق بقوله، فيكون الحال عندهم أطم ...، وقد وقع ذلك فعلا لجماعة منهم؛ فهذا المجد صاحب القاموس قد قَلَّد ابنَ بدر في خاتمة كتابه سفر السعادة، إن لم نقل: سلك موطئ قدمه حذوَ النعل بالنعل، والحافظُ زينُ الدين العراقي مع جلالته وإمامته، وكذلك العلامة عزُّ الدين محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ علي المرتضى اليماني في العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم».
وقال الشيخ الكوثري عن زين الدين بن بدر الموصلي: «والرجل وإن كان يعد في الحفاظ، كما ذكره جماعة من المحدثين، لكن دعوى كونه ناقدا باطلة لا يظاهرها دليل. قال ابن حجر في القول المسدد (ص 20) عند قول الزين العراقي: أورده عمر بن بدر الموصلي: لا اعتداد بذلك؛ فإنه لم يكن من النقاد، وإنما أخرجه من كتاب ابن الجوزي، فلخصه ولم يزد من قِبَلِهِ شيئا.اهـ. وبالغ السيوطي في الحط من مقداره حتى قال في شرح التقريب: وليس هو من الحفاظ، وعليه في كثير مما قاله انتقاد» .. انظر: مقدمات الكوثري ــ ص 260، 261، 264.

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 18:04
وأما قول ابن الوزير عن الروايات المشتملة على الزيادة القائلة بهلاك جميع الفرق إلا واحدة: وليس فيها شيء على شرط الصحيح ولذلك لم يخرج الشيخان شيئا منها، وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه «كلها في النار إلا فرقة واحدة»؛ فهذا كلام محرر على أصل أخذه عن ابن حزم أيضا، وقد بينه ابن الوزير نفسه فيما نقله عنه محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت1182هـ) في رسالة لـه بعنوان «افتراق الأمة إلى نيف وســبعين فرقة» وكان قد بنى كلامـــه فيها على صحـــة رواية «كلها في النار إلا فرقة» مخالفا ما ذهب إليه ابن الوزير. وذلك الأصل أن من زاد على نقل الثقات في الحديث المشهور، كانت زيادته عند المحدثين مُعَلَّةً غير صحيحة، وإن كان الراوي ثقة؛ فمخالفة الثقات فيما شاركوه في حديثه تقوي الظن على أنه وَهِمَ فيما زاده، أو أدرج في الحديث كلام بعض الرواة. ومما قاله عن ابن حزم أيضا: على أن أصل الحديث الذي حكموا بصحته ليس مما اتفقوا على صحته وقد تجنبه البخاري ومسلم مع شهرته لعدم اجتماع شرائطهما فيه. انظر ابن الأمير الصنعاني: افتراق الأمة ــ ص 97، 99.
والكلام عن حكم زيادة الثقة وأنواعها فيه تفصيل ذكره ابن الصلاح في مقدمته، وبين أن منها الزيادة المخالفة المنافية لما رواه سائر الثقات، وحكمها الرد. ومنها زيادة ليس فيها منافاة ومخالفة أصلا لما رواه الثقات وهي مقبولة .. قال ابن الصلاح: وقد ادَّعَى الخطيب فيه (أي في هذا النوع) اتفاق العلماء. انظر مقدمة ابن الصلاح ــ ص 251 من تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن ــ رحمها الله تعالى. والزيادة في هذا الحديث من ذلك النوع الثاني فيما سلم من أسانيده مجردا أو بعد الاعتبار، وهي مروية من طرق عن عدد من الصحابة. وأما الطعن في حديث الترمذي وأبي داود الأصل فيؤدي إلى إسقاط هذا الكلام كله؛ فلم يعد معه زيادة على رواية ثقة أصلا، وبذلك يرجع الكلام إلى ترك حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة سواء في ذلك الرواية الأصل من طريق محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، أو الروايات المشتملة على زيادة الحكم بهلاك جميع الفرق إلا واحدة، ولم يقل أحد من أهل العلم: إن البخاري ومسلما ــ رحمهما الله ــ قد استوعبا الصحيح المجرد؛ بله أن يقال: إنهما قد استوعبا المصحح أو المحسن بعد الاعتبار والنظر في تعدد طرقه.
وقد قال ابن الوزير عن تلك الزيادة في مبدأ كلامه: إنها زيادة فاسدة غير صحيحة القاعدة لا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة. وأشار بعد ذلك إلى أنها غير ملائمة للكتاب والسنة في الحكم بهلكة أكثر الأمة في النار، على حين تتضافر آي الكتاب وصحاح السنة على بيان أن الله تعالى قد تجاوز لهذه الأمة عن النسيان والخطأ، وأنها خير الأمم ... وهذا الإشكال لا يتعلق بالنظر في أسانيد رواية الحديث؛ لكن بدرايته، وقد دفعه ابن الأمير الصنعاني بأربعة وجوه: أولها: القول بجواز أن هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد، لا يكون مجموعها أكثر من الفرقة الناجية؛ فلا يتم أكثرية الهلاك ولا يَرِدُ الإشكال. ولا يكون ذكر العدد في الحديث لبيان كثرة الهالكين، وإنما هو لبيان اتساع طرق الضلال وشعبها، ووحدة طريق الحق. ونظير ذلك ما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى: وأنَّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السـبل فتفرَّق بكم عن سبيله (الأنعام/ 153) من أنه جمع السبل المنهي عن اتباعها لبيان شعب طرق الضلال وكثرتها وسعتها، وأفرد سبيل الهدى والحق لوحدته وعدم تعدده.
وذلك الوجه ــ وإن لم يكن أول ما يتبادر إلى ذهن الناظر في الخبر ــ يناسب فيما أرى ما جاء في روايات الزيادة من بيان الفرقة الناجية بأنها السواد الأعظم، والجماعة، والجماعات.
وثانيها: أن الحكم على تلك الفرق بالهلاك والكون في النار حكم عليها باعتبار ظاهر أعمالها وتفريطها، كأنه قيل: كلها هالكة باعتبار ظاهر أعمالها محكوم عليها بالهلاك وكونها في النار، ولا ينافي ذلك كونها مرحومة باعتبار آخر من رحمة الله لها وشفاعة نبيها وشفاعة صالحيها لطالحيها. والفرقة الناجية وإن كانت مفتقرة إلى رحمة الله لكنها باعتبار ظاهر أعمالها يحكم لها بالنجاة لإتيانها بما أمرت به وانتهائها عما نهيت عنه.
وثالثها: أن ذلك الحكم مشروط بعدم عقابها في الدنيا، وقد دل على عقابها في الدنيا حديث «أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا».. قال: أخرجه الطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي موسى؛ فيكون حديث الافتراق مقيدا بهذا الحديث في قولـه: «كلها هالكة» ما لم تعاقب في الدنيا، لكنها تعاقب في الدنيا فليست بهالكة.
أقول: وحديث أبي موسى الأشعري ــ رضي الله عنه ــ الذي ذكره ابن الأمير صحيح .. أخرجه الإمام أحمد في مسنده ــ 4/ 410 بلفظ «إنما عذابها في الدنيا القتل والبلابل والزلازل». وقال: قال أبو النضر: «بالزلازل والقتل والفتن» . وكرره ص 418. وأخرجه أبو داود في سننه ــ 4/ 105 بلفظ مقارب ليس فيه ذكر البلايا في آخره. وقال الألباني: صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك ــ 4/ 283، 491 فذكر عذابها في الدنيا بالقتل والزلازل والفتن. وقال في الموضعين: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الحافظ الذهبي في الموضعين وقال في التلخيص: صحيح.
ورابعها: أن الإشكال في حديث الافتراق إنما نشأ من جعل القضية الحاكمة به وبالهلاك دائمة، بمعنى أن الافتراق في هذه الأمة وهلاك من يهلك منها، دائم مستمر من زمن تكلمه ــ صلى الله عليه وسلم ــ بهذه الجملة إلى قيام الساعة، وبذلك تتحقق أكثرية الهالكين وأقلية الناجين؛ فيتم الإشكال. والحق أن القضية حينية، بمعنى أن ثبوت الافتراق للأمة والهلاك لمن يهلك ثبت في حين من الأحيان، وزمن من الأزمان فحسب. والدليل على ذلك من وجوه منها: قوله: «ستفترق» الدال على الاستقبال لتحلية المضارع بالسين. ومنها: قوله: «ما أنا عليه وأصحابي». فإن أصحابه من مسمى أمته بلا خلاف، وقد حكم عليهم بأنهم أمة واحدة، وأنهم الناجون، وأن من كان على ما هم عليه هم الناجون، فلو جعلنا القضية دائمة من حين التكلم بها؛ للزم أن تكون تلك الفرق كائنة في أصحابه ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهلم جرا، وقد صرح الحديث نفسه بخلاف ذلك. فإذا ظهر لك أن الحكم بالافتراق والهلاك إنما هو في حين من الأحيان وزمن من الأزمان؛ لم يلزم أكثرية الهلاك وأقلية الناجين.
وابن الأمير الصنعاني يرى أن ذلك الحين والزمان هو آخر الدهر الذي وردت الأحاديث بفساده وفشو الباطل فيه وخفاء الحق، وأن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر؛ فهو الزمان الذي يصبح فيه الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، وهو زمان غربة الدين، وفي الأحاديث الواردة بهذا المعنى في كتب السنة قرائن دالة على أنه زمان كثرة الهالكين وزمان التفرق والتدابر .. راجع ابن الأمير: افتراق الأمة ــ ص 66: 76.
وإنني لأحسب أن ما تقدم كاف في إبطال كلام ابن الوزير على زيادة «كلها في النار إلا واحدة» من جهتي الرواية والدراية .. والله أعلى وأعلم.

د. مصعب الخير الإدريسي
21-12-2006, 18:05
والوجه الثاني لرواية حديث افتراق الأمة: «ستفترق أمتي على كذا وسبعين ملة كلها في الجنة إلا ملة واحدة». قيل: أي ملة؟ قال: «الزنادقة».
وهذا الحديث أخرجه القزويني عبد الكريم بن محمد الرافعي من طريق ياسين الزيات، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك مرفوعا .. انظر كتابه: التدوين في أخبار قزوين 2/ 79. وذكره أبو شجاع شيرويه بن شهردار الديلمي (ت509هـ): الفردوس بمأثور الخطاب ــ 2/ 63. وإسناده كما نقله الشيخ الكوثري ــ في تقديمه لكتاب التبصير في الدين للإسفراييني ــ من مسند الفردوس، من طريق ياسين الزيات، عن سعد بن سعيد أخي يحيى، عن أنس بن مالك. انظر مقدمات الكوثري ــ ص 114.
وبلفظ: «تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة إني أعلم أهداها الجماعة» رواه الديلمي: السابق ــ 2/ 64. وإسناده كما نقله الشيخ الكوثري ــ في تقديمه لكتاب التبصير في الدين للإسفراييني ــ من مسند الفردوس، من طريق أبي إسماعيل حفص بن عبد الله الأيلي، عن مسعر، عن سعد بن سعيد، عن أنس. انظر مقدمات الكوثري ــ ص 115. وأحسب أن في اسم والد حفص الأيلي تصحيفا أو خطأ من الطابع، فالصواب: أبو إسماعيل حفص بن عمر بن دينار الأيلي .. حدث عن مسعر بن كدام، وشعبة، وثور بن يزيد، وهم من الحفاظ الكبار؛ لكنه متهم بالكذب والتلفيق .. قال ابن حبان في ترجمته بكتاب المجروحين ــ 1/ 258: يقلب الأخبار، ويلزق بالأسانيد الصحيحة المتونَ الواهية، ويعمد إلى خبر يعرف من طريق واحد فيأتي به من طريق آخر لا يعرف. وانظر ترجمته في الضعفاء والمتروكين لابن الـجوزي ــ ص 223. وفي لسـان الميزان لابن حجر 2/ 324.
وقال المحدث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت1162هـ): ورواه الشعراني في الميزان من حديث ابن النجار وصححه الحاكم بلفظ غريب وهو: «ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا واحدة». وفي رواية عند الديلمي: «الهالك منها واحدة قال العلماء هي الزنادقة» .. انظره: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ــ 1/150. ط مؤسسة مناهل العرفان ببيروت، ومكتبة الغزالي بدمشق (ب ــ ت). ولم أجد هذه الرواية عند الشيخ أبي المواهب الشعراني وقد راجعت كتابه الميزان في نسختيه المطبوعتين بمصر: الموجزة بعنوان «ميزان الخضرية» المطبوعة بهامش كتاب «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» للعلامة صدر الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني. ط1،المطبعة الميرية ببولاق مصر المحمية 1300هـ، وهي التي يحكي فيها تفصيلَ تلقيه الميزان عن الخضر ــ عليه السلام ــ مناما. والنسخة المطولة المبسوطة بعنوان «الميزان الكبرى» بتصحيح الشيخ حسن العدوي الحمزاوي، والمطبوعة بمحروسة مصر المحمية بالمطبعة الكستلية 1279 من الهجرة النبوية. وهي التي ألفها الشعراني استجابة لرغبة عدد من علماء المذاهب الأربعة بمصر، حينما سألوه إيضاح الميزان المذكورة في مؤلفه الأول بعبارة أوسع، وإيصال معرفتها إلى قلوبهم ذوقا من غير سلوك في طريق الرياضة على قواعد أهل الطريق، كما اشترط الشعراني على من أراد أن يدرك صحة ميزانه في تصحيح أقوال المجتهدين وبيان استمدادها جميعا من عين الشريعة .. راجع مطبوعة النسخة الثانية ــ 1/ 9، 10. وقد طبعت «الميزان الكبرى» للمرة الثانية وبهامشها كتاب «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» بتصحيح الشيخ إبراهيم بن الشيخ حسن الفيومي، على نفقة الشيخ أحمد علي المليجي الكتبي. ط المطبعة العامرة الشرفية بشارع الخرنفش من مصر العزيزية 1318هـ.
وإذا كان الشيخ العجلوني قد طالع نسخة خطية غير ما رجعت إليه، ورأى بمتنها وهامشها ما ذكر ؛ فبإمكاننا أن نتصور أن الشعراني أورد الروايتين: رواية «كلها في النار إلا واحدة»، ورواية «كلها في الجنة إلا واحدة»، ثمَّ وَفَّقَ بينهما وَفْقَ ميزانه في الجمع بين الأحاديث وتصحيح أقوال المجتهدين، بأن الرواية الأولى من باب التشديد باعتبار مبدأ المصير، والثانية من باب التخفيف باعتبار المآل وختام المصير للموحدين من أمة محمد ــ صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا أبعدنا النجعة فسنقول: نحسب أنه أورد رواية «كلها في الجنة إلا واحدة» منفردة للتدليل على قوله بصحة جميع أقوال المجتهدين التي تصدر في رأيه عن عين الشريعة الواحدة.
والحق أننا في صنعة علم الحديث لا نستطيع أن نقبل في يسر رفع رواية «كلها في الجنة إلا واحدة وهي الزنادقة» من طريق أنس بن مالك، وأحسب أنه هو ابن النجار فيما عزاه العجلوني للحاكم ولم أجده أيضا مع استفراغ الجهد والاستعانة ببرامج الحاسب الآلي الحديثية؛ فلعله يقصد رواية للحاكم في غير المستدرك. وقد روي عن أنس من طرق خلاف ذلك كما تقدم. وقال الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في ترجمة معاذ بن ياسين الزيات في لسان الميزان ــ 6/ 65، 66: أخرج العقيلي حديثه (في كتابه: الضعفاء ــ 4/ 201، 202 في ترجمة معاذ أيضا) من رواية موسى بن إسماعيل الحلي، عنه، عن أبرد بن أشرس، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك ــ رضي الله عنه. ثم أخرجه من طريق يحيى بن يمان، عن ياسين الزيات، عن سعد بن سعيد، عن أنس ــ رضي الله عنه ــ ولفظه: «تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة». قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: «الزنادقة، وهم القدرية». وقال: لا يرجح منه إلى صحة، ونقل الحديث لياسين بن معاذ، وليس له أصل عن يحيى وسعد ابني سعيد ...
قال ابن حجر: وقد رويناه في جزء الحسن بن عرفة، عن ياسين بن معاذ الزيات، عن يحيى بن سعيد. ولـه طريق أخرى عن ياسين فقال تارة عن: يحيى وسعيد. وتارة: عن سعد بن سعيد. وهذا اضطراب شديد سندا ومتنا. والمحفوظ في المتن: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وهذا (يعني رواية: «كلهم في الجنة») من أمثلة مقلوب المتن، والله أعلم.
أقول: وهذا يعني أن مدار هذه الرواية على أبرد بن أشرس، وياسين الزيات. وهما معا متهمان: أبرد بن أشرس قال فيه ابن خزيمة: كذاب وضاع. وقال الأزدي: لا يصح حديثه. انظر ترجمته في الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ــ 1/ 62. وفي لسان الميزان لابن حجر ــ 1/ 128. وأما ياسين بن معاذ الزيات؛ فقال فيه الإمام البخاري في التاريخ الكبير ــ 8/ 429: يتكلمون فيه، منكر الحديث. وكذلك قال الإمام مسلم في الكنى والأسماء ــ 1/285. وقال ابن حبان في المجروحين ــ 3/ 142: يروي الموضوعات عن الثقات وينفرد بالمعضلات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال.
ومن ثَمَّ فتعدد طرق إسناد هذا اللفظ في حديث أنس لا يفيد بمثل هذين الراويين؛ فإنما يرفع الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره إذا كان الضعف في الرواة من جهة الحفظ والضبط فقط، لا من ناحية تهمة الكذب؛ فإن كثرة الطرق لا تفيد شيئا إذ ذاك .. راجع هذه الفائدة في «مقالات الكوثري» في مقاله: حول حديثين ــ ص 39.
والإسناد الآخر مما ساقه الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي إسماعيل حفص الأيلي، عن مسعر بن كدام، لا تقوم به حجة، ولا يعول عليه في الاعتبار؛ فتهمة حفص الأيلي لا تتعلق بسوء الحفظ أو قلة الضبط أيضا؛ فهو متهم بالكذب والتلفيق ــ كما تقدم ــ والكاذب لا يجبر. وفوق ذلك ليس في لفظه «كلها في الجنة إلا فرقة»؛ بل يثبت لكل فرقة نصيبا من الهدى الذي تنال الجماعة أكثره؛ بلفظ «إني أعلم أهداها الجماعة» .. وانظر الموضوعات لابن الجوزي ــ 1/ 267، 268.
وقد سبق الكلام عما تفرد به عبد الله بن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ «تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة». قالوا: وما هي تلك الفرقة؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وهذه الرواية ــ على ما فيها من نقد الطبراني (ت360هـ) والعقيلي (ت322هـ) والهيثمي (ت807هـ) ــ أقوى على التحقيق من رواية يذكر في إسنادها أبرد بن أشرس أو ياسين الزيات. ولقائل أن يقول: إنَّ ردَّ الحديث بسبب انفراد راو غير مجروح ــ مثل عبد الله بن سفيان ــ ليس من مذهب أهل السنة، ولا من أصول أهل الحق. كما قال الشيخ الكوثري في مقال لـه عن حديث معاذ بن جبل ــ رضي الله عنه ــ في اجتهاد الرأي .. انظر مقالات الكوثري ــ ص 61.
ولهذا فإن الشيخ محمد جعفر الكتاني في كتابه «نظم المتناثر من الحديث المتواتر» ــ ص 47 بعد أن أورد روايات الوجه الأول «كلها في النار إلا فرقة واحدة»، قال: «فهذا حديث كما ترى وارد من عدة طرق بألفاظ مختلفة، وله ألفا ظ أخر. وقد أخرجه الحاكم من عدة طرق، وقال: هذه أسانيد تقوم بها الحجة. وقال الزين العراقي: أسانيده جياد. وفي فيض القدير أن السيوطي عده من المتواتر، ولم أره في الأزهار. وفي شرح عقيدة السفاريني ما نصه: وأما الحديث الذي أخبر النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار؛ فروي من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقا ص، وابن عمر، وأبي الدرداء، ومعاوية، وابن عباس، وجابر، وأبي أمامة، وواثلة، وعوف بن مالك، وعمرو بن عوف المزني؛ فكل هؤلاء قالوا: «واحدة في الجنة وهي الجماعة». ولفظ حديث معاوية ما تقدم، فهو الذي ينبغي أن يُعوَّل عليه دون الحديث المكذوب على النبي ــ صلى الله عليه وسلم. انتهى. ‍ يريد به حديث العقيلي وابن عدي عن أنس «تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة». قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «الزنادقة وهم القدرية». وفي لفظ «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا فرقة واحدة وهي الزنادقة». وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات في كتاب السنة، وتبعه في اللألئ، وقال ابن تيمية: لا أصل له؛ بل هو موضوع كذب باتفاق أهل العلم بالحديث».