المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة الاستنجاء وفي اليد خاتم فيه ذكر ..



جلال علي الجهاني
19-07-2006, 16:30
سألني أحد المشايخ الفضلاء، عما ذكره الإمام الأمير في مجموعه، من تجويز الاستنجاء بخاتم فيه ذكر الله تعالى، هل هو جار على قواعد المذهب، وهل يجوز الإفتاء به.

فأحببت أن أنقل هنا بعض النصوص من كتب المذهب فيما يتعلق بالمسألة.
وقبل أن أنقل بعض آراء أئمة المذهب أحب أن أذكر بمسائل مهمة:

أولاً: إن مسألة ذكر الله تعالى في الخلاء، أصل هذه المسألة، فيها تفصيل بين الذكر القلبي فلا يكره أصلاً، وبين الذكر اللساني ففيه خلاف داخل المذهب، لخصه الإمام الحطاب بقوله:

واعلم أنّه لا ينبغي أن يختلف في استحباب ترك الذّكر والقراءة من غير ضرورةٍ في ذلك الموضع ولا في استحباب ترك الدّخول إليه بكلّ ما فيه ذكر اللّه، وأنّ الجواز إذا أطلق في ذلك المعنى أنّه ليس فيه كراهةٌ شديدةٌ لا أنّه مستوي الطّرفين أعني فعله وتركه.


ثانياً: إن موضع لبس الخاتم استحباباً في المذهب هو في اليد اليسرى، وليس اليمنى، لأن تناوله يكون باليمنى، أي أن الخاتم وضع أصلاً ليكون أداة لختم الرسائل، ويستحب تناوله باليمين، فإذا كان الأمر كذلك، كان وضعه في اليسار مستحباً، هذا ما نص عليه أهل المذهب، منهم ابن رشد الجد في فتاويه، رحمه الله.

ثالثاً: ينبغي أن يلاحظ أن مكان الخلاء في الأزمنة الماضية ليس مثل ما هو اليوم، فالنجاسة التي تخرج من الإنسان في حمامات اليوم لا تبقى في ذلك المكان، بل إنها تذهب بوساطة الماء من المراحيض إلى أماكن تجمع فيها، فينبغي ملاحظة أن المتحدث عنه في كتب أئمة العلم هو وضع مختلف عما هو اليوم.


وأعود للنقول، وأبدأ بالإمام الدردير رحمه الله تعالى، وهو من الأئمة المعتمدة تحريراتهم للمذهب، وما كتبه هو عمدة الفتوى لدى من جاء بعده.


قال الإمام أبو البركات الدردير في الشرح الكبير:

(وبكنيفٍ) أي عند إرادة دخوله (نحّى) أي بعّد (ذكر اللّه) ندباً في غير القرآن.
وكره له الذّكر باللّسان كدخوله بورقةٍ أو درهمٍ أو خاتمٍ فيه ذكر اللّه ما لم يكن مستوراً أو خاف عليه الضّياع وإلا جاز.
ووجوبًا في القرآن، فيحرم عليه قراءته فيه مطلقاً قبل خروج الحدث أو حينه أو بعده، وكذا يحرم عليه دخوله بمصحفٍ كاملٍ أو بعضه، ولو لم يكن له بالٌ فيما يظهر كمسّه للمحدث إلا لخوف ضياعٍ أو ارتياعٍ فيجوز.
ولا مفهوم لقوله: (بكنيفٍ) بل غيره كذلك، إلا أنّ حرمة القرآن في غيره مقيّدةٌ بحال خروج الحدث، وكذا بعده حال الاستنجاء على التّحقيق، وكذا بعد ذلك بالمكان الّذي قضى فيه وليس بمعدٍّ.
ويكره الاستنجاء بيد فيها خاتم فيه اسم الله أو اسم نبي وقيل يمنع.

وعلق الشيخ الدسوقي على هذا الكلام في حاشيته فقال:
(قوله: وكره له الذّكر باللّسان) أي في الكنيف قبل خروج الحدث أو حين خروجه أو بعده وكذا يكره الذّكر وقراءة القرآن في الطّرق وفي المواضع المستقذرة.
واحترز الشّارح بقوله: (باللّسان) عن الذّكر بقلبه وهو في الكنيف، فإنّه لا يكره إجماعًا.
(قوله: كدخوله بورقةٍ) هذا تشبيهٌ في الحكم، وهو الكراهة خلافًا لمن قال: بجواز دخوله بما ذكر.
(قوله: فيه ذكر اللّه) راجعٌ للورقة والدّرهم والخاتم، ولا مفهوم لقوله (فيه ذكر الله) بل مثله إذا كان فيه شيءٌ من القرآن.
وما يفهم من كلام ابن عبد السّلام والتّوضيح وبهرام من الحرمة فغير ظاهرٍ كما قاله الحطاب، وتبعه عج.
(قوله: أو خاف عليه الضّياع) الأولى وخاف بالواو؛ لأنّ جواز الدّخول بما ذكر مقيّدٌ بأمرين ولا يكفي أحدهما.
(قوله: ووجوبًا في القرآن) أي قراءةً وكتبًا كما في عبق، فقول الشّارح فيحرم عليه قراءته فيه وكذا كتبه.
(قوله: فيما يظهر) ما ذكره الشّارح من منع دخول الكنيف بما فيه قرآنٌ مطلقًا سواءٌ كان كاملا أو كان بعضه كان لذلك البعض بالٌ أو لا تبع فيه ابن عبد السّلام والتّوضيح، وقد ردّه الحطاب وعج وقالا: إنّه غير ظاهرٍ، واستظهر الأوّل كراهة دخول الكنيف بما فيه قرآنٌ، وأطلق في الكراهة، فظاهره كان كاملا أو بعضاً، واستظهر الثّاني التّحريم في الكامل وما قاربه، والكراهة في غير ذي البال كالآيات، واعتمد هذا الأشياخ واقتصر عليه في المجموع.

أي أن في هذه المسألة خلاف، فذهب الإمام خليل في التوضيح وابن عبد السلام الهوراي رحمهما الله تعالى إلى التحريم، والمعتمد هو الكراهة، كما هو ظاهر.

وقال الإمام الحطاب في مواهب الجليل ما نصه:

وأمّا مسألة الاستنجاء بالخاتم فيتحصّل فيها ثلاثة أقوالٍ:
1- الجواز، وهو الّذي يفهم من كلام ابن القاسم وفعله.

2- والكراهة وهو الّذي يفهم من كلام مالكٍ في المواضع الثّلاثة من العتبيّة كما فهمه ابن رشدٍ، ومن كلام اللّخميّ فإنّه قال: اختلف هل يستنجي به وهو في يده وأن لا يفعل أحسن؟ لحديث أنسٍ (كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) ذكره التّرمذيّ، وفي الصّحيحين (أنّه نهى أن يمسّ ذكره بيمينه)، فإذا نزّهت اليمنى عن ذلك فذكر اللّه أعظم، وقد كره مالكٌ أن يعطي الدّراهم فيها اسم اللّه اليهود والنّصارى فهو في هذا أولى انتهى.
وقال الفاكهانيّ في شرح الرّسالة في توجيه اجتنابه التّختّم في اليمنى ما نصّه: ولأنّه قد يكون فيه اسم اللّه تعالى فلا يحتاج إلى أن يخلعه عند الاستنجاء ؛ لأنّ ذلك يستحبّ لمن تختّم في شماله انتهى.

3- والتّحريم وهو الّذي يفهم من كلام التّوضيح وابن عبد السّلام وقد تقدّم كلامهما.
ومن كلام ابن العربيّ قال في العارضة في آداب الاستنجاء: أن ينزع الخاتم فيه اسم اللّه فلا يحلّ لمسلمٍ أن يستنجي به في يده ثمّ قال: فيها شرحٌ مشكلٌ، روي عن مالكٍ في العتبيّة: لا بأس أن يستنجي بالخاتم فيه ذكر الله، قال بعض أشياخي: وهذه روايةٌ باطلةٌ! معاذ اللّه أن تجري النّجاسة على اسمه، قد كان له خاتمٌ منبوشٌ فيه (محمّد بن العربيّ) فتركت الاستنجاء به لحرمة اسم محمّدٍ، وإن لم يكن ذلك الكريم الشّريف ولكن رأيت للاشتراك حرمةً، انتهى.
وقال في المدخل: وليحذر أن يستنجي والخاتم في يده إن كان عليه اسمٌ من أسماء اللّه تعالى أو اسمٌ من أسماء الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، وإن كان روي عن مالكٍ رحمه اللّه تعالى إجازة ذلك، لكن هي روايةٌ منكرةٌ عند أهل المذهب عن آخرهم!! فينبغي أن لا يعرّج عليها ولا يلتفت إليها؛ لأنّ مثل هذه لا ينبغي أن تنسب إلى آحاد العلماء فضلًا عن الإمام مالكٍ لما كان عنده من التّعظيم لجناب الله وجناب نبيّه عليه الصّلاة والسّلام ما هو مشهورٌ، واللّه تعالى أعلم.
قال في الإرشاد لمّا تكلّم على الاستنجاء وأنّه بالشّمال: (فإن كان فيها خاتمٌ فيه ذكر الله نقله إلى اليمنى) قال الشّيخ شمس الدّين الشّاميّ في شرحه: (وجوباً)، والله تعالى أعلم.

وقد نقل الحطاب عن الإمام ابن رشد قوله:

والدّليل لقول ابن القاسم ما روي من جهة الأثر { أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بك من الخبث والخبائث } وما روي عن عائشة قالت: { كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر اللّه في أحيانه } ومن طريق النّظر إنّ ذكر اللّه يصعد إلى اللّه فلا يتعلّق به من دناءة الموضع شيءٌ قال اللّه تعالى: { إليه يصعد الكلم الطّيّب والعمل الصّالح يرفعه } فلا ينبغي أن يمنع من ذكر اللّه تعالى على كلّ حالٍ من الأحوال إلّا بنصٍّ ليس فيه احتمالٌ، ومن ذهب إلى ما روي عن ابن عبّاسٍ تأوّل قوله إذا دخل الخلاء على معنى إذا أراد وأطلق أنّ ذلك موجودٌ في بعض الآثار وإن ثبت ذلك فأكثر ما فيه ارتفاع النّصّ في جواز ذكر اللّه تعالى على تلك الحال لا المنع من ذلك وإذا لم يثبت المنع فيه وجب أن يبقى على الأصل في جواز الذّكر عمومًا وما روي من { أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم سلّم عليه رجلٌ وهو يبول، فقال: إذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلّم عليّ فإنّك إن فعلت لم أردّ عليك } لا دليل فيه على أنّ ذكر اللّه تعالى لا يجوز على تلك الحال.
وقد يحتمل عدم ردّ السّلام عليه في تلك الحال بعد أن نهاه أدبًا له على مخالفته لكونه على تلك الحال أو لكونه على غير طهارةٍ على ما كان في أوّل الإسلام أنّه لا يذكر اللّه تعالى إلّا على طهارةٍ حتّى نسخ ذلك، انتهى.

وقال في نوازله في كتاب الجامع: وإذا كان في خاتمه بسم اللّه فالأحسن أن يحوّله عند الاستنجاء على يمينه فإن لم يفعل فالأمر واسعٌ، انتهى.

فتلخص من هذا أن ما ذكره الإمام الأمير في المجموع جارٍ على أصول المذهب، وليس بشذوذ من القول، وإن أباه بعض أئمة المذهب، والله تعالى الموفق ..

بيدار مغالى صباحى
21-07-2006, 21:06
سؤال المجموع للامير مطبوع

جلال علي الجهاني
23-07-2006, 13:23
طبع الجزء الأول من ضوء الشموع قديماً، والحصول على مخطوط الكتاب أسهل من الحصول على هذا الجزء، لكنك إذا كنت من سكان مصر تجده في قسم المطبوعات من دار الكتب المصرية ..

بيدار مغالى صباحى
24-07-2006, 22:44
شكرا للشيخ جلال