المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وإنكارهما للمجاز



حسين العراقي
30-07-2006, 05:28
قال ابن تيمية في كتاب الإيمان :(( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم)) .

وقال في موضع آخر:(( وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله : "إنا ونحن" ونحو ذلك في القرآن هذا من مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من قال: إن في القرآن مجازا كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب وغيرهم )) انظر كتاب الإيمان ( ص 79 ) وما بعدها طبعة أولى 1403 هـ ــ دار الكتب العلمية ــ بيروت..

ودعواه بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد رأينا أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية ، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة ( التوسع ) ففي الكتاب لسيبويه : ( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: ( واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها ) إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا .

ومثله ( بل مكر الليل والنهار) وإنما المعنى : بل مكركم في الليل والنهار ) انظر كتاب سيبويه بتحقيق عبد السلام هارون (1 / 212 ) ــ الطبعة الثالثة 1403 هــ ـ 1983م م عالم الكتب .

والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف ، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي ، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين حيث قال : (( وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع)) انظر البيان والتبيين ( 1 / 51 ) تحقيق عبد السلام هارون ـ مكتبة الخانجي ــ القاهرة .

ومن ذلك أيضا تسمية ابن المعتز كتابة بالبديع ذكر فيه المجاز وغيره ..

وجميع هؤلاء كانوا يعيشون في القرن الثاني الهجري، بل قال أحد الكتاب أنه وقف من شعر أبي تماما على ما يثبت أن هذا التقسيم كان معروفا في أوائل القرن الثالث الهجري ، فهو يقول في وصف الخمر:

( لقـد تركتنـي كأسـا وحقيقتـي ***** مجاز وصبح من يقيني كالظن )

وقد ذكر ابن تيمية في كلامه الذي نقلته عنه أنه لم يتكلم أحد من الأئمة المشهورين بالمجاز، وسمّى من ادّعى من الأئمة أنه يتكلم بالمجاز وذكر من جملتهم الإمام الشافعي، والحق أنه أثر عن الإمام الشافعي ما يدل على معرفته بالمجاز في أشهر كتبه التي قعد فيها قواعد الفقه ( الرسالة ) !! فإنه عندما مثل للصور التي يجئ عليها خطاب الله سبحانه على لسان العرب ذكر منها : ( ظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره ) انظر الرسالة ( ص52 ) بتحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت .

ونقل صاحب كشف الأسرار في مسألة "المجاز خلف عن الحقيقة" عن الإمام أبي حنيفة أنه قال : ( إن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم بل هو الحكم أصل ) انظر كشف الأسرار. فخر الإسلام البزدوي (2/77-80) نقله عنه د.المطعني ( 2 / 679 ) .

فماذا بقي بعد هذا للإمام ابن تيمية في صدق مدّعاه ؟!

لقد ذكر ابن تيمية أنه لم ينقل عن أحد من الأئمة القول بالمجاز سوى الإمام أحمد ابن حنبل لقوله في صيغة "إنّا ، ونحن" : هذا من مجاز اللغة ، وفسّر قول الإمام ، ( من مجاز اللغة ) أي : ( مما يجوز في اللغة !! ) انظر الإيمان ( ص81 ) .

وتأويل ابن تيمية هذا لمقولة الإمام أحمد ليس بنافع له في تأييد وجهة نظره لأن وجهة نظره لأن من حق مجوز المجاز عند الإمام أحمد أن يقول : إن المجاز اللغوي هنا معناه الجواز على سبيل المجاز، ثم إن الحكم على هذه الصيغة المذكورة بأنها من المجاز من المسلمات لأن الواحد المتكلم بصيغة الجمع إنما هو منزل نفسه منزلة الجماعة فاستعار الصيغة الموضوعة لهم و أجراها على نفسه مجازا .

وتخريج مثل هذه الصيغة على المجاز أحوط حينما يجريها الله سبحانه على نفسه نفيا للتعدد المتوهم في مثل قوله تعالى : ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) .

وقوله : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وغيرها كثير .

وتذكر عن الإمام أحمد روايتان بالقول بالمجاز وعدمه ، وقد عضّد الإمام ابن تيمية وخلفه ابن القيم الرواية بنفي المجاز، ويروى عن حنبل بن أخي الإمام أحمد أنه سمعه يقول : (( احتجوا على يوم المناظرة فقالوا : تجئ يوم القيامة سورة البقرة ، وتجئ سورة تبارك ، قال : فقلت لهم : إنما هو الثواب قال الله جل ذكره : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) وإنما تأتي قدرته ) .

قال البيهقي في الأسماء والصفات :(( هذا إسناد صحيح لا غبار فيه ، ثم قال : وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجئ الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجئ ذوات الأجسام ونزولها وإنما هو عبارة عن ظهور آيات قدرته، فإنهم لما زعموا أن القرآن لو كان كلام الله وصفه من صفات ذاته لم يجز عليه المجئ والإتيان فأجابهم أبو عبدالله بأنه إنما يجئ ثواب قراءته التي يريد إظهارها يؤمئذ فعبر عن إظهاره إياها بمجيئة وهذا الجواب الذي أجابهم به أبو عبدالله لا يهتدي إليه إلا الحذاق من أهل العلم المنزهون عن التشبيه )) أ.هـ

نقله عنه العلامة الكوثري في رسالة ترجم فيها للبيهقي . طبعت في آخر كتاب : فرقان القرآن للشيخ سلامة القضاعي ط/ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .

والعجب من ابن القيم يدعي مثل هذا في هذه الرواية ولا يتردد في قبول رواية أخرى من طريق حنبل هذا موافقة لمذهبه فقد ذكر في الصواعق : ( قال حنبل : قيل لأبي عبدالله ــ كنية الإمام أحمد ــ ينزل الله إلى السماء الدنيا ؟ قال: نعم ، قلت : نزوله بعلمه أم ماذا ؟ فقال : إسكت عن هذا وغضب غضبا شديدا ) .

أفلا يكون قبول ابن القيم لرواية دون أخرى مع اتجاد راويهما تعصبا عن الموضوعية؟ .

ومما يدل على أن الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد هي القول بالمجاز ذلك الرد القوي من أحد علماء الحنابلة في القرن السادس الهجري على ثلاثة من علماء وأئمة المذهب الحنبلي اعتمدوا على الرواية النافية للمجاز عن إمام مذهبهم أحمد ابن حنبل فحملوا الصفات الواردة له سبحانه في القرآن والسنة على مقتضى الحس ووقعوا في التشبيه والتجسيم ، وهؤلاء المعنيون هم : أبو عبدالله بن حامد المتوفي عام (403هـ) ، والقاضي أبو يعلي الفرّاء المتوفي عام (458 هـ) ، وابن الزاغوني المتوفي عام ( 527 هـ) وقد أنكر عليهم العلامة ابن الجوزي أشد الإنكار وكان من كلامه فيهم : ( يقولون : نحن أهل السنة ، وكل منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوامّ ، وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا أنتم نقل وأتباع وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : " كيف أقول ما لم يقل " فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه) انظر دفع شبه التشبيه .

ومن النصوص التي سردها ابن الجوزي في رده هذا الذي دافع به عن مذهب الأمام أحمد ما يدل دلالة قاطعة على قول الإمام أحمد بالمجاز واعتبار في تأويل آيات الكتاب العزيز فقد قال : ( قلت : قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قال : في قوله تعالى: ( يأتيهم ) ، قال : المراد به قدرته وأمره ، قال : وقد بينه في قوله تعالى : ( أو يأتي أمر ربك) ، ومثل هذا في التوراة : وجاء ربك ، قال : إنما هو قدرته )

====

مع الإمام شمس الدين أبي عبدالله محمد ( بن الجوزية ) : 691/751هــ :

إن من أشهر منكري المجاز بعد الإمام ابن تيمية تلميذه الوفي ابن القيم الجوزية ، ولعل ابن القيم أصلب العلماء رأيا في إنكار المجاز، وأكثرهم نيلا من القائلين به وأعنف الذين كتبوا في إنكاره جدلا ونقاشا ، وقد ألف في إنكاره للمجاز ومناقشة القائلين به كتابه المعروف (( الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة )) وقد اختصره محمد الموصلي ، وعلى هذا الاختصار ــ مع بعض الكتابات الأخرى ــ اعتمدت في بحث موضوع المجاز عند ابن القيم .

يقول في كتاب الصواعق المرسلة : (( الجزء الثاني في كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز )) لننظر في هذا التعبير .. تسميته المجاز طاغوتا مجاز، فقد وقع في المجاز في نفس هذه الترجمة التي أراد فيها أن ينكر المجاز، أو أراد بها إبطال المجاز !! ، ثم عبر عن رد المجاز بالكسر وذلك أيضا مجاز !! ، فقد وقع فيما فر منه ! .

ولا ادري ما سيقول في هذا الحديث : ( أسرعكن لحوقا أطولكن يدا ) أخرجه مسلم بلفظ : ( أسرعكن لحاقا .. الخ) صحيح مسلم بشرح النووي ( 15 /16 ) كتاب فضائل الصحابة باب الصحابة باب فضل أم المؤمنين زينب رضي الله عنها ..

والحديث مروي عن السيدة عائشة ــ رضي الله عنها ــ قال النووي : ( ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقا سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع ) أنظر ( 6 / 8 - 9 ) الطبعة ثانية 1392 هــ ــ 1972 م / دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

وابن القيم مضطرب في هذه المسألة !! ـ أي نفي المجاز وإثباته ــ فبينما نجده يشتد في إنكاره كما رأينا نجده يثبته إثباتا لا تحفظ فيه ، فله مؤلف صحيح النسبة إليه يقر فيه بالمجاز !! ، ويحاول الاستشهاد عليه بالكثير من آيات القرآن الكريم ومؤلفه هذا هو الكتاب المسمى (( كتاب المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان )) .

وليطالع المنصف شرحه لكلام صاحب المنازل في كتابه (( مدارج السالكين )) فإنه سيجد فيه عبارات من يقر بالمجاز لا من ينكره ، ومن كثرة استعماله للأساليب الاستعارية والمجازية الشئ الكثير الذي قد لا يوجد في مؤلف آخر، ومثل ذلك يقال في كتابه (( الصواعق )) ..
منقول من منتدى الحوار
http://www.al7ewar.net/phpBB204/viewtopic.php?t=1429
هذه دعوة للاطلاع او للمناقشة

جمال حسني الشرباتي
05-08-2006, 05:16
بارك الله بالناقل والمنقول منه ---وبالمنقول إليهم:)

موسى أحمد الزغاري
05-08-2006, 05:58
جُزيت خيراً ، وبُورك فيك .